
06-07-2025, 02:09 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,519
الدولة :
|
|
رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى

تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (10)
سُورَةُ الإسراء
من صــ 326 الى صــ 335
الحلقة (442)
"صفحة رقم 326"
شداد بن معقل قال قال عبد الله يعني بن مسعود : إن هذا القرآن الذي بين أظهركم يوشك أن ينزع منكم قال : قلت كيف ينزع منا وقد أثبته الله في قلوبنا وثبتناه في مصاحفنا قال : يسرى عليه في ليلة واحدة فينزع مافي القلوب ويذهب مافي المصاحف ويصبح الناس منه فقراء ثم قرأ ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك وهذا إسناد صحيح وعن بن عمر : لاتقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث نزل له دوي كدوي النحل فيقول الله مابالك فيقول : يا رب منك خرجت وإليك أعود أتلى فلا يعمل بي أتلى ولايعمل بي قلت : قد جاء معنى هذا مرفوعا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وحذيفة قال حذيفة قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ) يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى مايدري ماصيام ولا صلاة ولانسك ولاصدقة فيسرى على كتاب الله تعالى في ليلة فلا يبقى منه في الأرض آية ولاتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله وهم لايدرون ما صلاة ولاصيام ولا نسك ولا صدقة ) قال له صلة : ماتغني عنهم لا إله إلا الله وهم لايدرون ماصلاة ولاصيام ولانسك ولاصدقة فأعرض عنه حذيفة ثم رددها ثلاثا كل ذلك يعرض عنه حذيفة ثم أقبل عليه حذيفة فقال : يا صلة تنجيهم من النار ثلاثا خرجه بن ماجة في السنن وقال عبد الله بن عمر : خرج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهو معصوب الرأس من وجع فضحك فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ) أيها الناس ماهذه الكتب التي تكتبون أكتاب غير كتاب الله يوشك أن يغضب الله لكتابه فلا يدع ورقا ولا قلبا إلا أخذ منه ) قالوا : يا رسول الله فكيف بالمؤمنين والمؤمنات يومئذ قال : ) من أراد الله به خيرا أبقى في قلبه لا إله إلا الله ) ذكره الثعلبي والغزنوي وغيرهما في التفسير
الإسراء : ) 88 ( قل لئن اجتمعت . . . . .
) الاسراء 88 (
"صفحة رقم 327"
أي عوينا ونصيرا مثل ما يتعاون الشعراء على بيت شعر فيقيمونه نزلت حين قال الكفار : لو نشاء لقلنا مثل هذا فأكذبهم الله تعالى وقد مضى القول في إعجاز القرآن في أول الكتاب والحمد لله ولا يأتون ( جواب القسم في لئن وقد يجزم على إرادة الشرط قال الشاعر : لئن كان ما حدثته اليوم صادقا أقم في نهار القيظ للشمس باديا
الإسراء : ) 89 ( ولقد صرفنا للناس . . . . .
) الاسراء 89 (
قوله تعالى : ) ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ( أي وجهنا القول فيه بكل مثل يجب به الاعتبار من الآيات والعبر والترغيب والترهيب والأوامر والنواهي وأقاصيص الأولين والجنة والنار والقيامة ) فأبى أكثر الناس إلا كفورا ( يريد أهل مكة بين لهم الحق وفتح لهم وأمهلهم حتى تبين لهم أنه الحق فأبوا إلا الكفر وقت تبين الحق قال المهدوي : ولا حجة للقدري في قولهم : لا يقال أبى إلا لمن أبى فعل ما هو قادر عليه لأن الكافر وإن كان غير قادر على الإيمان بحكم الله عليه بالإعراض عنه وطبعه على قلبه فقد كان قادرا وقت الفسحة والمهلة على طلب الحق وتمييزه من الباطل
الإسراء : ) 90 ( وقالوا لن نؤمن . . . . .
) الاسراء 90 : 93 (
"صفحة رقم 328"
قوله تعالى : ) وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ( الآية نزلت في رؤساء قريش مثل عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبي سفيان والنضر بن الحارث وأبي جهل وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف وأبي البختري والوليد بن المغيرة وغيرهم وذلك أنهم لما عجزوا عن معارضة القرآن ولم يرضوا به معجزة اجتمعوا فيما ذكر بن إسحاق وغيره بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة ثم قال بعضهم لبعض : ابعثوا إلى محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليكلموك فآتهم فجاءهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بدو وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حريصا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم حتى جلس إليهم فقالوا له : يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلمك وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك لقد شتمت الآباء وعبت الدين وشتمت الآلهة وسفهت الأحلام وفرقت الجماعة فما بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك أو كما قالوا له فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك وكانوا يسمون التابع من الجن رئيا فربما كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك فقال لهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ) ما بي ما تقولون ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل علي كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم ) أو كما قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قالوا : يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدا ولا أقل ماء ولا أشد عيشا منا فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير
"صفحة رقم 329"
عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا وليبسط لنا بلادنا وليخرق لنا فيها أنهارا كأنهار الشام وليبعث لنا من مضى من آبائنا وليكن فيمن يبعث لنا قصي بن كلاب فإنه كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا به منزلتك من الله تعالى وأنه بعثك رسولا كما تقول فقال لهم صلوات الله عليه وسلامه : ) ما بهذا بعثت إليكم إنما جئتكم من الله تعالى بما بعثني به وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم ) قالوا : فإذا لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك واسأله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم فقال لهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ) ما أنا بفاعل وما أنا بالذي يسأل ربه هذا وما بعثت بهذا إليكم ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا أو كما قال فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم ) قالوا : فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل قال فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ) ذلك إلى الله عز وجل إن شاء أن يفعله بكم فعل ) قالوا : يا محمد فما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب فيتقدم إليك فيعلمك بما تراجعنا به ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذ لم نقبل منك ما جئتنا به إنه قد بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل من اليمامة يقال له الرحمن وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا فقد أعذرنا إليك يا محمد وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك أو تهلكنا وقال قائلهم : نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله وقال قائلهم : لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا فلما قالوا ذلك لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قام عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وهو بن عمته وهو لعاتكة بنت عبد المطلب فقال له : يا محمد عرض عليك
"صفحة رقم 330"
قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله فلم تفعل ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل أو كما قال له فوالله لا أومن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها ثم تأتي معك بصك معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول وأيم الله لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك ثم انصرف عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وانصرف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى أهله حزينا آسفا لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه ولما رأى من مباعدتهم إياه كله لفظ بن إسحاق وذكر الواحدي عن عكرمة عن بن عباس : فأنزل الله تعالى وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ) ينبوعا ( يعني العيون عن مجاهد وهي يفعول من نبع ينبع وقرأ عاصم وحمزة والكسائي تفجر لنا مخففة واختاره أبو حاتم لأن الينبوع واحد ولم يختلفوا في تفجر الأنهار أنه مشدد قال أبو عبيد : والأولى مثلها قال أبو حاتم ليست مثلها لأن الأولى بعدها ينبوع وهو واحد والثانية بعدها الأنهار وهي جمع والتشديد يدل على التكثير أجيب بأن ينبوعا وإن كان واحدا فالمراد به الجمع كما قال مجاهد الينبوع عين الماء والجمع الينابيع وقرأ قتادة أو يكون لك جنة ) خلالها ( أي وسطها ) أو تسقط السماء ( قراءة العامة وقرأ مجاهد أو يسقط السماء على إسناد الفعل إلى السماء ) كسفا ( قطعا عن بن عباس وغيره والكسف [ بفتح السين ] جمع كسفة وهي قراءة نافع وبن عامر وعاصم الباقون كسفا بإسكان السين قال الأخفش : من قرأ كسفا من السماء جعله واحدا ومن قرأ كسفا جعله جمعا قال المهدوي : ومن أسكن السين جاز أن يكون جمع كسفة وجاز أن يكون مصدرا من كسفت الشيء إذا غطيته فكأنهم قالوا : أسقطها طبقا علينا وقال الجوهري : الكسفة القطعة من الشيء يقال : أعطني كسفة من ثوبك والجمع كسف وكسف ويقال : الكسف والكسفة واحد
"صفحة رقم 331"
) أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ( أي معاينة عن قتادة وبن جريج وقال الضحاك وبن عباس : كفيلا قال مقاتل : شهيدا مجاهد : هو جمع القبيلة أي بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة وقيل : ضمناء يضمنون لنا إتيانك به ) أو يكون لك بيت من زخرف ( أي من ذهب عن بن عباس وغيره وأصله الزينة والمزخرف المزين وزخارف الماء طرائقه وقال مجاهد : كنت لا أدري ما الزخرف حتى رأيته في قراءة بن مسعود بيت من ذهب أي نحن لا ننقاد لك مع هذا الفقر الذي نرى ) أو ترقى في السماء ( أي تصعد يقال : رقيت في السلم أرقى رقيا ورقيا إذا صعدت وارتقيت مثله ) ولن نؤمن لرقيك ( أي من أجل رقيك وهو مصدر نحو مضى يمضي مضيا وهوى يهوي هويا كذلك رقى يرقى رقيا ) حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه ( أي كتابا من الله تعالى إلى كل رجل منا كما قال تعالى : بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة ) قل سبحان ربي ( وقرأ أهل مكة والشام قال سبحان ربي يعني النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أي قال ذلك تنزيها لله عز وجل عن أن يعجز عن شيء وعن أن يعترض عليه في فعل وقيل : هذا كله تعجب عن فرط كفرهم واقتراحاتهم الباقون قل على الأمر أي قل لهم يا محمد ) هل كنت ( أي ما أنا ) إلا بشرا رسولا ( أتبع ما يوحى إلي من ربي ويفعل الله ما يشاء من هذه الأشياء التي ليست في قدرة البشر فهل سمعتم أحدا من البشر أتى بهذه الآيات وقال بعض الملحدين : ليس هذا جوابا مقنعا وغلطوا لأنه أجابهم فقال : إنما أنا بشر لا أقدر على شيء مما سألتموني وليس لي أن أتخير على ربي ولم تكن الرسل قبلي يأتون أممهم بكل ما يريدونه ويبغونه وسبيلي سبيلهم وكانوا يقتصرون على ما آتاهم الله من آياته الدالة على صحة نبوتهم فإذا أقاموا عليهم الحجة لم يجب لقومهم أن يقترحوا غيرها ولو وجب على الله أن يأتيهم بكل ما يقترحونه من الآيات لوجب عليه أن يأتيهم بمن يختارونه من الرسل ولوجب لكل إنسان أن يقول : لا أومن حتى أوتى بآية خلاف ما طلب غيري وهذا يؤول إلى أن يكون التدبير إلى الناس وإنما التدبير إلى الله تعالى
"صفحة رقم 332"
الإسراء : ) 94 ( وما منع الناس . . . . .
) الاسراء 94 (
قوله تعالى : ) وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ( يعني الرسل والكتب من عند الله بالدعاء إليه ) إلا أن قالوا ( جهلا منهم ) أبعث الله بشرا رسولا ( أي الله أجل من أن يكون رسوله من البشر فبين الله تعالى فرط عنادهم لأنهم قالوا : أنت مثلنا فلا يلزمنا الانقياد وغفلوا عن المعجزة ف أن الأولى في محل نصب بإسقاط حرف الخفض وأن الثانية في محل رفع ب منع أي وما منع الناس من أن يؤمنوا إذا جاءهم الهدى إلا قولهم أبعث الله بشرا رسولا
الإسراء : ) 95 ( قل لو كان . . . . .
) الاسراء 95 (
أعلم الله تعالى أن الملك إنما يرسل إلى الملائكة لأنه لو أرسل ملكا إلى الآدميين لم يقدروا أن يروه على الهيئة التي خلق عليها وإنما أقدر الأنبياء على ذلك وخلق فيهم ما يقدرون به ليكون ذلك آية لهم ومعجزة وقد تقدم في الأنعام نظير هذه الآية وهو قوله : وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وقد تقدم الكلام فيه
الإسراء : ) 96 ( قل كفى بالله . . . . .
) الاسراء 96 (
يروى أن كفار قريش قالوا حين سمعوا قوله هل كنت إلا بشرا رسولا : فمن يشهد لك أنك رسول الله فنزل قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا
"صفحة رقم 333"
الإسراء : ) 97 ( ومن يهد الله . . . . .
) الاسراء 97 (
قوله تعالى : ) ومن يهد الله فهو المهتدي ( أي لو هداهم الله لاهتدوا ) ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ( أي لا يهديهم أحد ) ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم ( فيه وجهان : أحدهما أن ذلك عبارة عن الإسراع بهم إلى جهنم من قول العرب : قدم القوم على وجوههم إذا أسرعوا الثاني أنهم يسحبون يوم القيامة على وجوههم إلى جهنم كما يفعل في الدنيا بمن يبالغ في هوانه وتعذيبه وهذا هو الصحيح لحديث أنس أن رجلا قال : يا رسول الله الذين يحشرون على وجوههم أيحشر الكافر على وجهه قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ) أليس الذي أمشاه على الرجلين قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة ) : قال قتادة حين بلغه : بلى وعزة ربنا أخرجه البخاري ومسلم وحسبك ) عميا وبكما وصما ( قال بن عباس والحسن : أي عمي عما يسرهم بكم عن التكلم بحجة صم عما ينفعهم وعلى هذا القول حواسهم باقية على ما كانت عليه وقيل : إنهم يحشرون على الصفة التي وصفهم الله بها ليكون ذلك زيادة في عذابهم ثم يخلق ذلك لهم في النار فأبصروا لقوله تعالى : ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها وتكلموا لقوله تعالى : دعوا هنالك ثبورا وسمعوا لقوله تعالى : سمعوا لها تغيظا وزفيرا وقال مقاتل بن سليمان : إذا قيل لهم اخسئوا فيها ولا تكلمون المؤمنون صاروا عميا لا يبصرون صما لا يسمعون بكما لا يفقهون وقيل : عموا حين دخلوا النار لشدة سوادها وانقطع كلامهم حين قيل لهم : اخسئوا فيها ولا تكلمون وذهب الزفير والشهيق بسمعهم فلم يسمعوا شيئا ) مأواهم جهنم ( أي مستقرهم ومقامهم ) كلما خبت ( أي سكنت عن الضحاك
"صفحة رقم 334"
وغيره مجاهد طفئت يقال : خبت النار تخبو خبوا أي طفئت وأخبيتها أنا ) زدناهم سعيرا ( أي نارا تتلهب وسكون التهابها من غير نقصان في آلامهم ولا تخفيف عنهم من عذابهم وقيل : إذا أرادت أن تخبو كقوله : وإذا قرأت القرآن
الإسراء : ) 98 ( ذلك جزاؤهم بأنهم . . . . .
) الاسراء 98 : 99 (
قوله تعالى : ) ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا ( أي ذلك العذاب جزاء كفرهم ) وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا ( أي ترابا ) أئنا لمبعوثون خلقا جديدا ( فأنكروا البعث فأجابهم الله تعالى فقال : ) أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه ( قيل : في الكلام تقديم وتأخير أي أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض وجعل لهم أجلا لا ريب فيه قادر على أن يخلق مثلهم والأجل : مدة قيامهم في الدنيا ثم موتهم وذلك ما لا شك فيه إذ هو مشاهد وقيل : هو جواب قولهم : أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا وقيل : هو يوم القيامة ) فأبى الظالمون إلا كفورا ( أي المشركون إلا جحودا بذلك الأجل وبآيات الله وقيل : ذلك الأجل هو وقت البعث ولا ينبغي أن يشك فيه
الإسراء : ) 100 ( قل لو أنتم . . . . .
) الاسراء 100 (
"صفحة رقم 335"
قوله تعالى : ) قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي ( أي خزائن الأرزاق وقيل : خزائن النعم وهذا أعم ) إذا لأمستكم خشية الإنفاق ( من البخل وهو جواب قولهم : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا حتى نتوسع في المعيشة أي لو توسعتم لبخلتم أيضا وقيل : المعنى لو ملك أحد المخلوقين خزائن الله لما جاد بها كجود الله تعالى لأمرين : أحدهما أنه لا بد أن يمسك منها لنفقته وما يعود بمنفعته الثاني أنه يخاف الفقر ويخشى العدم والله تعالى يتعالى في وجوده عن هاتين الحالتين والإنفاق في هذه الآية بمعنى الفقر قاله بن عباس وقتادة وحكى أهل اللغة أنفق وأصرم وأعدم وأقتر إذا قل ماله ) وكان الإنسان قتورا ( أي بخيلا مضيقا يقال : قتر على عياله يقتر ويقتر قترا وقتورا إذا ضيق عليهم في النفقة وكذلك التقتير والإقتار ثلاث لغات واختلف في هذه الآية على قولين : أحدهما أنها نزلت في المشركين خاصة قاله الحسن والثاني أنها عامة وهو قول الجمهور وذكره الماوردي
الإسراء : ) 101 ( ولقد آتينا موسى . . . . .
) الاسراء 101 (
قوله تعالى : ) ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ( اختلف في هذه الآيات فقيل : هي بمعنى آيات الكتاب كما روى الترمذي والنسائي عن صفوان بن عسال المرادي أن يهوديين قال أحدهما لصاحبه : اذهب بنا إلى هذا النبي نسأله فقال : لا تقل له نبي فإنه إن سمعنا كان له أربعة أعين فأتيا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فسألاه عن قول الله تعالى : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ) لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسرقوا ولا تسحروا ولا تمشوا ببريء إلى سلطان فيقتله ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف شك شعبة وعليكم يا معشر اليهود خاصة ألا تعدوا في السبت ) فقبلا يديه ورجليه وقالا : نشهد أنك نبي قال
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|