الموسوعة التاريخية
علوي عبد القادر السقاف
المجلد الرابع
صـــ 441الى صــ 450
(240)
زلازل قوية بالشام.
العام الهجري: 552الشهر القمري: رجبالعام الميلادي: 1157تفاصيل الحدث:
كان بالشام زلازل كثيرة قوية خربت كثيراً من البلاد، وهلك فيها ما لا يحصى كثرة، فخرب منها بالمرة حماة وشيزر وكفر طاب والمعرة وأفاميا وحمص وحصن الأكراد وعرقة واللاذقية وطرابلس وأنطاكية، وأما ما لم يكثر فيه الخراب ولكن خرب أكثره فجميع الشام، وتهدمت أسوار البلاد والقلاع، فقال نور الدين محمود في ذلك المقام المرضي، وخاف على بلاد الإسلام من الفرنج حيث خربت الأسوار، فجمع عساكره وأقام بأطراف بلاده يغير على بلاد الفرنج ويعمل في الأسوار في سائر البلاد، فلم يزل كذلك حتى فرغ من جميع أسوار البلاد.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
الحرب بين التركمان والإسماعيلية بخراسان.
العام الهجري: 553العام الميلادي: 1158تفاصيل الحدث:
كان بنواحي قهستان طائفة من التركمان، فنزل إليهم جمع من الإسماعيلية من قلاعهم، وهم ألف وسبعمائة، فأوقعوا بالتركمان، فلم يجدوا الرجال، وكانوا قد فارقوا بيوتهم، فنهبوا الأموال، وأخذوا النساء والأطفال، وأحرقوا ما لم يقدروا على حمله، وعاد التركمان ورأوا ما فعل بهم، فتبعوا أثر الإسماعيلية، فأدركوهم وهم يقتسمون الغنيمة، فكبروا وحملوا عليهم، ووضعوا فيهم السيف، فقتلوهم كيف شاؤوا، فانهزم الإسماعيلية وتبعهم التركمان حتى أفنوهم قتلاً وأسراً، ولم ينج إلا تسعة رجال.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
فتنة التركمان بالجبل وقتالهم.
العام الهجري: 553العام الميلادي: 1158تفاصيل الحدث:
كثر فساد التركمان أصحاب برجم الإيوائي بالجبل، فسير إليهم الخليفة العباسي من بغداد عسكرا مقدمهم منكبرس المسترشدي، فلما قاربهم اجتمع التركمان، فالتقوا واقتتلوا هم ومنكبرس، فانهزم التركمان أقبح هزيمة، وقتل بعضهم، وأسر بعضهم، وحملت الرؤوس والأسارى إلى بغداد.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
القتال بين عسكر العبيديين (الفاطميين) والفرنج.
العام الهجري: 553الشهر القمري: صفرالعام الميلادي: 1158تفاصيل الحدث:
جهز الملك الصالح أربعة آلاف وأمر عليهم شمس الخلافة أبا الأشبال ضرغاماً للغارة على بلاد الفرنج، فساروا إلى تل العجول وحاربوا الفرنج في النصف منه، فانهزموا من المسلمين هزيمة قبيحة عليهم. وسير عسكراً آخر في شعبان، فواقعوا الفرنج على العريش وعادوا ظافرين بعدة غنائم ما بين خيول وأموال، وسار الأسطول في يوم الجمعة ثالث عشر ربيع الآخر فانثنى إلى تنيس في الثامن من شعبان وأقلع منه إلى بلاد الفرنج، وفي سادس عشر ربيع الآخر قدم أسطول الإسكندرية وقد امتلأت أيدي الغزاة بالغنائم، وفي ربيع الآخر سار عسكر إلى وادي موسى فنزل على حصن الدميرة وحاصره ثمانية أيام، وتوجه إلى الشوبك وأغار على ما هنالك؛ وأقام أميران على الحصار وعاد بقية العسكر وفي التاسع من جمادى الأولى سار عسكر إلى القدس فخرب وعاد بالغنائم. وورد الخبر بوقعة كانت على طبرية كسر فيها الفرنج وانهزموا، فأخذ الصالح في النفقة على طوائف العسكر، وكان جملة ما أنفقه فيها مائة ألف دينار. فلما تكامل تجهيزهم سير في الخامس من شعبان، فتوجهت لسواحل الشام، وظفرت بمراكب من مراكب الفرنج وعادت بكثير من الغنائم والأسرى في الثاني والعشرين من رمضان. وخرج العسكر في البر وقد ورد الخبر بحركة متملك العريش يريد الغارة على أطراف البلاد، فلما بلغه سير العسكر لم يتحرك، ورجع العسكر
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
معاودة الغز الفتنة بخراسان وقتالهم.
العام الهجري: 553الشهر القمري: شوالالعام الميلادي: 1158تفاصيل الحدث:
كان الأتراك الغزية قد أقاموا بمدينة بلخ واستوطنوها، وتركوا النهب والقتل ببلاد خراسان، واتفقت الكلمة بها على طاعة السلطان خاقان محمود بن أرسلان، وكان المتولي لأمور دولته المؤيد أي أبه، وعن رأيه يصدر محمود، فلما كان هذه السنة، في شعبان، سار الغز من بلخ إلى مرو، وكان السلطان محمود بسرخس في العساكر، فسار المؤيد بطائفة من العسكر إليهم، فأوقع بطائفة منهم، وظفر بهم، ولم يزل يتبعهم إلى أن دخلوا إلى مرو أوائل رمضان وغنم من أموالهم، وقتل كثيراً وعاد إلى سرخس، فاتفق هو والسلطان محمود على قصد الغز وقتالهم، فجمعا العساكر وحشدا، وسارا إلى الغز، فالتقوا سادس شوال من هذه السنة، وجرت بينهم حرب طال مداها، فبقوا يقتتلون من يوم الاثنين تاسع شوال إلى نصف الليل من ليلة الأربعاء الحادي عشر من الشهر، تواقعوا عدة وقعات متتابعة، ولم يكن بينهم راحة، ولا نزول، إلا لما لا بد منه؛ انهزم الغز فيها ثلاث دفعات، وعادوا إلى الحرب. فلما أسفر الصبح يوم الأربعاء انكشف الحرب عن هزيمة عسكر خراسان وتفرقهم في البلاد، وظفر الغز بهم، وقتلوا فأكثروا فيهم، وأما الأسرى والجرحى فأكثر من ذلك.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
الفتنة بين الشافعية والشيعة في استراباذ.
العام الهجري: 554العام الميلادي: 1159تفاصيل الحدث:
وقع في استراباذ فتنة عظيمة بين العلويين ومن يتبعهم من الشيعة وبين الشافعية ومن معهم. وكان سببها أن الإمام محمداً الهروي وصل إلى استراباذ، فعقد مجلس الوعظ، وكان قاضيها أبو نصر سعد بن محمد بن إسماعيل النعيمي شافعي المذهب أيضاً فثار العلويين ومن يتبعهم من الشيعة بالشافعية ومن يتبعهم باستراباذ، ووقعت بين الطائفتين فتنة عظيمة انتصر فيها العلويون، فقتل من الشافعية جماعة، وضرب القاضي ونهبت داره ودور من معه، وجرى عليهم من الأمور الشنيعة ما لا حد عليه، فسمع شاه مازندران الخبر فاستعظمه، وأنكر على العلويين فعلهم، وبالغ في الإنكار مع أنه شديد التشيع، وقطع عنهم جرايات كانت لهم، ووضع الجبايات والمصادرات على العامة، فتفرق كثير منهم وعاد القاضي إلى منصبه وسكنت الفتنة.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
نهاية الدولة النجاحية وقيام دولة بني مهدي باليمن.
العام الهجري: 554العام الميلادي: 1159تفاصيل الحدث:
كان بنو نجاح يحكمون تهامة وكان أميرهم فاتك بن منصور الذي توفي عام 540 هـ وكان ظهر في أيامه المهديون، فهاجموا بإمرة علي بن مهدي بلاد بني نجاح عام 538هـ غير أنهم هزموا وانسحب علي بن مهدي إلى الجبال، وبعد موت فاتك خلفه فاتك بن محمد بن فاتك، وبقي إلى أواخر هذا العام فكان آخر ملوك بني نجاح ونهاية دولتهم به، ثم أغار علي بن مهدي مرة أخرى على زبيد فاستنجد أهلها ببني الرس وكان إمامهم المتوكل أحمد بن سليمان فأنجدهم ودفع عنهم غارات علي بن مهدي الذي استطاع دخولها عام 553هـ
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
ملك عبدالمؤمن جميع إفريقية.
العام الهجري: 554الشهر القمري: صفرالعام الميلادي: 1159تفاصيل الحدث:
لما ملك الفرنج مدينة المهدية وفعلوا ما فعلوا في زويلة المدينة المجاورة للمهدية من القتل والنهب، هرب منهم جماعة وقصدوا عبدالمؤمن صاحب المغرب، وهو بمراكش، يستجيرونه، فلما وصلوا إليه ودخلوا عليه أكرمهم، وأخبروه بما جرى على المسلمين، وأنه ليس من ملوك الإسلام من يقصد سواه، فبدأ بالاستعداد للمسير, فلما كان في صفر من هذه السنة سار عن مراكش، فلم يزل يسير إلى أن وصل إلى مدينة تونس فلما نازلها أرسل إلى أهلها يدعوهم إلى طاعته، فامتنعوا، فقاتلهم ثم نزلوا يسألونه الأمان فأجابهم إليه. وسار عبدالمؤمن منها إلى المهدية والأسطول يحاذيه في البحر, فأخلا الفرنج زويلة، فدخلها عبدالمؤمن. ونظر إلى المهدية فوجد أنها لا تفتح بقتال براً ولا بحراً، وليس لها إلا المطاولة، فحاصرها. وتمادى الحصار، وفي مدته أطاعت مجموعة من المناطق. ثم جاء أسطول صاحب صقلية فأرسل إليهم ملك الفرنج يأمرهم بالمجيء إلى المهدية، فلما قاربوا المهدية حطوا شراعهم ليدخلوا الميناء، فخرج إليهم أسطول عبدالمؤمن، وركب العسكر جميعه، ووقفوا على جانب البحر، فاستعظم الفرنج ما رأوه من كثرة العساكر، ودخل الرعب قلوبهم، فاقتتلوا في البحر، فانهزمت شواني الفرنج، وأعادوا القلوع، وتبعهم المسلمون، فأخذوا منهم سبع شوان. ويئس أهل المهدية حينئذ من النجدة، وصبروا على الحصار ستة أشهر، فنزل حينئذ من فرسان الفرنج إلى عبدالمؤمن عشرة، وسألوا الأمان لمن فيها من الفرنج على أنفسهم وأموالهم ليخرجوا منها ويعودوا إلى بلادهم، فعرض عليهم الإسلام، ودعاهم إليه فلم يجيبوا، ولم يزالوا يترددون إليه أياماً واستعطفوه بالكلام اللين، فأجابهم إلى ذلك، وأمنهم وأعطاهم سفناً فركبوا فيها وساروا، وكان الزمان شتاء، فغرق أكثرهم ولم يصل منهم إلى صقلية إلا النفر اليسير. ودخل عبدالمؤمن المهدية بكرة عاشوراء من المحرم سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وسماها عبدالمؤمن سنة الأخماس، وأقام بالمهدية عشرين يوماً، فرتب أحوالها، وأصلح ما انثلم من سورها، ونقل إليها الذخائر من القوات والرجال والعدد، واستعمل عليها بعض أصحابه، وجعل معه الحسن بن علي الذي كان صاحبها، وأمره أن يقتدي برأيه في أفعاله، وأقطع الحسن بها أقطاعاً، وأعطاه دوراً نفيسة يسكنها، وكذلك فعل بأولاده، ورحل من المهدية أول صفر من السنة إلى بلاد الغرب.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
غرق بغداد.
العام الهجري: 554الشهر القمري: ربيع الثانيالعام الميلادي: 1159تفاصيل الحدث:
ثامن ربيع الآخر، كثرت الزيادة في دجلة، وخرق القورج فوق بغداد، فامتلأت الصحاري وخندق البلد، وأفسد الماء السور وأحدث فيه فتحة يوم السبت تاسع عشر الشهر، فوقع بعض السور عليها فسدها، ثم فتح الماء فتحة أخرى، وأهملوها ظناً أنها تنفث عن السور لئلا يقع، فغلب الماء، وتعذر سده، فغرق قراح ظفر، والأجمة، والمختارة، والمقتدية، ودرب القبار، وخرابة ابن جردة، والريان، وقراح القاضي، وبعض القطيعة، وبعض باب الأزج، وبعض المأمونية، وقراح أبي الشحم، وبعض قراح ابن رزين، وبعض الظفرية، ودب الماء تحت الأرض إلى أماكن فوقعت وأخذ الناس يعبرون إلى الجانب الغربي، فبلغت المعبرة عدة دنانير، ولم يكن يقدر عليها، ثم نقص الماء وتهدم السور وبقي الماء الذي داخل السور يدب في المحال التي لم يركبها الماء، فكثر الخراب، وبقيت المحال لا تعرف إنما هي تلول، فأخذ الناس حدود دورهم بالتخمين، وأما الجانب الغربي فغرقت فيه مقبرة أحمد بن حنبل وغيرها من المقابر، وانخسفت القبور المبنية، وخرج الموتى على رأس الماء، وكذلك المشهد والحربية، وكان أمراً عظيماً.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
جيش دولة الموحدين يطرد النورمانديين من المهدية.
العام الهجري: 554الشهر القمري: رجبالعام الميلادي: 1159تفاصيل الحدث:
في صفر سار عبدالمؤمن بن علي عن مراكش، فسار يطلب إفريقية، فلم يزل يسير إلى أن وصل إلى مدينة تونس في الرابع والعشرين من جمادى الآخرة، وبها صاحبها أحمد بن خراسان، فلما نازلها أرسل إلى أهلها يدعوهم إلى طاعته، فامتنعوا، فقاتلهم من الغد أشد قتال، فلم يبق إلا أخذها، ودخول الأسطول إليها، فجاءت ريح عاصف منعت الموحدين من دخول البلد، فرجعوا ليباكروا القتال ويملكوه، فلما جن الليل نزل سبعة عشر رجلاً من أعيان أهلها إلى عبد المؤمن يسألونه الأمان لأهل بلدهم، فأجابهم إلى الأمان لهم في أنفسهم وأهليهم وأموالهم لمبادرتهم إلى الطاعة، وأما ما عداهم من أهل البلد فيؤمنهم في أنفسهم وأهاليهم، ويقاسمهم على أموالهم وأملاكهم نصفين، وأن يخرج صاحب البلد هو وأهله؛ فاستقر ذلك، وتسلم البلد، وعرض الإسلام على من بها من اليهود والنصارى، فمن أسلم سلم، ومن امتنع قتل، وأقام أهل تونس بها بأجرة تؤخذ عن نصف مساكنهم، وسار عبد المؤمن منها إلى المهدية والأسطول يحاذيه في البحر، فوصل إليها ثامن عشر رجب، وكان حينئذ بالمهدية أولاد ملوك الفرنج وأبطال الفرسان، وقد أخلوا زويلة، فدخل عبد المؤمن زويلة، وامتلأت بالعساكر والسوقة وانضاف إليه من صنهاجة والعرب وأهل البلاد ما يخرج عن الإحصاء، وأقبلوا يقاتلون المهدية مع الأيام، فلا يؤثر فيها لحصانتها وقوة سورها وضيق موقع القتال عليها، لأن البحر دائر بأكثرها، فكأنها كف في البحر، وزندها متصل بالبر، وكانت الفرنج تخرج شجعانهم إلى أطراف العسكر، فتنال منه وتعود سريعاً؛ فأمر عبد المؤمن أن يبنى سور من غرب المدينة يمنعهم من الخروج، وأحاط الأسطول بها في البحر، وركب عبد المؤمن في شيني، ومعه الحسن ابن علي الذي كان صاحبها، وطاف بها في البحر، فهاله ما رأى من حصانتها، وعلم أنها لا تفتح بقتال براً ولا بحراً، وليس لها إلا المطاولة، فتمادى الحصار، وفي مدته أطاع صفاقس عبد المؤمن، وكذلك مدينة طرابلس، وجبال نفوسة، وقصور إفريقية وما والاها، وفتح مدينة قابس بالسيف، وسير ابنه أبا محمد عبد الله في جيش ففتح بلاداً، ثم إن أهل مدينة قفصة لما رأوا تمكن عبد المؤمن أجمعوا على المبادرة إلى طاعته، وتسليم المدينة إليه، ولما كان في الثاني والعشرين من شعبان، جاء أسطول صاحب صقلية في مائة وخمسين شينياً غير الطرائد، وكان قدومه من جزيرة يابسة من بلاد الأندلس وقد سبى أهلها وأسرهم وحملهم معه، فأرسل إليهم ملك الفرنج يأمرهم بالمجيء إلى المهدية، فقدموا في التاريخ، فلما قاربوا المهدية حطوا شراعهم ليدخلوا الميناء، فخرج إليهم أسطول عبد المؤمن، وركب العسكر جميعه، ووقفوا على جانب البحر، فاستعظم الفرنج ما رأوه من كثرة العساكر، ودخل الرعب قلوبهم، واقتتلوا في البحر، فانهزمت شواني الفرنج، وأعادوا القلوع، وتبعهم المسلمون، فأخذوا منهم سبع شوان، ولو كان معهم قلوع لأخذوا أكثرها، وكان أمراً عجيباً، وفتحاً قريباً، وعاد أسطول المسلمين مظفراً منصوراً، وفرق فيهم عبد المؤمن الأموال؛ ويئس أهل المهدية حينئذ من النجدة، وصبروا على الحصار ستة أشهر إلى آخر شهر ذي الحجة، فنزل حينئذ من فرسان الفرنج إلى عبد المؤمن عشرة، وسألوا الأمان لمن فيها من الفرنج على أنفسهم وأموالهم ليخرجوا منها ويعودوا إلى بلادهم، وكان قوتهم قد فني حتى أكلوا الخيل، فعرض عليهم الإسلام، ودعاهم إليه فلم يجيبوا، ولم يزالوا يترددون إليه أياماً واستعطفوه بالكلام اللين، فأجابهم إلى ذلك، وأمنهم وأعطاهم سفناً فركبوا فيها وساروا، وكان الزمان شتاء، فغرق أكثرهم ولم يصل منهم إلى صقلية إلا النفر اليسير، وكان صاحب صقلية قد قال: إن قتل عبد المؤمن أصحابنا في المهدية قتلنا المسلمين الذين هم بجزيرة صقلية، وأخذنا حرمهم وأموالهم؛ فأهلك الله الفرنج غرقاً، وكانت مدة ملكهم المهدية اثنتي عشرة سنة، ودخل عبد المؤمن المهدية بكرة عاشوراء من المحرم سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وسماها عبد المؤمن سنة الأخماس، ورحل من المهدية أول صفر.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً