عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 06-07-2025, 01:56 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (10)
سُورَةُ الإسراء
من صــ 286 الى صــ 295
الحلقة (438)






"صفحة رقم 286"
وصف له منه شيئا قال : صدقت أشهد أنك رسول الله قال : حتى إذا انتهى قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لأبي بكر رضي الله عنه : ) وأنت يا أبا بكر الصديق ) فيومئذ سماه الصديق قال الحسن : وأنزل الله تعالى فيمن ارتد عن الإسلام لذلك : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا فهذا حديث الحسن عن مسرى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وما دخل فيه من حديث قتادة وذكر باقي الإسراء عمن تقدم في السيرة وقال بن عباس : هذه الشجرة بنو أمية وأن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) نفى الحكم وهذا قول ضعيف محدث والسورة مكية فيبعد هذا التأويل إلا أن تكون هذه الآية مدنية ولم يثبت ذلك وقد قالت عائشة لمروان : لعن الله أباك وأنت في صلبه فأنت بعض من لعنة الله ثم قال : والشجرة الملعونة في القرآن ولم يجر في القرآن لعن هذه الشجرة ولكن الله لعن الكفار وهم آكلوها والمعنى : والشجرة الملعونة في القرآن آكلوها ويمكن أن يكون هذا على قول العرب لكل طعام مكروه ضار : ملعون وقال بن عباس : الشجرة الملعونة هي هذه الشجرة التي تلتوي على الشجر فتقتله يعني الكشوث ) ونخوفهم ( أي بالزقوم ) فما يزيدهم ( التخويف إلا الكفر
الإسراء : ) 61 ( وإذ قلنا للملائكة . . . . .
)
الاسراء 61 : 62 (

قوله تعالى : ) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ( تقدم ذكر كون الشيطان عدو الإنسان فانجر الكلام إلى ذكر آدم والمعنى : اذكر بتمادي هؤلاء المشركين وعتوهم على ربهم قصة إبليس حين عصى ربه وأبى السجود وقال ما قال وهو ما أخبر الله تعالى في قوله تعالى
"صفحة رقم 287"
)
فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا ( أي من طين وهذا استفهام إنكار وقد تقدم القول في خلق آدم في البقرة والأنعام مستوفى ) قال أرأيتك ( أي قال إبليس والكاف توكيد للمخاطبة ) هذا الذي كرمت علي ( أي فضلته علي ورأى جوهر النار خيرا من جوهر الطين ولم يعلم أن الجواهر متماثلة وقد تقدم هذا في الأعراف وهذا نصب بأرأيت الذي نعته والإكرام : اسم جامع لكل ما يحمد وفي الكلام حذف تقديره : أخبرني عن هذا الذي فضلته علي لم فضلته وقد خلقتني من نار وخلقته من طين فحذف لعلم السامع وقيل : لا حاجة إلى تقدير الحذف أي أترى هذا الذي كرمته علي لأفعلن به كذا وكذا ومعنى ) لأحتنكن ( في قول بن عباس : لأستولين عليهم وقاله الفراء مجاهد : لأحتوينهم بن زيد : لأضلنهم والمعنى متقارب أي لأستأصلن ذريته بالإغواء والإضلال ولأجتاحنهم وروي عن العرب : إحتنك الجراد الزرع إذا ذهب به كله وقيل : معناه لأسوقنهم حيث شئت وأقودنهم حيث أردت من قولهم : حنكت الفرس أحنكه وأحنكه حنكا إذا جعلت في فيه الرسن وكذلك احتنكه والقول الأول قريب من هذا لأنه إنما يأتي على الزرع بالحنك وقال الشاعر : أشكو إليك سنة قد أجحفت جهدا إلى جهد بنا وأضعفت واحتنكت أموالنا واجتلفت ) إلا قليلا ( يعني المعصومين وهم الذين ذكرهم الله في قوله : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وإنما قال إبليس ذلك ظنا كما قال الله تعالى : ولقد صدق عليهم إبليس ظنه سبأ أو علم من طبع البشر تركب الشهوة فيهم أو بنى على قول الملائكة : أتجعل فيها من يفسد فيها وقال الحسن : ظن ذلك لأنه وسوس إلى آدم عليه السلام فلم يجد له عزما

الإسراء : ) 63 ( قال اذهب فمن . . . . .
)
الاسراء 63 (

"صفحة رقم 288"
قوله تعالى : ) قال اذهب ( هذا أمر إهانة أي اجهد جهدك فقد أنظرناك ) فمن تبعك ( أي أطاعك من ذرية آدم ) فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا ( أي وافرا عن مجاهد وغيره وهو نصب على المصدر يقال : وفرته أفره وفرا ووفر المال بنفسه يفر وفورا فهو وافر فهو لازم ومتعد
الإسراء : ) 64 ( واستفزز من استطعت . . . . .
)
الاسراء 64 (

فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ) واستفزز ( أي استزل واستخف وأصله القطع ومنه تفزز الثوب إذا انقطع والمعنى استزله بقطعك إياه عن الحق واستفزه الخوف أي استخفه وقعد مستوفزا أي غير مطمئن واستفزز أمر تعجيز أي أنت لا تقدر على إضلال أحد وليس لك على أحد سلطان فافعل ما شئت الثانية قوله تعالى : ) بصوتك ( وصوته كل داع يدعو إلى معصية الله تعالى عن بن عباس مجاهد : الغناء والمزامير واللهو الضحاك : صوت المزمار وكان آدم عليه السلام أسكن أولاد هابيل أعلى الجبل وولد قابيل أسفله وفيهم بنات حسان فزمر اللعين فلم يتمالكوا أن انحدروا فزنوا ذكره الغزنوي وقيل : بصوتك بوسوستك الثالثة قوله تعالى : ) وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ( أصل الإجلاب السوق بجلبة من السائق يقال : أجلب إجلابا والجلب والجلبة : الأصوات تقول منه : جلبوا بالتشديد وجلب الشيء يجلبه ويجلبه جلبا وجلبا وجلبت الشيء إلى نفسي واجتلبته بمعنى وأجلب على العدو إجلابا أي جمع عليهم فالمعنى أجمع عليهم كلما تقدر عليه من مكايدك
"صفحة رقم 289"
وقال أكثر المفسرين : يريد كل راكب وماش في معصية الله تعالى وقال بن عباس ومجاهد وقتادة : إن له خيلا ورجلا من الجن والإنس فما كان من راكب وماش يقاتل في معصية الله فهو من خيل إبليس ورجالته وروى سعيد بن جبير ومجاهد عن بن عباس قال : كل خيل سارت في معصية الله وكل رجل مشت في معصية الله وكل مال أصيب من حرام وكل ولد بغية فهو للشيطان والرجل جمع راجل مثل صحب وصاحب وقرأ حفص ورجلك بكسر الجيم وهما لغتان يقال : رجل ورجل بمعنى راجل وقرأ عكرمة وقتادة ورجالك على الجمع الرابعة ) وشاركهم في الأموال والأولاد ( أي اجعل لنفسك شركة في ذلك فشركته في الأموال إنفاقها في معصية الله قاله الحسن وقيل : هي التي أصابوها من غير حلها قاله مجاهد بن عباس : ما كانوا يحرمونه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وقاله قتادة الضحاك : ما كانوا يذبحونه لآلهتهم والأولاد قيل : هم أولاد الزنى قاله مجاهد والضحاك وعبد الله بن عباس وعنه أيضا هو ما قتلوا من أولادهم وأتوا فيهم من الجرائم وعنه أيضا : هو تسميتهم عبد الحارث وعبد العزى وعبد اللات وعبد الشمس ونحوه وقيل : هو صبغة أولادهم في الكفر حتى هودوهم ونصروهم كصنع النصارى بأولادهم بالغمس في الماء الذي لهم قاله قتادة وقول خامس روي عن مجاهد قال : إذا جامع الرجل ولم يسم انطوى الجان على إحليله فجامع معه فذلك قوله تعالى : لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان وسيأتي وروي من حديث عائشة قالت قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ) إن فيكم مغربين ) قلت : يا رسول الله وما المغربون قال : ) الذين يشترك فيهم الجن ) رواه الترمذي الحكيم في [ نوادر الأصول ] قال الهروي : سموا مغربين لأنه دخل فيهم عرق غريب قال الترمذي الحكيم : فللجن مساماة بابن آدم في الأمور والاختلاط فمنهم من يتزوج فيهم وكانت بلقيس ملكة سبأ أحد أبويها من الجن وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى
"صفحة رقم 290"
الخامسة قوله تعالى : ) وعدهم ( أي منهم الأماني الكاذبة وأنه لا قيامة ولا حساب وأنه إن كان حساب وجنة ونار فأنتم أولى بالجنة من غيركم يقويه قوله تعالى : يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا أي باطلا وقيل وعدهم أي عدهم النصرة على من أرادهم بسوء وهذا الأمر للشيطان تهدد ووعيد له وقيل : استخفاف به وبمن اتبعه السادسة وفي الآية ما يدل على تحريم المزامير والغناء واللهو لقوله : واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم على قول مجاهد وما كان من صوت الشيطان أو فعله وما يستحسنه فواجب التنزه عنه وروى نافع عن بن عمر أنه سمع صوت زمارة فوضع أصبعيه في أذنيه وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول : يا نافع أتسمع فأقول نعم فمضى حتى قلت له لا فوضع يديه وأعاد راحلته إلى الطريق وقال : رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سمع صوت زمارة راع فصنع مثل هذا قال علماؤنا : إذا كان هذا فعلهم في حق صوت لا يخرج على الاعتدال فكيف بغناء أهل هذا الزمان وزمرهم وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة لقمان إن شاء الله تعالى
الإسراء : ) 65 ( إن عبادي ليس . . . . .
)
الاسراء 65 (

قوله تعالى : ) إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ( قال بن عباس : هم المؤمنون وقد تقدم الكلام فيه ) وكفى بربك وكيلا ( أي عاصما من القبول من إبليس وحافظا من كيده وسوء مكره
الإسراء : ) 66 ( ربكم الذي يزجي . . . . .
)
الاسراء 66 (

"صفحة رقم 291"
قوله تعالى : ) ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر ( الإزجاء : السوق ومنه قوله تعالى : ألم تر أن الله يزجي سحابا وقال الشاعر : يأيها الراكب المزجي مطيته سائل بني أسد ما هذه الصوت وإزجاء الفلك : سوقه بالريح اللينة والفلك هنا جمع وقد تقدم والبحر الماء الكثير عذبا كان أو ملحا وقد غلب هذا الاسم على الملح وهذه الآية توقيف على آلاء الله وفضله عند عباده أي ربكم الذي أنعم عليكم بكذا وكذا فلا تشركوا به شيئا ) لتبتغوا من فضله ( أي في التجارات وقد تقدم ) إنه كان بكم رحيما (
الإسراء : ) 67 ( وإذا مسكم الضر . . . . .
)
الاسراء 67 (

قوله تعالى : ) وإذا مسكم الضر في البحر ( الضر لفظ يعم خوف الغرق والإمساك عن الجري وأهوال حالاته اضطرابه وتموجه ) ضل من تدعون إلا إياه ( ضل معناه تلف وفقد وهي عبارة تحقير لمن يدعى إلها من دون الله والمعنى في هذه الآية : أن الكفار إنما يعتقدون في أصنامهم أنها شافعة وأن لها فضلا وكل واحد منهم بالفطرة يعلم علما لا يقدر على مدافعته أن الأصنام لا فعل لها في الشدائد العظام فوقفهم الله من ذلك على حالة البحر حيث تنقطع الحيل ) فلما نجاكم إلى البر أعرضتم ( أي عن الإخلاص ) وكان الإنسان كفورا ( الإنسان هنا الكافر وقيل : وطبع الإنسان كفورا للنعم إلا من عصمه الله فالإنسان لفظ الجنس
الإسراء : ) 68 ( أفأمنتم أن يخسف . . . . .
)
الاسراء 68 (

"صفحة رقم 292"
قوله تعالى : ) أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر ( بين أنه قادر على هلاكهم في البر وإن سلموا من البحر والخسف : أن تنهار الأرض بالشيء يقال : بئر خسيف إذا انهدم أصلها وعين خاسف أي غارت حدقتها في الرأس وعين من الماء خاسفة أي غار ماؤها وخسفت الشمس أي غابت عن الأرض وقال أبو عمرو : والخسيف البئر التي تحفر في الحجارة فلا ينقطع ماؤها كثرة والجمع خسف وجانب البر : ناحية الأرض وسماه جانبا لأنه يصير بعد الخسف جانبا وأيضا فإن البحر جانب والبر جانب وقيل : إنهم كانوا على ساحل البحر وساحله جانب البر وكانوا فيه آمنين من أهوال البحر فحذرهم ما أمنوه من البر كما حذرهم ما خافوه من البحر ) أو يرسل عليكم حاصبا ( يعني ريحا شديدة وهي التي ترمي بالحصباء وهي الحصى الصغار قاله أبو عبيدة والقتبي وقال قتادة : يعني حجارة من السماء تحصبهم كما فعل بقوم لوط ويقال للسحابة التي ترمي بالبرد : حاصب : وللريح التي تحمل التراب والحصباء حاصب وحصبة أيضا قال لبيد : جرت عليها أن خوت من أهلها أذيالها كل عصوف حصبه وقال الفرزدق : مستقبلين شمال الشام يضربنا بحاصب كنديف القطن منثور ) ثم لا تجدوا لكم وكيلا ( أي حافظا ونصيرا يمنعكم من بأس الله
الإسراء : ) 69 ( أم أمنتم أن . . . . .
)
الاسراء 69 (

قوله تعالى : ) أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى ( يعني في البحر ) فيرسل عليكم قاصفا من الريح ( القاصف : الريح الشديدة التي تكسر بشدة من قصف الشيء يقصفه أي كسره بشدة والقصف : الكسر يقال : قصفت الريح السفينة وريح قاصف
"صفحة رقم 293"
شديدة ورعد قاصف : شديد الصوت يقال : قصف الرعد وغيره قصيفا والقصيف : هشيم الشجر والتقصف التكسر والقصف أيضا : اللهو واللعب يقال : إنها مولدة ) فيغرقكم بما كفرتم ( أي بكفركم وقرأ بن كثير وأبو عمرو نخسف بكم أو نرسل عليكم أن نعيدكم فنرسل عليكم فنغرقكم بالنون في الخمسة على التعظيم ولقوله : علينا الباقون بالياء لقوله في الآية قبل : إياه وقرأ أبو جعفر وشيبة ورويس ومجاهد فتغرقكم بالتاء نعتا للريح وعن الحسن وقتادة فيغرقكم بالياء مع التشديد في الراء وقرأ أبو جعفر الرياح هنا وفي كل القرآن وقيل : إن القاصف المهلكة في البر والعاصف المغرقة في البحر حكاه الماوردي وقوله : ) ثم لاتجدوا لكم علينا به تبيعا ( قال مجاهد : ثائرا النحاس : وهو من الثأر وكذلك يقال لكل من طلب بثأر أو غيره : تبيع وتابع ومنه فاتباع بالمعروف أي مطالبة
الإسراء : ) 70 ( ولقد كرمنا بني . . . . .
)
الاسراء 70 (

فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ) ولقد كرمنا بني آدم ( الآية لما ذكر من الترهيب ما ذكر بين النعمة عليهم أيضا كرمنا تضعيف كرم أي جعلنا لهم كرما أي شرفا وفضلا وهذا هو كرم نفي النقصان لا كرم المال وهذه الكرامة يدخل فيها خلقهم على هذه الهيئة في امتداد القامة وحسن الصورة وحملهم في البر والبحر مما لا يصح لحيوان سوى بني آدم أن يكون يتحمل بإرادته وقصده وتدبيره وتخصيصهم بما خصهم به من المطاعم والمشارب والملابس وهذا لا يتسع فيه حيوان اتساع بني آدم لأنهم يكسبون المال خاصة دون الحيوان ويلبسون الثياب ويأكلون المركبات من الأطعمة وغاية كل حيوان يأكل لحما نيئا أو طعاما غير
"صفحة رقم 294"
مركب وحكى الطبري عن جماعة أن التفضيل هو أن يأكل بيده وسائر الحيوان بالفم وروي عن بن عباس ذكره المهدوي والنحاس وهو قول الكلبي ومقاتل ذكره الماوردي وقال الضحاك : كرمهم بالنطق والتمييز عطاء : كرمهم بتعديل القامة وامتدادها يمان : بحسن الصورة محمد بن كعب : بأن جعل محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) منهم وقيل أكرم الرجال باللحى والنساء بالذوائب وقال محمد بن جرير الطبري : بتسليطهم على سائر الخلق وتسخير سائر الخلق لهم وقيل : بالكلام والخط وقيل : بالفهم والتمييز والصحيح الذي يعول عليه أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف وبه يعرف الله ويفهم كلامه ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد بعثت الرسل وأنزلت الكتب فمثال الشرع الشمس ومثال العقل العين فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس وأدركت تفاصيل الأشياء وما تقدم من الأقوال بعضه أقوى من بعض وقد جعل الله في بعض الحيوان خصالا يفضل بها بن آدم أيضا كجري الفرس وسمعه وإبصاره وقوة الفيل وشجاعة الأسد وكرم الديك وإنما التكريم والتفضيل بالعقل كما بيناه والله أعلم الثانية قالت فرقة : هذه الآية تقتضي تفضيل الملائكة على الإنس والجن من حيث إنهم المستثنون في قوله تعالى : ولا الملائكة المقربون وهذا غير لازم من الآية بل التفضيل فيها بين الإنس والجن فإن هذه الآية إنما عدد الله فيها على بني آدم ما خصهم به من سائر الحيوان والجن هو الكثير المفضول والملائكة هم الخارجون عن الكثير المفضول ولم تتعرض الآية لذكرهم بل يحتمل أن الملائكة أفضل ويحتمل العكس ويحتمل التساوي وعلى الجملة فالكلام لا ينتهي في هذه المسألة إلى القطع وقد تحاشى قوم من الكلام في هذا كما تحاشوا من الكلام في تفضيل بعض الأنبياء على بعض إذ في الخبر ) لا تخايروا بين الأنبياء ولا تفضلوني على يونس بن متى ) وهذا ليس بشيء لوجود
"صفحة رقم 295"
النص في القرآن في التفضيل بين الأنبياء وقد بيناه في البقرة ومضى فيها الكلام في تفضيل الملائكة والمؤمن الثانية قوله تعالى : ) ورزقناهم من الطيبات ( يعني لذيذ المطاعم والمشارب قال مقاتل : السمن والعسل والزبد والتمر والحلوى وجعل رزق غيرهم ما لا يخفى عليكم من التبن والعظام وغيرها ) وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ( يعني على البهائم والدواب والوحش والطير بالغلبة والاستيلاء والثواب والجزاء والحفظ والتمييز وإصابة الفراسة الرابعة هذه الآية ترد ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ) احرموا أنفسكم طيب الطعام فإنما قوي الشيطان أن يجري في العروق منها ) وبه يستدل كثير من الصوفية في ترك أكل الطيبات ولا أصل له لأن القرآن يرده والسنة الثابتة بخلافه على ما تقرر في غير موضع وقد حكى أبو حامد الطوسي قال : كان سهل يقتات ورق النبق مدة وأكل دقاق ورق التين ثلاث سنين وذكر إبراهيم بن البنا قال : صحبت ذا النون من إخميم إلى الإسكندرية فلما كان وقت إفطاره أخرجت قرصا وملحا كان معي وقلت : هلم فقال لي : ملحك مدقوق قلت نعم قال : لست تفلح فنظرت إلى مزوده وإذا فيه قليل سويق شعير يسف منه وقال أبو يزيد : ما أكلت شيئا مما يأكله بنو آدم أربعين سنة قال علماؤنا : وهذا مما لا يجوز حمل النفس عليه لأن الله تعالى أكرم الآدمي بالحنطة وجعل قشورها لبهائمهم فلا يصح مزاحمة الدواب في أكل التبن وأما سويق الشعير فإنه يورث القولنج وإذا اقتصر الإنسان على خبز الشعير والملح الجريش فإنه ينحرف مزاجه لأن خبز الشعير بارد مجفف والملح يابس قابض يضر الدماغ والبصر وإذا مالت النفس إلى ما يصلحها فمنعت فقد قوومت حكمة الباريء سبحانه بردها ثم يؤثر ذلك في البدن فكان هذا الفعل مخالفا للشرع والعقل ومعلوم أن البدن




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.37 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.74 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.56%)]