شرح سنن أبي داود
(عبد المحسن العباد)
كتاب الإمارة
شرح سنن أبي داود [593]
الحلقة (623)
شرح سنن أبي داود [593]
جاءت السنة النبوية المطهرة بآداب عظيمة في الخطاب بين الناس، وما يجوز من الألفاظ وما يكره، ومن ذلك ما يجوز من التفدية للغير بالنفس أو بالأبوين، وكيفية إبلاغ السلام والرد عليه والدعاء بالحفظ ونحوه، والإجابة بلبيك وسعديك، وغير ذلك.
ما جاء في الرجل يقول: (جعلني الله فداك)
شرح حديث (يا أبا ذر! فقلت لبيك وسعديك يا رسول الله وأنا فداك)
قال الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [ باب في الرجل يقول جعلني الله فداك. حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد ح وحدثنا مسلم حدثنا هشام عن حماد -يعنيان ابن أبي سليمان - عن زيد بن وهب عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (يا أبا ذر ! فقلت: لبيك وسعديك يا رسول الله! وأنا فداك) ]. قال أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: باب في الرجل يقول جعلني الله فداك. أي: في بيان حكمه وأن ذلك سائغ. وقد أورد أبو داود حديث أبي ذر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه، وقال له: (يا أبا ذر ! فقلت: لبيك وسعديك يا رسول الله! وأنا فداك). يعني: وأنا فداء لك. وهذا جواب حسن من أبي ذر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام عندما يناديهم يقول الواحد منهم: (لبيك يا رسول الله وسعديك)، كما جاء في حديث معاذ بن جبل لما كان رديفه على حمار، وبعد ذلك بين له حق الله على العباد وحق العباد على الله عز وجل. وكلمة: (لبيك وسعديك) هي من الكلمات التي يجيب بها الإنسان بجواب حسن عندما ينادى ويدعى، وهي من الأدب في القول والأدب في الجواب عند النداء. و(لبيك) تعني: إجابة بعد إجابة، وأنه مجيب له ومستمر على ذلك. (وسعديك) أيضاً تعني: إسعاداً بعد إسعاد. (وأنا فداؤك) تعني: أنا أفديك بنفسي. هذا هو معنى هذه الكلمات التي أجاب بها أبو ذر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من الجواب الحسن، وكان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام كثيراً ما يقولون: (فداك أبي وأمي)، أو (بأبي أنت وأمي)، أي: أنت مفدى بأبي وأمي، وهذا من أدبهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم ومحبتهم له عليه الصلاة والسلام. وكونهم يفدونه بأرواحهم وأنفسهم ويرخصون كل شيء في محبته؛ وذلك أن النعمة التي ساقها الله عز وجل للمسلمين على يديه هي أعظم وأجل نعمة، وهي أعظم من النعمة التي حصلت من الوالدين وهي الإحسان إلى الإنسان وتنشئته وتربيته؛ لأن نعمة الإسلام لا تماثلها نعمة ولا تعادلها نعمة، وقد جاء الله تعالى بها للمسلمين على يدي الرسول صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث (يا أبا ذر! فقلت لبيك وسعديك يا رسول الله وأنا فداك)
قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ]. موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ حدثنا حماد ]. هو حماد بن سلمة بن دينار، وهو ثقة أخرج له البخاري تعليقاً و مسلم وأصحاب السنن. [ ح وحدثنا مسلم ]. ح: هي للتحول من إسناد إلى إسناد، ومسلم هو ابن إبراهيم ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ حدثنا هشام ]. هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن حماد ]. حماد بن أبي سليمان صدوق أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [ يعنيان ابن أبي سليمان ]. يعني: أن شيخي شيخي أبي داود وهما حماد بن سلمة و هشام الدستوائي لم يزيدا على قولهما: حماد فأتى أبو داود أو من دون أبي داود بكلمة (يعنيان)، وكلمة (يعنيان) الفاعل فيها ألف المثنى التي ترجع إلى شيخي شيخي أبي داود وهما حماد بن سلمة و هشام الدستوائي. فكلمة (يعنيان) قائلها أبو داود أو من دون أبي داود ، وفاعلها ضمير متصل يرجع إلى شيخي شيخي أبي داود . [ عن زيد بن وهب ]. زيد بن وهب ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن أبي ذر ]. هو جندب بن جنادة رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
حكم تفدية غير الرسول وإجابته غيره بـ( لبيك وسعديك )
يمكن أن يفدى غيره عليه الصلاة والسلام إذا كان له منزلة ومكانة، فالتفدية لا بأس بها، لكن التفدية بالأب والأم لا تناسب ولا تصلح إلا للرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يفدي الإنسان بأبويه أحداً من الناس؛ لأن الأبوين لهما حق عليه، ولكن حصل ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن النعمة التي حصلت على يدي الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم من النعمة التي حصلت على يدي الأبوين. وتفدية الرسول صلى الله عليه وسلم هي من تعظيمه عليه الصلاة والسلام وسلوك مسلك الأمم السابقة.. الصحابة سلف هذه الأمة، ومعلوم أنهم كانوا يقولون هذه الكلمة وآباؤهم غير موجودين، وإنما هذا كله لتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وبيان عظيم منزلته، فالصحابة كانوا يقولونها وآباؤهم وأمهاتهم قد ماتوا. أما لفظة: (لبيك وسعديك) فيمكن أن تقال في حق الله وفي حق الرسول صلى الله عليه وسلم وفي حق كل الناس. وسعديك تابعة للبيك ولا تأتي وحدها، فهي لفظ تابع للفظ ولا يأتي وحده مستقلاً بل يأتي تابعاً لغيره، فيمكن أن يقال هذا في الجواب الحسن عندما ينادى الإنسان، وأما جعلني الله فداك، فهي لا تصلح لكل أحد.
ما جاء في الرجل يقول أنعم الله بك عيناً
شرح حديث (كنا نقول في الجاهلية: أنعم الله بك عيناً وأنعم صباحاً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الرجل يقول أنعم الله بك عيناً. حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة أو غيره أن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: (كنا نقول في الجاهلية: أنعم الله بك عيناً، وأنعم صباحاً، فلما كان الإسلام نهينا عن ذلك) . قال عبد الرزاق : قال معمر : يكره أن يقول الرجل: أنعم الله بك عيناً، ولا بأس أن يقول: أنعم الله عينيك أو عينك ]. أورد أبو داود باباً في الرجل يقول: أنعم الله بك عيناً. وأورد فيه حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما الذي فيه: أنهم كانوا في الجاهلية يقولون: أنعم الله بك عيناً، وأنعم صباحاً. وهذه من التحيات التي كانت في الجاهلية، فجاء الإسلام وصاروا يستعملون آداب الإسلام وأمروا بأن يأتوا بآداب الإسلام وبتحية الإسلام التي هي السلام، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتركوا ما كانوا يستعملونه في الجاهلية، وقد نقل أبو داود هذا الأثر عن عمران بن حصين. قوله: [فلما كان الإسلام نهينا عن ذلك. قال عبد الرزاق : قال معمر : يكره أن يقول الرجل: أنعم الله بك عيناً، ولا بأس أن يقول: أنعم الله عينيك أو عينك ]. قوله: أقر الله عينك، هذه دعوة له، وأنعم الله بك عيناً دعوة لغيره، وأن تقر عين غيره به فإن المعنى يكون مستقيماً، ولكن كما هو معلوم تحية الإسلام يؤتى بها، وإذا أتي بهذا يقال: أقر الله عينك بكذا، يعني إذا أراد أن يدعو له بمناسبة أو بولد أو بشيء يسره وأما الأشياء التي كانت في الجاهلية فتركها والإتيان بما هو سائغ سواها هو المطلوب. والفرق بين أقر الله عينك وأنعم الله عينك وبين: أقر الله بك عيناً: أن الأخير معناه الدعاء لغيره، وأن تقر عين غير المخاطب، وأما أقر الله عينك فهو دعاء للمخاطب.
تراجم رجال إسناد حديث (كنا نقول في الجاهلية أنعم الله بك عيناً وأنعم صباحاً)
قوله: [ حدثنا سلمة بن شبيب ]. سلمة بن شبيب ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [ حدثنا عبد الرزاق ]. عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ أخبرنا معمر ]. معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن قتادة أو غيره ]. هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وقد شك هل هو عنه أو عن غيره. [ عن عمران بن حصين ]. وهو صحابي أخرج له أصحاب الكتب الستة. والحديث ضعيف؛ لأن فيه انقطاعاً بين قتادة وبين عمران بن حصين .
ما جاء في الرجل يقول للرجل حفظك الله
شرح حديث (... حفظك الله بما حفظت به نبيه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الرجل يقول للرجل حفظك الله. حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن ثابت البناني عن عبد الله بن رباح الأنصاري قال: حدثنا أبو قتادة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان في سفر له فعطشوا، فانطلق سرعان الناس، فلزمت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلك الليلة، فقال: حفظك الله بما حفظت به نبيه) ]. أورد أبو داود باباً في الرجل يقول للرجل: حفظك الله، أي: يدعو له بأن يحفظه الله، وأورد فيه حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فذهبوا يبحثون عن الماء وبقي أبو قتادة مع الرسول صلى الله عليه وسلم يحرسه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (حفظك الله بما حفظت به نبيه). يعني: أنه حصل منه الجلوس معي لحراسته، فدعا له بأن يحفظه الله جزاء حفظه رسوله صلى الله عليه وسلم، والجزاء من جنس العمل؛ لأن العمل حفظ الرسول صلى الله عليه وسلم وحراسته، والشيء الذي دعا له به أن يحفظه الله عز وجل.
تراجم رجال إسناد حديث (... حفظك الله بما حفظت به نبيه)
قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن ثابت البناني ]. ثابت البناني هو ثابت بن أسلم البناني، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن عبد الله بن رباح الأنصاري ]. عبد الله بن رباح الأنصاري ثقة أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [ حدثنا أبو قتادة ]. أبو قتادة الحارث بن ربعي رضي الله عنه، وهو صحابي أخرج له أصحاب الكتب الستة.
ما جاء في قيام الرجل للرجل
شرح حديث (من أحب أن يمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في قيام الرجل للرجل. حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن حبيب بن الشهيد عن أبي مجلز قال: خرج معاوية رضي الله عنه على ابن الزبير و ابن عامر رضي الله عنهم، فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير ، فقال معاوية لابن عامر : اجلس فإني سمعت رسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (من أحب أن يمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار) ]. أورد أبو داود باباً في قيام الرجل للرجل، وسبق أن مرت ترجمة بعنوان: باب القيام، وهي مطلقة، وهذه مقيدة بأنها قيام له، وهناك أورد تحتها القيام إليه، وذكرنا أن القيام له ثلاث حالات: الأولى: القيام له، والثانية: القيام إليه، والثالثة: القيام عليه. وذكرنا أن القيام إليه سائغ، بأن يكون قيامه إليه ليستقبله أو ليعانقه أو ليصافحه أو ليرافقه في الدخول، وكذلك القيام عليه إذا كان هناك حاجه تدعو إلى ذلك، كما حصل من المغيرة بن شعبة حين وقف على رأس الرسول صلى الله عليه وسلم في وقت كتابة صلح الحديبية بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش، وهذا فيه إظهار احترام الإمام والحرص عليه وتوقيره. وأما القيام له احتراماً ثم يجلس فهذا لا يجوز. والذي جاء في حديث معاوية رضي الله عنه أنه لما دخل على ابن الزبير و ابن عامر قام ابن عامر ولم يقم ابن الزبير ، فمعاوية رضي الله عنه قال: اجلس، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أحب أن يمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار)، فهذا يدل على أنه لا يجوز القيام الذي هو مجرد قيام وجلوس للاحترام وليس قياماً إليه. والحديث يدل أيضاً على ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من بيان السنن والتحذير مما فيه مخالفة ولو كان في ذلك احترام للإنسان؛ لأن ابن عامر قام و ابن الزبير جلس، وأمر معاوية الذي قام أن يجلس، ثم ساق الحديث مع أن ابن عامر قام احتراماً له، لكنه لما كان مخالفاً للسنة لم يسكت على ذلك، بل أمره بأن يجلس. وفيه أيضاً إتباع القول بالدليل؛ لأن معاوية رضي الله عنه قال له: (اجلس) ثم ذكر له الدليل، الذي هو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام يذكرون الحكم ودليله، وهذا فيه ذكر الحكم ودليله، الحكم الذي هو الجلوس، والدليل الذي هو: (من أحب أن يمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار).
تراجم رجال إسناد حديث (من أحب أن يمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار)
قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن حبيب بن الشهيد ]. حبيب بن الشهيد ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن أبي مجلز ]. أبو مجلز هو لاحق بن حميد، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن معاوية ]. معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما أمير المؤمنين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث (... لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضاً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير عن مسعر عن أبي العنبس عن أبي العدبس عن أبي مرزوق عن أبي غالب عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم متوكئاً على عصاً، فقمنا إليه، فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضاً) ]. أورد أبو داود حديث أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي رضي الله عنه: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج عليهم وهو يتوكأ على عصاً فقاموا إليه، فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضاً). يعني: أنهم يقومون ويجلسون تعظيماً، وقد جاء في الحديث أنه لما حصل له السقوط من فرس، وجحش شقه، صلى وصلى الناس وراءه، وكانوا قياماً، فأشار إليهم أن اجلسوا فجلسوا، ثم قال عليه الصلاة والسلام لما فرغ من الصلاة: (كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم، يقومون على رأس ملوكهم وهم جلوس).
تراجم رجال إسناد حديث (... لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضاً)
قوله: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ]. أبو بكر بن أبي شيبة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي . [ حدثنا عبد الله بن نمير ]. عبد الله بن نمير ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن مسعر ]. مسعر بن كدام، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن أبي العنبس ]. أبو العنبس مقبول أخرج له أبو داود . [ عن أبي العدبس ]. أبو العدبس مجهول، أخرج له أبو داود و ابن ماجة . [ عن أبي مرزوق ]. أبو مرزوق لين أخرج له أبو داود و ابن ماجة . [ عن أبي غالب ]. أبو غالب صدوق يخطئ أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن. [ عن أبي أمامة ]. أبو أمامة صدي بن عجلان الباهلي رضي الله عنه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. وهذا الإسناد أكثره بالكنى، وليس فيه إلا ابن نمير و مسعر بن كدام والباقون كلهم مذكورون بكناهم، وثلاثة من الرواة متوالون فيهم كلام؛ فيهم المقبول والمجهول واللين، فهو غير ثابت.
الكلام على أحاديث القيام للرجل
أما ما يتعلق بكون الأعاجم يقومون على رءوس ملوكهم وهم جلوس فإن هذا ثابت في الحديث الصحيح: (كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم جلوس) وأما الحديث الذي بين أيدينا فهو بهذا الإسناد فيه هؤلاء الثلاثة، ولكن هذا الذي قاله الرسول صلى الله عليه وسلم فيه مخالفة الفرس والروم ولا يعارض قصة وقوف المغيرة بن شعبة على رأس الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن ذلك ليس دائماً وأبداً، وإنما هو في حالة مجيء الكفار وإظهار احتفاء المسلمين بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيكون مستثنى من الذي أنكره الرسول في الحديث الصحيح الذي جاء في الصلاة وقال: (لقد كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم، يقومون على رأس ملوكهم وهم جلوس)، لأن فيه إظهار الاحترام والتوقير للإمام أمام الكفار الذين يأتون لأمر ما ويلتقون بالإمام. أحياناً يكون القيام للرجل لمعانقته ومصافحته وذلك عند وصول الرجل إلى مكانه أو يكون القيام عند دخوله، وقد يكون الجمع كبيراً؛ فإذا دخل أول المجلس قام الجميع، فإذا كان سيلتقي به أو يستقبله ويتحرك من مكانه لاستقباله فلا بأس، أو كان الناس يقومون ويتحركون من أماكنهم، أو كان يمشي ويدور عليهم وهم واقفون فلا بأس أيضاً؛ لأنه قيام للمصافحة.
ما جاء في الرجل يقول فلان يقرئك السلام
شرح حديث (... إن أبي يقرئك السلام ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الرجل يقول فلان يقرئك السلام. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا إسماعيل عن غالب قال: إنا لجلوس بباب الحسن إذ جاء رجل فقال: حدثني أبي عن جدي قال: (بعثني أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ائته فأقرئه السلام، قال: فأتيته فقلت: إن أبي يقرئك السلام، قال: عليك وعلى أبيك السلام) ]. أورد أبو داود باباً في قول الرجل: فلان يقرئك السلام، أي: أن نقل السلام أو تحميل السلام من إنسان وإيصاله إلى إنسان سائغ، وأن المرسل إليه السلام يقول: عليك وعليه السلام، أو يقول: عليه السلام، ولكن كونه يجمع بينهما هذا هو الأولى، لأن ذلك مرسل السلام وهذا مبلغ السلام فكلهم يرد عليهم السلام فيقول: عليك وعليه السلام. أورد أبو داود حديث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم غير معروف، وأنه أرسل ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: (قل له إن أبي يقرئك السلام، فلما ذهب إليه وقال: إن أبي يقرئك السلام، قال: عليك وعلى أبيك السلام)، والحديث في إسناده ضعف؛ لأن فيه رجلاً مبهماً، وهو ابن ابن المرسَل، وأما الابن المرسَل فهو الصحابي الذي ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث ( ...إن أبي يقرئك السلام ...)
قوله: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا إسماعيل ]. إسماعيل هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المشهور بابن علية ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن غالب ]. غالب بن خطاف صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن رجل ]. لم أقف عليه.
شرح حديث (إن جبريل يقرأ عليك السلام ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن زكريا عن الشعبي عن أبي سلمة أن عائشة رضي الله عنها حدثته أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لها: (إن جبريل يقرأ عليك السلام، فقالت: وعليه السلام ورحمة الله) ]. أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها في كون النبي صلى الله عليه وسلم أخبرها بأن جبريل يقرئها السلام، فأخبرها رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقالت: وعليه السلام ورحمة الله، وهذا فيه الدليل على أنه يمكن أن يقول الذي أبلغ السلام: وعليه السلام، وإن أتى بعليك وعليه السلام فلا شك أن هذا فيه دعاء للاثنين: المبلغ والذي بلغ عنه.
تراجم رجال إسناد حديث ( إن جبريل يقرأ عليك السلام ...)
قوله: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد الرحيم بن سليمان ]. عبد الرحيم بن سليمان ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن زكريا ]. زكريا بن أبي زائدة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن الشعبي ]. عامر بن شراحيل الشعبي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن أبي سلمة ]. أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ أن عائشة رضي الله عنها]. هي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق ، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ما جاء في الرجل ينادي الرجل فيقول: لبيك
شرح حديث ( ... لبيك وسعديك وأنا فداؤك ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الرجل ينادي الرجل فيقول: لبيك. حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا يعلى بن عطاء عن أبي همام عبد الله بن يسار أن أبا عبد الرحمن الفهري رضي الله عنه قال: (شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حنيناً فسرنا في يوم قائظ شديد الحر، فنزلنا تحت ظل الشجرة، فلما زالت الشمس لبست لأمتي وركبت فرسي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في فسطاطه، فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته قد حان الرواح؟ قال: أجل! ثم قال: يا بلال قم، فثار من تحت سمرة كأن ظله ظل طائر، فقال: لبيك وسعديك وأنا فداؤك، فقال: أسرج لي الفرس، فأخرج سرجاً دفتاه من ليف ليس فيه أشر ولا بطر، فركب وركبنا) وساق الحديث. قال أبو داود : أبو عبد الرحمن الفهري ليس له إلا هذا الحديث، وهو حديث نبيل جاء به حماد بن سلمة ]. أورد أبو داود باباً في الرجل ينادي الرجل فيقول: لبيك، يعني أنه يجيب إذا نودي وقيل له: يا فلان، فيقول لبيك، وقد سبق مثل هذا في باب قول الرجل: جعلني الله فداءك، وهو بمعنى ذاك الحديث المتقدم، في أنه يأتي بقول: لبيك وسعديك، وجعلني الله فداك، أو وأنا فداؤك. وأورده أبو داود من أجل اشتماله على هذا الجواب، ومن أجل الإجابة على النداء بقوله: لبيك. فإذاً: لبيك وسعديك، وجعلني الله فداك، أو أنا فداؤك. يجاب بها أو ببعضها عند النداء، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: لبيك وسعديك، وفي هذا الحديث والذي قبله أنه قال: وجعلني الله فداءك. قال: (شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حنيناً فسرنا في يوم قائظ شديد الحر، فنزلنا تحت ظل الشجرة، فلما زالت الشمس لبست لأمتي وركبت فرسي) ]. هذا أبو عبد الرحمن الفهري يحكي أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في ظل شجرة، وأنه جاء إليه وقد لبس لأمته وركب فرسه، وقال: يا رسول الله الرواح، يعني: الانتقال، والرواح هو الذهاب؛ لأن الغدو يكون في أول النهار والرواح يكون في آخر النهار بعد منتصفه، أي بعد الزوال. فقال: أجل! ثم دعا بلالاً وكان بلال تحت شجرة، فقام مسرعاً كأن ظله ظل طائر، قيل معناه بأنه ضعيف، وقيل: كان تحت ظل شجرة ظلها قليل غير ظليل فقد كان شيئاً يسيراً يكفي طائراً يستظل به، ومعنى ذلك أن الظل الذي كان يستظل به بلال يسير جداً كظل يستظل به طائر. مبالغة في قلته. (فقال: لبيك وسعديك وأنا فداؤك، فقال: أسرج لي الفرس، فأخرج سرجاً دفتاه من ليف) . (أسرج لي الفرس)، يعني: اجعل السرج عليه، والسرج هو الغطاء الذي يكون على ظهر الفرس يركب عليه الراكب بدلاً من أن يكون راكباً على الفرس وهو عري ليس عليه سرج. (دفتاه من ليف). يعني حاشيتاه وطرفاه من ليف، والليف هو ليف النخل. (ليس فيه أشر ولا بطر). يعني: ليس فيه تكبر أو ليس فيه مبالغة كما يحصل من المتكبرين، ولكن ليس معنى ذلك أن كل من يكون غير ذلك فهو متكبر، لكن من شأن أهل التكبر التفاخر والظهور بمظهر فيه غلو ومبالغة.