ومعناه: أنه أقوى وأرجح، لكنه لا يؤثر على الحديث الثاني المتصل.
يقول الخطابي: وهذا الحديث لم يأت مسنداً من هذا الطريق، ويضعفه أهل النقل بسبب رجلين من رواته، ورواه مالك مرسلاً، فدل أنه لا يثبت مسنداً.
ولعلهما إسماعيل وعبد الله بن عبد الجبار ففيهما كلام، لكن الحافظ حكم بأنهما صدوقين.
والحديث ثابت، وإن وجد كلام في بعض رجاله فلا يؤثر.
ثم أيضاً هو شاهد؛ لأن الحديث الأول مرسل وفيه بعض هذا المتصل والمرسل هو (أيما رجل أفلس فأدرك رجل متاعه بعينه فهو أحق به من غيره) .
وهو عام، لكن قد يكون المراد به ذاك الذي فيه هذه التفاصيل، وإلا فإن ذلك عام يشمل، لكن هذا فيه تفاصيل لا توجد في ذاك، لكن الحديث المرسل الذي من طريق مالك فيه ما في المتصل هذا.
شرح حديث (من أفلس أو مات فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو داود -هو الطيالسي - حدثنا ابن أبي ذئب عن أبي المعتمر عن عمر بن خلدة قال: أتينا أبا هريرة رضي الله عنه في صاحب لنا أفلس، فقال: لأقضين فيكم بقضاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من أفلس أو مات فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به) ] .
أورد أبو داود حديث أبي هريرة وهو يختلف عن الذي قبله؛ لأنه قال: (من أفلس) .
وهذا لا إشكال فيه؛ لأنه مطابق للأحاديث السابقة، ولكن أتى في الحديث قبله: أنه يكون أسوة الغرماء، سواءً قبض من الثمن شيئاً أو لم يقبض، وهنا يقول: إنه أحق به من غيره بعد أن مات، فهو يخالف ذاك، وهذا في إسناده من هو متكلم فيه، والسابق هو المعتبر، فيكون ليس أحق به وإنما يكون أسوة الغرماء كما مر.
تراجم رجال إسناد حديث (من أفلس أو مات فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به)
قوله: [حدثنا محمد بن بشار] .
محمد بن بشار الملقب بـ بندار ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبو داود الطيالسي] .
أبو داود الطيالسي ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[حدثنا ابن أبي ذئب] .
هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي المعتمر] .
أبو المعتمر مجهول الحال أخرج له أبو داود وابن ماجة.
[عن عمر بن خلدة] .
عمر بن خلدة ثقة، أخرج له أبو داود وابن ماجة.
[عن أبي هريرة] .
أبو هريرة رضي الله عنه مر ذكره.
ما جاء فيمن أحيا حسيراً
شرح حديث (من وجد دابة قد عجز عنها أهلها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فيمن أحيا حسيراً.
حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد ح وحدثنا موسى حدثنا أبان عن عبيد الله بن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن الشعبي، وقال عن أبان: إن عامراً الشعبي حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من وجد دابة قد عجز عنها أهلها أن يعلفوها فسيبوها فأخذها فأحياها فهي له) .
قال في حديث أبان: قال عبيد الله: فقلت: عمن؟ قال: عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله سلم.
قال أبو داود: هذا حديث حماد، وهو أبين وأتم.
حدثنا محمد بن عبيد عن حماد -يعني: ابن زيد - عن خالد الحذاء عن عبيد الله بن حميد بن عبد الرحمن عن الشعبي يرفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (من ترك دابة بمهلك فأحياها رجل فهي لمن أحياها) ] .
أورد أبو داود: باب فيمن أحيا حسيراً، والمراد بالحسير المنقطع الذي ترك لهزاله، فرغب أهله عنه وتركوه في الفلاة؛ لأنهم لم يتمكنوا من الاستفادة منه.
فمن العلماء من قال: إن من وجده فإنه يملكه؛ لأن أهله تركوه وهو من جنس الشيء الذي رغب عنه أهله ورموه، ومن الأشياء التي قد يستغنى عنها فمن وجدها يأخذها، فكونه رمي في الشارع يعني أن أهله رغبوا عنه، فكذلك هذا.
فالعلماء اختلفوا في مثل هذا وهو الدابة التي وجدت هزيلة وضعيفة فأحياها الإنسان، وأحسن إليها، وأعلفها وسقاها حتى نجت وسلمت، فمن العلماء من يقول: إنه يملكها ويستحقها؛ لأنها شيء رغب عنه، ومنهم من يقول: إنها لقطة وإن جاء صاحبها فيما بعد وادعاها فإنه يعطيه إياها، والذين قالوا: بأنه يملكها أخذوا بهذا الحديث، والحديث حسنه الشيخ الألباني والتحسين فيه نظر من جهة أن فيه شخصاً يقال له: عبيد الله بن حميد الحميري ولم يوثقه إلا ابن حبان، والطريقان يدوران عليه، والألباني حسنه لأن ابن حبان وثقه، وهو متساهل في التوثيق، لكن قال: روى عنه جماعة، وما ذكر فيه شيء فيكون حسناً، ومعلوم أن رواية الجماعة تكون عن الثقة وعن الضعيف، وروايتهم للضعيف لبيان أن هذا هو الذي وجدوه، ولكن لا يعني هذا أن ما رووه عنه يكون صحيحاً؛ فإن هذا يرجع إلى دراسة الأسانيد والحكم عليها على ما تقتضيه، فالحقيقة أن في تحسينه نظر، وقد يكون هذا الذي وجد لم يتركه أهله، وإنما فقد من أهله وحصل له هزال، إذاً فأهله ما تركوه، فليس مجرد وجود شيء هزيل دليل على أن أهله تركوه، فالقول: بأنه بمجرد حصوله عليه يمتلكه لهذا الحديث فيه نظر.
تراجم رجال إسناد حديث (من وجد دابة قد عجز عنها أهلها)
قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل] .
موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حماد] .
حماد بن سلمة بن دينار ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[ح وحدثنا موسى حدثنا أبان] .
موسى هو: ابن إسماعيل، وأبان بن يزيد العطار ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[عن عبيد الله بن حميد بن عبد الرحمن الحميري] .
عبيد الله بن حميد بن عبد الرحمن الحميري مقبول أخرج له أبو داود.
[عن الشعبي] .
هو عامر بن شراحيل الشعبي ثقة، فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قال عبيد الله: فقلت: عمن؟ قال: عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم] .
هذا فيه بيان أنه عن عدد من الصحابة، والصحابة كما هو معلوم جهالتهم لا تؤثر، والمجهول فيهم في حكم المعلوم، ولكن آفته هي في عبيد الله بن حميد الذي لم يوثقه إلا ابن حبان، وهو معروف بتساهله.
[قال أبو داود: وهذا حديث حماد؛ وهو أبين وأتم] .
قوله: [حدثنا محمد بن عبيد عن حماد -يعني: ابن زيد -] .
محمد بن عبيد بن حساب ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي.
وحماد بن زيد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وقد عرفنا فيما مضى أنه إذا جاء موسى يروي عن حماد غير منسوب فالمراد به ابن سلمة، وإذا جاء محمد بن عبيد يروي عن حماد فالمراد به حماد بن زيد.
[عن خالد الحذاء] .
خالد بن مهران الحذاء ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيد الله بن حميد بن عبد الرحمن عن الشعبي يرفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم] .
وهذا صورته صورة المرسل ولكنه لما سأله في الأول وقال: عمن؟ قال: عن عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، دل على أنه متصل، وأنه ليس بمرسل، وإنما آفته عبيد الله بن حميد.
الأسئلة
حكم إخبار الشريك في البيع
السؤال هل يجب إخبار الشريك قبل البيع أو يبيع ثم يخبره؟
الجواب إخبار الشريك قبل أن يبيع هو الذي يليق بمكارم الأخلاق, لكنه لو باع ولم يخبره فإن له حق الشفعة، ولو أخبره ولم يحصل منه شراء، ولكنه باع فأيضاً له حق الشفعة.
حكم الشفعة إذا علمت حدود كل أرض
السؤال إذا كانت أرضك معلومة الحدود، وأرض جارك كذلك معلومة الحدود, فإذا أردت بيع أرضك هل لجارك أن يشفع؟
الجواب لا, ليس له أن يشفع إذا كان كل واحد حدوده معروفة وليس بينهما شيء مشترك، كالطريق الذي يخصهما كما سيأتي في حديث: (فإنه لا شفعة) ؛ لأنه لو كان كل جار يشفع على شريكه لأمكن أن كل القطع ينتزعها واحد, ويتسلسل حتى تدخل في ملكه كل المنطقة.
سبب تسمية الشفعة بذلك
السؤال ما هو سبب تسمية الشفعة بهذا الاسم؟
الجواب لا أعلم، اللهم إلا أن يكون السبب ما يحدث من ضم الجزئين لبعضهما، وأن يكون الشيء المفرد ينضم إليه آخر وهو حصة الشريك فيكون بمثابة الشفع، والحكمة هي منع المضارة، وأما عن سبب التسمية فلا أدري اللهم إلا أن يقال: إن القطعة التي يملكها الشريك استحق الآخر ضمها إليه فيكون قد شفع حقه بحق شريكه.
حكم شفعة الجار في المسكن
السؤال ألا يمكن حمل أحاديث الجار على أنه الجار في السكن، فيكون له حق الشفعة في المقسوم، وحمل الأحاديث الأخرى على الشريك غير المساكن، فيكون جمع بين الأحاديث؟
الجواب مادام أن كل واحد نصيبه متميزاً فإنه لا شفعة.
حكم الشفعة
السؤال هل الشفعة على الوجوب أو الاستحباب؟
الجواب الشفعة لازمة إذا شفع؛ بحيث أن المشتري لا يمكنه الاحتفاظ بشرائه والإبقاء عليه, وأما من ناحية كونه يشفع أو لا يشفع فهذا لا يقال عنه: مستحب أو واجب, فإن أراد يشفع فيشفع، وإن أراد أن يترك فيترك، فله ذلك الحق لا يستحب ولا يجب، فإن أراده فهو له وإن لم يرده تركه، فهو أمر مباح.
حكم الشفعة لأهل عمارة واحدة
السؤال في بلادنا يسكن الناس في عمائر، وكل واحد يملك البيت الذي يسكنه ولو كانوا في دور واحد، فهل للجار الشفعة حينئذ؟
الجواب نعم له الشفعة، وقد يكون لكل واحد دور منفصل فعندها لا توجد شفعة؛ إذ كل واحد مستقل بطريقه فليس له حق، وأما إذا كان مدخل العمارة واحداًَ فإن الاشتراك قائم؛ إذ الطريق واحدة.
حكم من أخذ دابة عجفاء
السؤال إذا مر على دابة حسيرة مكسورة أو عجفاء ما العمل؟
الجواب إن أخذها فإنها لقطة يعرفها.
حكم قتل الحيوان المسيب
السؤال بعض الناس -وخاصة في غير مأكول اللحم- مثلاً لو مر على حمار أهلي فوجده بهذه الحال قال: أنا أرحمه أذبحه بدلاً من أن يتعذب؟
الجواب كيف يتعذب؟ الله سبحانه وتعالى أرحم بعباده وخلقه منه، فليس له أن يذبحه، ومعنى هذا أن الإنسان إذا كانت عنده دابة وأصابها مرض وهي ذات روح فإنه يذبحها، وقد يشفيها الله عز وجل، فليس له أن يذبح حيواناً من أجل أن يرحمه أو أنه لا يتعذب.
حسن تعامل الجار مع جاره في الشفعة
السؤال في مختصر صحيح البخاري للزبيدي عن أبي رافع رضي الله عنه مولى النبي صلى الله عليه وسلم: أنه جاء إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فقال: ابتع مني بيتي في دارك، فقال سعد: والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة أو مقطعة، قال أبو رافع: لقد أعطيت بها خمسمائة دينار، ولولا أني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الجار أحق بسقبه) ، ما أعطيتكها بأربعة آلاف وأنا أعطى بها خمسمائة دينار فأعطاها إياه.
الجواب هذا يعتبر من مكارم الأخلاق، إذ كون الإنسان يراعي الجار ويحسن إليه، ولا يتسبب في الإتيان إليه بمن يؤذيه.
أجنحة الملائكة
السؤال هل هناك دليل على أن الأجنحة في الملائكة عليهم السلام للطيران؟
الجواب لا يوجد شيء يدل أو ينفي، لكن كون لهم أجنحة قد يفهم منها أنهم يطيرون بها، وهم لا شك أنهم يطيرون.
فائدة أجنحة الملائكة
السؤال هل هذه القاعدة صحيحة: إن الجناح في الملك ليس له فائدة معقولة عندنا ولكن له فائدة لا ندركها؟
الجواب الله أعلم، فقد يكون للطيران؛ لأن الله جعل الملائكة كلهم ذوي أجنحة كما قال الله عز وجل: {جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ}[فاطر:1] ، يعني: جعل لهم أجنحة، وجبريل له ستمائة جناح كما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
موضع سجود السهو
السؤال متى سجود السهو يكون قبل السلام ومتى يكون بعد السلام؟
الجواب يكون قبل السلام إذا كان بسبب نقص، كأن قام من التشهد الأول فإنه يسجد قبل السلام، وإذا كان بسبب الزيادة يكون بعد السلام.
موضع سجود السهو للمتأخر عن الجماعة
السؤال إذا جاء المأموم متأخراً فمتى يسجد للسهو؟
الجواب بعدما يقضي ما فاته يسجد في آخر صلاته كما سجد الإمام.
إذا اختلف البيعان فالقول قول البائع
السؤال إذا لم يكن المبيع قائماً فالقول قول من؟
الجواب قول البائع؛ لأن الحديث الذي ورد ليس فيه إذا كان المبيع قائماً، وإنما هذا جاء في بعض الطرق من طريق ابن أبي ليلى.
شفعة الجار إذا كان المبنى منفصلاً
السؤال لو أن الجار باع ملكه على سيئ الخلق هل يكون لأحد الجيران شفعة؟
الجواب إذا كان منفصلاً فليس لأحد شفعة.
تخصيص العام
السؤال بالنسبة للقاعدة التي ذكرتموها أن الحكم على بعض أفراد العام لا يخصصه، كيف نميز بين النصوص المخصصة وبين هذه النصوص التي يذكر فيها بعض أفراد العام ولا يكون هناك تخصيص؟
الجواب الحكم شامل لهذا الفرد ولغيره، فيكون ذكره كأنه ذكر مرتين مرة على سبيل الاستقلال ومرة على سبيل اندراجه تحت غيره، مثل عطف الخاص على العام.