شرح حديث (فنسلفهم في البر والزيت سعراً معلوماً وأجلاً معلوماً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن المصفى حدثنا أبو المغيرة حدثنا عبد الملك بن أبي غنية حدثني أبو إسحاق، عن عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي رضي الله عنه قال: (غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الشام، فكان يأتينا أنباط من أنباط الشام فنسلفهم في البر والزيت، سعراً معلوماً وأجلاً معلوماً، فقيل له: ممن له ذلك؟ قال: ما كنا نسألهم) ] .
أورد أبو داود حديث ابن أبي أوفى، وأنهم غزوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم الشام عزوة تبوك؛ لأن الرسول ما غزا من الشام إلا تبوك في السنة التاسعة.
(فكان يأتينا أنباط من أنباط الشام).
أنباط الشام، قيل: إنهم العرب الذين دخلوا في العجم، فنسوا لغتهم، وعرفوا لغة العجم، وقيل: إنهم من نصارى العرب، دخلوا مع العجم.
(كنا نسلفهم في البر والزيت سعراً معلوماً وأجلاً معلوماً)، فقيل: (ممن له ذلك؟) .
يعني: ممن له ذلك الشيء المسلف فيه، قال: ما كنا نسألهم، يعني: أنه شيء يكون في الذمة، ولا يلزم أن يكون موجوداً وقت العقد، ولكنه عند حلول الأجل حيث يكون غالباً وجوده، فإنه يجوز فيه السلم.
تراجم رجال إسناد حديث (فنسلفهم في البر والزيت سعراً معلوماً وأجلاً معلوماً)
قوله: [حدثنا محمد بن المصفى] .
محمد بن المصفى صدوق له أوهام، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[حدثنا أبو المغيرة] .
أبو المغيرة هو عبد القدوس بن حجاج ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد الملك بن أبي غنية] .
عبد الملك بن أبي غنية ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وهو هنا منسوب إلى جده عبد الغني.
[حدثنا أبو إسحاق] .
أبو إسحاق الشيباني سليمان بن فيروز الشيباني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن أبي أوفى] .
عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه وهو صحابي مر ذكره.
لو أن الوقت المحدد جاء ولم يخرج التمر، أو أصابته جائحة، فيصح الإتيان بتمر مزرعة أخرى غير المتفق عليه؛ لأن هذا شيء في ذمته، والمهم أن يأتي بتمر.
ما جاء في السلم بثمرة بعينها
شرح حديث (لا تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في السلم بثمرة بعينها.
حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن رجل نجراني عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رجلاً أسلف رجلاً في نخل فلم تخرج تلك السنة شيئاً فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: بم تستحل ماله؟ اردد عليه ماله، ثم قال: لا تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحه) ] .
أورد أبو داود باباً في السلم بثمرة بعينها، يعني: بنخل معين، أو نخلة أو نخلات معينة إذا كانت نخلات معينة وهي قليلة جداً، كنخلة ونخلتين، فهذا لا يصلح، ولكن إن كان في بستان كبير فلا بأس، والموصوف في الذمة لابد منه، إن أتى به وإلا أتى بغيره، أو رد عليه القيمة.
أورد أبو داود حديث (أن رجلاً أسلف رجلاً في نخل فلم تخرج تلك السنة شيئاً) .
يعني: لم يخرج ذلك النخل شيئاً.
(فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بم تستحل ماله؟).
يعني: النقود التي أخذتها منه، لأن صاحب النخل لم يخرج نخله ثمراً، وقد وصلته النقود المعجلة فبأي شيء يستحلها.
قوله: (اردد عليه ماله) .
يعني: النقود التي أعطاها إياك، وإن أعطاه شيئاً مقابله ينطبق عليه الوصف فلا بأس.
ثم قال: (لا تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحه) .
وهذا الحديث ضعيف؛ لأن الناس يسلفون السنة والسنتين كما مر في الحديث السابق فكيف لا يسلف حتى يبدو صلاحه؟ فإذا بدا صلاحه جاز بيعه؛ لأنه قد طاب وبدأت الاستفادة منه، والحديث الذي سبق فيه جواز السلم السنة والسنتين والرسول أقرهم على ذلك، وقال: (من أسلف فليسلف في كيل معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم) .
وهذا الحديث غير صحيح؛ لأنه ورد في طريقه رجل مجهول مبهم، فالحديث لم يصح، فما جاء فيه من ذكر أنه لا يكون له السلف حتى يبدو صلاحه غير صحيح، وهو مخالف للحديث الصحيح الذي سبق أن مر.
قوله في الترجمة: (باب في السلم بثمرة بعينها) .
يعني: ثمر نخل بعينه، المهم أن يكون له ثمر ينطبق عليه الشروط التي جرت بينهم.
إذاً: في شجرة معينة لا يجوز؛ لأنها قد لا تثمر، لكن كونه بستاناً كبيراً فيه عشرات أو مئات النخل، فلا بأس؛ لأنه في الغالب يوجد فيه، لكن النخلة والنخلتين أو الثلاث قليلة قد لا تنتج.
تراجم رجال إسناد حديث (لا تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحه)
قوله: [حدثنا محمد بن كثير] .
محمد بن كثير مر ذكره.
[أخبرنا سفيان] .
سفيان هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي إسحاق] .
أبو إسحاق السبيعي عمرو بن عبد الله الهمداني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن رجل نجراني] .
رجل نجراني مبهم.
[عن ابن عمر] .
ابن عمر مر ذكره.
الفرق بين بيع ما لا يملك وبيع العرايا وبيع السلم
بيع ما لا يملك: كونه يبيع سلعة معينة لا يملكها، وليس شيئاً موصوفًا في الذمة يوجد في الوقت المحدد، فهذا لا بأس به؛ لأنه يكون موجوداً في ذلك الوقت، فيعطيه إياه، أما كونه يبيع سلعة لا يملكها، فمعناه أنه لا يملك ثمرة النخل، أو أنه لا يملك النخل، ولكن السلم بيع شيء موصوف في الذمة، وهذا لا بأس به.
أما بيع العرايا فهو بيع يكون الثمن فيه تمراً والمثمن تمراً على رءوس النخل، وأما السلم فالثمن فيه دراهم، وأما في العرايا فهو تمر، فصار فيه محذور من جهة أن فيه بيع الشيء بمثله بدون تقابض، وهذا لا يجوز، فلا بد من التماثل والتقابض، لكنه رخص في العرايا لحاجة الناس وبحدود معينة، وأما الذي السلم فليس له دخل في العرايا؛ لأن هذا قدم ثمناً وليس تمراً، وإنما قدم نقوداً والمبيع شيء موصوف في الذمة، هذا شيء وهذا شيء.
كما أن السلم ليس مستثنى من أصل مثل العرايا التي أبيحت للحاجة.
ما جاء في السلف لا يحول
شرح حديث (من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب السلف لا يحول.
حدثنا محمد بن عيسى حدثنا أبو بدر عن زياد بن خيثمة عن سعد -يعني: الطائي - عن عطية بن سعد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره) ] .
أورد أبو داود هذه الترجمة وهي: باب السلف يحول، يعني: يحول إلى غيره من الثمر، فبدلاً من أن يكون تمراً يحوله إلى بر أو ما إلى ذلك، فهذا هو المقصود بالترجمة، ومعناه أن الذي في الذمة هو الذي يلزم، وأنه لا يحول إلى غيره.
والحديث ضعيف، وقد سبق أن مر بنا حديث الذي كان يبيع التمر بالدراهم، ثم يأخذ بالدنانير بدل الدراهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: لا بأس إذا كان بسعر يومها وحصل التقابض، يعني: بين الذهب والفضة.
وهذه المسألة الحديث الوارد فيها ضعيف وكونه يحوله إلى غيره هذا فيه خلاف بين أهل العلم، منهم من أجازه، ومنهم من منعه، ولكن إذا كان في أمر لا محذور فيه ولا شبهة ولا ريبة فلا بأس بأن يحوله مثلاً إلى شيء آخر لا يكون فيه ربا، ولا يكون من قبيل الربا الذي يلزم فيه التماثل والتقابض.
ومن أمثلة الربويات: التمر يحول إلى بر؛ ففيه شبهة، لأن فيه قبض، فهذا في الذمة وهذا سلم، فالتمر والبر بينهما ربا من حيث التقابض، لا من حيث التفاوت.
تراجم رجال إسناد حديث (من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره)
قوله: [حدثنا محمد بن عيسى] .
محمد بن عيسى الطباع ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة.
[حدثنا أبو بدر] .
أبو بدر هو شجاع بن الوليد صدوق له أوهام، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن زياد بن خيثمة] .
زياد بن خيثمة ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
[عن سعد -يعني: الطائي -] .
سعد الطائي لا بأس به، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة.
[عن عطية بن سعد] .
عطية بن سعد العوفي صدوق يخطئ كثيراً وهذا علة الحديث عطية العوفي فهو يدلس وروى بالعنعنة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجة.
[عن أبي سعيد الخدري] .
أبو سعيد الخدري هو سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الأسئلة
حكم التقابض في النقود
السؤال هل بيع السلف مستثنى من النهي الوارد في الحديث: (فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) ؛ لأن السلف ليس فيه تقابض؟
الجواب ما دام أن الثمن نقوداً فلا يلزم فيها التقابض، والنقود لا يلزم فيها التقابض أبداً؛ لأنه لو كان لا بيع إلا بالنقود وبالتقابض ما وجد بيع إلا في حاضر، ويجوز تعجيل الثمن وتأجيل المثمن وهو السلم، ويجوز تعجيل المثمن وتأجيل الثمن وهو بيع التقسيط والتأجيل، والمحذور إنما هو في الأشياء التي يجري فيها الربا، وأما بالنسبة للذهب والفضة فهي أثمان الأشياء.
مثال لما لا شبهة فيه من السلم
السؤال لو تفضلتم بتقديم مثال على السلف المحول الذي لا شبهة فيه؟
الجواب أن يكون عليه تمر، فاتفق مع المشتري على أن يعطيه مكانه سيارة.
حكم البيعتين في بيعة
السؤال هناك من يستدل بقصة موسى مع شعيب في مهر ابنته: {قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ} [القصص:28] في جواز بيعتين في بيعة؟
الجواب نهى الرسول عن بيعتين في بيعة، وهذا شرعنا، وأما هناك فقد ذكر فيه ثمان حجج، وأما الباقي فقد كان تبرعاً، فإذاً لا توجد بيعتان في بيعة، والاتفاق كان على ثمان، والباقي كان أمره إلى موسى عليه الصلاة والسلام.
وجه الربا في قوله (فله أوكسهما أو الربا)
السؤال في قوله: (فله أوكسهما أو الربا) لم أفهم وجه دخول الربا في ذلك؟
الجواب دخول الربا كونه حصل الاتفاق على شيء غير معين؛ لأنه دائر بين هذا وهذا، فهو إما أن يأخذ الأقل فيكون البيع صحيحاً، وإما أن يأخذ الثاني فيكون محرماً.
والربا كأنه جاء بين سعر حاضر وسعر غائب، فالسعر الحاضر هو المعتبر، وما زاد عليه يكون رباً.
حكم بيع السلعة للبائع بأكثر من ثمنها
السؤال ما الحكم إذا باع المشتري السلعة التي اشتراها لصاحبها بأكثر مما اشتراها منه؟
الجواب لا بأس إذا باعها عليه بأكثر؛ لأن المحذور ألا تبقى ذمة المشتري مشغولة، وأما الآن فليست مشغولة، ولهذا قالوا: (بأقل) ، أما لو كان بأكثر فهذه خارجة عن المحذور.
حكم البدء بالاستغفار بعد الصلاة مباشرة
السؤال إذا انتهى الرجل من الصلاة فهل يبدأ بالتكبير أم بالاستغفار أو يجمع بينهما؟
الجواب يبدأ بالاستغفار، والتكبير يأتي في الآخر: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر.
حكم الصلاة إلى غير القبلة جهلاً
السؤال نشأت في بيت قديم أصلي مع والدي في اتجاه معروف للقبلة في البيت، ثم هدم البيت وبني من جديد، واشتريت سجادة بها بوصلة لتحديد القبلة، فغيرت اتجاه القبلة عن الاتجاه القديم المعروف،
و السؤال ما حكم صلاة خمسين عاماً في اتجاه القبلة في البيت القديم الذي هدم؟ وهل أتبع اتجاه القبلة السابق أم الاتجاه الذي حددته البوصلة في المصلى؟
الجواب يجتهد في المستقبل، ثم إذا كان الانحراف يسيراً فلا يؤثر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) .
أما اتجاه القبلة فإذا كانت البوصلة سليمة عمل بها، لكن ينظر أهل الخبرة والمعرفة في تحديد القبلة مثل الجهات المسئولة، هذا إذا كان المقصود النافلة، وأما الفريضة فيجب عليه أن يصليها في المسجد.