عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 04-07-2025, 12:13 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,626
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله


شرح أثر الزهري (الإسلام الكلمة، والإيمان العمل)


قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن عبيد حدثنا ابن ثور عن معمر قال: وقال الزهري : قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14] قال: نرى أن الإسلام: الكلمة، والإيمان: العمل ]. وفي الإسناد السابق قال: وأخبرني الزهري، فجاءت بالواو، والأصل والغالب أن يأتي بدون واو (أخبرني)، والمراد بالإتيان بالواو هناك أنه قد حدثه بحديث آخر، ثم حدثه بهذا الحديث، فترك المعطوف عليه وأتى بالمعطوف الذي هو المقصود وفيه محل الشاهد. وأورد أبو داود هذا الأثر عن الزهري قال: نرى أن الإسلام: الكلمة، والإيمان العمل. فالإسلام: الكلمة، أي: النطق والكلام، فهو شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأما الإيمان فيكون بالعمل، وليس الوقوف عند كلمة أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقول الزهري رحمه الله: الإسلام: الكلمة، أي: القول، فالإنسان يدخل الإسلام بقوله: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وهذا فيما يظهر للناس، وأما البواطن فعلمها عند الله عز وجل، وأما الإيمان وهو العمل، فيدخل فيه عمل القلوب وعمل الجوارح، ومعلوم أن أعمال الجوارح تابعة لأعمال القلوب، كالخشية والرجاء وما إلى ذلك، فإن الجوارح يكون فيها التنفيذ كما جاء في حديث النعمان بن بشير الذي أشرت إليه آنفاً: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)، وكذلك قول بعض السلف: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه ما وقرته القلوب، وصدقته الأعمال. قوله: [ حدثنا محمد بن عبيد عن ابن ثور عن معمر قال: وقال الزهري ]. الزهري مر ذكره، وهذا الأثر مقطوع، وهو المتن الذي ينتهي إلى التابعي أو من دونه، وهو غير المنقطع؛ لأن المنقطع من صفات الأسانيد، وأما المقطوع فهو من صفات المتون، فالمنقطع هو سقوط في أثناء الإسناد.
كلام شيخ الإسلام في قول الزهري (الإسلام الكلمة، والإيمان العمل) والتعليق عليه


قال شيخ الإسلام ابن تيمية قال في كتاب (الإيمان) عن كلمة الزهري : إن فيها حقاً من وجه، وخطأ من وجه، فما أدري شيئاً عن كلام شيخ الإسلام ، فإذا كان المقصود بالإيمان العمل فقط دون أن يكون هناك شيء في القلوب، فنعم هو ليس بصحيح، وأما إذا قيل: إن العمل يكون في القلوب ويكون في الجوارح فهو كلام مستقيم. ولا يفهم من كلام الزهري هذا أنه لا يكفر الشخص بترك الأعمال، إذا ثبت له الإسلام الذي هو أصل الإيمان بالنطق بالشهادتين، نعم الإسلام يثبت للإنسان بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، لكنه لا يعني ذلك أنه يبقى على هذا حتى يموت عليه، من غير أن يسجد لله سجدة، ولا أن يركع لله ركعة، فإذا جاء وقت الصلاة فإنه يطالب بالصلاة، وإذا تركها تهاوناً أو كسلاً فإنه يكون كافراً، وأما الجحود فقد عرفنا أن أي جحد لأمر معلوم من دين الإسلام بالضرورة ولو كان دون الصلاة بكثير فإن ذلك كله يكون كفراً وردة عن الإسلام.
حديث سعد (يا رسول الله أعطيت فلاناً وفلاناً ولم تعط فلاناً شيئاً وهو مؤمن، فقال أو مسلم...) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده


قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق ح وحدثنا إبراهيم بن بشار حدثنا سفيان المعنى قالا: حدثنا معمر عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه: (أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قسم بين الناس قسماً فقلت: أعط فلاناً فإنه مؤمن، قال: أو مسلم؟ إني لأعطي الرجل العطاء وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكب على وجهه) ]. وهذا من جنس الذي قبله. قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق ]. عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ ح وحدثنا إبراهيم بن بشار ]. إبراهيم بن بشار حافظ له أوهام، أخرج له أبو داود و الترمذي . [ حدثنا سفيان عن معمر ]. سفيان هو ابن عيينة ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ حدثنا معمر عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه ]. قد مر ذكرهم جميعاً.
شرح حديث (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)


قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا شعبة قال: واقد بن عبد الله أخبرني عن أبيه أنه سمع ابن عمر يحدث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) ]. ذكر أبو داود حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، وهذا الحديث أورده المصنف في هذا الباب من أجل أن ضرب المؤمنين رقاب بعضهم يعد كفراً، والمقصود بذلك أنه كفر دون كفر، وهو يدل على أن في ذلك نقصاً للإيمان، وإن أريد به أنه كفر مخرج من الملة، فيكون المقصود أنهم لا يرتدون بعده، فيحصل مع ارتدادهم وكفرهم أن بعضهم يضرب رقاب بعض، ويكون المقصود بذلك ما حصل من بعض الذين ارتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وقاتلهم الصديق وكان ذلك من أجل أعماله رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فقد بذل جهده في أن يرجع الناس إلى ما كانوا عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فسعى في إصلاح الخلل الداخلي، ثم بعد ذلك انتقل إلى جهاد الكفار وغزوهم في بلادهم بعد أن قاتل المرتدين، فرجع من رجع منهم إلى الإسلام، وقتل من قتل منهم على الردة. فإنه يحتمل هذا، ويحتمل أن يكون المقصود به حصول المشابهة للكفار الذين يسهل عليهم القتل، فإن من شأنهم التقاطع وقتل بعضهم بعضاً، وشأن المسلمين بخلاف ذلك، فهم متوادون ومتراحمون ومتعاطفون. وعلى هذا فإيراد المصنف الحديث هنا في زيادة الإيمان ونقصانه على اعتبار أن هذا الفعل ليس ردة، ولا يتعلق بالمرتدين، وإنما يتعلق بالمسلمين الذين يحصل منهم التقاتل بغير حق. وقد جاء في بعض الأحاديث: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)، والمقصود من ذلك أنه كفر دون كفر، فيكون ذلك: من قبيل المعاصي الكبيرة، ومعلوم أن الذنب الذي يوصف بأنه كفر يكون من أكبر الكبائر، ومن أخطر الأشياء.
تراجم رجال إسناد حديث (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)


قوله: [ حدثنا أبو الوليد الطيالسي ]. أبو الوليد الطيالسي هو هشام بن عبد الملك الطيالسي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ حدثنا شعبة ]. هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ واقد بن عبد الله أخبرني ]. هو واقد بن عبد الله بن محمد بن زيد العدوي ، وهو ثقة، أخرج له البخاري و مسلم و أبو داود و النسائي . وهذا فيه تأخير الصيغة عن الراوي أو المحدث؛ لأنه قال: واقد أخبرني، بدلاً من أن يقول: أخبرني واقد عن أبيه، ومعروف عن شعبة أنه كان يستعمل ذلك أحياناً. وهناك طريقة لبعض العلماء في تقديم المتن وتأخير السند، وهذا الأسلوب كان يستعمله ابن خزيمة ، وقد جاء عنه أنه قال: أنه يحرج على من يأخذ من كتابه ألا يغير الصيغة التي أتى بها، بل عليه أن يروي عنه كما روى، وكما جاء عنه، وجاء عند البخاري رحمه الله في مواضع قليلة تقديم المتن وتأخير الإسناد، وقد جاء ذلك عنه في كتابه التفسير من صحيحه، وذلك في أول تفسير سورة فصلت، فإنه ذكر أثراً طويلاً عن ابن عباس ، فأتى بالمتن أولاً ثم أتى بالإسناد في الآخر، وكذلك فعل أيضاً في أثر علي رضي الله عنه الذي فيه: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟!) وقال الحافظ ابن حجر : إن هذا فيه إشارة إلى أن هذا ليس على شرطه، أي: مثل هذه الصيغة، ثم ذكر كلام ابن خزيمة وطريقته وأنه يمنع أن تغير طريقته عند النقل منه، بل ينبه على ما حصل منه من التقديم والتأخير. وهذا الأثر والكلام الذي ذكره الحافظ ابن حجر موجود عند تفسير سورة فصلت في الجزء الثامن من فتح الباري، وهذا الجزء مشتمل على كتاب التفسير من صحيح البخاري . وأبوه أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ أنه سمع ابن عمر ]. هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة وهم: عبد الله بن عمر و عبد الله بن عمرو بن العاص و عبد الله بن الزبير و عبد الله بن عباس ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة و ابن عمر و ابن عباس و أبو سعيد و أنس و جابر وأم المؤمنين عائشة ، فهم إذاً ستة رجال وامرأة واحدة، رضي الله عنهم وعن الصحابة أجمعين.
دلالة قوله (لا ترجعوا بعدي كفاراً) على حصول الفرقة بين المسلمين بعد وفاته صلى الله عليه وسلم


ولا يدل قوله صلى الله عليه وسلم: (لا ترجعوا بعدي كفاراً) على ما آلت إليه القبائل العربية في الجزيرة بعد قرون من الزمان من قتال بعضهم لبعض، وسلب بعضهم لبعض، فصاروا كحالة الجاهلية الأولى لا يدل على ذلك فقط، لكن كونه يحصل شيء فيما بعد يطابق ما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم فهو جزء من المراد، فالحديث أعم من ذلك، ولكن هذا المعنى ليس مطابقاً لما أورده المصنف هنا من كونه كفراً دون كفر، وأن الصديق رضي الله عنه قاتلهم، فرجع إلى الإسلام من رجع، وقتل على الردة من قتل، وهم المعنيون بما جاء في حديث الذود عن الحوض، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فأقول: أصحابي، فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) أي: أنهم ارتدوا وقتلوا على الردة، وهؤلاء الذين رأوا النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا من أصحابه، ولكنهم أدركهم الخذلان وارتدوا عن الإسلام، وقاتلهم الصديق رضي الله عنه، وقتل منهم من قتل على الردة، ومنهم من رجع إلى الإسلام، عدد يسير. يقول الخطابي عن هذا الحديث: هذا يتأول على وجهين: أحدهما: أن يكون معنى الكفار: المتكفرين بالسلاح، يقال: تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه، فكفر به نفسه، أي: سترها، وأصل الكفر: الستر، ويقال: سمي الكافر كافراً لستره نعمة الله عليه، أو لستره على نفسه شواهد ربوبية الله ودلائل توحيده. وأقول: كونه يتكفر بالسلاح أو يستتر به، أو يحمله هذا لا يكفي، ولكنه يئول أمره إلى كونه يفعل ذلك مستعداً للقتل، فيحصل منه القتل، وأما مجرد ستر نفسه بالسلاح، أو أنه يلبس السلاح، فمجرد هذا لا يكفي بأن يقال عنه: إنه ذنب، وإنه منهي عنه، فالسلاح يلبس عند الحاجة إليه ولا يصير مذموماً، ولكن إذا آل ذلك إلى أمر لا يسوغ، أو أنه فعله استعداداً لفعل أمر لا يسوغ فالعبرة بهذه النهاية، لا بمجرد اللبس فقط، وكون المعنى اللغوي للكفر أنه الستر لا يكفي في أن يكون هو المقصود.
شرح حديث (أيما رجل مسلم أكفر مسلماً فإن كان كافراً، وإلا كان هو الكافر)


قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن فضيل بن غزوان عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أيما رجل مسلم أكفر رجلاً مسلماً فإن كان كافراً وإلا كان هو الكافر) ]. أورد المصنف حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: (أيما رجل مسلم أكفر رجلاً مسلماً فإن كان كافراً وإلا كان هو الكافر) أي: إذا كان المقول له ذلك كافراً، أي: حصل منه كفر، فإن الكلام يكون مطابقاً للواقع، ويكون صحيحاً، وأما إذا لم يكن كذلك ولم يكن كافراً فإن الكفر يعود على القائل، فيكون هو الكافر، ومعنى ذلك: أنه يرجع عليه إثمه ومغبته، لا أنه يكون كافراً خارجاً من الإسلام بمجرد أنه قال هذه الكلمة، فهذا فيه وعيد شديد، وبيان أن ذلك الأمر ليس بالهين، وأن التكفير ليس أمراً سهلاً، وإنما هو صعب وخطير، ولا ينبغي التهاون والتساهل فيه، ولا ينبغي للإنسان أن يتكلم فيه بغير علم. ومثل هذا مسألة الاتهام بالتبديع والتفسيق.
تراجم رجال إسناد حديث (أيما رجل مسلم أكفر مسلماً فإن كان كافراً، وإلا كان هو الكافر)


قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ]. عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، إلا الترمذي وإلا النسائي فأخرج له في عمل اليوم والليلة. [ حدثنا جرير ]. هو جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن فضيل بن غزوان ]. فضيل بن غزوان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن نافع ]. هو نافع مولى ابن عمر ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن ابن عمر ]. ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مر ذكره في الحديث الذي قبل هذا.
شرح حديث (أربع من كن فيه فهو منافق خالص، ومن كانت فيه خلة منهن كان فيه خلة من نفاق حتى يدعها...)


قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أربع من كن فيه فهو منافق خالص، ومن كانت فيه خلة منهن كان فيه خلة من نفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) ]. أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)، وهذه الأمور كلها من النفاق العملي، وليست من النفاق الاعتقادي، فالنفاق الاعتقادي هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر، وأهله في الدرك الأسفل من النار، فلما كان للإسلام قوة وصولة وشوكة لم يستطيعوا أن يظهروا ما في بواطنهم فلجئوا إلى أن يتظاهروا بالإسلام وهم يبطنون الكفر، كما ذكر الله عنهم: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة:14]. فهذه الأمور الواردة في هذا الحديث من النفاق العملي، وليست من النفاق الاعتقادي، لكن من أتى بهذه الأمور مستحلاً لها فإنه يكون كافراً بهذا الاستحلال. وقوله: [(من كن فيه كان منافقاً)، أي: أن من كانت هذه الأمور مجتمعة فيه فقد وصل إلى حد عظيم فيما يتعلق بهذا الوصف، فيكون منافقاً خالصاً في النفاق العملي وليس الاعتقادي، فلا يكون كافراً بمجرد اتصافه بهذه الصفات الذميمة، ولكن يكون عنده تمكن في النفاق، ومن وجدت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق، وأما إذا اجتمعت كلها فيه فقد وصل إلى النهاية والقمة في النفاق العملي، ويكفر العبد -كما قلنا- باستحلال هذه الخصال الذميمة، فمن استحل الكذب فإنه يكفر، وهذا فيما لا يسوغ فيه الكذب وأما ما جاء فيه جواز الكذب سواءً كان صريحاً أو تلويحاً، كالإصلاح بين الناس، وبين المرأة وزوجها، فلا بأس بذلك، وأما استحلال الكذب مطلقاً فلاشك أنه كفر.
تراجم رجال إسناد حديث (أربع من كن فيه فهو منافق خالص، ومن كانت فيه خلة منهن كان فيه خلة من نفاق حتى يدعها...)

قوله: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ]. أبو بكر بن أبي شيبة هو عبد الله بن محمد ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، إلا الترمذي ، وهو ممن أكثر عنه الإمام مسلم ، بل لم يرو عن أحد أكثر مما روى عنه، فقد قيل: إنه روى عنه أكثر من ألف وخمسمائة حديث، ولهذا فالذي يقرأ في (صحيح مسلم ) لا يكاد يفتح صفحة أو صفحات إلا ويمر فيه أبو بكر بن أبي شيبة ؛ لأنه روى عنه عدداً كثيراً من الأحاديث فهو مكثر عنه، ويليه زهير بن حرب أبو خيثمة ، فإنه روى عنه أكثر من ألف ومائتي حديث. [ حدثنا عبد الله بن نمير ]. عبد الله بن نمير ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ حدثنا الأعمش ]. الأعمش هو سليمان بن مهران الكاهلي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن عبد الله بن مرة ]. عبد الله بن مرة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن مسروق ]. هو مسروق بن الأجدع ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن عبد الله بن عمرو ]. هو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن...)


قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو صالح الأنطاكي أخبرنا أبو إسحاق الفزاري عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعد) ]. أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعد)، أي: أنه عندما يحصل منه الزنا فإنه يحصل له نقص في الإيمان؛ لوقوعه في المعصية، فيقع النقص في الإيمان من حين يبدأ بالمعصية وهي الزنا هنا إلى أن يتوب منه، وليس أنه بمجرد توبته منها يكفي ذلك، فقد يكون لتلك المعصية حد في الدنيا، وإن أقيم عليه الحد كان كفارة له، وإن لم يقم عليه الحد فإن أمره إلى الله عز وجل، فإن كان تاب منها فالله تعالى يتوب على من تاب، ولهذا جاء في آخر الحديث: (والتوبة معروضة بعد) أي: بعد هذا الذي حصل من ارتكاب الفاحشة، وهذا إذا لم تصل الروح إلى الغرغرة، وإن مات على تلك المعصية والجريمة فإن أمره إلى الله عز وجل: إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه وأدخله النار، ولكنه إذا أدخله النار فإنه لا يخلده فيها، بل يخرجه منها ويدخله الجنة، ولا يبقى في النار أبد الآباد إلا الكفار الذين هم أهلها، سواءً كانوا كفاراً أصليين، أو مرتدين، أو منافقين نفاقاً اعتقادياً، فإن أولئك هم الذين يبقون فيها إلى غير نهاية. أما من كان مرتكباً للكبائر -سواءً كانت واحدة أو أكثر- فإن أمره إلى الله عز وجل؛ لأن الله تعالى يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، فكل ذنب دون الشرك هو تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، فإنهم يعتبرون صاحب الكبيرة فاسقاً، ولا يخرجونه من الإسلام، ولا يجزمون بعذابه، وإذا عذب فإنهم لا يقولون بتخليده، بل أمره إلى الله عز وجل: إن شاء عفا عنه ولم يعذبه، وإن شاء عذبه، ولكنه إذا عذبه بالنار فلابد أن يخرجه من النار ومآله إلى الجنة، فقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) أي: أنه عند مواقعته المعصية لم يكن عنده كمال الإيمان، بل عنده نقص في الإيمان. وأما الخوارج فإنهم يقولون بكفر الزاني وغير الزاني ممن ارتكب الفواحش والمحرمات، ويقولون بتخليده في النار إلى غير نهاية، ويقول المعتزلة: إنه خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، فهو في منزلة بين منزلة الإيمان والكفر، ولكن في النهاية قولهم مطابق لقول الخوارج بأنه يخلد في النار. فقوله: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) ليس معنى ذلك: أنه ينتفي عنه الإيمان حتى يكون كافراً خارجاً من الإسلام، ولكن المراد أن إيمانه ينقص، ويكون فيه ضعف، ولا يكون كاملاً، بل يكون بسبب الفاحشة أنقص مما كان عليه قبل أن يفعل الفاحشة، وهذا الحديث من الأحاديث التي أوردها أبو داود في زيادة الإيمان ونقصانه، فهذا فيه ينقص الإيمان، (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن والتوبة معروضة بعد)، والله تعالى يتوب على من تاب، فإن التوبة تجب ما قبلها، فالشرك وهو أعظم الظلم، وأبطل الباطل إذا تاب الكافر منه تاب الله عليه، فكذلك ما دونه.
تراجم رجال إسناد حديث (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن...)


قوله: [ حدثنا أبو صالح الأنطاكي ]. أبو صالح الأنطاكي هو محبوب بن موسى، وهو صدوق، أخرج له أبو داود و النسائي . [ أخبرنا أبو إسحاق الفزاري ]. أبو إسحاق الفزاري هو إبراهيم بن محمد بن الحارث ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن الأعمش ]. الأعمش مر ذكره. [ عن أبي صالح ]. أبو صالح السمان اسمه ذكوان ، ولقبه السمان ، ويلقب أيضاً بالزيات نسبة إلى بيع السمن والزيت؛ لأنه كان يجلب السمن والزيت ويبيعهما، فيقال له: السمان ، ويقال له: الزيات ، وهذه نسبة إلى الحرفة، وهذا مثلما يقال: نجار وحداد وخباز. [ عن أبي هريرة ]. هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.
شرح حديث (إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان وكان عليه كالظلة...)


قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا إسحاق بن سويد الرملي حدثنا ابن أبي مريم أخبرنا نافع -يعني ابن يزيد - حدثني ابن الهاد أن سعيد بن أبي سعيد المقبري حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان وكان عليه كالظلة، فإذا انقلع رجع إليه الإيمان) ]. أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا زنى المسلم خرج منه الإيمان وكان فوقه كالظلة، فإذا انقلع) أي: انتهى وفرغ من الزنا أو أقلع عن الزنا فإنه يرجع إليه، وهذا فيه وعيد شديد للزناة، فالزنا أمره خطير، وشأنه عظيم، لكن -كما هو معلوم- لا يقال: إن الزاني يكفر في حال زناه استدلالاً بهذا الحديث، فهناك أحاديث أخرى تبين أنه مرتكب كبيرة، وأن أمره إلى الله عز وجل، وأن التوبة معروضة بعد، وهذا الحديث يدل على خطورته، وأنه فاحشة عظيمة.
تراجم رجال إسناد حديث (إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان وكان عليه كالظلة...)


قوله: [ حدثنا إسحاق بن سويد الرملي ]. إسحاق بن سويد الرملي ثقة، أخرج له أبو داود و النسائي . [ حدثنا ابن أبي مريم ]. ابن أبي مريم هو سعيد بن أبي مريم ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ أخبرنا نافع -يعني ابن يزيد ]. نافع بن يزيد ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً و مسلم و أبو داود و النسائي و ابن ماجة . [ حدثني ابن الهاد ]. ابن الهاد هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ]. سعيد بن أبي سعيد المقبري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن أبي هريرة ]. أبو هريرة مر ذكره.
الأسئلة



حكم الاستثناء في الإسلام


السؤال: هل ورد الاستثناء في الإسلام؟ الجواب: لا أدري، لكن حتى الإسلام يتفاوت، فقد جاءت بعض النصوص التي تدل على أنه يتفاوت في الإطلاق، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) أي: المسلم الكامل، لكن لا نعلم أنه يستثنى في الإسلام، ويمكن أن يكون المعنى الذي جاء في قوله: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، من جنس أنه مؤمن، لكن المعروف أن الإسلام هو الدرجة الدنيا، وهي الدرجة التي يتميز بها عن الكفار، ويكون الإنسان بها من المسلمين.
قول الخطابي (قد يكون العبد مستسلماً في الظاهر غير منقاد في الباطن ولا يكون صادق الباطن غير منقاد في
الظاهر) والتعليق عليه


السؤال: ما صحة هذه العبارة: يقول الخطابي : وأصل الإيمان التصديق، وأصل الإسلام الاستسلام والانقياد، فقد يكون المرء مستسلماً في الظاهر غير منقاد في الباطن، ولا يكون صادق الباطن غير منقاد في الظاهر؟ الجواب: قد يكون العبد مستسلماً في الظاهر وليس عنده الكمال في الباطن، وهذا هو الذي جاء في قول الله عز وجل: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:14] أي: لم يتمكن في القلوب، وإن كان الأصل موجوداً وهو الإسلام، وإذا وجد الاستسلام والانقياد في الباطن فإنه يتبعه الاستسلام في الظاهر؛ لأن الأمر كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث النعمان بن بشير (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، وجاء عن بعض السلف أنه قال: (ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال).

العلاقة بين الكفر والشرك


السؤال: هل لفظ الكفر والشرك من الألفاظ التي نقول فيها: إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت؟ الجواب: لفظتا الكفر والشرك بينهما فرق ولو لم يجتمعا، فالكفر أعم من الشرك، حيث إن الشرك يطلق على ما إذا عبد مع الله غيره، وأما الكفر فإنه يطلق على أمور كثيرة يدخل فيها الشرك، فبينهما إذاً عموم وخصوص مطلق، فكل شرك كفر، وليس كل كفر شركاً؛ لأن الشرك هو دعوة غير الله معه، لكن قد لا يدعو غير الله معه ولكنه يأتي بمكفر آخر كأن يسب الرسول صلى الله عليه وسلم، أو يسب الله تعالى، أو يجحد أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، فهذا مكفر، ولكن لا يقال له: شرك.

الاكتفاء بإطلاق مسمى الإسلام لا يعني نفي أصل الإيمان


السؤال: قولهم: ليس كل مسلم مؤمناً، هل المراد أنه ليس مؤمناً أصلاً، أم أنه لابد من قدر مجزئ من الإيمان؟ الجواب: أصل الإيمان موجود، ولهذا قالوا: إن من جاء عنهم من السلف عدم الاستثناء في الإيمان فإنهم يقصدون بذلك أصل الإيمان، ولا يقصدون بذلك التزكية، وأنهم كاملو الإيمان.

حكم من ينتقد سلف الأمة بالتقصير في كتابة التاريخ


السؤال: هناك رجل عندنا ينتقد سلف الأمة بالإهمال والتقصير الكبير في تدوين التاريخ الإسلامي، فيقول: وهذا بعكس أهل الغرب الذين دونوا تاريخهم، ويطعن أيضاً في أهل السنة حيث إنهم يروون عن الضعفاء والروافض، فلم يصححوا تلك المرويات التاريخية، فأصبح للمسلمين تاريخ غير ثابت، فما نصيحتكم لنا تجاه هذا الرجل، وهو أستاذ لنا في الجامعة؟ الجواب: هذا الكلام كلام باطل وغير صحيح، ومعلوم أن العلم قد دُوِّن، والتاريخ منه ما دون بالأسانيد، ومنه ما جاء بغير أسانيد، ولكن الثبوت لا يعتبر إلا بصحة الأسانيد، والشيء الذي لم تصح به الأسانيد فلا يعتبر ثابتاً، ولكن يمكن أن يذكر على سبيل الحكاية وما إلى ذلك، وأما رواية سلف هذه الأمة عن بعض أهل البدع فإنما هي في شيء لا يؤثر، ولا يتعلق ببدعهم، أو أن غيرهم تابعهم على ذلك ولم تقبل روايتهم على سبيل الاستقلال، وأما الشيء الذي يتعلق بالبدع فإنهم يجتنبونه، وقد تكلم العلماء وبينوا أحوال هؤلاء الذين تكلم فيهم من هذه الناحية، وبينوا الاعتذار عمن روى عنهم كما ذكر آنفاً. والحاصل أن الواجب على كل مسلم أن يحفظ لسانه عن أن يتكلم في علماء أهل السنة والجماعة بما لا ينبغي، بل عليه أن يحسن الظن بهم، وأن يعرف أنهم قد بذلوا جهوداً عظيمة مضنية حفظ الله تعالى بها ما جاء عنه سبحانه وعن رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله تعالى عن الصحابة ومن تبعهم بإحسان، والكلام في علماء أهل السنة ضرره كبير على المتكلم به، كما قال الطحاوي في عقيدة أهل السنة والجماعة: وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل. ثم هذا الذي يتكلم بمثل هذا الكلام ماذا قدم للإسلام، أو ماذا سيقدم للإسلام؟! كل ما قدم أنه جنى على نفسه بأن تكلم وقدح في علماء أهل السنة والجماعة بمثل هذا القدح، وغالباً أن مثل هؤلاء الذين يتكلمون في مثل هذا الشيء يعود عليهم مضرته، ولا يأتون بشيء تعود عليهم منفعته.

حكم الخروج مع جماعة التبليغ للدعوة مع ما يرافق ذلك من تضييع الأهل والأولاد


السؤال: أود الاستفسار عما تطلبه جماعة التبليغ من النساء، وهو خروج المرأة لمدة ثلاثة أيام من منزلها مع مجموعة من النساء في بلد من البلدان داخل مصر، وأما أزواجهن فيكونون في مسجد قريب، ويقضون ثلاثة أيام في سماع ما يسمى بالبيان، وأنا زوجة لرجل من هذه الجماعة، وهو رجل فاضل، وعندي منه ثلاثة أولاد، لكن ولدي الأكبر -وهو في سن المراهقة- بدأ يسير في طريق البعد عن الله، ويفعل أشياء كثيرة مخالفة للهدى والشرع، وزوجي يلح علي أن أُخرج معي ابني في هذا الخروج؛ حتى يصلح الولد، لأنه مقتنع تماماً بهذا العمل، ويتهمني بأني أنا المسئولة عن ضياع ابني؛ لأني لا أسير معه بهذا الطريق، وأني سأضيع أولادي الآخرين بهذا السلوك، فهل طاعتي له في هذا الأمر واجبة؟ وإذا لم أطعه هل أدخل تحت من تُغضب زوجها فتلعنها الملائكة، علماً بأني دائماً أرد عليه بأن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد؟ الجواب: النساء مأمورات بالقرار في البيوت، والاستقامة على طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأما هذا الخروج الذي انتهجته هذه الجماعة فهم غالباً مفتقرون إلى العلم، ومفتقرون إلى معرفة التوحيد، فهم لا يعنون بالتوحيد، ولا يعنون بالاشتغال بالعلم، ولهذا يأتون إلى العامي الذي لا يعرف شيئاً ويطلبون منه الخروج إلى الدعوة إلى الله عز وجل، وهو نفسه بحاجة إلى دعوة! والذي ينبغي عليهم وعلى غيرهم أن يتفقهوا في دين الله عز وجل، وأن يتعلموا العلم النافع، وأن يدعوا إلى الله عز وجل على بصيرة. وهذه المرأة عليها أن تناصح زوجها بأن يبقى معها وألا يخرج معهم، فيبقى هو وإياها يتعاونان على تربية الأولاد، وأما أن يخرج هو ويضيع أهله، أو يطلب من أهله أن تخرج أيضاً معه فإن هذا الخروج ليس بصحيح، وتفقه الإنسان في دين الله عز وجل، ومحافظته على أهله وعلى أولاده أفضل من أن يخرج وهو جاهل، ولا يحصل من وراء هذا الذهاب إلا أن يضيع أهله وأولاده. فالحاصل أن على هذه المرأة أن تنصح زوجها بأن يترك الخروج معهم، وأن يبقى معها، وأن يحرصوا على التفقه في دين الله عز وجل، وعلى تربية الأولاد تربية طيبة."



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 37.10 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 36.48 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.69%)]