عرض مشاركة واحدة
  #715  
قديم 29-06-2025, 05:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,667
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله





الأسئلة




حال حديث: (إذا بليتم فاستتروا)
السؤال ما حكم حديث: (إذا بليتم فاستتروا) ؟
الجواب لا أعلم، لكن المجاهرة أمرها خطير؛ لأن الإنسان الذي يعصي وهو مختفٍ ليس كالذي يعصي وهو مجاهر.




فضل أبي هريرة رضي الله عنه في إكثاره من رواية الحديث
السؤال بعض الأئمة أخرجوا حديث عائشة رضي الله عنها في سرد الحديث في فضائل الصحابة في فضل أبي هريرة، فما وجه الفضيلة؟
الجواب يمكن أن يكون ذلك إشارة إلى عنايته بالحديث وإكثاره من الحديث، وكونه قد روى للأمة الشيء الكثير من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.



حكم القسم بوجه الله
السؤال ذكرتم فيما مضى أنه يجوز الحلف بالقرآن لأنه صفة من صفات الله، والوجه من صفات الله، فهل يقال: ووجه الله أو والوجه؟ وألا يقال: إنه ينبغي أن يقال: وكلام الله بإضافته لله تعالى؛ لأن صفة الوجه صفة ذاتيه كما أن الكلام صفة ذاتيه؟
الجواب يمكن أن يقال: ووجه الله، ويقال: وكلام الله، وإذا قيل: والقرآن فالقرآن هو من كلام الله، لكن المصحف لا يقسم به؛ لأن المصحف فيه كلام الله وغير كلام الله، فيه القرآن وغير القرآن، فيه الورق وهو مخلوق، والمداد وهو مخلوق، والغلاف وهو مخلوق، وأما كلام الله عز وجل الذي في المصحف فهو غير مخلوق.



أهمية تحري العالم الذي يسأل
السؤال إذا أفتي الإنسان من شيخ وقال له بعض الناس: اذهب إلى الشيخ الفلاني فقال: أليس الذي أنا أستفتيه شيخ يكفي؟! فما هو الصواب في هذا؟
الجواب قبل هذا كله يجب أن يبحث ويكون على علم بمن يكون أولى أن يسأله، وعند ذلك يقصد إليه ويسأله وينتهي.



حكم ترك النهي عن المنكر
السؤال من رأى شخصاً يعمل أمراً غير رشيد ولم ينهه فهل هذا من الخيانة؟
الجواب إذا رآه يعمل أمراً منكراً ولم ينهه فإنه يكون غير قائم بالواجب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) .



من يتعامل مع البنوك الربوية اعتماداً على فتاوى بعض المفتين
السؤال في بعض البلدان يتعامل بعض الناس مع البنوك الربوية ويعتمدون في ذلك على الفتاوى من بلادهم، فهل عليهم إثم؟
الجواب الواجب عليه أن يسألوا أهل العلم، ولا يكفي أن يتلقوا الفتوى من كل أحد، أو يسألوا كل أحد، فإذا كان عندهم علم بأهل العلم وقصروا أو أعجبتهم مثل هذه الفتوى أو أنهم قصدوا أن يعرفوا الفتوى من شخص يحقق لهم الرغبة التي يريدونها، ولم يريدوا أن يستفتوا أحداً يخشون أن يمنعهم، أو أنهم على علم، ولكنهم يريدون مفتياً متهاوناً فإنه يتحمل الإثم، وهم لا شك شركاء في الإثم.



فضل نشر العلم



شرح حديث: (تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن سمع منكم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فضل نشر العلم.
حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة قالا: حدثنا جرير عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن سمع منكم) ] .
أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى هذه الترجمة بعنوان: باب في فضل نشر العلم، أي: فضل بذله وتعليمه وإبلاغه إلى الناس؛ ليعملوا به، فيكون من بلغه العلم يعلمه ويعمل به ويبلغه وينشره.
وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن سمع منكم) .
وقوله: (تسمعون) هذا خطاب للصحابة لأنهم هم الذين سمعوا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، وسمعوا حديثه وتلقوه منه صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم، فكل من سمع كلامه عليه الصلاة والسلام فإنه من أصحابه، ومن رآه ولم يسمع منه فهو من أصحابه عليه الصلاة والسلام.
فمن سمع كلامه ومن سمع حديثه فهو من أصحابه، ومعلوم أنه لا يسمع الرسول عليه الصلاة والسلام إلا أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، فهم الذين جعلهم الله في زمانه ومكنهم من ذلك بخلاف الذين بعدهم فإنهم لم يروه ولم يسمعوا منه وإنما رأوا من سمع منه، وسمعوا ممن سمع منه، وعلى هذا فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين رأوا النبي عليه الصلاة والسلام وسمعوا كلامه.
وأما التابعون فقد رأوا من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وسمع كلامه، أي: أن أعين الصحابة رأت النبي عليه الصلاة والسلام، وأما التابعون فلم يروا النبي صلى الله عليه وسلم ولكنهم رأوا الأعين التي رأت النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عن الصحابة.
فقوله: (تسمعون) أي: تسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله: (ويسمع منكم) أي: التابعون يسمعون من الصحابة، فالذين سمعوا الصحابة هم التابعون، والذين رأوا الصحابة هم التابعون.
وقوله: (ويسمع ممن سمع منكم) أي: أتباع التابعين يسمعون من التابعين الذين سمعوا من الصحابة، وهكذا كل جيل يسمع ممن قبله، وممن تقدمه ممن أدركه، وهكذا فيكون شرع الله الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم يتناقله الناس منذ زمن الصحابة ويعملون به ويعبدون الله عز وجل وفقاً لهذا الحق والهدى الذي تلقاه الصحابة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وتلقاه التابعون عن الصحابة، وتلقاه أتباع التابعين عن التابعين، وهكذا من بعدهم حتى دونت الكتب وألفت المؤلفات في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصار الناس يرجعون إلى هذه المؤلفات والمصنفات في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فقوله صلى الله عليه وسلم: (تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن سمع منكم) نظير قوله صلى الله عليه وسلم: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) فإن قرنه هم: أصحابه الذين سمعوا منه، والذين يلونهم هم: التابعون الذين سمعوا ممن سمع منهم، وأتباع التابعين هم: الذين سمعوا الذين سمعوا ممن سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا فيه بيان فضل العلم ونشره، وتناقله، وأن كل طبقة تورثه للطبقة التي تليها وهكذا، فطبقة الصحابة هم الذين سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم، وطبقة التابعين هم الذين سمعوا من الصحابة، وطبقة أتباع التابعين هم الذين سمعوا من التابعين، وطبقة أتباع أتباع التابعين هم الذين سمعوا من أتباع التابعين وهكذا.
وهذا الحديث ليس فيه دلالة على قلة أهمية السماع بعد عهد أتباع التابعين؛ لأن الأحاديث قد دونت في الكتب، فلا يدل على تقليل أهمية السماع، وإنما كما هو معلوم حصل بعد ذلك تدوين للكتب، وصار الناس يتوارثون هذه الكتب، والسماع كان موجوداً، فكم من مؤلف ومصنف بعد أصحاب الكتب الستة ممن كان في القرن الرابع أو القرن الخامس يروون بالأسانيد مثل: البيهقي ومثل: الطبراني ومثل: أبو عمر ابن عبد البر ومثل: الخطيب البغدادي، ففيهم من كان في القرن الرابع وفيهم من كان في القرن الخامس ومع ذلك كانوا يروون بالأسانيد: حدثنا فلان قال: حدثنا فلان.
وأما وجه دلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على أتباع التابعين فكأن المقصود أن هذا فيه إشارة إلى الطبقات الثلاث التي هي خير القرون، ولكن كما هو معلوم ليس معنى ذلك أن الأمر يقف عندهم؛ وإنما هذا بيان للطبقات الأولى الثلاث، ومن بعدها يأتي تبعاً لها والسلسلة متصلة.



تراجم رجال إسناد حديث: (تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن سمع منكم)
قوله: [حدثنا زهير بن حرب] .
زهير بن حرب أبو خيثمة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[وعثمان بن أبي شيبة] .
عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي وإلا النسائي فأخرج له في عمل اليوم والليلة.
[قالا: حدثنا جرير] .
جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش] .
هو سليمان بن مهران الكاهلي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن عبد الله] .
عبد الله بن عبد الله الرازي صدوق، أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة والنسائي في مسند علي.
[عن سعيد بن جبير] .
سعيد بن جبير ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس] .
عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.



شرح حديث: (نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى عن شعبة قال: حدثني عمر بن سليمان من ولد عمر بن الخطاب عن عبد الرحمن بن أبان عن أبيه عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: (نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه) ] .
أورد أبو داود حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه مرفوعاً: (نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه) وهذا يدل على فضل نشر العلم؛ لأن هذا دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم لمن يقوم بذلك حيث قال: (نضر الله امرأً سمع منا حديثاً حتى يبلغه) يعني: أنه يحفظه ويبلغه، فتتصل السلسلة ويتوارث الناس الحق والهدى ويأخذ جيل عن جيل، وأول جيل أخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم هم أصحابه الكرام لقوله: (سمع منا حديثاً) وهذا يدل على أن الصحابة رضي الله عنهم هم الذين سمعوا منه مثل الحديث الذي قبله (تسمعون ويسمع منكم) .
فهذا الحديث فيه فضل تحمل السنة وتلقيها ونشرها، وفيه بيان أن من فائدة النشر وإبلاغ السنن أنه قد يأتي من يشتغل في الاستنباط، وقد يكون الذي تحمل ليس متمكناً من الاستنباط مثلما يتمكن من يبلغ إياه، فيكون الخير في حفظ هذا الذي حفظ السنة وأتقنها وبلغها لمن بعده، فإن هذا الذي يبلغ قد يستخرج منها ما لم يستخرجه غيره، ولهذا قال: (رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) فيكون حفظ السنة وأتقنها وحافظ عليها وأداها إلى غيره، وقد يكون ذلك الغير أشد تمكناً في الاستنباط والفقه والفهم، فيستنبط منه أحكام وفوائد.
وقوله: (رب حامل فقه ليس بفقيه) يعني: أن الإنسان قد يحفظ الشيء ولكنه ليس عنده ما يكون عند غيره من الناس من جهة قوة الفهم وقوة الاستنباط أو الحرص على الاستنباط والقصد إلى الاستنباط، ومن المعلوم أن العلم النافع هو الذي جمع فيه بين الرواية والدراية، وجمع فيه بين الفقه والحديث، فالحديث هو الأساس الذي يبنى عليه الفقه، والفقه إذا لم يكن مستنداً إلى حديث فإنه قد يكون مبنياً على رأي مجرد، وقد يكون الذي يشتغل بالفقه ولا يشتغل بالحديث يحتج بحديث ضعيف أو حديث موضوع إذا وجده مسنداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يفعل ذلك لأنه لا يعرف ما يثبت وما لا يثبت، ولهذا تكلم الإمام الخطابي في أول كتابه معالم السنن بكلام جميل في مدح العناية بالحديث والفقه، وأن من يقتصر على الحديث يكون عنده نقص في جانب الفقه، ومن يقتصر على الفقه دون الحديث يكون عنده نقص في جانب الحديث، ولكنه إذا اعتنى بهذا وبهذا فقد جمع بين الحسنيين، ثم ضرب لذلك مثلاً فقال: إن الذي يشتغل بالحديث ولا يشتغل بالفقه والاستنباط مثل الذي يبني له بنياناً فيتقن أساسه ويحكم أساسه ولكنه يقف عند حد الأساس، فلا يستفيد منه الفائدة المرجوة أو الفائدة الكاملة؛ لأن البنيان أحكم أساسه ولكن ما وضع فوقه حجراً وغرفاً وأشياء مما يستفيد الناس منها، وهذا مثل الذي يشتغل بالحديث ولا يشتغل بالاستنباط، فمهمته القراءة دون الفهم ودون معرفة ما يؤخذ من الحديث أو التأمل في الحديث، فهو مثل الذي يبني بنياناً على غير أساس، فالبنيان موجود والغرف موجودة ولكن الأساس غير موجود فيمكن أن ينهار، ولكنه إذا جمع بين إحكام الأساس ووجود الفروع التي بنيت على الأساس، صار هذا هو الإحسان، وهكذا الجمع بين الحديث والفقه يكون فيه تقوية الأساس ووجود البنيان على الأساس.
فهذا يدلنا على أهمية الاستنباط وأهمية الفهم، واستخراج الكنوز من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه أيضاً إشارة إلى المحافظة على حديث الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن حفظ حديث الرسول على ما هو عليه دون أن يختصر ودون أن يروى بالمعنى لا شك أن هذا هو الذي ينبغي أن يكون؛ لأن هذا فيه تمكين المتفقه من الاستنباط من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم والعناية بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم بحيث يستنبط منه ويستخرج منه ما اشتمل عليه من كنوز.
ومن المعلوم أن الإنسان إذا نظر في شروح الحديث يرى كثيراً من الفوائد التي تستنبط من الحديث وأن في الحديث كذا وفي الحديث كذا، ويجد نفائس وأشياء دقيقة، لكن ما كل إنسان يستطيع أن يستخرجها، وقد يتعجب إذا رأى مثلها مستنبطة من الحديث، يعني: من ناحية دقة الفهم وجودة الاستنباط من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن المعلوم أن ثمرة الحديث هو الفقه، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) والفقه في الدين إنما يكون بالتأمل في نصوص الكتاب والسنة ومعرفة ما اشتملت عليه من كنوز وما اشتملت عليه من أحكام ومن حكم.
وقوله: (نضر الله امرأً سمع منا حديثاً حتى يبلغه إلى من هو أفقه منه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه) هذا دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم بالنضرة لحامل الحديث، وأولى الناس وأحق الناس بهذه الدعوة الكريمة هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل إن قوله: (سمع منا حديثاً) إنما يراد به أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن ورد الحديث بصيغ أخرى تشمل الصحابة وغير الصحابة بلفظ: (نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها) لأن كلمة: (سمع مقالتي) يمكن أن تكون من النبي صلى الله عليه وسلم ومن غيره، وأما قوله هنا: (سمع منا حديثاً) فلا يكون إلا للصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
وقوله: (ورب حامل فقه ليس بفقيه) لأنه عند قوة الحفظ ولكن ما عنده الدقة في الاستنباط واستخراج الكنوز التي في الحديث، فقد يبلغ الحافظ للحديث المتقن له لغيره ممن يكون أشد تمكناً منه في الاستنباط، فيكون هذا الذي حفظ هو الذي مكن غيره من معرفة أحكام الشريعة المستنبطة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الاشتغال بالنصوص ممن وصلت إليه ممن تحملها لا شك أن الفضل في ذلك بعد توفيق الله عز وجل إنما هو للرسول صلى الله عليه وسلم الذي دل الناس على الحق والهدى من بعده، وهكذا الذين تلقوه منه وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.



تراجم رجال إسناد حديث: (نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه)
قوله: [حدثنا مسدد] .
مسدد بن مسرهد البصري ثقة، أخرج حديثه البخاري أبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا يحيى] .
يحيى هو ابن سعيد القطان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن شعبة] .
شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثني عمر بن سليمان من ولد عمر بن الخطاب] .
عمر بن سليمان بن عاصم ثقة، أخرج له أصحاب السنن.
[عن عبد الرحمن بن أبان] .
عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان ثقة، أخرج له أصحاب السنن.
[عن أبيه] .
أبوه أبان بن عثمان ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن زيد بن ثابت] .
زيد بن ثابت رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.



بيان أنه ليس من شرط الراوي أن يكون فقهياً ولا عاملاً بما علم
في هذا الحديث دلالة على أنه ليس من شرط الراوي أن يكون فقيهاً.
ولا يشترط لتبليغ العلم أن يكون المبلغ عاملاً بما علم، ولكن ثمرة العلم هو العمل، والإنسان الذي يعلم ولا يعمل هذا نقص في حقه.



حكم رواية الحديث بالمعنى
إذا قال قائل: هل الصحابي أو غيره إذا روى الحديث بالمعنى يناله فضل حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرأً) مع أنه رواه بمعناه؟
الجواب إذا كان لا يتمكن من اللفظ فإن الله عز وجل يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] ؛ لأن المقصود اللفظ والمعنى جميعاً، فإذا تعذر الإتيان باللفظ وهو متقن المعنى فإنه يأتي به ولا يتركه، فما دام أنه أتقن المعنى فيأتي به، وأما إذا كان متقناً اللفظ فلا ينبغي له أن يعدل عنه إلى غيره، بل يتمسك به ويحافظ عليه؛ لأن المحافظة على كلام المعصوم صلى الله عليه وسلم والاستخراج منه والاستنباط منه لا شك أن هذا هو الأساس وهذا هو الأصل، لكن إذا لم يمكنه الإتيان باللفظ وهو متقن المعنى فإنه يأتي به بالمعنى.
ومن الذين اعتنوا بالألفاظ والمحافظة عليها من المحدثين الإمام مسلم رحمة الله عليه، فإنه اعتنى في كتابه بالمحافظة على الألفاظ وعدم الرواية بالمعنى، فكان يحافظ على الألفاظ ويحرص عليها ولهذا قال الحافظ ابن حجر في ترجمته في تهذيب التهذيب: قلت: حصل للإمام مسلم حظ عظيم ما حصل لغيره في العناية بالمحافظة على الألفاظ وعدم الرواية بالمعنى، وذكر شيئاً من الثناء عليه في هذا الباب، ثم قال: وقد حاول جماعة من النيسابوريين السير على منواله فلم يفعلوا شيئاً، يعني: لم يبلغوا مبلغه ولا فعلوا مثلما فعل.



بيان عدم صحة مقولة: كل محدث فقيه وليس كل فقيه محدثاً
هناك عبارة تقول: (كل محدث فقيه وليس كل فقيه محدثاً) وهذه العبارة ليست بصحيحة، فلا يقال: كل محدث فقيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رب حامل فقه ليس بفقيه) حامل فقه يعني: حديث، ولكنه ليس بفقيه، فليس من شرط المحدث أن يكون فقيهاً، وكونه ليس كل فقيه محدثاً هذا صحيح، ولكن كون كل محدث فقيه ليس بلازم، فقد يكون فقيهاً وقد يكون غير فقيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذا الحديث: (رب حامل فقه ليس بفقيه) ، لكن لا يقال: كل فقيه محدث؛ لأن الفقيه قد يشتغل بالفقه ويعتني بمعرفة المسائل وحصرها وتقييدها ولا يشتغل بالحديث، ولهذا قد يستدل بحديث ضعيف أو حديث موضوع.



شرح حديث: (والله لأن يهدي الله بهداك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سعيد بن منصور حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل -يعني: ابن سعد - رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والله! لأن يهدي الله بهداك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) ] .
أورد أبو داود حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه: (والله! لأن يهدي الله بهداك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) وهذا يدل على فضل نشر العلم، وأن من اهتدى على يديه إنسان فهو خير له من حمر النعم.
وقد جاء في ذلك حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل إثم من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً) فهذا يدلنا على فضل تبليغ السنن وتبليغ الحديث وتبليغ الحق، وأن من دعا غيره إلى الحق والهدى فاستفاد بسببه فالله يأجر هذا المستفيد على عمله، ويأجر الذي أفاده بمثل ما آجره به دون أن ينقص من أجر الفاعل المستفيد شيئاً، بل يعطي الله الدال مثلما أعطى المدلول تفضلاً منه سبحانه وتعالى؛ ولأنه كان هو السبب في وصول هذه السنة وهذا الحق والهدى إلى هذا الإنسان الذي عمل به.
ولهذا كان نبينا محمد عليه الصلاة والسلام له مثل أجور أمته من حين بعثه الله إلى قيام الساعة، فله صلى الله عليه وسلم مثل أجور أمته كلها من أولها إلى آخرها؛ لأنه هو الذي دل الناس على الحق والهدى، فله أجور أعماله وله مثل أجور أمته، وبهذا يتبين كونه خير الناس، وأنه سيد الخلق، وأنه أفضل البشر؛ لأن هذه الأجور التي تحصل لأمته على اختلاف العصور والدهور باتباع الحق والهدى الذي جاء به يكون له مثل أجورهم كلهم من أولهم إلى آخرهم، وأحق الناس وأسعد الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الثواب هم أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، الذين تلقوا السنن عنه وحفظوها وأدوها إلى من بعدهم، فكل صحابي يحفظ سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الناس يتناقلونها ويعملون بها على مر العصور والدهور فالله تعالى يعطي ذلك الصحابي مثلما أعطى كل من عمل بهذه السنة التي جاءت من طريقه والتي رواها عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وهكذا من جاء بعدهم ممن أخذ عنهم، ودل على الحق والهدى الذي جاء عن طريقهم فإنه يؤجر مثل أجور كل من استفاد خيراً بسببه وبسبب دعوته وتوجيهه وإرشاده.
وهذا الحديث قاله النبي صلى الله عليه وسلم في حق علي رضي الله تعالى، وهذا من مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه الراية يوم خيبر وقال له: (ثم ادعهم إلى الإسلام فوالله! لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) .
والنعم هي: الإبل، وكانت الحمر هي أنفس أموالهم، فخاطبهم بالشيء الذي هو نفيس عندهم، والذي هو معروف عندهم من المال الذي يعتبر أنفسه وأحسنه، وفيه إقسام للتأكيد.
وقوله: (لأن يهدي الله بك) يدخل في ذلك الهداية من الكفر إلى الإسلام ويدخل فيه الهداية من الضلالة ومن الفسق، كل ذلك يدخل، يدخل في ذلك الهداية التي هي الدخول في الإسلام والخروج من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، أو أن يكون الإنسان على ضلال وهو من المسلمين ثم يهديه الله عز وجل على يديه فينتقل من الضلالة إلى السنة ومن البدعة إلى السنة، فإن الله تعالى يثيب هذا الذي دعا وأرشد مثلما يثيب ذلك العامل، ولا شك أن هذا خير من المال ومن أنفس الأموال.
ومن قام بتوزيع الأشرطة والكتب والمطويات للناس يعتبر عمله هذا من نشر العلم وإن لم يكن هو طالب علم، ويدخل في حديث: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً) إذ لا شك أن المتسبب في الخير والموصل الخير إلى الغير ويهتدي الناس بسبب ذلك لا شك أنه شريك في الأجر.



تراجم رجال إسناد حديث: (والله لأن يهدي الله بهداك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)
قوله: [حدثنا سعيد بن منصور] .
سعيد بن منصور ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم] .
عبد العزيز بن أبي حازم صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه] .
أبوه هو أبو حازم سلمة بن دينار ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سهل يعني: ابن سعد] .
سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وهذا الإسناد رباعي، والأسانيد الرباعية هي أعلى ما يكون من الأسانيد عند أبي داود.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.87 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.24 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.50%)]