شرح سنن أبي داود
(عبد المحسن العباد)
كتاب الإمارة
شرح سنن أبي داود [558]
الحلقة (588)
شرح سنن أبي داود [558]
حرص الإسلام على كل ما يقرب بين القلوب ويجمع شملها؛ ولهذا حرم كل ما يكون سبباً في فرقتها، فحرم الغيبة والنميمة، والحسد والبغي، والسب والشتم واللعن، إلى غير ذلك من أسباب الفرقة وتشتت المجتمع، لذا يجب على كل مسلم الحرص على الألفة مع إخوانه، والدفاع عنهم وعن أعراضهم.
ما جاء في الانتصار للنفس
شرح حديث (بينما رسول الله جالس ومعه أصحابه وقع رجل بأبي بكر ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الانتصار. حدثنا عيسى بن حماد أخبرنا الليث عن سعيد المقبري عن بشير بن المحرر عن سعيد بن المسيب أنه قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ومعه أصحابه وقع رجل بأبي بكر رضي الله عنه فآذاه، فصمت عنه أبو بكر ، ثم آذاه الثانية، فصمت عنه أبو بكر ، ثم آذاه الثالثة فانتصر منه أبو بكر، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انتصر أبو بكر ، فقال أبو بكر : أوجدت علي يا رسول الله؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نزل ملك من السماء يكذبه بما قال لك، فلما انتصرت وقع الشيطان، فلم أكن لأجلس إذ وقع الشيطان) ]. أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى هذه الترجمة بعنوان: باب في الانتصار، أي: الانتصار للنفس، والانتقام لها، هذا هو المقصود من الانتصار في هذه الترجمة. وأما الانتصار للحق فهذا أمر محمود؛ لأنه ليس للنفس وإنما هو لله، والترجمة إنما هي في الانتصار للنفس الذي هو الانتقام، ومن المعلوم أن الإنسان عندما يحصل له أذى أو أي شيء، فله أن يجازي بمثل ما جوزي به، ولا يزيد، ولكن صبره هو المطلوب، وهو الأولى والأفضل، وهو المرغب فيه، كما قال الله عز وجل: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل:126]، فقوله: (( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ )) أي: عقوبة ليس فيها زيادة، ولكن هناك شيء أحسن من المعاقبة بالمثل والانتصار للنفس، وهو الصفح والتجاوز، ولهذا قال: (( وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ )). وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: أنه كان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فسبه شخص، وتكلم عليه، فسكت ولم يرد عليه، ثم تكلم ولم يرد عليه، ثم تكلم الثالثة فأجابه أبو بكر وانتصر لنفسه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من مجلسه، فقال أبو بكر: أوجدت علي؟! يعني: أغضبت علي؟ فقال: (نزل ملك من السماء يكذبه بما قال لك، فلما انتصرت وقع الشيطان)؛ لأن الشيطان يريد أن يحصل الخصام والمنازعة، وكل واحد يتكلم على الآخر، ومن المعلوم أن السكوت فيه السلامة، وإذا حصل الرد فقد يكون بأكثر، وقد يكون بالمثل، ولكنه يترتب على ذلك أن يزيد ذلك الذي تكلم أولاً؛ لأنه يريد أن يفتح له الباب في أن يتكلم عليه، ومعلوم أن ذلك سائغ، ولكن تركه في حق من هو من أهل الكمال مثل أبي بكر الصديق رضي الله عنه أولى، فهذا الذي جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم معناه: أنه كان أولى به أن يصفح، وأن يبقى على سكوته، وعلى عدم انتصاره لنفسه، وذلك أكمل له؛ لأنه إذا اقتص حصل له أن أخذ حقه، ولكنه إذا سكت فإنه يحصل الأجر والثواب، ولهذا قال تعالى: (( وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ )). والحاصل: أن الإنسان يجوز أن يرد بالمثل، ولكن الترك والصفح والتجاوز أولى وأفضل، لأنه يحصل به الأجر، ويكون ذلك دافعاً وحافزاً للذي تكلم أن يندم، وأن يحصل منه تغير الحال إلى ما هو أحسن، كما قال الله عز وجل: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:34-35].
تراجم رجال إسناد حديث (بينما رسول الله جالس ومعه أصحابه وقع رجل بأبي بكر ...)
قوله: [ حدثنا عيسى بن حماد ]. عيسى بن حماد هو الملقب بزغبة، وهو مصري ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة. [ أخبرنا الليث ]. هو الليث بن سعد المصري، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن سعيد المقبري ]. سعيد المقبري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن بشير بن المحرر ]. بشير بن المحرر مقبول، أخرج له أبو داود. [ عن سعيد بن المسيب ]. سعيد بن المسيب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. وهذا الحديث مرسل؛ لأنه يتحدث عن شيء حصل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبحضرته، وهو لم يدرك ذلك العصر، فهو مرسل.
شرح حديث (أن رجلاً كان يسب أبا بكر ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد الأعلى بن حماد حدثنا سفيان عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رجلاً كان يسب أبا بكر ..) وساق نحوه ]. أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى متصلة، وذكر الصحابي الذي روي عنه هذا الحديث وهو أبو هريرة ، ويضيف ذلك إلى حكاية ما جرى بين يدي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وقال: (نحوه)، أي: نحو ذلك الكلام المتقدم، وبهذا تكون هذه الطريق المتصلة متفقة مع الطريق المرسلة، فيكون الحديث مقبولاً بذلك.
تراجم رجال إسناد حديث (أن رجلاً كان يسب أبا بكر ...)
قوله: [ حدثنا عبد الأعلى بن حماد ] عبد الأعلى بن حماد لا بأس به، وهي بمعنى: صدوق، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. [ حدثنا سفيان ]. سفيان هو ابن عيينة ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن ابن عجلان ]. هو محمد بن عجلان المدني، وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [ عن سعيد بن أبي سعيد ]. سعيد بن أبي سعيد المقبري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن أبي هريرة ] . هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، فرضي الله عنه وأرضاه. [ قال أبو داود: وكذلك رواه صفوان بن عيسى عن ابن عجلان كما قال سفيان ]. أورد أبو داود للحديث طريقاً أخرى معلقة، وهي مثل الطريق الثانية التي فيها رواية ابن عجلان. وقوله: [ رواه صفوان بن عيسى ]. صفوان بن عيسى ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً و مسلم وأصحاب السنن.
حكم الانتصار للنفس
أبو بكر رضي الله عنه لم يحصل منه الانتصار من أول وهلة، مع أنه سائغ له وجائز، والقرآن جاء بجواز ذلك، ولكن الإنسان إذا تكلم عليه شخص وكان ساكتاً فهل يجيب الملك عنه؟ وهل يكون ذلك لكل أحد كما كان لأبي بكر؛ أم أنه لأبي بكر فقط؟ الله تعالى أعلم.
شرح حديث عائشة (دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندنا زينب بنت جحش ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي ح وحدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة حدثنا معاذ بن معاذ المعنى واحد قال: حدثنا ابن عون قال: كنت أسأل عن الانتصار: وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [الشورى:41] فحدثني علي بن زيد بن جدعان عن أم محمد امرأة أبيه قال ابن عون: وزعموا أنها كانت تدخل على أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: قالت أم المؤمنين: (دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندنا زينب بنت جحش رضي الله عنها، فجعل يصنع شيئاً بيده، فقلت بيده حتى فطنته لها، فأمسك، وأقبلت زينب تقحم لعائشة رضي الله عنهما، فنهاها، فأبت أن تنتهي، فقال لعائشة: سبيها؛ فسبتها، فغلبتها، فانطلقت زينب إلى علي رضي الله عنه فقالت: إن عائشة رضي الله عنها وقعت بكم، وفعلت، فجاءت فاطمة رضي الله عنها فقال لها: إنها حبة أبيك ورب الكعبة! فانصرفت، فقالت لهم: إني قلت له كذا وكذا، فقال لي كذا وكذا، قال: وجاء علي رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه في ذلك). ] أورد أبو داود حديثاً ضعيفاً في هذا الموضوع، وهو موضوع الانتصار للنفس، وذلك أن عائشة رضي الله عنها أم المؤمنين كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءت زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم صنع بيده شيئاً، فصنعت عائشة بيده تنبهه أو تذكره، فكف، وكانت زينب رضي الله عنها تقحم، أي: تعرض لشتمها؛ لأنه كان في نفسها شيء على عائشة ، فسبتها أو تكلمت فيها، فقال: سبيها، فتكلمت عليها وسبتها، فذهبت زينب إلى فاطمة رضي الله تعالى عنها، وقالت: إن عائشة تكلمت فيكم، أي: أهل البيت. قيل: إن المقصود من ذلك: أن زينب أمها أميمة بنت عبد المطلب، وهي هاشمية عمة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولما تكلمت فيها معناه: أنها تكلمت في امرأة تنتمي إلى بني هاشم من جهة أمها، هذا هو المقصود من قولها: (تكلمت فيكم)، فجاءت فاطمة فقال لها: (إنها حبة أبيك) ، الحب بمعنى: المحبوب، والحبة بمعنى: المحبوبة، فزيد بن حارثة وابنه أسامة كل منهما حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعائشة حبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: أنها محبوبته، ثم إنها رجعت وجاء علي رضي الله عنه. والمقصود من ذلك: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرشدها في هذا الحديث إلى أن تنتصر لنفسها، ولكن الحديث غير ثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ وذلك لأن فيه رجلاً ضعيفاً وهو علي بن زيد بن جدعان، وأيضاً في الحديث امرأة أبيه، وهي لا تعرف مجهولة، فالحديث فيه علتان: هذا الضعيف، وهذه المجهولة، وعلى هذا فهو غير ثابت عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
النهي عن سب الموتى
شرح حديث (إذا مات صاحبكم فدعوه ولا تقعوا فيه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في النهي عن سب الموتى. حدثنا زهير بن حرب حدثنا وكيع حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات صاحبكم فدعوه ولا تقعوا فيه) ]. أورد أبو داود باب النهي عن سب الموتى، والإنسان إذا مات فإنه لا يسب؛ إلا إذا كان عنده أمور منكرة، وعنده بدع، وقد خلف وراءه شيئاً غير محمود، فكونه يذكر بما فيه ويحذر منه هذا من النصيحة، وهذا فيه الفائدة للناس، وهي ألا يقعوا في الأمور التي لا تنبغي، وأما إذا لم يكن كذلك فإنه لا يسب، وقد جاءت السنة بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وفي غيره. وقد أورد أبو داود حديث عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات صاحبكم فدعوه ولا تقعوا فيه) . قوله: (إذا مات صاحبكم) أي: الذي بينكم وبينه مصاحبة وصلة، فدعوه ولا تقعوا فيه، ولكن إذا كان عنده أمور محذورة، ويراد التحذير منها، وألا يغتر بها، ولا يفتتن أحد بما عنده من ضلالات إذا كان عنده ضلالات، فإن التحذير منه أمر مطلوب.
تراجم رجال إسناد حديث (إذا مات صاحبكم فدعوه ولا تقعوا فيه)
قوله: [ حدثنا زهير بن حرب ] هو زهير بن حرب أبو خيثمة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، وهو ممن أكثر عنهم الإمام مسلم، إذ روى عنه في صحيحه أكثر من ألف ومائتي حديث. [ حدثنا وكيع ]. هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ حدثنا هشام بن عروة ]. هشام بن عروة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن أبيه ]. أبوه عروة بن الزبير بن العوام ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [ عن عائشة ]. عائشة أم المؤمنين خالته، رضي الله تعالى عنها، وقد مر ذكرها.
حكم الوقوع في المسلم
لا يفهم من الحديث أنه إذا كان حياً يجوز الوقوع فيه، إلا إذا كان عنده أمور منكرة، وأمور لا تنبغي، فيوقع فيه من أجلها، أو استشير في مصاحبته، أو في مشاركته، أو في مصاهرته، أو غير ذلك من الأمور، فإنه يجوز.
حكم سب موتى الكفار
والنهي عن سب الموتى الذي يظهر أنه خاص بموتى المسلمين.
شرح حديث (اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن العلاء أخبرنا معاوية بن هشام عن عمران بن أنس المكي عن عطاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم) ]. أورد أبو داود حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم)، وهذا مثل ما تقدم؛ أي: أنهم يدعونهم ولا يسبونهم، وفي الحديث الآخر الصحيح: (لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا)، وأما ذكر المحاسن إذا كان فيه فائدة، وهو كلام حق، وليس فيه كذب، وليس فيه كلام يخالف الواقع، وفي ذلك مصلحة وهي بيان ما فيه ليعلم، وليؤتسى به، وليقتدى به، وليذكر ويشكر على ذلك، فإنه لا بأس به؛ ولكن الحديث في إسناده رجل فيه ضعف، وأما عدم ذكر المساوي فهذا موجود في أحاديث كثيرة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث (اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم)
قوله: [ حدثنا محمد بن العلاء ]. محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ أخبرنا معاوية بن هشام ]. معاوية بن هشام صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن. [ عن عمران بن أنس المكي ]. عمران بن أنس المكي ضعيف، أخرج له أبو داود والترمذي . [ عن عطاء ]. هو عطاء بن أبي رباح المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن ابن عمر ]. هو عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث علته هذا الرجل الضعيف الذي هو عمران بن أنس .
النهي عن البغي
شرح حديث (كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في النهي عن البغي. حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان أخبرنا علي بن ثابت عن عكرمة بن عمار قال: حدثني ضمضم بن جوس قال: قال أبو هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر، فوجده يوماً على ذنب، فقال له: أقصر، فقال: خلني وربي، أبعثت علي رقيباً؟! فقال: والله! لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة، فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالماً؟ أو كنت على ما في يدي قادراً؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار) قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده! لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته ]. أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: باب في النهي عن البغي، والبغي: هو الاعتداء والظلم، وقد مر قريباً قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد)؛ لأن البغي هو الاعتداء والظلم. وأورد المصنف هنا حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلين من بني إسرائيل كانا متآخيين، أي: كان بينهما رفقة وصداقة، وكان أحدهما يجتهد في العبادة، والثاني يحصل منه ذنوب، وكان المجتهد ينصحه، وينهاه، ومرة من المرات نهاه، فتكلم بكلام أثاره، وقال: أبعثت علي رقيباً؟! خلني وشأني! فغضب ذلك المجتهد وقال: والله! لا يغفر الله لك، أو والله! لا يغفر الله لفلان، أي: أنه تألى على الله، وحلف أن الله لن يغفر له، وهذا هو الاعتداء، وهذا هو الظلم؛ لأنه أقسم على الله أنه لن يغفر لفلان، ومعلوم أن الله عز وجل يغفر الذنوب جميعاً إلا ما كان شركاً، كما قال الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، ثم إن الله قبض أرواحهما وقال لهذا الذي تكلم: أكنت بي عالماً؟ أو على ما في يدي قادراً؟ ثم قال للذي كان يذنب: اذهب وادخل الجنة برحمتي، فقد تجاوز عنه ورحمه، وقال للذي قال هذه الكلمة: اذهبوا به إلى النار، وذلك من أجل هذه الكلمة. وهذا الحديث لا يفهم منه أنه خالد في النار. فقال أبو هريرة: (والذي نفسي بيده! لتكلم -يعني: هذا المجتهد في العبادة مع ذلك الذي يقترف العصيان- بكلمة أوبقت دنياه وآخرته) أي: أهلكت دنياه وآخرته، وهذا معناه: أنه أمر به إلى النار، وصار من أهل النار، ولكن كما هو معلوم من دخل النار وهو من أهل الإيمان، ومن أهل التوحيد، لا بد أن يخرج منها ويدخل الجنة، ولا يبقى في النار أبد الآباد إلا الكفار الذين هم أهلها والذين لا سبيل لهم إلى الخروج منها، وإنما هم باقون فيها إلى غير نهاية. وقوله: (كلمة) المقصود بذلك هذه الجملة، وهذا الكلام؛ لأن الكلمة تطلق على الكلام، كما أنها تطلق على الكلمة المفردة، وقد جاء ذلك في أحاديث كثيرة كقوله عليه الصلاة والسلام: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، وهي ليست كلمة واحدة، ولذلك يقول ابن مالك في الألفية: واحده كلمة والقول عم وكلمة بها كلام قد يؤم أي: قد يقصد بالكلمة الكلام، وهذا من أمثلته؛ لأنه أريد بالكلمة هنا الكلام، ولم يرد الكلمة المفردة، ومثل هذا يأتي كثيراً في الكتاب والسنة.
تراجم رجال إسناد حديث (كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين ...)
قوله: [ حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان ]. محمد بن الصباح بن سفيان صدوق، أخرج له أبو داود وابن ماجة. [ أخبرنا علي بن ثابت ]. علي بن ثابت صدوق ربما أخطأ، أخرج له أبو داود والترمذي. [ عن عكرمة بن عمار ]. عكرمة بن عمار صدوق يغلط، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [ قال: حدثني ضمضم بن جوس ]. ضمضم بن جوس ثقة، أخرج له أصحاب السنن. [ قال: قال أبو هريرة ]. أبو هريرة رضي الله عنه قد مر ذكره.
وقوع النعيم والعذاب للإنسان بعد موته
الإنسان إذا مات قامت قيامته، ووصل إليه نعيم الجنة، وعذاب النار، كما جاء في حديث البراء بن عازب: أن الميت إذا مات وأدخل قبره، وسئل ووفق في الجواب، وثبت في الجواب، يفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها ونعيمها، وإذا كان بخلاف ذلك، يفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، وكما قال الله عز وجل في آل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46].
شرح حديث (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا ابن علية عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة مثل البغي وقطيعة الرحم) ]. أورد أبو داود حديث أبي بكرة رضي الله عنه: (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله له العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة مثل البغي وقطيعة الرحم)، يعني: أنه تحصل له عقوبة في الدنيا والآخرة، فيجمع له بين العقوبة الدنيوية والأخروية، حيث يجعل له الله العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة، فيجمع له بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، والضرر الذي يحصل في الدنيا، والضرر الذي يحصل في الآخرة، وهذا يدل على عظم وخطورة شأن البغي وقطيعة الرحم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر أن صاحبهما جدير بأن يحصل له هذا وهذا، وأن يجمع له بين هذا وهذا، وهذا يدل على خطورة أمر البغي وقطيعة الرحم.
تراجم رجال إسناد حديث (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة ...)
قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ]. عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي والنسائي فقد أخرج له في عمل اليوم والليلة. [ حدثنا ابن علية ]. هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم بن علية نسبة إلى أمه، وهو مشهور بالنسبة إليها، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن عيينة بن عبد الرحمن ]. عيينة بن عبد الرحمن صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن. [ عن أبيه ]. أبوه ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن. [ عن أبي بكرة ]. هو أبو بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
ما جاء في الحسد
شرح حديث (إياكم والحسد ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الحسد. حدثنا عثمان بن صالح البغدادي حدثنا أبو عامر -يعني عبد الملك بن عمرو- حدثنا سليمان بن بلال عن إبراهيم بن أبي أسيد عن جده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والحسد! فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب أو قال: العشب) . ] أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: باب في الحسد، والحسد حسدان: أحدهما: بمعنى الغبطة، وهو محمود؛ لأن صاحبه لم يتمن زوال النعمة عن الغير، وإنما تمنى أن يكون له مثلها، مع بقائها عند صاحبها، فهذا هو الذي يقال له: غبطة. ثانيهما: الحسد المذموم، وهو تمني زوال النعمة عن الغير، أي: أن الحاسد لا يعجبه ولا يحب أن يبقى الخير عند هذا الغير الذي أعطاه الله إياه، فيحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ويتمنى زوالها عنهم، سواء جاءت إليه أو لا وهذا هو المذموم، وأما ذاك فهو ممدوح، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا حسد إلا في اثنتين) يعني: لا غبطة، وأما الحسد بمعنى تمني زوال النعمة فهذا هو المذموم، وسواء أراد أن تزول وتكون له وتذهب عن صاحبها، أو أن تذهب عن صاحبها ولم يحصل له شيء، وكل ذلك مذموم، والمحمود أن يتمنى أن يكون له مثلها مع بقائها عند صاحبها. وقد أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والحسد! فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، أو كما تأكل النار العشب) . والحسد لا شك أنه وصف ذميم، ومحرم، وقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على تحريمه، وعلى سوء من اتصف به، وجاء القرآن بالتعوذ من حسد الحاسد، وأما هذا الحديث فهو غير ثابت؛ لأن في إسناده من هو متكلم فيه.