شرح سنن أبي داود
(عبد المحسن العباد)
كتاب الإمارة
شرح سنن أبي داود [363]
الحلقة (395)
شرح سنن أبي داود [363]
لقد حثنا الشرع أن نحسن الظن بالله عند الموت؛ فنرجو رحمة الله وعفوه وكرمه، فهو العفو الغفور الرحيم، الذي وسعت رحمته كل شيء، وشرع لنا أن نغمض عيني الإنسان إذا مات، وفيه تجميل لصورته التي قد تغيرت بعد خروج الروح، وشرع للمسلم أن يسترجع عند المصيبة، فكل شيء من الله، وكل شيء لله، وكل شيء راجع إلى الله، ثم بعد الموت يشرع تغطية الميت وتسجيته.
استحباب حسن الظن بالله عند الموت
شرح حديث (لا يموت أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما يستحب من حسن الظن بالله عند الموت.
حدثنا مسدد حدثنا عيسى بن يونس حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول قبل موته بثلاث، قال: (لا يموت أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله) ] .
أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة: باب ما يستحب من حسن الظن بالله عند الموت، وهذه الترجمة يرادُ بها أن الإنسان عند موته يُحسن الظن بالله، فيظن أنه تعالى يرحمه ويتجاوز عنه، فيرجو رحمته ويأمُل مغفرته، فلا ييئس ولا يقنط من رحمة الله، بل عليه أن يحسن الظن بالله، وقد جاء في الحديث: (إن الله عند ظن عبده به) ، فليؤمل وليرج منه خيراً، فهذا هو المقصود من الترجمة.
ومن أهل العلم من قال: على الإنسان أن يكون خائفاً وراجياً دائماً وأبداً، ولكنه عند الموت يغلب جانب الرجاء، وقبل ذلك يغلب جانب الخوف؛ لأنه إذا غلب جانب الخوف عمل، ولكنه عند الموت لا يغلب جانب الخوف؛ حتى لا ييئس ويقنط من رحمة الله، وإنما يغلب جانب الرجاء، قالوا: والخوف والرجاء للإنسان كالجناحين للطائر، فلا يستقيم طيران الطائر إلا بسلامتهما، وإذا اختل أحد الجناحين اختل الطيران، فشأن المسلم مع الخوف والرجاء كشأن الطائر الذي له جناحان، إلا أنه عند الموت يغلِّب جانب الرجاء؛ حتى لا ييئس من رحمة الله، ويُحسن الظن بالله عز وجل، فإن الله تعالى عند ظن عبده به، كما جاء ذلك في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم أورد أبو داود حديث جابر بن عبد الله قال: (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث قال) .
أي: أنه قال هذا في مرض موته، (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله) ، وهذا فيه دلالة على أن الإنسان يحسن الظن بالله تعالى عند موته، فيرجو رحمة الله، ويرجو أن الله تعالى يتجاوز عنه، وأنه يغفر له، ففضله واسع، ورحمته وسعت كل شيءٍ، ولا يغلّب جانب الخوف؛ حتى لا يؤدي به ذلك إلى القنوط واليأس من رحمة الله.
وقال الخطابي: إن المقصود بذلك أنه يُحسن العمل الذي يكون سبباً في هذا الذي يرجوه ويؤمله، وقد ذكر النووي أن الخطابي شذّ وانفرد بذلك، وأن القول الصحيح هو أن على الإنسان عند موته أن يرجو رحمة الله، وأنه يُحسن الظن به، وليس المقصود من ذلك أن الإنسان يعمل في حال الصحة والسعة من أجل أن يكون ذلك سبباً لرجاء الله وحسن الظن به.
نعم هو مطلوب من الإنسان أن يكون دائماً وأبداً عاملاً للأعمال الصالحة، لكن الحديث جاء في أن الإنسان يُحسن الظن بالله عز وجل.
فالحاصل: أن النووي قال عن هذا القول: إنه شذوذ، أو إن الخطابي شذ فقال هذه المقالة، مع أن هذا الذي قاله مطلوب، لكن ليس هو المقصود من الحديث.
تراجم رجال إسناد حديث (لا يموت أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله)
قوله: [حدثنا مسدد حدثنا عيسى بن يونس] .
عيسى بن يونس بن أبي إسحاق ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا الأعمش] .
هو سليمان بن مهران الكاهلي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سفيان] .
هو طلحة بن نافع صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة.
جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، صحابي ابن صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
تطهير ثياب الميت عند الموت
شرح حديث (إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما يستحب من تطهير ثياب الميت عند الموت.
حدثنا الحسن بن علي حدثنا ابن أبي مريم أخبرنا يحيى بن أيوب عن ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أنه لما حضره الموت دعا بثياب جُدُد فلبسها، ثم قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها) ] .
ثم أورد أبو داود باب ما يستحب من تطهير ثياب الميت عند الموت، يعني: أن ثيابه تكون طاهرة، فمن أهل العلم من قال: إن هذا الذي أخذ به أبو سعيد على ظاهره، وأن المقصود من ذلك الثياب الحقيقية.
ومنهم من قال: إن المقصود بطهارة الثياب هنا: أن تكون أعمال الإنسان طيبة، كما قال الله عز وجل: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4] ، فقد فسرها كثير من المفسرين بتطهير الأعمال، أي: وأعمالك فطهر، فإن العمل الطاهر هو الذي يقربك من الله عز وجل، وهو الذي يرفع من شأنك.
وقالوا: إن هذا لا يراد به حُسن الكفن؛ لأن هذه الثياب التي يلبسها في مرض موته ستخلع منه إذا مات ولا يكفن فيها، وإنما يكفن في ثياب بيض ونظيفة.
ثم إن الناس يحشرون حفاةً عراة غرلاً، فهذه الثياب لا يبقى لها وجود.
ومن أهل العلم من قال: يمكن أن يبعثوا وعليهم الثياب، ثم يحصل العري بعد ذلك عند الحشر.
وكون الإنسان يكون في ثياب نظيفة وطاهرة ليس فيها قذر ويموت وهو على حالة طيبة فهذا أمر طيب.
وقوله: (يبعث في ثيابه التي مات فيها) لا ينافي أنهم يحشرون حفاةً عراة غرلاً، فهو يبعث بالشيء الذي مات فيه، ويحصل العُري بعد ذلك، كما جاء في حديث عائشة: (يحشر الناس حفاةً عراة غرلا) .
تراجم رجال إسناد حديث (إن الميت يبعث في ثيابه التي مات فيها)
قوله: [حدثنا الحسن بن علي] .
الحسن بن علي الحلواني ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي.
[حدثنا ابن أبي مريم] .
هو سعيد بن أبي مريم، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا يحيى بن أيوب] .
يحيى بن أيوب صدوق ربما أخطأ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن الهاد] .
هو: يزيد بن عبد الله بن الهاد ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن إبراهيم] .
محمد بن إبراهيم التيمي ثقة أخرج أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سلمة] .
أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سعيد الخدري] .
هو سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله عنه صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ما يستحب قوله عند الميت من كلام
شرح حديث (إذا حضرتم الميت فقولوا خيراً فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما يستحب أن يقال عند الميت من الكلام.
[حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا حضرتم الميّت فقولوا خيراً؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون) ، فلما مات أبو سلمة رضي الله عنه قلت: يا رسول الله! ما أقول؟ قال: (قولي: اللهم! اغفر له، وأعقبنا عقبى صالحة) ، قالت: فأعقبني تعالى به محمداً صلى الله عليه وآله وسلم] .
ثم أورد أبو داود باب: ما يستحب من الكلام عند الميت، أي: أن يتكلم بخير ولا يتكلم بشر، فلا يدعى بالويل والثبور مثلاً؛ لأن الملائكة يؤمنون على ما يقولون، فإن قالوا خيراً أمنوا عليه، وإن قالوا شراً أمنوا عليه، فلا يقال عند الميت إلا ما فيه خير، لأن ذلك يعود بالمضرة على صاحبه، فالملائكة تؤمن على ما يقول الإنسان من خير أو شر.
وأورد أبو داود حديث أم سلمة رضي الله عنها، قالت: قال رسول صلى الله عليه وسلم: (إذا حضرتم الميت فقولوا خيراً؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون) يعني: ولا تقولوا شراً؛ لأنهم أيضاً يؤمنون على ما تقولون.
قوله: (فلما مات أبو سلمة قالت: ماذا أقول يا رسول الله؟!) أي: لما مات أبو سلمة والرسول قد قال: (لا تقولوا إلا خيراً) أي: أنها أرادت أن تعرف ما هو الخير الذي تقوله؟ وما هو الدعاء الذي تدعو به؟ فأرشدها صلى الله عليه وسلم فقال لها: (قولي: اللهم! اغفر له، وأعقبنا عقبى صالحة) ، وهذه دعوة للميت وللحي، أي: أنها مشتملة على دعاء للميت بأن يغفر له، وللحي بأن يحصِّل عقبى صالحة.
قولها: (فأعقبني الله تعالى به محمداً صلى الله عليه وسلم) أي: أعقبها عقبى صالحة، وهذه هي الفائدة التي حصلت للحي بهذا الدعاء الذي أرشدها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث (إذا حضرتم الميت فقولوا خيراً فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون)
قوله: [حدثنا محمد بن كثير] .
محمد بن كثير ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا سفيان] .
هو الثوري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش] .
الأعمش مر ذكره.
[عن أبي وائل] .
هو شقيق بن سلمة وهو ثقة مخضرم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أم سلمة] .
وهي هند بنت أبي أمية رضي الله عنها أم المؤمنين، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.
والله أعلم.
الأسئلة
ضوابط الاختلاف الذي لا يخرج صاحبه من دائرة السنة والجماعة
السؤال ما هي ضوابط الاختلاف الذي لا يخرج صاحبه من دائرة أهل السنة والجماعة؟
الجواب هو الاختلاف في الفروع، وهي المسائل التي فيها مجال للاجتهاد، فهذا هو المجال الذي يكون الاختلاف فيه سائغاً، ومع اختلاف أهل السنة والجماعة فيما بينهم، فإنه لا تنافر بينهم، وإنما يكون بينهم التواد والتراحم، كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يختلفون في بعض مسائل ومع ذلك لم يكن فيما بينهم شيء من التنافر بسبب هذا الاختلاف، فكلٌ انتهى إلى ما وصل إليه اجتهاده، وهم يعلمون أن المصيب فيهم له أجران، وأن المخطئ له أجرٌ واحد كما قال عليه الصلاة والسلام: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحد) .
حكم الدعاء بعد الصلاة المكتوبة
السؤال هل يستحب الدعاء بعد الصلاة عملاً بحديث أبي أمامة أنه قال: (يا رسول الله! أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل، ودبر الصلوات المكتوبة) ؟
الجواب دبر الصلوات المكتوبة يحتمل معنيين: الأول أن يكون قبل السلام؛ لأن ذلك يقال له: دُبر، والثاني: أن يكون بعد الصلاة، فإن ذلك يقال له: دُبر، وقد جاء ذكر الدُبر مراداً به هذا وهذا، فالدبر آخر الشيء، أو ما يلي آخر الشيء، فما قبل الصلاة يقال له: في دبرها؛ لأنه في آخرها، وما بعدها يقال له: دبرها، لأنه يلي آخرها، فالإنسان له أن يدعو قبل السلام، وله أن يدعو بعد صلاته.
حكم قولهم اللهم ارحمني بالقرآن
السؤال هل هذه المقولة صحيحة: اللهم! ارحمني بالقرآن؟
الجواب إذا كان المقصود بذلك التوسل بالقرآن فالقرآن من كلام الله عز وجل، والتوسل إلى الله عز وجل بكلامه سائغ؛ لأن التوسل بصفة الله سائغ.
حكم هذه المقولة رب لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه
السؤال ما حكم هذه المقولة: ربي لا أسالك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه؟
الجواب على الإنسان أن يسأل الله عز وجل اللطف ولا يسأله رد القضاء، فيسأل الله عز وجل ما يريد دون أن يذكر شيئاً قبل ذلك كقوله هنا: لا أسالك كذا وإنما أسألك كذا، فيسأل حاجته وما يريده دون هذا التقديم والتمهيد.
حكم عيادة من اشتد به المرض حتى صار لا يعرف أحداً
السؤال إذا اشتد المرض على المريض حتى صار لا يعرف من يدخل عليه ولا من يخرج من عنده فهل يشرع حينئذٍ عيادته؟
الجواب لا بأس بذلك، فالرسول صلى الله عليه وسلم زار جابر بن عبد الله وهو مغمى عليه، فكونه يزوره ويدعو له فهذه فائدة تحصل له ولو ما يحصل مخاطبته وإيناسه، لأنه لا يعقل ولا يدرك، فإذا حصل من الزائر الدعاء ففيه مصلحة للمزور، ويحصل للزائر أجر الزيارة والعيادة، فالزائر يستفيد، والمزور يستفيد.
الاستئذان عند الأخذ من حقوق الناس
السؤال هناك شجرة سدر في أرض قريبة من المسجد، وهذه الشجرة تشرب من الماء الذي يطفح من الخزان التابع للمسجد، وصاحب الأرض لا يفكر فيها، ونريد أن نأخذ منها أعواداً نغرسها في المزرعة، وهذا العمل لا يضر تلك الشجرة، فهل يجوز لنا ذلك؟
الجواب عليكم أن تستأذنوا من صاحبها، فما دامت في أرضه فهو صاحبها وهي ملكة.
أذكار النوم ومحلها
السؤال هل تقال أذكار النوم في نوم الليل فقط أو أنها تعم كل نوم؟
الجواب تقال في نوم الليل فقط.