
06-07-2025, 05:28 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,582
الدولة :
|
|
رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى

تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (11)
سُورَةُ مريم
من صــ 144 الى صــ 153
الحلقة (466)
ويحتمل ثالثا أي {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا} إلى الطاعة {هُدىً} إلى الجنة والمعنى متقارب وقد تقدم القول في معنى زيادة الأعمال وزيادة الإيمان الهدي في "آل عمران" وغيرها {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} تقدم. {خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً} أي جزاء {وَخَيْرٌ مَرَدّاً} أي في الآخرة مما افتخر به الكفار في الدنيا. و"المرد" مصدر كالرد ؛ أي وخير ردا على عاملها بالثواب ؛ يقال هذا أرد عليك أي أنقع لك. وقيل {خَيْرٌ مَرَدّاً} أي مرجعا فكل أحد يرد إلى عمله الذي عمله.
الآيات : 77 - 80 {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً ، أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ، كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً ، وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً}
قوله تعالى : {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا} روى الأئمة واللفظ لمسلم عن خباب قال كان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال لي لن أقضيك حتى تكفر بمحمد قال : قلت له لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث قال وإني لمبعوث من بعد الموت ؟ ! فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد. قال وكيع : كذا قال الأعمش ؛ فنزلت هذه الآية : {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً إلى قوله وَيَأْتِينَا فَرْداً} في رواية قال كنت قينا في الجاهلية فعملت للعاص بن وائل عملا ، فأتيته أتقاضاه خرجه البخاري أيضا وقال الكلبي ومقاتل : كان خباب قينا فصاغ للعاص حليا ثم تقاضاه أجرته فقال العاص ما عندي اليوم ما أقضيك فقال خباب لست بمفارقك حتى تقضيني فقال العاص يا خباب ما لك ؟ ! ما كنت هكذا ، وأن كنت لحسن الطلب. فقال خباب : إني كنت على دينك فأنا اليوم على دين الإسلام مفارق لدينك ، قال أو لستم تزعمون أن في الجنة ذهبا وفضة وحريرا ؟ قال خباب : بلى قال فأخرني حتى أقضيك
في الجنة - استهزاء فوالله لئن كان ما تقول حقا إني لأقضيك فيها ، فو الله لا تكون أنت يا خباب وأصحابك أولى بها مني ، فأنزل الله تعالى {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا} يعني العاص بن وائل الآيات {أَطَّلَعَ الْغَيْبَ} قال ابن عباس : "أنظر في اللوح المحفوظ" ؟ ! وقال مجاهد : أعلم الغيب حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا ؟ ! {أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً} قال قتادة والثوري أي عملا صالحا وقيل هو التوحيد وقيل هو من الوعد وقال الكلبي عاهد الله تعالى أن يدخله الجنة {كَلَّا} رد عليه أي لم يكن ذلك لم يطلع الغيب ولم يتخذ عند الرحمن عهدا وتم الكلام عند قول {كَلَّا} وقال الحسن إن الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة والأول أصح لأنه مدون في الصحاح وقرأ حمزة والكسائي {وَوُلْداً} بضم الواو ، والباقون بفتحها. واختلف في الضم والفتح
على وجهين :
أحدهما : أنهما لغتان معناهما واحد يقال ولد وولد كما يقال عدم وعدم وقال الحرث بن حلزة :
ولقد رأيت معاشرا ... قد ثمروا مالا وولدا
وقال آخر :
فليت فلانا كان في بطن أمه ... وليت فلانا كان ولد حمار
والثاني : أن قيسا تجعل الولد بالضم جمعا والولد بالفتح واحدا قال الماوردي وفي قوله تعالى : {لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} وجهان أ حدهما- أنه أراد في الجنة استهزاء بما وعد الله تعالى على طاعته وعبادته ؛ قاله الكلبي. الثاني : أنه أراد في الدنيا وهو قول الجمهور وفيه وجهان محتملان أحدهما- إن أقمت على دين آبائي وعبادة آلهتي لأوتين مالا وولدا الثاني : ولو كنت على باطل لما أوتيت مالا وولدا.
قلت : قول الكلبي أشبه بظاهر الأحاديث بل نصها يدل على ذلك قال مسروق سمعت خباب بن الأرت يقول جئت العاصي بن وائل السهمي أتقاضاه حقا عنده فقال : لا أعطيك حتى تكفر بمحمد فقلت لا حتى تموت ثم تبعث قال وإني لميت ثم مبعوث ؟ ! فقلت نعم فقال إن لي هناك مالا وولدا فأقضيك فنزلت {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا} الآية قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح
قوله تعالى : {أَطَّلَعَ الْغَيْبَ} ألفه ألف استفهام لمجيء {أَمِ} بعدها ومعناه التوبيخ وأصله أأطلع فحذفت الألف الثانية لأنها ألف وصل فإن قيل فهلا أتوا بمدة بعد الألف فقالوا آطلع كما قالوا {آللَّهُ خَيْرٌ} {آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ} قيل له كان الأصل في هذا"أالله" "أالذكرين" فأبدلوا من الألف الثانية مدة ليفرقوا بين الاستفهام والخبر وذلك أنهم لو قالوا الله خير بلا مد لالتبس الاستفهام بالخبر ولم يحتاجوا إلى هذه المدة في قوله {أَطَّلَعَ} لأن ألف الاستفهام مفتوحة وألف الخبر مكسورة وذلك أنك تقول في الاستفهام أطلع ؟ أفترى ؟ أصطفى ؟ أستغفرت ؟ بفتح الألف ، وتقول في الخبر : إطلع ، إفترى ، إصطفى ، إستغفرت لهم بالكسر ، فجعلوا الفرق بالفتح والكسر ولم يحتاجوا إلى فرق آخر
قوله تعالى : {كَلَّا} ليس في النصف الأول ذكر {كَلَّا} وإنما جاء ذكره في النصف الثاني وهو يكون بمعنيين أحدهما بمعنى حقل والثاني بمعنى لا فإذا كانت بمعنى حقا جاز الوقف على ما قبله ثم تبتدئ {كَلَّا} أي حقا وإذا كانت بمعنى لا كان الوقف على {كَلَّا} جائز كما في هذه الآية لأن المعنى لا ليس الأم كذا ويجوز أن تقف عليه على قوله {عَهْداً} وتبتدئ {كَلَّا} أي حقا {سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ} وكذا قوله تعالى {لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَ لَّا } [المؤمنون : 100] يجوز الوقف على {كَلَّا} وعلى {تَرَكْتُ} . وقوله {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ. قَالَ كَلَّا} الوقف على {كَلَّا} لأن المعنى لا وليس الأمر كما تظن {فَاذْهَبَا} فليس للحق في هذا المعنى موضع وقال الفراء {كَلَّا} بمنزلة سوف لأنها صلة وهي حرف رد فكأنها "نعم" و"لا" في الاكتفاء قال وإن جعلتها صلة لما بعدها لم تقف عليها كقولك : كلا ورب الكعبة ؛ لا تقف على كلا لأنه بمنزلة إي ورب الكعبة قال الله تعالى {كَلَّا وَالْقَمَرِ} [المدثر : 32] فالوقف على {كَلَّا} قبيح لأنه صلة لليمين وكان أبو جعفر محمد بن سعدان يقول في {كَلَّا} مثل قول الفراء وقال الأخفش معنى
كلا الردع والزجر وقال أبو بكر بن الأنباري وسمعت أبا العباس يقول لا يوقف على {كَلَّا} جميع القرآن لأنها جواب والفائدة تقع فيما بعدها والقول الأول هو قول أهل التفسير. {سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ} أي سنحفظ عليه قوله فنجازيه به في الآخرة {وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً} أي سنزيده عذابا فوق عذاب {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} أي نسلبه ما أعطيناه في الدنيا من مال وولد وقال ابن عباس وغيره "نرثه المال والولد بعد إهلاكنا إياه" وقيل نحرمه ما تمناه في الآخرة من مال وولد ونجعله لغيره من المسلمين {وَيَأْتِينَا فَرْداً} أي منفردا لا مال له ولا ولد ولا عشيرة تنصره
الآيتان : 81 - 82 {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً ، كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً}
قوله تعالى : {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً} يعني مشركي قريش و {عِزّاً} معناه أعوانا ومنعة يعني أولادا والعز المطر الجود أيضا قاله الهروي وظاهر الكلام أن {عِزّاً} راجع إلى الآلهة التي عبد وها من دون الله ووحد لأنه بمعنى المصدر أي لينالوا بها العز ويمتنعون بها من عذاب الله فقال الله تعالى {كَلَّا} أي ليس الأمر كما ظنوا وتوهموا بل يكفرون بعبادتهم أي ينكرون أنهم عبد وا الأصنام أو تجحد الآلهة عبادة المشركين لها كما قال : {تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعبدونَ} [ القصص : 63] وذلك أن الأصنام جمادات لا تعلم العبادة {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} أي أعوانا في خصومتهم وتكذيبهم عن مجاهد والضحاك يكونون لهم أعداء ابن زيد يكون عليهم بلاء فتحشر آلهتهم وتركب لهم عقول فتنطق وتقول : يا رب عذب هؤلاء الذين عبد ونا من دونك و {كَلَّا} هنا يحتمل أن تكون بمعنى لا ويحتمل أن تكون بمعنى حقا أي حقا {سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ} وقرأ
أبو نهيك {كَلاًّ سَيَكْفُرُونَ} بالتنوين. وروي عنه مع ذلك ضم الكاف وفتحها. قال المهدوي "كلا" ردع وزجر وتنبيه ورد لكلام متقدم ، وقد تقع لتحقيق ما بعدها التنبيه عليه {كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى } [العلق : 6] فلا يوقف عليها على هذا ويوقف في المعنى الأول فان صلح فيها المعنيان جميعا جاز الوقف عليها والابتداء بها. فمن نون {كَلَّا} من قوله : {كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ} مع فتح الكاف فهو مصدر كل ونصبه بفعل مضمر والمعنى كل هذا الرأي والاعتقاد كلا يعني اتخاذهم الآلهة {لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً} فيوقف على هذا على {عِزّاً} وعلى {كَلَّا} وكذلك في قراءة الجماعة لأنها تصلح للرد لما قبلها والتحقيق لما بعدها ومن روى ضم الكاف مع التنوين فهو منصوب أيضا بفعل مضمر كأنه قال : سيكفرون {كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ} يعني الآلهة.
قلت : فتحصل في "كُلاًّ" أربعة معان : التحقيق وهو أن تكون بمعنى حقا والنفي والتنبيه وصلة للقسم ولا يوقف منها إلا على الأول وقال الكسائي "لا" تنفي فحسب و"كلا" تنفي شيئا وتثبت شيئا فإذا قيل أكلت تمرا قلت كلا إني أكلت عسلا لا تمرا ففي هذه الكلمة نفي ما قبلها ، وتحقق ما بعدها والضد يكون واحدا ويكون جمعا كالعدو والرسول وقيل وقع الضد موقع المصدر أي ويكونون عليهم عونا فلهذا لم يجمع وهذا في مقابلة قوله. {لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً} والعز مصدر فكذلك ما وقع في مقابلته ثم قيل الآية في عبد ة الأصنام فأجري الأصنام مجرى من يعقل جريا على توهم الكفرة وقيل فيمن عبد المسيح أو الملائكة أو الجن أو الشياطين فالله تعالى أعلم.
الآيات : 83 - 87 {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً ، فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً ، يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً ، وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً ، لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً}
قوله تعالى : {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ} أي سلطانهم عليهم بالإغواء وذلك حين قال لإبليس {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} [الإسراء : 64] . وقيل {أَرْسَلْنَا} أي خلينا يقال أرسلت البعير أي خليته ، أي خلينا الشياطين وإياهم ولم نعصمهم من القبول منهم. الزجاج : قيضنا {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} قال ابن عباس : تزعجهم إزعاجا من الطاعة إلى المعصية وعنه تغريهم إغراء بالشر أمض أمض في هذا الأمر حتى توقعهم في النار حكى الأول الثعلبي والثاني الماوردي والمعنى واحد الضحاك تغويهم إغواء مجاهد تشليهم إشلاء وأصله الحركة والغليان ، ومنه الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم "قام إلى الصلاة ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء" وائتزت القدر ائتزازا اشتد غليانها والأز التهييج والأغراء قال الله تعالى {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} أي تغريهم على المعاصي والأز الاختلاط. وقد أززت الشيء أؤزه أزا أي ضممت بعضه إلى بعض قاله الجوهري. {فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ} أي تطلب العذاب لهم. {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً} قال الكلبي : آجالهم يعني الأيام والليالي والشهور والسنين إلى انتهاء أجل العذاب وقال الضحاك الأنفاس ابن عباس : "أين نعد أنفاسهم في الدنيا كما نعد سنيهم" وقيل الخطوات وقيل اللذات وقيل اللحظات وقيل الساعات وقال قطرب : نعد أعمالهم عدا وقيل لا تعجل عليهم فإنما نؤخرهم ليزدادوا إثما روي أن المأمون قرأ هذه السورة فمر بهذه الآية وعنده جماعة من الفقهاء فأشار برأسه إلى ابن السماك أن يعظه فقال إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد وقيل في هذا المعنى :
حياتك أنفاس تعد فكلما ... مضى نفس منك انتقصت به جزءا
يميتك ما يحيك في ليلة ... ويحدوك حاد ما يريد به الهزءا
ويقال : إن أنفاس ابن آدم بين اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف نفس اثنا عشر ألف نفس في اليوم واثنا عشر ألفا في الليلة والله أعلم فهي تعد وتحصى إحصاء ولها عدد معلوم وليس لها مدد فما أسرع ما تنفد.
قوله تعالى : {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً} في الكلام حذف أي إلى جنة الرحمن ، ودار كرامته. كقوله {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات : 99] وكما في الخبر "من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله" والوفد اسم للوافدين كما يقال صوم وفطر وزور فهو جمع الوافد مثل ركب وراكب وصحب وصاحب وهو من وفد يفد وفدا ووفودا ووفادة إذا خرج إلى ملك أو أمر خطير. الجوهري : يقال وفد فلان على الأمير أي ورد رسولا فهو وافد ، والجمع وفد مثل صاحب وصحب وجمع الوفد وفاد ووفود والاسم الوفادة وأوفدته أنا إلى الأمير أي أرسلته وفي التفسير {وَفْداً} أي ركبانا على نجائب طاعتهم وهذا لأن الوافد في الغالب يكون راكبا والوفد الركبان ووحد لأنه مصدر ابن جريج وفدا على النجائب وقال عمرو بن قيس الملائي إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله عمله في أحسن صورة وأطيب ريح فيقول هل تعرفني ؟ فيقول لا إلا إن الله قد طيب ريحك وحسن صورتك فيقول كذلك كنت في الدنيا أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا اركبني اليوم وتلا {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً} وإن الكافر يستقبله عمله في أقبح صورة وأنتن ريح فيقول هل تعرفني فيقول لا إلا إن الله قد قبح صورتك وأنتن ريحك فيقول : كذلك كنت في الدنيا أنا عملك السيء طالما ركبتني في الدنيا وأنا اليوم أركبك وتلا {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ} [الأنعام : 31] ولا يصح من قبل إسناده قاله ابن العربي في "سراج المريدين" وذكر هذا الخبر في تفسيره أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري عن ابن عباس بلفظه ومعنا وقال أيضا عن ابن عباس من كان يحب الخيل وفد إلى الله تعالى على خيل لا تروث ولا تبول لجمها من الياقوت الأحمر ومن الزبرجد الأخضر ومن الدر الأبيض وسروجها من السندس والإستبرق ومن كان يحب ركوب الإبل فعلى نجائب لا تبعر ولا تبول أزمتها من الياقوت والزبرجد ومن كان يحب ركوب السفن فعلى سفن من ياقوت قد أمنوا الغرق وأمنوا الأهوال وقال أيضا عن علي رضي الله عنه ولما نزلت الآية قال علي رضي الله عنه يا رسول الله!
إني قد رأيت الملوك ووفودهم فلم أر وفدا إلا ركبانا فما وفد الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أما إنهم لا يحشرون على أقدامهم ولا يساقون سوقا ولكنهم يؤتون بنوق من نوق الجنة لم ينظر الخلائق إلى مثلها رحالها الذهب وزمامها الزبرجد فيركبون حتى يقرعوا باب الجنة" ولفظ الثعلبي في هذا الخبر عن علي أبين وقال علي لما نزلت هذه الآية قلت : يا رسول الله! إني رأيت الملوك ووفودهم فلم أر وفدا إلا ركبانا قال : "يا علي إذا كان المنصرف من ببن يدي الله تعالى تلقت الملائكة المؤمنين بنوق بيض رحالها وأزمتها الذهب على كل مركب حلة لا تساويها الدنيا فيلبس كل مؤمن حلة ثم تسير بهم مراكبهم فتهوي بهم النوق حتى تنتهي بهم إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة {سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} " [الزمر : 73] .
قلت : وهذا الخبر ينص على أنهم لا يركبون ولا يلبسون إلا من الموقف وأما إذا خرجوا من القبور فمشاة حفاة عراة غرلا إلى الموقف بدليل حديث ابن عباس قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال : "يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله تعالى حفاة عراة غرلا" الحديث خرجه البخاري ومسلم وسيأتي بكماله في سورة "المؤمنين" إن شاء الله تعالى وتقدم في "آل عمران" من حديث عبد الله بن أنيس بمعناه والحمد لله تعالى ولا يبعد أن تحصل الحالتان للسعداء فيكون حديث ابن عباس مخصوصا والله أعلم وقال أبو هريرة {وَفْداً} على الإبل ابن عباس "ركبانا يؤتون بنوق من الجنة عليها رحائل من الذهب وسروجها وأزمتها من الزبرجد فيحشرون عليها" وقال علي "ما يحشرون والله على أرجلهم ولكن على نوق رحالها من ذهب ونجب سروجها يواقيت إن هموا بها سارت وإن حركوها طارت" وقيل يفدون على ما يحبون من إبل أو خيل أو سفن على ما تقدم عن ابن عباس والله أعلم وقيل إنما قال {وَفْداً} لأن من شأن الوفود عند العرب أن يقدموا بالبشارات وينتظرون الجوائز فالمتقون ينتظرون العطاء والثواب. {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً} السوق الحث على السير ، و {وِرْداً} عطاشا قال ابن عباس
وأبو هريرة رضي الله عنهما والحسن والأخفش والفراء وابن الأعرابي : حفاة مشاة وقيل : أفواجا وقال الأزهري أي مشاة عطاشا كالإبل ترد الماء فيقال جاء ورد بني فلان القشيري وقوله {وِرْداً} يدل على العطش لأن الماء إنما يورد في الغالب للعطش وفي "التفسير" مشاة عطاشا تتقطع أعناقهم من العطش وإذا كان سوق المجرمين إلى النار فحشر المتقين إلى الجنة. وقيل {وِرْداً} أي الورود كقولك جئتك إكراما لك أي لإكرامك أي نسوقهم لورود النار.
قلت ولا تناقض بين هذه الأقوال فيساقون عطاشا حفاة مشاة أفواجا قال ابن عرفة الورد القوم يردون الماء ، فسمي العطاش وردا لطلبهم ورود الماء كما تقول قوم صوم أي صيام وقوم زور أي زوار فهو اسم على لفظ المصدر واحدهم وارد والورد أيضا الجماعة التي ترد الماء من طير وإبل والورد الماء الذي يورد وهذا من باب الإيماء بالشيء إلى الشيء الورد الجزء [من القرآن] يقال قرأت وردي والورد يوم الحمى إذا أخذت صاحبها لوقت فظاهرة لفظ مشترك وقال الشاعر يصف قليبا.
يطمو إذا الورد عليه التكا
أي الوراد الذين يريدون الماء
قوله تعالى : {لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ} أي هؤلاء الكفار لا يملكون الشفاعة لأحد {إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً} وهم المسلمون فيملكون الشفاعة فهو استثناء الشيء من غير جنسه أي لكن {مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً} يشفع فـ {مَنِ} في موضع نصب على هذا وقيل هو في موضع رفع على البدل من الواو في {يَمْلِكُونَ} أي لا يملك أحد عند الله الشفاعة {إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً} فإنه يملك وعلى هذا يكون الاستثناء
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|