عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 06-07-2025, 02:34 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,495
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (10)
سُورَةُ الكهف
من صــ 396 الى صــ 405
الحلقة (449)






{إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} كلام معترض ، والخبر قوله : {أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} . و {جَنَّاتُ عَدْنٍ} سرة الجنة ، أي وسطها وسائر الجنات محدقة بها وذكرت بلفظ الجمع لسعتها ؛ لأن كل بقعة منها تصلح أن تكون جنة وقيل : العدن الإقامة ، يقال : عدن بالمكان إذا أقام به وعدنت البلد توطنته وعدنت الإبل بمكان كذا لزمته فلم تبرح منه ؛ ومنه "جنات عدن" أي جنات إقامة ومنه سمي المعدن "بكسر الدال" ؛ لأن الناس يقيمون فيه بالصيف والشتاء ومركز كل شيء معدنه والعادن : الناقة المقيمة في المرعى. وعدن بلد ؛ قاله الجوهري. "تجري من تحتهم الأنهار" تقدم. "يحلون فيها من أساور من ذهب" وهو جمع سوار. قال سعيد بن جبير : على كل واحد منهم ثلاثة أسورة : واحد من ذهب ، وواحد من ورق ، وواحد من لؤلؤ.
قلت : هذا منصوص في القرآن ، قال هنا "من ذهب" وقال في الحج وفاطر {مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً} [الحج : 23] وفي الإنسان {مِنْ فِضَّةٍ} [الإنسان : 21] . وقال أبو هريرة : سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول : "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء" خرجه مسلم. وحكى الفراء : "يحلون" بفتح الياء وسكون الحاء وفتح اللام خفيفة ؛ يقال : حليت المرأة تحلى فهي حالية إذا لبست الحلي. وحلي الشيء بعيني يحلى ؛ ذكره النحاس. والسوار سوار المرأة ، والجمع أسورة ، وجمع الجمع أساورة. وقرئ {فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ} [الزخرف : 53] وقد يكون الجمع أساور. وقال الله تعالى {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ} قاله الجوهري. وقال ابن عزيز : أساور جمع أسورة ، وأسورة جمع سوار وسوار ، وهو الذي يلبس في الذراع من ذهب ، فإن كان من فضة فهو قلب وجمعه قلبة ؛ فإن كان من قرن أو عاج فهي مسكة وجمعه مسك. قال النحاس : وحكى قطرب في واحد الأساور إسوار ، وقطرب صاحب شذوذ ، قد تركه يعقوب وغيره فلم يذكره.
قلت : قد جاء في الصحاح وقال أبو عمرو بن العلاء : وأحدها إسوار. وقال المفسرون : لما كانت الملوك تلبس في الدنيا الأساور. والتيجان جعل الله تعالى ذلك لأهل الجنة.
قوله تعالى : {وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} السندس : الرفيق النحيف ، واحده سندسة ؛ قال الكسائي. والإستبرق : ما ثخن منه - عن عكرمة - وهو الحرير. قال الشاعر :
تراهن يلبسن المشاعر مرة ... وإستبرق الديباج طورا لباسها
فالإستبرق الديباج. ابن بحر : المنسوج بالذهب. القتبي : فارسي معرب. الجوهري : وتصغيره أبيرق. وقيل : هو استفعل من البريق. والصحيح أنه وفاق بين اللغتين ؛ إذ ليس في القرآن ما ليس من لغة العرب ، على ما تقدم ، والله اعلم. "وخص الأخضر بالذكر لأنه الموافق للبصر ؛ لأن البياض يبدد النظر ويؤلم ، والسواد يذم ، والخضرة بين البياض والسواد ، وذلك يجمع الشعاع. والله اعلم. روى النسائي عن عبدالله بن عمرو بن العاص فال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال : يا رسول الله ، أخبرنا عن ثياب الجنة ، أخلق يخلق أم نسج ينسج ؟ فضحك بعض القوم. فقال لهم :" مم تضحكون من جاهل يسأل عالما "فجلس يسيرا أو قليلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أين السائل عن ثياب الجنة "؟ فقال : ها هو ذا يا رسول الله ؛ قال" لا بل تشقق عنها ثمر الحنة "قالها ثلاثا. وقال أبو هريرة : دار المؤمن درة مجوفة في وسطها شجرة تنبت الحلل ويأخذ بأصبعه أو قال بأصبعيه سبعين حلة منظمة بالدر والمرجان. ذكره يحيى بن سلام في تفسيره وابن المبارك في رقائقه. وقد ذكرنا إسناده في كتاب التذكرة. وذكر في الحديث أنه يكون على كل واحد منهم الحلة لها وجهان لكل وجه لون ، يتكلمان به بصوت يستحسنه سامعه ، يقول أحد الوجهين للآخر : أنا أكرم على ولي الله منك ، أنا ألي جسده وأنت لا تلي. ويقول الآخر : أنا أكرم على ولي الله منك ، أنا أبصر وجهه وأنت لا تبصر."
قوله تعالى : {مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ} "الأرائك" جمع أريكة ، وهي السرر في الحجال. وقيل الفرش في الحجال ؛ قاله الزجاج. ابن عباس : هي الأسرة من ذهب ، وهي مكللة بالدر والياقوت عليها الحجال ، الأريكة ما بين صنعاء إلى أيلة وما بين عدن إلى الجابية. وأصل متكئين موتكئين ، وكذلك اتكأ أصله أو تكأ ، وأصل التكأة وكأة ؛ ومنه التوكأ للتحامل على الشيء ، فقلبت الواو تاء وأدغمت. ورجل وكأة كثير الاتكاء. {نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً} يعني الجنات ، عكس : {وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً} وقد تقدم. ولو كان "نعمت" لجاز لأنه اسم للجنة. وعلى هذا {وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً} . وروى البراء بن عازب أن أعرابيا قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء فقال : إني رجل مسلم فأخبرني عن هذه الآية {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الآية ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما أنت منهم ببعيد ولا هم ببعيد منك هم هؤلاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فأعلم قومك أن هذه الآية نزلت فيهم" ذكره الماوردي ، وأسنده النحاس في كتاب معاني القرآن ، قال : حدثنا أبو عبدالله أحمد بن علي بن سهل قال حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا يحيى بن الضريس عن زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال : قام أعرابي... ؛ فذكره. وأسنده السهيلي في كتاب الأعلام. وقد روينا جميع ذلك بالإجازة ، والحمد لله.
الآية : 32 { وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً}
الآية : 33 {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً}
الآية : 34 {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً}
قوله تعالى : {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ} هذا مثل لمن يتعزز بالدنيا ويستنكف عن مجالسة المؤمنين ، وهو متصل بقوله : {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ} [الكهف : 28] . واختلف في اسم هذين الرجلين وتعيينهما ؛ فقال الكلبي : نزلت في أخوين من أهل مكة مخزوميين ، أحدهما مؤمن وهو أبو سلمة عبدالله بن عبدالأسد بن هلال بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ، زوج أم سلمة قبل النبي صلى الله عليه وسلم. والآخر كافر وهو الأسود بن عبدالأسد ، وهما الأخوان المذكوران في سورة "الصافات" في قوله : {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ} [الصافات : 51] ، ورث كل واحد منهما أربعة آلاف دينار ، فأنفق أحدهما مال في سبيل الله وطلب من أخيه شيئا فقال ما قال... ؛ ذكره الثعلبي والقشيري. وقيل : نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وأهل مكة. وقيل : هو مثل لجميع من آمن بالله وجميع من كفر. وقيل : هو مثل لعيينة بن حصن وأصحابه مع سلمان وصهيب وأصحابه ؛ شبههم الله برجلين من بني إسرائيل أخوين أحدهما مؤمن واسمه يهوذا ؛ في قول ابن عباس. وقال مقاتل : اسمه تمليخا. والآخر كافر واسمه قرطوش. وهما اللذان وصفهما الله تعالى في سورة الصافات. وكذا ذكر محمد بن الحسن المقرئ قال : اسم الخير منهما تمليخا ، والآخر قرطوش ، وأنهما كانا شريكين ثم اقتسما المال فصار لكل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار ، فاشترى المؤمن منهما عبيدا بألف وأعتقهم ، وبالألف الثانية ثيابا فكسا العراة ، وبالألف الثالثة طعاما فأطعم الجوع ، وبنى أيضا مساجد ، وفعل خيرا. وأما الآخر فنكح بماله نساء ذوات يسار ، واشترى دواب وبقرا فاستنتجها فنمت له نماء مفرطا ، وأتجر بباقيها فربح حتى فاق أهل زمانه غنى ؛ وأدركت الأول الحاجة ، فأراد أن يستخدم نفسه في جنة يخدمها فقال : لو ذهبت لشريكي وصاحبي فسألته أن يستخدمني في بعض جناته رجوت أن يكون ذلك أصلح بي ، فجاءه فلم يكد يصل إليه من غلظ الحجاب ، فلما دخل عليه وعرفه وسأله حاجته قال له : ألم أكن قاسمتك المال نصفين فما صنعت بمالك ؟ . قال : اشتريت به من الله تعالى ما هو خير منه وأبقى. فقال. أإنك
لمن المصدقين ، ما أظن الساعة قائمة وما أراك إلا سفيها ، وما جزاؤك عندي على سفاهتك إلا الحرمان ، أو ما ترى ما صنعت أنا بمالي حتى آل إلى ما تراه من الثروة وحسن الحال ، وذلك أني كسبت وسفهت أنت ، اخرج عني. ثم كان من قصة هذا الغني ما ذكره الله تعالى في القرآن من الإحاطة بثمره وذهابها أصلا بما أرسل عليها من السماء من الحسبان. وقد ذكر الثعلبي هذه القصة بلفظ آخر ، والمعنى متقارب.
قال عطاء : كانا شريكين لهما ثمانية آلاف دينار. وقيل : ورثاه من أبيهما وكانا أخوين فاقتسماها ، فاشترى أحدهما أرضا بألف دينار ، فقال صاحبه : اللهم إن فلانا قد اشترى أرضا بألف دينار وإني اشتريت منك أرضا في الجنة بألف دينار فتصدق بها ، ثم إن صاحبه بنى دارا بألف دينار فقال : اللهم إن فلانا بنى دارا بألف دينار وإني اشتري منك دارا في الجنة بألف دينار ، فتصدق بها ، ثم تزوج امرأة فأنفق عليها ألف دينار ، فقال : اللهم إن فلانا تزوج امرأة بألف دينار وإني أخطب إليك من نساء الجنة بألف دينار ، فتصدق بألف دينار. ثم اشترى خدما ومتاعا بألف دينار ، وإني أشتري منك خدما ومتاعا من الجنة بألف دينار ، فتصدق بألف دينار. ثم أصابته حاجة شديدة فقال : لعل صاحبي ينالني معروفه فأتاه فقال : ما فعل مالك ؟ فأخبره قصته فقال : وإنك لمن المصدقين بهذا الحديث والله لا أعطيك شيئا ثم قال له : أنت تعبد إله السماء ، وأنا لا أعبد إلا صنما ؛ فقال صاحبه : والله لأعظنه ، فوعظه وذكره وخوفه. فقال : سر بنا نصطد السمك ، فمن صاد أكثر فهو على حق ؛ فقال له : يا أخي إن الدنيا أحقر عند الله من أن يجعلها ثوابا لمحسن أو عقابا لكافر. قال : فأكرهه على الخروج معه ، فابتلاهما الله ، فجعل الكافر يرمي شبكته ويسمي باسم صنمه ، فتطلع متدفقه سمكا. وجعل المؤمن يرمي شبكته ويسمي باسم الله فلا يطلع له فيها شيء ؛ فقال له : كيف ترى أنا أكثر منك في الدنيا نصيبا ومنزلة ونفرا ، كذلك أكون أفضل منك في الآخرة إن كان ما تقول بزعمك حقا. قال : فضج الملك الموكل بهما ، فأمر الله تعالى جبريل أن يأخذه فيذهب به إلى الجنان فيريه منازل المؤمن فيها ، فلما رأى ما أعد الله له قال : وعزتك لا يضره ما ناله من
الدنيا بعد ما يكون مصيره إلى هذا ؛ وأراه منازل الكافر في جهنم فقال : وعزتك لا ينفعه ما أصابه من الدنيا بعد أن يكون مصيره إلى هذا. ثم إن الله تعالى توفى المؤمن وأهلك الكافر بعذاب من عنده ، فلما استقر المؤمن في الجنة ورأى ما أعد الله له أقبل هو وأصحابه يتساءلون ، فقال : {إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ. يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ} [الصافات : 51] الآية ؛ فنادى مناد : يا أهل الجنة هل أنتم مطلعون فاطلع إلى جهنم فرآه في سواء الجحيم ؛ فنزلت {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً} .
بين الله تعالى حال الأخوين في الدنيا في هذه السورة ، وبين حالهما في الآخرة في سورة "الصافات" في قول : {إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ. يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ} - إلى قوله - {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} [الصافات : 51] . قال ابن عطية : وذكر إبراهيم بن القاسم الكاتب في كتابه في عجائب البلاد أن بحيرة تنيس كانت هاتين الجنتين ، وكانتا لأخوين فباع أحدهما نصيبه من الآخر فأنفق في طاعة الله حتى عيره الآخر ، وجرت بينهما المحاورة فغرقها الله تعالى في ليلة ، وإياها عني بهذه الآية. وقد قيل : إن هذا مثل ضربه الله تعالى لهذه الأمة ، وليس بخبر عن حال متقدمة ، لتزهد في الدنيا وترغب في الآخرة ، وجعله زجرا وإنذارا ؛ ذكره الماوردي. وسياق الآية يدل على خلاف هذا ، والله اعلم.
قوله تعالى : {وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} أي أطفناهما من جوانبهما بنخل. والحفاف الجانب ، وجمعه أحفة ؛ ويقال : حف القوم بفلان يحفون حفا ، أي طافوا به ؛ ومنه { حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ} [الزمر : 75] . {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً} أي جعلنا حول الأعناب النخل ، ووسط الأعناب الزرع.
قوله تعالى : {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ} أي كل واحدة من الجنتين ، واختلف في لفظ "كلتا وكلا" هل هو مفرد أو مثنى ؛ فقال أهل البصرة : هو مفرد ؛ لأن كلا وكلتا في توكيد الاثنين نظير "كل" في المجموع ، وهو اسم مفرد غير مثنى ؛ فإذا ولي اسما ظاهرا كان في الرفع والنصب والخفض على حالة واحدة ، تقول : رأيت كلا الرجلين وجاءني كلا الرجلين ومررت بكلا الرجلين ؛ فإذا اتصل بمضمر قلبت الألف ياء في موضع الجر والنصب ، تقول :
رأيت كليهما ومررت بكليهما ، كما تقول عليهما. وقال الفراء : هو مثنى ، وهو مأخوذ من كل فخففت اللام وزيدت الألف للتثنية. وكذلك كلتا للمؤنث ، ولا يكونان إلا مضافين ولا يتكلم بواحد ، ولو تكلم به لقيل : كل وكلت وكلان وكلتان. واحتج بقول الشاعر :
في كلت رجليها سلامى واحده ... كلتاهما مقرونة بزائده
أراد في إحدى رجليها فأفرد. وهذا القول ضعيف عند أهل البصرة ؛ لأنه لو كان مثنى لوجب أن تكون ألفه في النصب والجر ياء مع الاسم الظاهر ، ولأن معنى "كلا" مخالف لمعنى "كل" لأن "كلا" للإحاطة و "كلا" يدل على شيء مخصوص ، وأما هذا الشاعر فإما حذف الألف للضرورة وقدر أنها زائدة ، وما يكون ضرورة لا يجوز أن يجعل حجة ، فثبت أنه اسم مفرد كمعى ، إلا أنه وضع ليدل على التثنية ، كما أن قولهم "نحن" اسم مفرد يدل على اثنين فما فوقهما ، يدل على ذلك قول جرير :
كلا يومي أمامة يوم صد ... وإن لم نأتها إلا لماما
فأخبر عن "كلا" بيوم مفرد ، كما أفرد الخبر بقوله "آتت" ولو كان مثنى لقال آتتا ، ويوما. واختلف أيضا في ألف "كلتا" ؛ فقال سيبويه : ألف "وكلتا" للتأنيث والتاء بدل من لام الفعل وهي واو والأصل كلوا ، وإنما أبدلت تاء لأن في التاء علم التأنيث ، والألف "في كلتا" قد تصير ياء مع المضمر فتخرج عن علم التأنيث ، فصار في إبدال الواو تاء تأكيد للتأنيث. وقال أبو عمر الجرمي : التاء ملحقة والألف لام الفعل ، وتقديرها عنده : فعتل ، ولو كان الأمر على ما زعم الجرمي : التاء ملحقة والألف لام الفعل ، وتقديرها عنده : فعتل ، ولو كان الأمر على ما زعم لقالوا في النسبة إليها كلتوي ، فلما قالوا كلوي وأسقطوا التاء دل على أنهم أجروها مجرى التاء في أخت إذا نسبت إليها قلت أخوي ؛ ذكره الجوهري. قال أبو جعفر النحاس : وأجاز النحويون في غير القرآن الحمل على المعنى ، وأن تقول : كلتا الجنتين آتتا أكلهما ؛ لأن المعنى المختار كلتاهما آتتا. وأجاز الفراء : كلتا الجنتين آتى أكله ، قال : لأن المعنى كل
الجنتين. قال : وفي قراءة عبدالله "كل الجنتين أتى أكله" . والمعنى على هذا عند الفراء : كل شيء من الجنتين آتي أكله. والأكل "بضم الهمزة" ثمر النخل والشجر. وكل ما يؤكل فهو أكل ؛ ومنه قوله تعالى : {أُكُلُهَا دَائِمٌ} [الرعد : 35] وقد تقدم . {آتَتْ أُكُلَهَا} تاما ولذلك لم يقل آتتا. {وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً} أي لم تنقص.
قوله تعالى : {وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً} أي أجرينا وشققنا وسط الجنتين بنهر. {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ} قرأ أبو جعفر وشيبة وعاصم ويعقوب وابن أبي إسحاق "ثمر" بفتح الثاء والميم ، وكذلك قوله : {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} [الكهف : 42] جمع ثمرة. قال الجوهري : الثمرة واحدة الثمر والثمرات ، وجمع الثمر ثمار ؛ مثل جبل وجبال. قال الفراء : وجمع الثمار ثمر ؛ مثل كتاب وكتب ، وجمع الثمر أثمار ؛ مثل أعناق وعنق. والثمر أيضا المال المثمر ؛ يخفف ويثقل. وقرأ أبو عمرو "وكان له ثمر" بضم الثاء وإسكان الميم ، وفسره بأنواع المال. والباقون بضمها في الحرفين. قال ابن عباس : ذهب وفضة وأموال. وقد مضى في "الأنعام" نحو هذا مبينا. ذكر النحاس : حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرني عمران بن بكار قال حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي قال حدثنا شعيب بن إسحاق قال هارون قال حدثني أبان عن ثعلب عن الأعمش أن الحجاج قال : لو سمعت أحدا يقرأ "وكان له ثمر" لقطعت لسانه ؛ فقلت للأعمش : أتأخذ بذلك ؟ فقال : لا ؟ ولا نعمة عين. فكان يقرأ "ثمر" ويأخذه من جمع الثمر. قال النحاس : فالتقدير على هذا القول أنه جمع ثمرة على ثمار ، ثم جمع ثمار على ثمر ؛ وهو حسن في العربية إلا أن القول الأول أشبه والله اعلم ؛ لأن قوله : {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا} يدل على أن له ثمرا.
قوله تعالى : {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} أي يراجعه في الكلام ويجاوبه. والمحاورة المجاوبة ، والتحاور التجاوب. ويقال : كلمته فما أحار إلي جوابا ، وما رجع إلي حويرا ولا حويرة ولا محورة ولا حوارا ؛ أي ما رد جوابا. {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً} النفر : الرهط وهو ما دون العشرة. وأراد ههنا الاتباع والخدم والولد ، حسبما تقدم بيانه.
الآية : 35 {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً}
الآية : 36 {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنْقَلَباً}
قوله تعالى : {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ} قيل : أخذ بيد أخيه المؤمن يطيف به فيها ويريه إياها. {وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} أي بكفره ، وهو جملة في موضع الحال. ومن أدخل نفسه النار بكفره فهو ظالم لنفسه. {قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً} أنكر فناء الدار. {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} أي لا أحسب البعث كائنا. {وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي} أي وإن كان بعث فكما أعطاني هذه النعم في الدنيا فسيعطيني أفضل منه لكرامتي عليه ؛ وهو معنى قوله : {لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنْقَلَباً} وإنما قال ذلك لما دعاه أخوه إلى الإيمان بالحشر والنشر. وفي مصاحف مكة والمدينة والشام "منهما" . وفي مصاحف أهل البصرة والكوفة "منها" على التوحيد ، والتثنية أولى ؛ لأن الضمير أقرب إلى الجنتين.
الآية : 37 {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً}
الآية : 38 {لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً}
قوله تعالى : {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ} يهوذا أو تمليخا ؛ على الخلاف في اسمه. {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً} وعظه وبين له أن ما اعترف به من هذه الأشياء التي لا ينكرها أحد أبدع من الإعادة. و {سَوَّاكَ رَجُلاً} أي جعلك معتدل القامة والخلق ، صحيح الأعضاء ذكرا. {لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي} كذا قرأه أبو عبدالرحمن السلمي وأبو العالية. وروي عن الكسائي "لكن هو الله" بمعنى لكن الأمر هو الله ربي ، فأضمر اسمها فيها. وقرأ الباقون "لكنا" بإثبات الألف. قال الكسائي : فيه تقديم وتأخير ،
تقديره : لكن الله هو ربي أنا ، فحذفت الهمزة من "أنا" طلبا للخفة لكثرة الاستعمال وأدغمت إحدى النونين في الأخرى وحذفت ألف "أنا" في الوصل وأثبتت في الوقف. وقال النحاس : مذهب الكسائي والفراء والمازني أن الأصل لكن أنا فألقيت حركة الهمزة على نون لكن وحذفت الهمزة وأدغمت النون في النون فالوقف عليها لكنا وهي ألف أنا لبيان الحركة. وقال أبو عبيدة : الأصل لكن أنا ، فحذفت الألف فالتقت نونان فجاء بالتشديد لذلك ، وأنشدنا الكسائي :
لهنك من عبسية لوسيمة ... على هنوات كاذب من يقولها
أراد : لله إنك ، فأسقط إحدى اللامين من "لله" وحذف الألف من إنك. وقال آخر فجاء به على الأصل :
وترمينني بالطرف أي أنت مذنب ... وتقلينني لكن إياك لا أقلي
أي لكن أنا. وقال أبو حاتم : ورووا عن عاصم "لكنا هو الله ربي" وزعم أن هذا لحن ، يعني إثبات الألف في الإدراج. قال الزجاج : إثبات الألف في "لكنا هو الله ربي" في الإدراج جيد ؛ لأنه قد حذفت الألف من أنا فجاؤوا بها عوضا. قال : وفي قراءة أبي "لكن أنا هو الله ربي" . وقرأ ابن عامر والمسيلي عن نافع ورويس عن يعقوب "لكنا" في حال الوقف والوصل معا بإثبات الألف. وقال الشاعر :
أنا سيف العشيرة فاعرفوني ... حميدا قد تذريت السناما
وقال الأعشى :
فكيف أنا وانتحال القوافي ... بعد المشيب كفى ذاك عارا
ولا خلاف في إثباتها في الوقف. {هُوَ اللَّهُ رَبِّي} "هو" ضمير القصة والشأن والأمر ؛ كقوله : {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنبياء : 97] وقوله : {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص : 1] . وَلا أُشْرِكُ




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.67 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.04 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.51%)]