مصافحة المرأة لخالها وتقبيله إياها
السؤال خال زوجتي عندما يزورنا يقبل زوجتي مع المصافحة، وأنا أتضايق من ذلك؛ لكونه شاباً وزوجتي شابه؟
الجواب خال زوجتك محرم من محارمها، لكن إذا خيف من ذلك فتنة فلا يصلح أن يكون هناك تقبيل، ولكن يُكتفى بالمصافحة، وينبغي أن تقول لها ألا تمكنه من ذلك، وإنما تمد يدها إليه من بعد، ولا تقرب وجهها إليه ليقبلها أو تقبله.
كراهية تمني الموت
شرح حديث (لا يدعونّ أحدكم بالموت لضر نزل به)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [بابٌ: في كراهية تمني الموت.
حدثنا بشر بن هلال، حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يدعُونّ أحدكم بالموت لضرٍ نزل به، ولكن ليقل: اللهم! أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي) ] .
قال الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: باب في كراهية تمني الموت، أي: أن الإنسان لا يتمنى الموت من أجل أمرٍ حصل له؛ لأنه لا يدري ماذا يحصل له بعد الموت، فقد يحصل له بعد الموت أمر أخطر وأعظم من الضر الذي قد حصل له، فينتقل من شديد إلى أشد، ومن خطير إلى أخطر، فلا يتمنين أحد الموت في أمرٍ يصيبه، ولكن إذا حصل له ضرّ فإن له أن يسأل الله عز وجل الحياة على خير، أو الموت على خير، كما جاء في حديث أنس رضي الله عنه في هذا الباب: (لا يدعون أحدكم بالموت لضرٍ نزل به، ولكن ليقل: اللهم أحيني إذا كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي) أي: أنه يسأل الله تعالى الخير في الحياة أو في الممات، فإن كانت الحياة خيراً له فإنه يحييه، وإن كان الوفاة خيراً له فإنه يميته، أي: إن كانت الحياة خيراً له فإنه يبقى ليكتسب عملاً صالحاً، وإن كانت الوفاة خيراً له فإنه ينتقل إلى ذلك الذي هو خير له.
وهذا الدعاء عظيم في كون الإنسان يسأل الله عز وجل ما هو الخير له في الدنيا والآخرة، وهذا من كمال بيانه ونصحه صلى الله عليه وسلم، فإن هذا الدعاء فيه تحصيل الخير إما في الدنيا وإما في الآخرة، وكذلك في زمن وجود الفتن والبلاء فإنه ينبغي له أن يسأل بهذه الطريقة؛ لأن الإنسان لا يدرِ ما هو الخير له، فلا يدري هل الحياة خيراً له أو أن الوفاة خير له، ولكنه يسأل الله عز وجل ما فيه الخير له في الدنيا والآخرة.
تراجم رجال إسناد حديث (لا يدعونّ أحدكم بالموت لضر نزل به)
قوله: [حدثنا بشر بن هلال] .
بشر بن هلال ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
[حدثنا عبد الوارث] .
هو عبد الوارث بن سعيد العنبري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد العزيز] .
هو عبد العزيز بن صهيب ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس] .
هو أنس بن مالك رضي الله عنه، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا الحديث رباعي، وهو من أعلى الأسانيد عند أبي داود، ففيه بين أبي داود وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص.
شرح حديث (لا يدعون أحدكم بالموت لضر نزل به) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو داود -يعني: الطيالسي - حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا يتمنين أحدكم الموت) ، فذكر مثله] .
ثم أورد أبو داود رحمه الله الحديث من طريق أخرى، وفيه: (لا يتمنين أحدكم الموت) ، فهنا تمني وفي الأول دعاء، ومن المعلوم أن التمني قد يكون بدون دعاء، وقد يكون مع الدعاء، فقد يتمنى شيئاً ويطلبه، وقد يتمنى الشيء في نفسه ويحبه ويوده ولا يطلبه، فالإنسان لا يتمنى الموت ولكنه يسأل الله عز وجل الخير له: فإن كان في الحياة فيحييه، وإن كان في الممات فيميته.
تراجم رجال إسناد حديث (لا يدعون أحدكم بالموت لضر نزل به) من طريق أخرى
قوله: [حدثنا محمد بن بشار] .
محمد بن بشار هو الملقب بندار البصري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبو داود الطيالسي] .
هو سليمان بن داود ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن شعبة] .
هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة] .
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس] .
أنس رضي الله عنه صحابي، وقد مره ذكره في الحديث الذي قبل هذا.
وقد يتمنى بعض الناس المرض لما في المرض من تكفير الذنوب، ولا ينبغي له ذلك، ولكن يسأل الله العافية، ويعمل الأعمال الصالحة، فالحسنات يذهبن السيئات.
موت الفجأة
شرح حديث (موت الفجأة أخذة أسف)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: في موت الفجأة.
حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة عن منصور عن تميم بن سلمة أو سعد بن عبيدة عن عبيد بن خالد السلمي رضي الله عنه -رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم- قال مرةً: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال مرةً: عن عبيد أنه قال: (موت الفجأة أخذت أسف) ] .
ثم أورد أبو داود هذه الترجمة: باب موت الفجأة، والفجأة هي البغتة، ومعنى ذلك أن الإنسان يموت بغتة، أي: أن الموت يداهمه فيموت إما بسكتة قلبية، أو أنه يقتل ويرمى، أو أنه يحصل له حادث فيموت في الحال، فهذا كله يقال له: موت فجأة، فالإنسان لم يحصل له مرض بحيث يوصي إذا كان يحتاج إلى أن يوصي، ولهذا جاء في الحديث الذي مر بنا في الوصية أن الإنسان يبادر بها ولا يؤخرها؛ لأنه قد يحصل له موت فجأة، فعليه أن يوصي ويبين ما له وما عليه؛ حتى لا يأتيه الموت فجأة، فلا يُعرف ما له وما عليه، والمهم في الأمر أن يُعرف ما عليه، فموت الفجأة هو موت البغتة، ويترتب عليه أن الإنسان ما يكون عنده مجال حتى يستعد ويتهيأ، وأما إذا أصابه مرض فلعله أن يرجع إلى الله عز وجل ويستفيد من ذلك، وأما إذا كان صحيحاً ساهياً لاهياً غافلاً معرضاً فقد يأتيه الموت فجأة فلا يمكنه أن يتدارك، وقد يموت الإنسان فجأة وهو على عملٍ صالح، ولهذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل) ، وذلك أن العمل القليل إذا داوم عليه الإنسان فإنه إذا مات في أي وقت فإنه يموت وهو على حالة طيبة حسنة، وكم من الناس من أهل الفضل والصلاح من يحصل له ذلك، وممن مات فجأة عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما، فإنه مات فجأة ما بين مكة والمدينة، فالموت يحصل للمقبل وللاهي، ولكن إذا حصل للإنسان مرض فإنه يذكر الله عز وجل ويستغفره، ويرجع ويتوب إليه، فإن ذلك فيه خير له، وإذا حصل له الموت فجأة فقد يموت وهو على حالة سيئة والعياذ بالله، ولا يمكنه أن يتدارك، ولا أن يذكر الله عز وجل.
وأورد أبو داود حديث عبيد بن خالد السلمي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (موت الفجأة أخذت أسفٍ) ، وسواء كان أسف أو آسف، فالآسِف هو الغضبان، والأسَف هو الغضَب كما قال تعالى: {فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ} [الزخرف:55] أي: أغضبونا، وليس كل من مات فجأة فهو مغضوب عليه، فقد يموت الإنسان فجأة وهو على خير، لكن الفاجر والفاسق والكافر فهؤلاء هم الذين ينطبق في حقهم هذا، فهؤلاء يموتون ولا يمكنهم أن يتداركوا، وأما من مات وهو على استقامة وحالة طيبة فلا يقال: إنه مغضوب عليه، كما عرفنا أن من أهل الصلاح والتقى من يموت فجأة كما حصل لـ عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما.
وقد جاء حديث وفيه كلام: (أن موت الفجأة رحمة للمسلم أو راحة للمسلم، وأخذت أسفٍ للفاجر) ، ولكن فيه كلاماً.
تراجم رجال إسناد حديث (موت الفجأة أخذة أسف)
قوله: [حدثنا مسدد] .
هو مسدد بن مسرهد البصري ثقة أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا يحيى] .
هو يحيى بن سعيد القطان البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن شعبة] .
هو شعبة بن الحجاج، وقد مر ذكره.
[عن منصور] .
هو منصور بن المعتمر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[تميم بن سلمة] .
تميم بن سلمة ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[أو سعد بن عبيدة] .
سعد بن عبيدة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيد بن خالد السلمي] .
عبيد بن خالد السلمي رضي الله عنه صحابي، أخرج له أبو داود والنسائي.
وقد قال مرة: عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال مرةً أخرى: عن عبيد، وهذا يعني أنه جاء عنه مرفوعاً، وجاء عنه موقوفاً.
فضل من مات في الطاعون
شرح حديث (الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: في فضل من مات في الطاعون.
حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك عن عتيك بن الحارث بن عتيك -وهو جد عبد الله بن عبد الله أبو أمه- أنه أخبره أن عمه جابر بن عتيك أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غُلب، فصاح به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يجبه، فاسترجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: (غُلبنا عليك يا أبا الربيع!) ، فصاح النسوة وبكين، فجعل ابن عتيك يسكتهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: دعهن، فإذا وجب فلا تبكين باكية، قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟! قال: الموت، قالت ابنته: والله! إن كنت لأرجو أن تكون شهيداً، فإنك كنت قد قضيت جهازك، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله عز وجل قد أوقع أجره على قدر نيته، وما تعدون الشهادة؟ قالوا: القتل في سبيل الله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الشهادة سبعٌ سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغريق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمْعٍ شهيدة) ] .
ثم أورد أبو داود باب: فضل من مات في الطاعون، أي: أن ذلك يعتبر شهادة، وهو من قبيل الشهادة من حيث الحُكم، فحكمه حكم الشهيد، وقد بوب النووي رحمه الله في (رياض الصالحين) باباً، فقال: باب ذكر جماعة من الشهداء في ثواب الآخرة، ويغسلون ويصلى عليهم، ويعني: أنهم شهداء من حيث ثواب الآخرة وليسوا شهداء من ناحية أنهم قتلوا في سبيل الله، وأنهم يأتون يوم القيامة اللون لون الدم، والريح ريح المسك، فهذا هو شهيد المعركة الذي قتل في سبيل الله، وهو الأصل والمعروف في الشهادة، وهناك أناس جُعل حكمهم حكم الشهداء من حيث أنهم يثابون ثواباً عظيماً في الآخرة، كما أن للشهداء أجراً عظيماً، وإن لم تكن أحكامهم كأحكام الشهداء الذين لا يغسلون، ويدفنون في ثيابهم، ويدفنون في دمائهم؛ ليكون ذلك علامة لهم يوم القيامة، كما جاء في الحديث: (اللون لون الدم، والريحة ريح المسك) .
ذكر أبو داود رحمه الله حديث جابر بن عتيك رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب، فصاح به) ، هذا يدل على مشروعية عيادة المريض.
قوله: (فوجده قد غلب) يعني: أنه على وشك الموت، أو أنه قد فارق الحياة، (فصاح به) أي: كلمه ليعرف هل ما زال على قيد الحياة (وقال: غُلِبْنَا عليك يا أبا الربيع!) يعني: أنك قد فتَّ، وخرجت روحكَ قبل أن ندرككَ حياً.
قوله: (فصاح النسوة وبكين) أي: لما سمعن صوت الرسول يخاطبه ويناديه صِحن وبكين.
قوله: (فجعل ابن عتيك) وهو الراوي، (يُسكتهن) .
قوله: (دعهن، فإذا وجب فلا تبكين باكية) أي: إذا حصل الموت فلا تبكين باكية، أي: لا تنح نائحة، فالمقصود بالبكاء هنا النياحة، وأما البكاء الذي هو دمع العين وحزن القلب فهذا لا بأس به، وقد حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال عليه الصلاة والسلام لما مات ابنه إبراهيم: (إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم! لمحزونون) ، فالبكاء الذي هو دمع العين، وحزن القلب إنما هو رحمة من الله عز وجل، ولا يملكه الإنسان، وأما أن يرفع صوته فهذا هو الأمر محرم، وقد تبرأ الرسول صلى الله عليه وسلم من الصالقة والحالقة والشاقة، والصالقة هي التي ترفع صوتها عند المصيبة، وهذا شيءٍ يستطيع الإنسان أن يتركه، وأما مجرد البكاء ودمع العين وحزن القلب فهذا لا يملكه الإنسان، وإنما يأتي من غير اختيار، وهو معذور في ذلك.
قوله: (وما الوجوب يا رسول الله! قال: الموت) ، أي: إذا حصل موت.
قوله: (قالت ابنته: والله! إن كنت لأرجو أن تكون شهيداً، فإنك كنت قد قضيت جهازك) أي: أنها تثني عليه، وقولها: (إني أرجو أن تكون شهيداً) تعني: شهيد المعركة، (لأنك قد قضيت جهازك) تعني: أنه قد استعد وتجهز للقتال، فمات قبل أن يخرج، وقولها هذا فيه دليل على عدم الجزم بالشهادة.
قوله: (إن الله قد أوقع أجره على قدر نيته) ، فقد نوى الخروج في سبيل الله، فتجهز وتهيأ وأعد لذلك العدة، فأوقع الله أجره على قدر نيته، وهذا يدلنا على أن النية لها أثر عظيم، فهو يموت دون أن يفعله ومع ذلك، فإنه يحصل الأجر على ذلك، وقد جاء في الحديث الذي في غزوة تبوك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان في الطريق قال: (إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، حبسهم العذر) أي: أنهم بنياتهم مع المجاهدين في سبيل الله، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله في فقه غزوة تبوك: إن الجهاد يكون بالنية، ويكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بالمال وبالنفس، فالإنسان يجاهد بنفسه وبماله وبنيته وبلسانه، فكل هذه يقع بها الجهاد، وهذا الحديث يدل على ذلك، فقد أوقع الله أجره على قدر نيته، والحديث الذي ذكرناه آنفاً في غزوة تبوك يدل على أنهم مجاهدون بنياتههم وبقلوبهم المتعلقة والحريصة على الخروج في سبيل الله، ولكنهم لم يستطيعوا ذلك، ولم يقدر النبي على تمكينهم منه؛ لكونه لم يجد الظهر الذي يحقق به رغبتهم في ذلك، ولهذا قال الله فيهم: {إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ} [التوبة:92] .
قوله: (وما تعدون الشهادة فيكم؟ قالوا: القتل في سبيل الله) فهذا هو الذي يعرفونه أن الشهادة هي القتل في سبيل الله، فإذا قتل الإنسان في سبيل الله، أو مات في سبيل الله وكان غازياً وخارجاً لقتال الكفار فهذا هو الذي يكون في سبيل الله.
قوله: (الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله) ، ثم ذكر هذه السبع، (المطعون شهيد) وهذا هو محل الشاهد، فالمطعون هو الذي أصابه الطاعون ومات به.
قوله: (والغريق شهيد) وهو الذي مات بالغرق.
قوله: (وصاحب ذات الجنب شهيد) ، وذات الجنب مرضٌ يكون في الجنب، ويموت بسببه الإنسان.
قوله: (والمبطون شهيد) وهو الذي أصابه المرض في بطنه، كأن يكون فيه إسهال ومات بسبب ذلك، فإنه يكون شهيداً، لأنه مات من وجع البطن.
قوله: (وصاحب الحريق شهيد) يعني: الذي مات في الحريق.
قوله: (والذي يموت تحت الهدم شهيد) يعني: هو الذي يسقط عليه بنيان أو جدار فيموت بسبب ذلك.
قوله: (والمرأة تموت بجمعٍ شهيدة) يعني: في الولادة، أي: أنها تموت وفي بطنها ولد، أو تموت في نفاسها، فإنها تكون شهيدة.
تراجم رجال إسناد حديث (الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد)
قوله: [حدثنا القعنبي] .
هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب إلا ابن ماجة.
[عن مالك] .
هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك] .
عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عتيك بن الحارث بن عتيك] .
عتيك بن الحارث بن عتيك مقبول، أخرج له أبو داود والنسائي.
[عن عمه جابر بن عتيك] .
عمه جابر بن عتيك رضي الله عنه صحابي، أخرج له أبو داود والنسائي.
الأسئلة
حكم تسمية من مات بحادث سيارة شهيداً
السؤال من مات في حادث سيارة هل يعد من الشهداء؟
الجواب من حيث إنه يموت بغتة أو قريباً من البغتة فهو من جنس ذلك، لكن قد يحصل ذلك للإنسان بسبب خطأه، فالإنسان قد يسوق سيارة فيسرع سرعة شديدة فيقتل نفسه بذلك، فمثل ذلك كيف يقال: إنه شهيد؟! وعلى كلٍ فالله تعالى أعلم، لكنه إذا كان متسبباً في ذلك، أو عمل عملاً وتصرف تصرفاً ترتب عليه موته فهذا -والعياذ بالله- أمره ليس بهين.
السرطان ودخوله في داء البطن
السؤال هل يدخل من يموت بالسرطان في المبطون؟
الجواب لا؛ لأن السرطان لا يكون دائماً في البطن، فقد يكون في غير البطن.
حكم العمليات الاستشهادية
السؤال من يموت في العمليات الاستشهادية هل يقال عنه شهيد؟
الجواب ليس هناك عمليات استشهادية!! وهذه العمليات الموجودة إنما هي عمليات انتحارية، وهي قتل للنفس.
أخذ المريض من أظفاره وعانته
شرح أثر خبيب في استعارته الموسى كي يستحد بها عندما أجمع المشركون على قتله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [بابٌ: المريض يؤخذ من أظفاره وعانته، أو يأخذ من أظفاره وعانته.
حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا إبراهيم بن سعد أخبرنا ابن شهاب أخبرني عمر بن جارية الثقفي حليف بني زهرة، وكان من أصحاب أبي هريرة، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: ابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيباً رضي الله عنه، وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيراً حتى أجمعوا لقتله، فاستعار من ابنة الحارث موسىً يستحد بها فأعارته، فدرج بُنيٌّ لها وهي غافلة، حتى أتته فوجدته مُخْلياً وهو على فخذه والموسى بيده، ففزعت فزعة عرفها فيها، فقال: أتخشين أن أقتله؟! ما كنت لأفعل ذلك.
قال أبو داود: روى هذه القصة شعيب بن أبي حمزة عن الزهري أخبرني عبيد الله بن عياض أن ابنة الحارث أخبرته أنهم حين اجتمعوا -يعني: لقتله- استعار منها موسىً يستحد بها فأعارته] .
أورد أبو داود هذه الترجمة: بابٌ: في المريض يؤخذ من أظفاره وعانته، ولفظه: (يؤخذ) هنا مبينة للمجهول، أي: يأخذ غيره، وهذا -كما هو معلوم- إذا تولى ذلك غيره ممن يجوز له الإطلاع على عورته، ومعلومٌ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك) .
وليس في هذه الترجمة ولا في الحديث ما يدل على أن هناك مريضاً، ولكن لما كان خبيب رضي الله تعالى عنه وأرضاه قد أُجمع على قتله طلب موسىً ليستحد به، فهو مثل المريض؛ لأنه على وشك الموت، فإنهم يستعدون لقتله، والمريض أيضاً يُخشى عليه أن يموت، فمن أجل ذلك أورد هذه الترجمة وأتى بهذا الحديث.
قوله: (ابتاع بنو الحارث بن نوفل خبيباً) أي: اشتروه، فقد كان في سرية فجاء جماعة من بني لحيان فأخذوهم وباعوا خبيباً، وكان أولئك حريصين عليه؛ لأنه قتل أباهم يوم بدر، فهم يريدون أن يقتلوه وأن ينتقموا منه، فحبسوه وأجمعوا وعزموا على قتله، فطلب منهم موسى ليستحد به فأعطوه، وكان هناك طفل صغير درج وذهب من أهله، أي: أنه كان يحبوا، أو كان يمشي كمشي الطفل الصغير، حتى وصل إلى خبيب، فأخذه وجعله على فخذه؛ ليداعبه أو ليؤانسه، وكانت الموسى بيده، فنظرت ابنة الحارث فوجدت الطفل على فخذه والموسى بيده ففزعت فزعاً شديداً عُرف في وجهها، فقال لها خبيب: أتخافين أن أقتله؟ لست بفاعل، فقد ظنت عندما رأت الموس بيده والطفل على رجله أنه يريد أن يقتله، وإنما طلب خبيب الموسى ليستحد به.
وإنما ألحقه أبو داود رحمه الله بالمريض لأنه في معناه، فهذا على وشك الموت، ولعله أراد من الاستحداد أن يكون نظيفاً، وأن تكون تلك الأشياء التي يطلب إزالتها قد أزيلت منه قبل أن يموت، ولهذا ذكر بعض أهل العلم أن الإنسان إذا مات وله أظفار، أو كان شاربه طويلاً، وكذلك له عانة تحتاج إلى نظافة فإنه يقص شاربه، وتقلم أظفاره، ومن أهل العلم من لم ير ذلك.
ولعل قائلاً أن يقول: لو كانت الترجمة مبنية للمعلوم لكان أحسن، فأقول: قد يكون المريض لا يستطيع أن يفعل ذلك، فإذا أخذه من له حق جواز النظر إليه فلا بأس بذلك.
تراجم رجال إسناد أثر خبيب في استعارته الموسى كي يستحد بها عندما أجمع المشركون على قتله
[حدثنا موسى بن إسماعيل] .
موسى بن إسماعيل التبوذكي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا إبراهيم بن سعد] .
إبراهيم بن سعد ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا ابن شهاب] .
هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عمر بن الجارية الثقفي] .
هو عمر بن أبي سفيان بن الجارية الثقفي، وهو ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
[عن أبي هريرة] .
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه، وهو أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً.
[قال أبو داود: روى هذه القصة شعيب بن أبي حمزة عن الزهري أخبرني عبيد الله بن عياض أن أبنة الحارث أخبرته أنهم حين اجتمعوا -يعني: لقتله- استعار منها موسى يستحد بها فأعارته] وهذه طريق أخرى، وقد رواها شعيب بن أبي حمزة وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، عن الزهري وقد مر ذكره، أخبرني عبيد الله بن عياض وهو ثقة، أخرج له البخاري في (خلق العباد) ولم يُذكر أبو داود في المخرجين له؛ لأن هذه الرواية معلقة، وقد جرت العادة أنه إذا روى عن الراوي تعليقاً فإنه لا يذكر أن أبا داود أخرج لها، وإنما يقال: إن أبا داود أخرج إذا أخرج له متصلاً.
[أن ابنة الحارث أخبرته] .
ابنة الحارث صحابية، أخرج لها البخاري.
استشكال وجوابه
ولعل قائلاً أن يقول: أما كان خبيب رضي الله عنه يستطيع أن يفادي نفسه بهذا الطفل؟ فأقول: هو لم يرد هذا، ثم كيف يفادي نفسه بهذا الطفل البريء؟ فهذا لا يفعله صحابي، بل ولا يفعله من عنده إيمان.
تنبيه: قال بعض أهل العلم ببدعية حلق عانة الميت، وتقليم أظافره، وحفّ شاربه، وأما أنا فلا أعلم شيئاً يدل على أن هذا من البدع، وهو محتمل للجواز؛ لأن هذه الأشياء مستكرهة في الحياة فكونها تزال عنه بعد الممات فإنه من كمال تطهيره وتنظيفه، فقد يكون له وجه، والمسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فالحنابلة والشافعية يقولون بالجواز، والمالكية والحنفية يقولون بالمنع.