عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 06-07-2025, 02:30 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,639
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (10)
سُورَةُ الكهف
من صــ 386 الى صــ 395
الحلقة (448)



من لم يستثن ، وإنها كفارة لنسيان الاستثناء. وقال الجمهور : هو دعاء مأمور به دون هذا التخصيص. وقيل : هو قوله : {إِنْ شَاءَ اللَّهُ} [الصافات : 102] الذي كان نسيه عند يمينه. حكي عن ابن عباس أنه إن نسي الاستثناء ثم ذكر ولو بعد سنة لم يحنث إن كان حالفا. وهو قول مجاهد. وحكى إسماعيل بن إسحاق ذلك عن أبي العالية في قوله تعالى : {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} قال : يستثني إذا ذكره. الحسن : ما دام في مجلس الذكر. ابن عباس : سنتين ؛ ذكره الغزنوي قال : فيحمل على تدارك التبرك بالاستثناء للتخلص عن الإثم. فأما الاستثناء المفيد حكما فلا يصح إلا متصلا. السدي : أي كل صلاة نسيها إذا ذكرها. وقيل : استثن باسمه لئلا تنسى. وقيل : اذكره متى ما نسيته. وقيل : إذا نسيت شيئا فاذكره يذكركه. وقيل : اذكره إذا نسيت غيره أو نسيت نفسك ؛ فذلك حقيقة الذكر. وهذه الآية مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهي استفتاح كلام على الأصح ، ولست من الاستثناء في المين بشيء ، وهي بعد تعم جميع أمته ؛ لأنه حكم يتردد في الناس لكثرة وقوعه. والله الموفق.
الآية : 25 {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً}
هذا خبر من الله تعالى عن مدة لبثهم. وفي قراءة ابن مسعود "وقالوا لبثوا" . قال الطبري : إن بني إسرائيل اختلفوا فيما مضى لهم من المدة بعد الإعثار عليهم إلى مدة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال بعضهم : إنهم لبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين ، فأخبر الله تعالى نبيه أن هذه المدة في كونهم نياما ، وأن ما بعد ذلك مجهول للبشر. فأمر الله تعالى أن يرد علم ذلك إليه. قال ابن عطية : فقوله على هذا "لبثوا" الأول يريد في نوم الكهف ، و "لبثوا" الثاني يريد بعد الإعثار إلى مدة محمد صلى الله عليه وسلم ، أو إلى وقت عدمهم بالبلاء. مجاهد : إلى وقت نزول القرآن. الضحاك : إلى أن ماتوا. وقال بعضهم : إنه لما قال { وَازْدَادُوا تِسْعاً} لم يدر الناس أهي ساعات أم أيام أم جمع أم شهور أم أعوام. واختلف بنو إسرائيل بحسب ذلك ، فأمر الله تعالى برد العلم إليه في التسع ، فهي على هذا مبهمة. وظاهر كلام العرب المفهوم منه أنها أعوام ، والظاهر من أمرهم أنهم قاموا ودخلوا الكهف بعد عيسى
بيسير وقد بقيت من الحواريين بقية. وقيل غير هذا على ما يأتي. قال القشيري : لا يفهم من التسع تسع ليال وتسع ساعات لسبق ذكر السنين ؛ كما تقول : عندي مائة درهم وخمسة ؛ والمفهوم منه خمسة دراهم. وقال أبو علي {وَازْدَادُوا تِسْعاً} أي ازدادوا لبث تسع ؛ فحذف. وقال الضحاك : لما نزلت {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ} قالوا سنين أم شهور أم جمع أم أيام ؛ فأنزل الله عز وجل "سنين" . وحكى النقاش ما معناه أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية بحساب الأيام ؛ فلما كان الإخبار هنا للنبي العربي ذكرت التسع ؛ إذ المفهوم عنده من السنين القمرية ، وهذه الزيادة هي ما بين الحسابين. ونحوه ذكر الغزنوي. أي باختلاف سني الشمس والقمر ؛ لأنه يتفاوت في كل ثلاث وثلاثين وثلث سنة سنة فيكون في ثلثمائة تسع سنين. وقرأ الجمهور "ثلثمائة سنين" بتنوين مائة ونصب سنين ، على التقديم والتأخير ؛ أي سنين ثلاثمائة فقدم الصفة على الموصوف ، فتكون "سنين" على هذا بدلا أو عطف بيان. وقيل : على التفسير والتمييز. و "سنين" في موضع سنة. وقرأ حمزة والكسائي بإضافة مائة إلى سنين ، وترك التنوين ؛ كأنهم جعلوا سنين بمنزلة سنة إذ المعنى بهما واحد. قال أبو علي : هذه الأعداد التي تضاف في المشهور إلى الآحاد نحو ثلاثمائة رجل وثوب قد تضاف إلى الجموع. وفي مصحف عبدالله "ثلثمائة سنة" . وقرأ الضحاك "ثلثمائة سنون" بالواو. وقرأ أبو عمرو بخلاف "تسعا" بفتح التاء وقرأ الجمهور بكسرها. وقال الفراء والكسائي وأبو عبيدة : التقدير ولبثوا في كهفهم سنين ثلثمائة.
الآية : 26 {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً}
قوله تعالى : {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا} قيل بعد موتهم إلى نزول القرآن فيهم ، على قول مجاهد. أو إلى أن ماتوا ؛ على قول الضحاك. أو إلى وقت تغيرهم بالبلى ؛ على ما تقدم. وقيل : بما لبثوا في الكهف ، وهي المدة التي ذكرها الله تعالى عن اليهود وإن ذكروا زيادة ونقصانا. أي لا يعلم علم ذلك إلا الله أو من علمه ذلك {لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} .
قوله تعالى : {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} أي ما أبصره وأسمعه. قال قتادة : لا أحد أبصر من الله ولا اسمع. وهذه عبارات عن الإدراك. ويحتمل أن يكون المعنى "أبصر به" أي بوحيه وإرشاده هداك وحججك والحق من الأمور ، واسمع به العالم ؛ فيكونان أمرين لا على وجه التعجب. وقيل. المعنى أبصرهم وأسمعهم ما قال الله فيهم.
قوله تعالى : {مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ} أي لم يكن لأصحاب الكهف ولي يتولى حفظهم دون الله. ويحتمل أن يعود الضمير في "لهم" على معاصري محمد صلى الله عليه وسلم من الكفار. والمعنى : ما لهؤلاء المختلفين في مدة لبثهم ولي دون الله يتولى تدبير أمرهم ؛ فكيف يكونون اعلم منه ، أو كيف يتعلمون من غير إعلامه إياهم.
قوله تعالى : {وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} قرئ بالياء ورفع الكاف ، على معنى الخبر عن الله تعالى. وقرأ ابن عامر والحسن وأبو رجاء وقتادة والجحدري "ولا تشرك" بالتاء من فوق وإسكان الكاف على جهة النبي صلى الله عليه وسلم ، ويكون قوله "ولا يشرك" عطفا على قوله : "أبصر به واسمع" . وقرأ مجاهد "يشرك" بالياء من تحت والجزم. قال يعقوب : لا أعرف وجهه.
مسألة : اختلف في أصحاب الكهف هل ماتوا وفنوا ، أو هم نيام وأجسادهم محفوظة ؛ فروي عن ابن عباس أنه مر بالشام في بعض غزواته مع ناس على موضع الكهف وجبله ، فمشى الناس معه إليه فوجدوا عظاما فقالوا : هذه عظام أهل الكهف. فقال لهم ابن عباس : أولئك قوم فنوا وعدموا منذ مدة طويلة ؛ فسمعه راهب فقال : ما كنت أحسب أن أحدا من العرب يعرف هذا ؛ فقيل له : هذا ابن عم نبينا صلى الله عليه وسلم. وروت فرقة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "ليحجن عيسى بن مريم ومعه أصحاب الكهف فإنهم لم يحجوا بعد" . ذكره ابن عطية.
قلت : ومكتوب في التوراة والإنجيل أن عيسى بن مريم عبدالله ورسوله ، وأنه يمر بالروحاء حاجا أو معتمرا أو يجمع الله له ذلك فيجعل الله حواريه أصحاب الكهف والرقيم ، فيمرون حجاجا فإنهم لم يحجوا ولم يموتوا. وقد ذكرنا هذا الخبر بكماله في كتاب "التذكرة" . فعلى هذا هم نيام ولم يموتوا إلى يوم القيامة ، بل يموتون قبيل الساعة.
الآية : 27 {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً}
قوله تعالى : {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} قيل : هو من تمام قصة أصحاب الكهف ؛ أي اتبع القرآن فلا مبدل لكلمات الله ولا خلف فيما أخبر به من قصة أصحاب الكهف. وقال الطبري : لا مغير لما أوعد بكلماته أهل معاصيه والمخالفين لكتابه. {وَلَنْ تَجِدَ} أنت {مِنْ دُونِهِ} إن لم تتبع القرآن وخالفته. {مُلْتَحَداً} أي ملجأ وقيل موئلا وأصله الميل ومن لجأت إليه فقد ملت إليه. قال القشيري أبو نصر عبدالرحيم : وهذا آخر قصة أصحاب الكهف. ولما غزا معاوية غزوة المضيق نحو الروم وكان معه ابن عباس فانتهى إلى الكهف الذي فيه أصحاب الكهف ؛ فقال معاوية : لو كشف لنا عن هؤلاء فننظر إليهم ؛ فقال ابن عباس : قد منع الله من هو خير منك عن ذلك ، فقال : {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً} [الكهف : 18] فقال : لا انتهي حتى اعلم علمهم ، وبعث قوما لذلك ، فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحا فأخرجتهم ؛ ذكره الثعلبي أيضا. وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الله أن يريه إياهم ، فقال إنك لن تراهم في دار الدنيا ولكن أبعث إليهم أربعة من خيار أصحابك ليبلغوهم رسالتك ويدعوهم إلى الإيمان ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام : كيف أبعثهم ؟ فقال : ابسط كساءك واجلس على طرف من أطرافه أبا بكر وعلى الطرف الآخر عمر وعلى الثالث عثمان وعلى الرابع علي بن أبي طالب ، ثم ادع الريح الرخاء المسخرة لسليمان فإن الله تعالى يأمرها أن تطيعك ؛ ففعل فحملتهم الريح إلى باب الكهف ، فقلعوا منه حجرا ، فحمل الكلب عليهم فلما رآهم حرك رأسه وبصبص بذنبه وأومأ إليهم برأسه أن ادخلوا فدخلوا الكهف فقالوا : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ؛ فرد الله على الفتية أرواحهم فقاموا بأجمعهم وقالوا : عليكم السلام ورحمة الله وبركاته ؛ فقالوا لهم : معشر الفتية ، إن النبي محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليكم السلام ؛ فقالوا : وعلى محمد رسول الله السلام ما دامت السماوات والأرض ، وعليكم بما أبلغتم ، وقبلوا
دينه وأسلموا ، ثم قالوا : أقرئوا محمدا رسول الله منا السلام ، وأخذوا مضاجعهم وصاروا إلى رقدتهم إلى آخر الزمان عند خروج المهدي. فيقال : إن المهدي يسلم عليهم فيحييهم الله ثم يرجعون إلى رقدتهم فلا يقومون حتى تقوم الساعة ، فأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان منهم ، ثم ردتهم الريح فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "كيف وجدتموهم" ؟ . فأخبروه الخبر ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "اللهم لا تفرق بيني وبين أصحابي وأصهاري واغفر لمن أجنبي وأحب أهل بيتي وخاصتي وأصحابي" . وقيل : إن أصحاب الكهف دخلوا الكهف قبل المسيح ؛ فأخبر الله تعالى المسيح بخبرهم ثم بعثوا في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل : كانوا قبل موسى عليه السلام وأن موسى ذكرهم في التوراة ؛ ولهذا سألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل : دخلوا الكهف بعد المسيح ؛ فالله اعلم أي ذلك كان.
الآية : 28 {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً}
قوله تعالى : {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} هذا مثل قوله : {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} [الأنعام : 52] في سورة "الأنعام" وقد مضى الكلام فيه. وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه : جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : عيينة بن حصن والأقرع بن حابس فقالوا : يا رسول الله ؛ إنك لو جلست في صدر المجلس ونحيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم - يعنون سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين ، وكانت عليهم جباب الصوف لم يكن عليهم غيرها - جلسنا إليك وحادثناك وأخذنا عنك ، فأنزل الله تعالى وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً. وَاصْبِرْ
نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ - حتى بلغ - إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا . يتهددهم بالنار. فقام النبي صلى الله عليه وسلم يلتمسهم حتى إذا أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله قال : "الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي ، معكم المحيا ومعكم الممات" . {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} أي طاعته. وقرأ نصر بن عاصم ومالك بن دينار وأبو عبدالرحمن {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} وحجتهم أنها في السواد بالواو. وقال أبو جعفر النحاس : وهذا لا يلزم لكتبهم الحياة والصلاة بالواو ، ولا تكاد العرب تقول الغدوة لأنها معروفة. وروي عن الحسن أي لا تتجاوز عيناك إلى غيرهم من أبناء الدنيا طلبا لزينتها ؛ حكاه اليزيدي. وقيل : لا تحتقرهم عيناك ؛ كما يقال فلان تنبو عنه العين ؛ أي مستحقرا.
قوله تعالى : {تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي تتزين بمجالسة هؤلاء الرؤساء الذين اقترحوا إبعاد الفقراء من مجلسك ؛ ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك ، ولكن الله نهاه عن أن يفعله ، وليس هذا بأكثر من قوله : {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر : 65] . وإن كان الله أعاذه من الشرك. و "تريد" فعل مضارع في موضع الحال ؛ أي لا تعد عيناك مريدا ؛ كقول امرئ القيس :
فقلت له لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا
وزعم بعضهم أن حق الكلام : لا تعد عينيك عنهم ؛ لأن "تعد" متعد بنفسه. قيل له : والذي وردت به التلاوة من رفع العينين يؤول إلى معنى النصب فيها ، إذا كان لا تعد عيناك عنهم بمنزلة لا تنصرف عيناك عنهم ، ومعنى لا تنصرف عيناك عنهم لا تصرف عينيك عنهم ؛ فالفعل مسند إلى العينين وهو في الحقيقة موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ كما قال تعالى :
{فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ} فأسند الإعجاب إلى الأموال ، والمعنى : لا تعجبك يا محمد أموالهم. ويزيدك وضوحا قول الزجاج : إن المعنى لا تصرف بصرك عنهم إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة.
قوله تعالى : {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} روى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى : {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} قال : نزلت في أمية بن خلف الجمحي ، وذلك أنه دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمر كرهه من تجرد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة ؛ فأنزل الله تعالى : {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} يعني من ختمنا على قلبه عن التوحيد. {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} يعني الشرك. {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} قيل هو من التفريط الذي هو التقصير وتقديم العجز بترك الإيمان. وقيل : من الإفراط ومجاوزة الحد ، وكان القوم قالوا : نحن أشراف مضر إن أسلمنا أسلم الناس ؛ وكان هذا من التكبر والإفراط ف في القول. وقيل : "فرطا" أي قدما في الشر ؛ من قولهم : فرط منه أمر أي سبق. وقيل : معنى {أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ} وجدناه غافلا ؛ كما تقول : لقيت فلانا فأحمدته ؛ أي وجدته محمودا. وقال عمرو بن معد يكرب لبني الحارث بن كعب : والله لقد سألناكم فما أبخلناكم ، وقاتلناكم فما أجبناكم ، وهاجيناكم فما أفحمناكم ؛ أي ما وجدناكم بخلاء ولا جبناء ولا مفحمين. وقيل : نزلت : {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} في عيينة بن حصن الفزاري ؛ ذكره عبدالرزاق ، وحكاه النحاس عن سفيان الثوري. والله اعلم.
الآية : 29 {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً}
قوله تعالى : {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} "الحق" رفع على خبر الابتداء المضمر ؛ أي قل هو الحق. وقيل : هو رفع على الابتداء ، وخبره في قوله :
{مِنْ رَبِّكُمْ} . ومعنى الآية : قل يا محمد لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا : أيها الناس من ربكم الحق فإليه التوفيق والخذلان ، وبيده الهدى والضلال ، يهدي من يشاء فيؤمن ، ويضل من يشاء فيكفر ؛ ليس إلي من ذلك شيء ، فالله يؤتي الحق من يشاء وإن كان ضعيفا ، ويحرمه من يشاء وإن كان قويا غنيا ، ولست بطارد المؤمنين لهواكم ؛ فإن شئتم فآمنوا ، وإن شئتم فاكفروا. وليس هذا بترخيص وتخيير بين الإيمان والكفر ، وإنما هو وعيد وتهديد. أي إن كفرتم فقد أعد لكم النار ، وإن آمنتم فلكم الجنة.
قوله تعالى : {إِنَّا أَعْتَدْنَا} أي أعددنا. {لِلظَّالِمِينَ} أي للكافرين الجاحدين. {نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} قال الجوهري : السرادق واحد السرادقات التي تمد فوق صحن الدار. وكل بيت من كرسف فهو سرادق. قال رؤبة :
يا حكم بن المنذر بن الجارود ... سرادق المجد عليك ممدود
يقال : بيت مسردق. وقال سلامة بن جندل يذكر أبرويز وقتله النعمان بن المنذر تحت أرجل الفيلة :
هو المدخل النعمان بيتا سماؤه ... صدور الفيول بعد بيت مسردق
وقال ابن الأعرابي : "سرادقها" سورها. وعن ابن عباس : حائط من نار.الكلبي : عنق تخرج من النار فتحيط بالكفار كالحظيرة. القتبي : السرادق الحجرة التي تكون حول الفسطاط. وقال ابن عزيز. وقيل : هو دخان يحيط بالكفار يوم القيامة ، وهو الذي ذكره الله تعالى في سورة "والمرسلات" . حيث يقول : {انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ} [المرسلات : 30] وقوله : {وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ} [الواقعة : 43] قاله قتادة. وقيل : إنه البحر المحيط بالدنيا. وروي يعلي بن أمية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "البحر هو جهنم - ثم تلا - {نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} -"
ثم قال - والله لا أدخلها أبدا ما دمت حيا ولا يصيبني منها قطرة "ذكره الماوردي. وخرج ابن المبارك من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لسرادق النار أربع جدر كثف كل جدار مسيرة أربعين سنة ". وخرجه أبو عيسى الترمذي ، وقال فيه : حديث حسن صحيح غريب."
قلت : وهذا يدل على أن السرادق ما يعلو الكفار من دخان أو نار ، وجدره ما وصف.
قوله تعالى : {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ} قال ابن عباس : المهل ماء غليظ مثل دردي الزيت. مجاهد : القيح والدم. الضحاك : ماء أسود ، وإن جهنم لسوداء ، وماؤها أسود وشجرها أسود وأهلها سود. وقال أبو عبيدة : هو كل ما أذيب من جواهر الأرض من حديد ورصاص ونحاس وقصدير ، فتموج بالغليان ، فذلك المهل. ونحوه عن ابن مسعود قال سعيد بن جبير : هو الذي قد انتهى حره. وقال : المهل ضرب من القطران ؛ يقال : مهلت البعير فهو ممهول. وقيل : هو السم. والمعنى في هذه الأقوال متقارب. وفي الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله "كالمهل" قال : "كعكر الزيت فإذا قربه إلى وجهه سقطت فروة وجهه" قال أبو عيسى : هذا حديث إنما نعرفه من حديث رشدين بن سعد ورشدين قد تكلم فيه من قبل حفظه. وخرج عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : {وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ} قال : "يقرب إلى فيه فكرهه فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه إذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره . يقول الله تعالى {وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} [محمد : 15] يقول {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً} قال : حديث غريب."
قلت : وهذا يدل على صحة تلك الأقوال ، وأنها مرادة ، والله اعلم. وكذلك نص عليها أهل اللغة. في الصحاح "المهل" النحاس المذاب. ابن الأعرابي : المهل المذاب من
الرصاص. وقال أبو عمرو. المهل دردي الزيت. والمهل أيضا القيح والصديد. وفي حديث أبي بكر : ادفنوني في ثوبي هذين فإنهما للمهل والتراب. و {مُرْتَفَقاً} قال مجاهد : معناه مجتمعا ، كأنه ذهب إلى معنى المرافقة. ابن عباس : منزلا. عطاء : مقرا. وقيل مهادا. وقال القتبي : مجلسا ، والمعنى متقارب ؛ وأصله من المتكأ ، يقال منه : ارتفقت أي اتكأت على المرفق. قال الشاعر :
قالت له وارتفقت ألا فتى ... يسوق بالقوم غزالات الضحى
ويقال : ارتفق الرجل إذا نام على مرفقه لا يأتيه نوم. قال أبو ذؤيب الهذلي :
نام الخلي وبت الليل مرتفقا ... كأن عيني فيها الصاب مدبوح
الصاب : عصارة شجر مر.
الآية : 30 {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً}
الآية : 31 {أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً}
لما ذكر ما أعد للكافرين من الهوان ذكر أيضا ما للمؤمنين من الثواب. وفي الكلام إضمار ؛ أي لا نضيع أجر من أحسن منهم عملا ، فأما من أحسن عملا من غير المؤمنين فعمله محبط. و "عملا" نصب على التمييز ، وإن شئت بإيقاع "أحسن" عليه. وقيل :





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.16 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.53 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.53%)]