عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 06-07-2025, 05:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,582
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (11)
سُورَةُ مريم
من صــ 124 الى صــ 133
الحلقة (464)



تطوع يكمل ما ضيع من فريضته من تطوعه ثم سائر الأعمال تجري على حسب ذلك "قال النسائي أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا النضر بن شميل قال أنبأنا حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس يحي بن يعمر عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فإن كان أكملها وإلا قال الله عز وجل انظروا لعبد ي من تطوع فإن وجدل تطوع قال أ كملوا به الفريضة "قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب" التمهيد "أما إكمال الفريضة من التطوع فإنما يكون والله أعلم فيمن سها عن فريضة فلم يأت بها ، أولم يحسن ركوعها وسجودها ولم يدر قدر ذلك وأما من تركها ، أونسي ثم ذكرها فلم يأت بها عامدا واشتغل بالتطوع عن أداء فرضها وهو ذاكر له فلا تكمل له فريضة من تطوعه والله أعلم وقد روى من حديث الشاميين في هذا الباب حديث منكر يرويه محمد بن حمير عن عمرو بن قيس السكوني عن عبد الله بن قرط عن النبي صلى الله عليه وسلم قال" من صلى صلاة لم يكمل فيها ركوعه وسجوده زيد فيها من تسبيحاته حتى تتم "قال أبو عمر وهذا لا يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه وليس بالقوي وإن كان صح كان معناه أنه خرج من صلاة كان قد أتمها عند نفسه وليست في الحكم بتامة"
قلت : فينبغي للإنسان أن يحسن فرضه ونفله حتى يكون له نفل يجده زائدا على فرضه يقربه من ربه كما قال سبحانه وتعالى "وما يزال عبد ي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه" الحديث فأما إذا كان نفل يكمل به الفرض فحكمه في المعنى حكم الفرض ومن لا يحسن أن يصلي الفرض فأحرى وأولى ألا يحسن التنفل لا جرم تنفل الناس في أشد ما يكون من النقصان والخلل لخفته عندهم وتهاونهم به حتى كأنه غير معتد به ولعمر الله لقد يشاهد في الوجود من يشار إليه ويظن به العلم تنفله كذلك بل فرضه إذ ينقره نقر الديك لعدم معرفته بالحديث فكيف بالجهال الذين لا يعلمون وقد قال العلماء ولا يجزئ ركوع ولا سجود ولا وقوف بعه الركوع ولا جلوس بين السجدتين حتى يعتدل راكعا وواقفا
وساجدا وجالسا وهذا هو الصحيح في الأثر وعليه جمهور العلماء وأهل النظر وهذه رواية ابن وهب وأبي مصعب عن مالك وقد مضى هذا المعنى في "البقرة" وإذا كان هذا فكيف يكمل بذلك التنفل ما نقص من هذا الفرض على سبيل الجهل والسهو ؟ ! بل كل ذلك غير صحيح ولا مقبول لأنه وقع على غير المطلوب والله أعلم.
الرابعة : قوله تعالى : {وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} وعن علي رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى : {وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} هو من بنى [المشيد] وركب المنظور ولبس المشهور.
قلت الشهوات عبارة عما يوافق الإنسان ويشتهيه ويلائمه ولا يتقيه وفي الصحيح "حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات" وما ذكر عن علي رضي الله عنه جزء من هذا
{فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً} قال ابن زيد : شرا أو ضلالا أو خيبة ، قال :
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره
ومن يغو لا يعدم على الغي لائما
وقال عبد الله بن مسعود : هو واد في جهنم. والتقدير عند أهل الله فسوف يلقون هذا الغي كما قال جل ذكره : {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً} [الفرقان : 68] والأظهر أن الغي اسم للوادي سمي به لأن الغاوين يصيرون إليه قال كعب "يظهر في آخر الزمان قوم بأيديهم سياط كأذناب البقر ثم قرأ {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً} أي هلاكا وضلالا في جهنم وعنه غي واد في جهنم أبعدها قعرا وأشدها حرا فيه بئر يسمى البهيم كلما خبت جهنم فتح الله تعالى تلك البر فتسعر بها جهنم وقال ابن عباس غي واد في جهنم وأن أودية جهنم لتستعيذ من حره أعد الله تعالى ذلك الوادي للزاني المصر على الزنى ، ولشارب الخمر المدمن عليه ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه ولأهل العقوق ولشاهد الزور ولامرأة أدخلت على زوجها ولدا ليس منه."
قوله تعالى : {إِلَّا مَنْ تَابَ} أي من تضييع الصلاة واتباع الشهوات فرجع إلى طاعة ربه {وَآمَنَ} به {وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ} قرأ أبو جعفر وشيبة وابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو ويعقوب وأبو بكر { يَدْخَلُونَ} بفتح الخاء وفتح الياء الباقون {وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً} أي لا ينقص من أعمالهم الصالحة شيء إلا أنهم يكتب لهم بكل حسنة عشر إلى سبعمائة. {جَنَّاتِ عَدْنٍ} بدلا من الجنة فانتصبت قال أبو إسحاق الزجاج ويجوز {جَنَّاتُ عَدْنٍ} على الابتداء قال أبو حاتم ولولا الخط لكان {جَنَّةَ عَدْنٍ} لأن قبله {يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ} {الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ} أي من عبد ه وحفظ عهده بالغيب وقيل آمنوا بالجنة ولم يروها {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} {مَأْتِيّاً} مفعول من الإتيان. وكل ما وصل إليك فقد وصلت إليه تقول أتت علي ستون سنة وأتيت على ستين سنة. ووصل إلي من فلان خير ووصلت منه إلى خير وقال القتبي {مَأْتِيّاً} بمعنى آت فهو مفعول بمعنى فاعل و {مَأْتِيّاً} مهموز لأنه من يأتي ومن خفف الهمزة جعلها ألفا وقال الطبري الوعد ههنا الموعود وهو الجنة أي يأتيها أولياؤه. {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً} أي في الجنة واللغو معناه الباطل من الكلام والفحش منه والفضول ومالا ينتفع به ومنه الحديث "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقه لغوت" ويروى "لغيت" وهي لغة أبي هريرة كما قال الشاعر :
ورب أسراب حجيج كظم
عن اللغا ورفث التكلم
قال ابن عباس : اللغو كل ما لم فيه ذكر الله تعالى أي كلامهم في الجنة حمد الله وتسبيحه {إِلَّا سَلاماً} أي لكن يسمعون سلاما فهو من الاستثناء المنقطع يعني سلام بعضهم على بعض وسلام الملك عليهم قاله مقاتل وغيره والسلام اسم جامع للخير والمعنى أنهم لا يسمعون فيها إلا ما يحبون قوله تعالى : {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} أي لهم ما يشتهون من المطاعم والمشارب بكرة وعشيا أي قدر هذين الوقتين إذ لا بكرة ثم ولا عشيا
كقوله تعالى {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} أي قدر شهر ؛ قال معناه ابن عباس وابن جريج وغيرهما وقيل عرفهم اعتدال أحوال أهل الجنة وكان أهنأ النعمة عند العرب التمكين من المطعم والمشرب بكرة وعشيا قال بن أبي كثير وقتادة كانت العرب في زمانها من وجد غداء وعشاء معا فذلك هو الناعم فنزلت وقيل أي رزقهم فيها غير منقطع كما قال {لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ} كما تقول أنا أصبح وأمسي في ذكرك أي ذكري لك دائم. ويحتمل أن تكون البكرة قبل تشاغلهم بلذاتهم والعشي بعد فراغهم من لذاتهم لأنه يتخللها فترات انتقال من حال إلى حال وهذا يرجع إلى القول الأول وروى الزبير بن بكار عن إسماعيل بن أبي أويس قال قال مالك بن أنس طعام المؤمنين في اليوم مرتان وتلا قول الله عز وجل {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} ثم قال : وعوض الله عز وجل المؤمنين في الصيام السحور بدلا من الغداء ليقووا به على عبادة ربهم وقيل : إنما ذكر ذلك لأن صفة الغداء وهيئته [تخلف] عن صفة العشاء وهيئته ؛ وهذا لا يعرفه إلا الملوك وكذلك يكون في الجنة رزق الغداء غير رزق العشاء تتلون عليهم النعم ليزدادوا تنعما وغبطة. وخرج الترمذي الحكيم في "نوادر الأصول" من حديث أبان عن الحسن وأبي قلابة قالا قال رجل يا رسول الله هل في الجنة من ليل ؟ قال "وما هيجك على هذا" قال سمعت الله تعالى يذكر في الكتاب : {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} فقلت : الليل بين البكرة والعشي وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ليس هناك ليل إنما هو ضوء ونور يرد الغدو على الرواح والرواح الغدو وتأتيهم طرف الهدايا من الله تعالى لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلون فيها في الدنيا وتسلم عليهم الملائكة" وهذا في غاية البيان لمعنى الآية وقد ذكرناه في كتاب "التذكرة" وقال العلماء ليس في الجنة ليل ولا نهار وإنما هم في نور أبدا إنما يعرفون مقدار الليل من النهار بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب ذكره أبو الفرج الجوزي والمهدوي وغيرهما.
قوله تعالى : {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي} أي هذه الجنة التي وصفنا أحوال أهلها {نُورِثُ} بالتخفيف. وقرأ يعقوب {نُوَرِّثُ} بفتح الواو وتشديد الراء. والاختيار التخفيف ؛ لقوله تعالى : {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ } . [فاطر : 32] . {مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً} قال ابن عباس : "أي من اتقاني وعمل بطاعتي" وقيل هو على التقديم والتأخير تقديره نورث من كان تقيا من عبادنا.
الآيتان : 64 - 65 {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ، رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعبد هُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}
روى الترمذي عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل "ما منعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا" قال : فنزلت هذه الآية : {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} إلى آخر الآية. قال هذا حديث حسن غريب ورواه البخاري حدثنا خلال بن يحيى حدثنا عمر بن ذر قال سمعت أبي يحدث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل "ما يمنعك أن مزورنا أكثر مما تزرونا فنزلت {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} الآية ؛ قال كان هذا الجواب لمحمد صلى وقال مجاهد أبطأ الملك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه فقال :" ما الذي أبطأك "قال : كيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم ولا تأخذون من شواربكم ، ولا تنقون رواجبكم ، ولا تستاكون ؛ قال مجاهد : فنزلت الآية في هذا وقال مجاهد أيضا وقتادة وعكرمة والضحاك ومقاتل والكلبي أحتبس جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأل قومه عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح ولم يدر ما يجيبهم ورجا أن يأتيه جبريل بجواب ما سألوه عنه قال عكرمة فأبطأ عليه أربعين يوم وقال مجاهد اثنتي عشرة ليلة وقيل خمسة عشر يوما وقيل ثلاثة عشر وقيل ثلاثة أيام فقال النبي صلي" أبطأت علي حتى



ساء ظني واشتقت إليك "فقال جبريل عليه السلام إني كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتبست فنزلت الآية {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} وأنزل {وَالضُّحَى ، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} ذكره الثعلبي والواحدي والقشيري وغيرهم وقيل هو إخبار من أهل الجنة أنهم يقولون عند دخولها وما نتنزل هذه الجنان إلا بأمر ربك وعلى هذا تكون الآية متصلة به قبل وعلى ما ذكرنا من الأقوال قبل : تكون غير متصلة بما قبلها والقرآن سور ثم السور تشتمل على جمل ، وقد تنفصل جملة عن جملة {وَمَا نَتَنَزَّلُ} أي قال الله تعالى قل يا جبريل {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} وهذا"
يحتمل وجهين :
أحدهما : إنا إذا أمرنا نزلنا عليك.
الثاني : إذا أمرك ربك نزلنا عليك فيكون الأمر على الأول متوجها إلى النزول وعلى الوجه الثاني متوجها إلى التنزيل.
قوله تعالى : {لَهُ} أي لله {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} أي علم ما بين أيدينا {وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} قال ابن عباس وابن جريج : ما مضى أمامنا من أمر الدنيا ، وما يكون بعدنا من أمرها وأمر الآخرة {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} من البرزخ. وقال قتادة ومقاتل : {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} من أمر الآخرة {وَمَا خَلْفَنَا} ما مضى من الدنيا {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} ما بين النفختين وبينهما أربعون سنة. الأخفش : {مَا بَيْنَ ذَلِكَ} ما كان قبل أن نخلق {وَمَا خَلْفَنَا} ما يكون بعد أن نموت {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} ما يكون منذ خلقنا إلى أن نموت. وقيل : {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} من الثواب والعقاب وأمور الآخرة {وَمَا خَلْفَنَا} ما مضى من أعمالنا في الدنيا {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} أي ما يكون من هذا الوقت إلى يوم القيامة ويحتمل خامسا {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} السماء {وَمَا خَلْفَنَا} الأرض {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} أي ما بين السماء والأرض وقال ابن عباس في رواية {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} يريد الدنيا إلى الأرض {وَمَا خَلْفَنَا} يريد السموات وهذا على عكس ما قبله {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} يريد الهواء ذكر الأول الماوردي والثاني القشيري الزمخشري : وقيل ما مضى من أعمارنا وما عبر منها والحال التي نحن فيها ولم يقل ما بين ذينك لأن المراد ما بين ما ذكرنا كما قال {لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ}
أي بين ما ذكرنا {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} أي ناسيا إذا شاء أن يرسل إليك أرسل وقيل المعنى لم ينسك وإن تأخر عنك الوحي وقيل المعنى أنه عالم بجميع الأشياء متقدمها ومتأخرها ولا ينسى شيئا منها.
قوله تعالى : {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} أي ربهما وخالقهما وخالق ما بينهما ومالكهما ومالك ما بينهما ؛ فكما إليه تدبير الأزمان كذلك إليه تدبير الأعيان. {فَاعبدهُ} أي وحده لذلك. وفي هذا دلالة على أن اكتسابات الخلق مفعولة لله تعالى كما يقول أهل الحق وهو القول الحق لأن الرب في هذا الموضوع لا يمكن حمله على معنى من معانيه إلا على المالك وإذا ثبت أنه مالك ما بين السماء والأرض دخل في ذلك اكتساب الخلق ووجبت عبادته لما ثبت أنه المالك على الإطلاق وحقيقة العبادة الطاعة بغاية الخضوع ولا يستحقها أحد سوى المالك المعبود {وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} أي لطاعته ولا تحزن لتأخير الوحي عنك بل اشتغل بما أمرت به وأصل اصطبر اصتبر فثقل الجمع بين التاء والصاد لاختلافهما فأبدل من التاء طاء كما تقول من الصوم صطام {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} قال ابن عباس يريد هل تعلم له ولدا أي نظيرا أو مثلا أو شبيها يستحق مثل اسمه الذي هو الرحمن وقال مجاهد مأخوذ من المساماة وروى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال "هل تعلم له ولدا أي نظيرا أو مثلا أو شبيها يستحق مثل اسمه الذي هو الرحمن" وروى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال : "هل تعلم له أحدا سمي الرحمن". قال النحاس وهذا أجل إسناد علمته روي في هذا الحرف وهو قول صحيح ولا يقال الرحمن إلا لله
قلت وقد مضى هذا مبينا في البسملة والحمد لله روى ابن أبي نجيح عن مجاهد {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} قال مثلا ابن المسيب عدلا قتادة والكلبي هل تعلم أحدا يسمى الله تعالى غير الله أو يقال له الله إلا الله وهل لا أي لا تعلم والله تعالى أعلم.
الآية : 66 {وَيَقُولُ الْأِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً}
الآية : 67 {أَوَلا يَذْكُرُ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً}
الآية : 68 {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً}
الآية : 69 {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ لِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً}
الآية : 70 {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً}
الآية : 71 {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً}
الآية : 72 {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}
قوله تعالى : {وَيَقُولُ الْأِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} الإنسان هنا أبي بن خلف وجد عظاما بالية ففتتها بيده وقال : زعم محمد أنا نبعث بعد الموت قال الكلبي ذكره الواحدي والثعلبي والقشيري وقال المهدوي نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه وهو قول ابن عباس واللام في {لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} للتأكيد كأنه قيل له إذا ما مت لسوف تبعث حيا فقال {أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} ! قال ذلك منكرا فجاءت اللام في الجواب هما كانت في القول الأول ولو كان مبتدئا لم تدخل اللام لأنها للتأكيد والإيجاب وهو منكر للبعث وقرا ابن ذكوان {إذا ما مِت} على الخبر والباقون بالاستفهام على أصولهم بالهمز وقرأ الحسن وأبو حيوة {لَسَوْفَ أَخْرُجُ حَيّاً} قال استهزاء لأنهم لا يصدقون بالبعث والإنسان ههنا الكافر
قوله تعالى : {أَوَلا يَذْكُرُ الْأِنْسَانُ} أي أو لا يذكر هذا القائل {أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ} أي من قبل سؤاله وقوله هذا القول {وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} فالإعادة مثل الابتداء فلم يناقض وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما وأهل مكة وأبو عمر وأبو جعفر {أَوَلاَ يَذَّكَّرُ} وقرأ شيبه ونافع وعاصم {أَوَلاَ يَذْكُرُ} بالتخفيف. والاختيار التشديد وأصله يتذكر لقوله تعالى {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} وأخواتها وفي حرف أبي {أَوَلاَ يَتَذَكَّرُ} وهذه القراءة على التفسير لأنها مخالفة لخط المصحف : ومعنى {يتذكر} يتفكر ومعنى {يَذْكُرُ} يتنبه ويعلم قاله النحاس
قوله تعالى : {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ} أقسم بنفسه بعد إقامة الحجة بأنه يحشرهم من قبورهم إلى المعاد كما يحشر المؤمنين. {وَالشَّيَاطِينَ} أي ولنحشرن الشياطين قرناء لهم قيل يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة كما قال {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} [الصافات : 22] الزمخشري والواو في {وَالشَّيَاطِينَ} يجوز أن تكون للعطف وبمعنى مع وهي بمعنى مع أوقع والمعنى أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذي أغووهم ؛ يقرنون كل كافر مع شيطان في سلسلة. فإن قلت هذا إذا أريد بالإنسان الكفرة خاصة فإن أريد الأناسي على العموم فكيف يستقيم حشرهم مع الشياطين ؟ قلت إذا حشر جميع الناس حشرا واحدا وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد حشروا مع الشياطين كما حشروا مع الكفرة فإن قلت هلا عزل السعداء عن الأشقياء في الحشر كما عزلوا عنهم في الجزاء ؟ قلت لم يفرق بينهم في المحشر وأحضروا حيث تجاثوا حول جهنم وأوردوا معهم النار ليشاهد السعداء الأحوال التي نجاهم الله منها وخلصهم ، فيزدادوا لذلك غبطة وسرورا إلى سرور ويشمتوا بأعداء الله تعالى وأعدائهم فتزداد مساءتهم وحسرتهم وما يغيظهم من سعادة أولياء الله وشماتتهم بهم فإن قلت ما معنى إحضارهم جثيا ؟ قلت أما إذا فسر الإنسان بالخصوص فالمعنى أنهم يعتلون من المحشر إلى شاطئ جهنم علا على حالهم التي كانوا عليها في الموقف جثاة على ركبهم غير مشاة على أقدامهم وذلك أن أهل الموقف وصفوا بالجثو قال الله تعالى {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً} على الحالة المعهودة في مواقف المقاولات والمناقلات من تجاثي أهلها على الركب لما في ذلك من الاستيفاز والقلق وإطلاق الحبا خلاف الطمأنينة أولما يدهمهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معها القيام على أرجلهم فيجسون على ركبهم جثوا وإن فسر بالعموم فالمعنى أنهم يتجاثون عند موافاة شاطئ جهنم أن {جِثِيّاً} حال مقدرة كما كانوا في الموقف متجاثين لأنه من توابع التواقف للحساب ، قبل التواصل إلى الثواب والعقاب ويقال : إن معنى {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً}
أي جثيا على ركبهم عن مجاهد وقتادة أي أنهم لشدة ما هم فيه لا يقدرون على القيام {حَوْلَ جَهَنَّمَ} يجوز أن يكون داخلها كما تقول : جلس القوم حول البيت أي داخله مطيفين به فقوله {حَوْلَ جَهَنَّمَ} على هذا يجوز أن يكون بعد الدخول ويجوز أن يكون قبل الدخول و {جِثِيّاً} جمع جاث. يقال جثا على ركبتيه يجثو ويجثي جثوا وجثيا على فعول فيهما وأجثاه غيره وقوم جثي أيضا مثل جلس جلوسا وقوم جلوس وجثي أيضا بكسر الجيم لما بعدها من الكسر وقال ابن عباس : {جثياً} جماعات وقال مقاتل : جمعا جمعا وهو على هذا التأويل جمع وجثوة ثلاث لغات وهي الحجارة المجموعة والتراب المجموع فأهل الخمر على حدة وأهل الزنى على حدة وهكذا قال طرفة :
ترى جثوتين من تراب عليها
صفائح صم من صفيح منضد
وقال الحسن والضحاك جاثية الركب وهو على هذا التأويل جمع جاث على ما تقدم وذلك لضيق المكان أي لا يمكنهم أن يجلسوا جلوسا تاما وقيل جثيا على ركبهم للتخاصم كقوله تعالى {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} وقال الكميت :
هم تركوا سراتهم جثيا
وهم دون السراة مقرنينا
قوله تعالى : {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ} أي لنستخرجن من كل أمة وأهل دين. {أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً} النحاس : وهذه آية مشكلة في الإعراب لأن القراء كلهم يقرؤون {أيهم} بالرفع إلا هارون القارئ الأعور فإن سيبويه حكى عنه {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيَّهُمُ} بالنصب أوقع على أيهم لننزعن. قال أبو إسحاق في رفع {أيهم}
ثلاثة أقوال ؛ قال الخليل بن أحمد حكاه عنه سيبويه : إنه مرفوع على الحكاية والمعنى ثم لننزعن من كل شيعة الذي يقال من أجل عتوه أيهم أشد على الرحمن عتيا وأنشد الخليل فقال :
ولقد أبيت من الفتاة بمنزل
فأبيت لا حرج ولا محروم
أي فأبيت بمنزلة الذي يقال له لا هو حرج ولا محروم. وقال أبو جعفر النحاس : ورأيت أبا إسحاق يختار هذا القول ويستحسنه قال لأنه معنى قول أهل التفسير وزعم أن معنى




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.67 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.04 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.51%)]