
26-06-2025, 03:32 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,592
الدولة :
|
|
رد: منهاج السنة النبوية ( لابن تيمية الحراني )**** متجدد إن شاء الله
منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
أبو العباس أحمد ابن تيمية الحنبلي الدمشقي
المجلد الثامن
الحلقة (456)
صـ 25 إلى صـ 34
يَدٌ فِي السِّحْرِ وَالسِّيمِيَاءِ، فَقَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الزَّنْدَقَةِ بِحَلَبَ فِي زَمَنِ صَلَاحِ الدِّينِ.
وَكَذَلِكَ ابْنُ سَبْعِينَ، الَّذِي جَاءَ مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى مَكَّةَ، وَكَانَ يَطْلُبُ أَنْ يَصِيرَ نَبِيًّا، وَجَدَّدَ غَارَ حِرَاءٍ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ الْوَحْيُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْتِدَاءً، وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَقَدْ ذَرِبَ ابْنُ آمِنَةَ [1] حَيْثُ قَالَ: "«لَا نَبِيَّ بَعْدِي»" . ب وَكَانَ بَارِعًا فِي الْفَلْسَفَةِ، وَفِي تَصَوُّفِ الْمُتَفَلْسِفَةِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ.
وَهُوَ، وَابْنُ عَرَبِيٍّ، وَأَمْثَالُهُمَا كَالصَّدْرِ الْقُونَوِيِّ، وَابْنِ الْفَارِضِ، وَالتِّلِمْسَانِيِّ: مُنْتَهَى أَمْرِهِمُ الْقَوْلُ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ، وَأَنَّ الْوُجُودَ [2] الْوَاجِبَ الْقَدِيمَ الْخَالِقَ هُوَ الْوُجُودُ الْمُمْكِنُ الْمُحْدَثُ الْمَخْلُوقُ، مَا ثَمَّ لَا غَيْرُ [3] وَلَا سِوَى، لَكِنْ لَمَّا رَأَوْا تَعَدُّدَ الْمَخْلُوقَاتِ صَارُوا تَارَةً يَقُولُونَ: مَظَاهِرُ وَمَجَالِي.
فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: فَإِنْ كَانَتِ الْمَظَاهِرُ أَمْرًا وُجُودِيًّا تَعَدَّدَ [4] الْوُجُودُ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهَا حِينَئِذٍ حَقِيقَةٌ. وَمَا هُوَ نَحْوَ هَذَا الْكَلَامِ، الَّذِي يُبَيِّنُ أَنَّ الْوُجُودَ نَوْعَانِ خَالِقٌ وَمَخْلُوقٌ.
قَالُوا: نَحْنُ نُثْبِتُ عِنْدَنَا فِي الْكَشْفِ مَا يُنَاقِضُ صَرِيحَ الْعَقْلِ، وَمَنْ
(1) ن،] ، ب: لَقَدْ رَرِبَ (غَيْرُ مَنْقُوطَةٍ) ، م لَقَدْ تَرَدَّبَ (غَيْرُ مَنْقُوطَةٍ) الرَّامِيَةُ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ وَلَعَلَّ الصَّوَابَ مَا أَثْبَتُّهُ. وَفِي "اللِّسَانِ" : وَقِيلَ: الذَّرِبُ اللِّسَانِ: الشَّتَّامُ الْفَاحِشُ ""
(2) عِبَارَةُ "وَأَنَّ الْوُجُودَ" سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(3) م: لَا غَيْرُهُ.
(4) ن: بِعَدَدٍ. وَالْكَلِمَةُ غَيْرُ مَنْقُوطَةٍ فِي (م) .
أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مُحَقِّقًا مِثْلَنَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَلْتَزِمَ [1] الْجَمْعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وَأَنَّ الْجِسْمَ الْوَاحِدَ يَكُونُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي مَوْضِعَيْنِ.
وَهَؤُلَاءِ الْأَصْنَافُ قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَكْثُرُونَ فِي الدُّوَلِ الْجَاهِلِيَّةِ [2] ، وَعَامَّتُهُمْ تَمِيلُ إِلَى التَّشَيُّعِ، كَمَا عَلَيْهِ ابْنُ عَرَبِيٍّ، وَابْنُ سَبْعِينَ وَأَمْثَالُهُمَا ; فَاحْتَاجَ النَّاسُ إِلَى كَشْفِ حَقَائِقِ هَؤُلَاءِ، وَبَيَانِ أُمُورِهِمْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَدَّعُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ أَفْضَلُ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَأَنَّ النَّاسَ لَا يَفْهَمُونَ حَقِيقَةَ إِشَارَاتِهِمْ، فَلَمَّا يَسَّرَ اللَّهُ أَنِّي بَيَّنْتُ لَهُمْ حَقَائِقَهُمْ، وَكَتَبْتُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ مَا عَلِمُوا بِهِ أَنَّ هَذَا هُوَ تَحْقِيقُ قَوْلِهِمْ، وَتَبَيَّنَ لَهُمْ بُطْلَانُهُ بِالْعَقْلِ الصَّرِيحِ وَالنَّقْلِ الصَّحِيحِ وَالْكَشْفِ الْمُطَابِقِ، رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ [3] وَفُضَلَائِهِمْ مَنْ رَجَعَ، وَأَخَذَ هَؤُلَاءِ يُثْبِتُونَ لِلنَّاسِ تَنَاقُضَهُمْ، وَيَرُدُّونَهُمْ إِلَى الْحَقِّ [4] .
وَكَانَ مِنْ أُصُولِ ضَلَالِهِمْ [5] ظَنُّهُمْ أَنَّ الْوُجُودَ الْمُطْلَقَ يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ، إِمَّا: مُطْلَقٌ لَا بِشَرْطٍ [6] ، (* وَإِمَّا مُطْلَقٌ بِشَرْطٍ، فَالْمُطْلَقُ لَا
(1) م: يَلْزَمَ.
(2) ب: الْجَاهِلَةِ.
(3) م: أَعْيَانِهِمْ، ن: عَيَايِهِمْ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(4) ن، س: وَبُرُودَتَهُمْ مِنَ الْحَقِّ، ب: وَبَرَاءَتَهُمْ مِنَ الْحَقِّ: م وَيَرُدُّونَهُمْ مِنَ الْحَقِّ. وَلَعَلَّ الصَّوَابَ مَا أَثْبَتُّهُ.
(5) م: إِضْلَالِهِمْ.
(6) ن، س، ب: إِمَّا مَعْلُولًا بِشَرْطٍ. وَالْمُثْبَتُ مِنْ (م) .
بِشَرْطٍ *) [1] الَّذِي يُسَمُّونَهُ الْكُلِّيَّ الطَّبِيعِيَّ، إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ: فَإِنَّ الَّذِي يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ مُقَيَّدًا مُعَيَّنًا هُوَ مُطْلَقٌ فِي الذِّهْنِ، مُقَيَّدٌ فِي الْخَارِجِ. وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ فِي الذِّهْنِ [2] شَيْئًا مُطْلَقًا وَهُوَ مُطْلَقٌ حَالَ تَحَقُّقِهِ فِي الْخَارِجِ، فَهُوَ غَالِطٌ غَلَطًا ضَلَّ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَنْطِقِ وَالْفَلْسَفَةِ.
وَأَمَّا الْمُطْلَقُ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ فَهُوَ الْوُجُودُ الْمُقَيَّدُ بِسَلْبِ جَمِيعِ الْأُمُورِ الثُّبُوتِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ، كَمَا يُوجَدُ الْإِنْسَانُ مُجَرَّدًا عَنْ كُلِّ قَيْدٍ. فَإِذَا قُلْتَ: مَوْجُودٌ أَوْ مَعْدُومٌ، أَوْ وَاحِدٌ أَوْ كَثِيرٌ، أَوْ فِي الذِّهْنِ أَوْ فِي الْخَارِجِ - كَانَ ذَلِكَ قَيْدًا زَائِدًا عَلَى الْحَقِيقَةِ الْمُطْلَقَةِ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ.
وَهَكَذَا الْوُجُودُ تَأْخُذُهُ مُجَرَّدًا عَنْ كُلِّ قَيْدٍ ثُبُوتِيٍّ وَسَلْبِيٍّ، فَلَا تَصِفُهُ، لَا بِالصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ وَلَا الثُّبُوتِيَّةِ.
وَهَذَا [3] هُوَ وَاجِبُ الْوُجُودِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْبَاطِنِيَّةِ، كَأَبِي يَعْقُوبَ السِّجِسْتَانِيِّ صَاحِبِ "الْأَقَالِيدِ الْمَلَكُوتِيَّةِ" وَأَمْثَالِهِ. لَكِنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ لَا يَعْرِفُ: يَرْفَعُ [4] النَّقِيضَيْنِ، فَيَقُولُ: لَا مَوْجُودَ وَلَا مَعْدُومَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ أُمْسِكُ عَنْ إِثْبَاتِ أَحَدِ النَّقِيضَيْنِ، فَلَا أَقُولُ: مَوْجُودٌ وَلَا مَعْدُومٌ [5] ، كَأَبِي يَعْقُوبَ، وَهُوَ مُنْتَهَى تَجْرِيدِ هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ.
(1) : مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(2) ن، م: فِي الْخَارِجِ. وَفِي (س) فِي الْأَصْلِ: فِي الْخَارِجِ، وَكُتِبَ فِي الْهَامِشِ: لَعَلَّهُ: فِي الذِّهْنِ.
(3) س، ب: وَهَكَذَا.
(4) ن، س: مَنْ لَا يَعْرِفُ يَرْفَعُ، م: مَنْ لَا يَرْفَعُ، ب: مَنْ لَا يُعْرَفُ بِرَفْعِ.
(5) (4 - 4) سَاقِطٌ مِنْ (م) .
وَابْنُ سِينَا وَأَتْبَاعُهُ يَقُولُونَ: الْوُجُودُ الْوَاجِبُ هُوَ الْوُجُودُ الْمُقَيَّدُ بِسَلْبِ الْأُمُورِ الثُّبُوتِيَّةِ دُونَ السَّلْبِيَّةِ، وَهَذَا أَبْعَدُ عَنِ الْوُجُودِ فِي الْخَارِجِ مِنَ الْمُقَيَّدِ بِسَلْبِ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا فِي الْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ.
فَقُلْتُ لِأُولَئِكَ الْمُدَّعِينَ لِلتَّحْقِيقِ: أَنْتُمْ بَنَيْتُمْ أَمْرَكُمْ عَلَى الْقَوَانِينِ الْمَنْطِقِيَّةِ، وَهَذَا الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ، الْمُقَيَّدُ بِسَلْبِ النَّقِيضَيْنِ عَنْهُ، لَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ (* بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، وَإِنَّمَا يُقَدَّرُ فِي الذِّهْنِ تَقْدِيرًا، وَإِلَّا فَإِذَا قَدَّرْنَا إِنْسَانًا مُطْلَقًا، وَاشْتَرَطْنَا فِيهِ أَنْ لَا يَكُونَ مَوْجُودًا وَلَا مَعْدُومًا، وَلَا وَاحِدًا وَلَا كَثِيرًا، لَمْ يُوجَدْ فِي الْخَارِجِ، بَلْ نَفْرِضُ فِي الذِّهْنِ، كَمَا نَفْرِضُ الْجَمْعَ بَيْنَ *) [1] النَّقِيضَيْنِ، فَفَرْضُ رَفْعِ [2] النَّقِيضَيْنِ كَفَرْضِ الْجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ.
وَلِهَذَا كَانَ هَؤُلَاءِ تَارَةً يَصِفُونَهُ بِجَمْعِ النَّقِيضَيْنِ أَوِ الْإِمْسَاكِ عَنْهُمَا، كَمَا يَفْعَلُ ابْنُ عَرَبِيٍّ وَغَيْرُهُ كَثِيرًا [3] ، وَتَارَةً يَجْمَعُونَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، كَمَا يُوجَدُ أَيْضًا فِي كَلَامِ أَصْحَابِ "الْبِطَاقَةِ" وَغَيْرِهِمْ.
فَإِذَا قَالُوا مَعَ ذَلِكَ: إِنَّهُ مُبْدِعُ الْعَالَمِ، وَشَرَطُوا فِيهِ أَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِثُبُوتٍ وَلَا انْتِفَاءٍ [4] - كَانَ تَنَاقُضًا ; فَإِنَّ كَوْنَهُ مُبْدِعًا لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذَا وَهَذَا.
وَكَذَلِكَ إِذَا قَالُوا مَوْجُودٌ وَاجِبٌ، وَشَرَطُوا فِيهِ التَّجْرِيدَ عَنِ النَّقِيضَيْنِ - كَانَ تَنَاقُضًا.
(1) : مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(2) رَفْعِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (م) .
(3) م: بِكَثْرَةٍ.
(4) م: بِثُبُوتِ الِانْتِفَاءِ.
وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ: مَوْجُودٌ لَا مَوْجُودٌ، وَوَاجِبٌ لَا وَاجِبٌ، وَهَذَا مُنْتَهَى أَمْرِهِمْ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، أَوْ رَفْعُ النَّقِيضَيْنِ.
وَلِهَذَا يَصِيرُونَ إِلَى الْحَيْرَةِ وَيُعَظِّمُونَهَا، وَهِيَ عِنْدَهُمْ مُنْتَهَى مَعْرِفَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَالْأَئِمَّةِ وَالْفَلَاسِفَةِ.
وَمِنْ أُصُولِ ضَلَالِهِمْ ظَنُّهُمْ أَنَّ هَذَا تَنْزِيهٌ عَنِ التَّشْبِيهِ، وَأَنَّهُمْ مَتَى وَصَفُوا بِصِفَةِ إِثْبَاتٍ أَوْ نَفْيٍ كَانَ فِيهِ تَشْبِيهٌ بِذَلِكَ. وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ التَّشْبِيهَ الْمَنْفِيَّ عَنِ اللَّهِ هُوَ مَا كَانَ وَصْفُهُ بِشَيْءٍ مِنْ خَصَائِصِ الْمَخْلُوقِينَ، أَوْ أَنْ يُجْعَلَ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ مِثْلَ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ ; بِحَيْثُ يَجُوزُ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ، أَوْ يَجِبُ لَهُ مَا يَجِبُ لَهُمْ، أَوْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا.
فَإِنَّ هَذَا هُوَ التَّمْثِيلُ الْمُمْتَنِعُ الْمَنْفِيُّ بِالْعَقْلِ مَعَ الشَّرْعِ، فَيَمْتَنِعُ وَصْفُهُ بِشَيْءٍ مِنَ النَّقَائِصِ [1] ، وَيَمْتَنِعُ مُمَاثَلَةُ غَيْرِهِ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، فَهَذَانِ جُمَّاعٌ لِمَا يُنَزَّهُ الرَّبُّ تَعَالَى عَنْهُ، كَمَا بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ.
وَعَلَى هَذَا وَهَذَا دَلَّ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سُورَةُ الْإِخْلَاصِ] ، كَمَا قَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي مُصَنَّفٍ مُفْرَدٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الشَّوَاهِدِ [2] .
فَأَمَّا الْمُوَافَقَةُ فِي الِاسْمِ، كَحَيٍّ وَحَيٍّ، وَمَوْجُودٍ وَمَوْجُودٍ، وَعَلِيمٍ وَعَلِيمٍ - فَهَذَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَيَلْزَمُ مَنْ نَفَى هَذَا التَّعْطِيلُ الْمَحْضُ ; فَإِنَّ كُلَّ
(1) م: النَّقَائِضِ.
(2) وَهُوَ كِتَابُ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ، وَطُبِعَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ.
مَوْجُودَيْنِ قَائِمَيْنِ بِأَنْفُسِهِمَا، فَحِينَئِذٍ [1] لَا بُدَّ أَنْ يَجْمَعَهُمَا اسْمٌ عَامٌّ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى عَامٍّ [2] ، لَكِنَّ الْمَعْنَى الْعَامَّ [3] لَا يُوجَدُ عَامًّا إِلَّا فِي الذِّهْنِ، لَا [4] فِي الْخَارِجِ.
فَإِذَا قِيلَ: هَذَا الْمَوْجُودُ وَهَذَا الْمَوْجُودُ مُشْتَرِكَانِ فِي مُسَمَّى الْوُجُودِ، كَانَ مَا اشْتَرَكَا فِيهِ لَا يُوجَدُ مُشْتَرَكًا إِلَّا فِي الذِّهْنِ لَا فِي الْخَارِجِ [5] ، وَكُلُّ مَوْجُودٍ فَهُوَ يَخْتَصُّ بِنَفْسِهِ وَصِفَاتِ نَفْسِهِ، لَا يَشْرَكُهُ غَيْرُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا الِاشْتِرَاكُ هُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّشَابُهِ وَالِاتِّفَاقِ، وَالْمُشْتَرَكُ فِيهِ الْكُلِّيُّ لَا يُوجَدُ كَذَلِكَ إِلَّا فِي الذِّهْنِ، فَإِذَا وُجِدَ فِي الْخَارِجِ لَمْ يُوجَدْ إِلَّا مُتَمَيِّزًا عَنْ نَظِيرِهِ، لَا يَكُونُ هُوَ إِيَّاهُ، وَلَا هُمَا فِي الْخَارِجِ، مُشْتَرِكَانِ فِي شَيْءٍ فِي الْخَارِجِ.
فَاسْمُ الْخَالِقِ إِذَا وَافَقَ اسْمَ الْمَخْلُوقِ، كَالْمَوْجُودِ وَالْحَيِّ - وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الِاسْمَ عَامٌّ كُلِّيٌّ، وَهُوَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُتَوَاطِئَةِ أَوِ الْمُشَكِّكَةِ [6] - لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَا يَتَّصِفُ بِهِ الرَّبُّ مِنْ مُسَمَّى هَذَا الِاسْمِ قَدْ شَارَكَهُ فِيهِ الْمَخْلُوقُ، بَلْ وَلَا يَكُونُ مَا يَتَّصِفُ بِهِ أَحَدُ الْمَخْلُوقِينَ مِنْ مُسَمَّى هَذَا الِاسْمِ قَدْ شَارَكَهُ فِيهِ مَخْلُوقٌ آخَرُ، بَلْ وُجُودُ هَذَا يَخُصُّهُ
(1) ن: وَحِينَ، س: وَحِينَئِذٍ، م: وَيُعْتَبَرُ.
(2) (2 - 2) : سَاقِطٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.
(3) م، س، ب: الْقَائِمَ.
(4) م: وَلَا، وَهُوَ خَطَأٌ.
(5) م: لَا فِي الذِّهْنِ وَلَا فِي الْخَارِجِ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(6) م: وَمِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُتَوَاطِئَةِ وَالْمُشْكِلَةِ. . .، ن: وَهُوَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُتَوَاطِئَةِ أَوِ الْمُشْكِلَةِ.
وَوُجُودُ هَذَا يَخُصُّهُ، لَكِنْ مَا يَتَّصِفُ بِهِ الْمَخْلُوقُ قَدْ يُمَاثِلُ مَا يَتَّصِفُ بِهِ الْمَخْلُوقُ، وَيَجُوزُ عَلَى أَحَدِ الْمِثْلَيْنِ مَا يَجُوزُ عَلَى الْآخَرِ.
وَأَمَّا الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَلَا يُمَاثِلُهُ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ، بَلِ التَّبَايُنُ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ خَلْقِهِ فِي صِفَاتِهِ، أَعْظَمُ مِنَ التَّبَايُنِ الَّذِي بَيْنَ أَعْظَمِ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَحْقَرِهَا. وَأَمَّا الْمَعْنَى الْكُلِّيُّ الْعَامُّ الْمُشْتَرَكُ فِيهِ، فَذَاكَ - كَمَا ذَكَرْنَا - لَا يُوجَدُ كُلِّيًّا إِلَّا فِي الذِّهْنِ.
وَإِذَا كَانَ الْمُتَّصِفَانِ بِهِ بَيْنَهُمَا نَوْعُ مُوَافَقَةٍ وَمُشَارَكَةٍ وَمُشَابَهَةٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَذَاكَ لَا مَحْذُورَ فِيهِ ; فَإِنَّهُ [1] مَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ مِنْ وُجُوبٍ وَجَوَازٍ وَامْتِنَاعٍ فَإِنَّ اللَّهَ مُتَّصِفٌ بِهِ، فَالْمَوْجُودُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَوْجُودٌ، أَوِ الْعَلِيمُ أَوِ الْحَيُّ، مَهْمَا قِيلَ: إِنَّهُ يَلْزَمُهُ مِنْ وُجُوبٍ وَامْتِنَاعٍ وَجَوَازٍ، فَاللَّهُ مَوْصُوفٌ بِهِ، بِخِلَافِ وُجُودِ الْمَخْلُوقِ وَحَيَاتِهِ وَعِلْمِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُوصَفُ بِمَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَخْلُوقُ مِنْ وُجُوبٍ وَجَوَازٍ وَاسْتِحَالَةٍ، كَمَا أَنَّ الْمَخْلُوقَ لَا يُوصَفُ بِمَا يَخْتَصُّ بِهِ الرَّبُّ مِنْ وُجُوبٍ وَجَوَازٍ وَاسْتِحَالَةٍ.
فَمَنْ فَهِمَ هَذَا انْحَلَّتْ عَنْهُ إِشْكَالَاتٌ كَثِيرَةٌ، يَعْثُرُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الْأَذْكِيَاءِ، النَّاظِرِينَ فِي الْعُلُومِ الْكُلِّيَّةِ وَالْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ، فَهَذَا أَحَدُ أَقْوَالِهِمْ فِي الْوُجُودِ الْوَاجِبِ، وَهُوَ الْمُطْلَقُ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ عَنِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَهُوَ أَكْمَلُهَا فِي التَّعْطِيلِ وَالْإِلْحَادِ.
وَالثَّانِي قَوْلُ ابْنِ سِينَا وَأَتْبَاعِهِ: إِنَّهُ هُوَ الْوُجُودُ الْمُقَيَّدُ (* بِالْقُيُودِ السَّلْبِيَّةِ
(1) ب: فَإِنَّ.
لَا الثُّبُوتِيَّةِ، وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ الْوُجُودُ الْمُقَيَّدُ *) [1] تَارَةً [2] لَا يَعْرِضُ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَاهِيَّاتِ، كَمَا يُعَبِّرُ الرَّازِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَهَذِهِ الْعِبَارَاتُ - بِنَاءًا عَلَى قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْوُجُودَ يَعْرِضُ لِلْمَاهِيَّةِ الْمُمْكِنَةِ. فَإِنَّ لِلنَّاسِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: قِيلَ: إِنَّ الْوُجُودَ زَائِدٌ عَلَى الْمَاهِيَّةِ فِي الْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ أَبُو هَاشِمٍ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الرَّازِيِّ، وَقَدْ يَقُولُهُ بَعْضُ النُّظَّارِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ.
وَقِيلَ: بَلِ الْوُجُودُ فِي الْخَارِجِ هُوَ الْحَقِيقَةُ الثَّابِتَةُ فِي الْخَارِجِ، لَيْسَ هُنَاكَ شَيْئَانِ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ النُّظَّارِ مِنْ مُثْبِتَةِ الصِّفَاتِ مِنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، لَكِنْ ظَنَّ الشَّهْرَسْتَانِيُّ وَالرَّازِيُّ وَالْآمِدِيُّ وَنَحْوُهُمْ أَنَّ قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ يَقُولُ: إِنَّ لَفْظَ الْوُجُودِ مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ، وَنَقَلُوا ذَلِكَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ غَلَطٌ عَلَيْهِمْ ; فَإِنَّ أَصْحَابَ هَذَا الْقَوْلِ هُمْ جَمَاهِيرُ الْخَلْقِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ لَفْظَ "الْوُجُودِ" مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ، إِلَّا طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ، وَلَيْسَ هَذَا قَوْلَ الْأَشْعَرِيِّ وَأَصْحَابِهِ، بَلْ هُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْوُجُودَ يَنْقَسِمُ إِلَى قَدِيمٍ وَمُحْدَثٍ، وَاسْمُ الْوُجُودِ يَعُمُّهُمَا.
لَكِنَّ الْأَشْعَرِيَّ يَنْفِي الْأَحْوَالَ، وَيَقُولُ: الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ يَعُودُ إِلَى الْأَقْوَالِ، وَمَقْصُودُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَارِجِ مَعْنًى كُلِّيٌّ عَامٌّ، لَيْسَ مَقْصُودُهُ أَنَّ الذِّهْنَ لَا يَقُومُ بِهِ مَعْنًى عَامٌّ كُلِّيٌّ.
(1) : مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(2) ب: بِأَنْ.
وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ مَنْ قَالَ: وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ هُوَ نَفْسُ حَقِيقَتِهِ الْمَوْجُودَةِ، إِنَّمَا هَذَا هُوَ قَوْلٌ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ ; لِأَنَّهُمْ قَالُوا إِذَا جَعَلْنَا الْوُجُودَ عَامًّا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُتَوَاطِئَةِ الْمُتَسَاوِيَةِ، أَوِ الْمُتَفَاضِلَةِ [1] الَّتِي تُسَمَّى الْمُشَكِّكَةَ، وَقُلْنَا: إِنَّ الْوُجُودَ يَنْقَسِمُ إِلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ، وَقَدِيمٍ وَمُحْدَثٍ، كَانَ النَّوْعَانِ قَدِ اشْتَرَكَا فِي مُسَمَّى الْوُجُودِ، وَهُوَ كُلِّيٌّ مُطْلَقٌ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَمَيَّزَ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ بِمَا يَخُصُّهُ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ ; فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حَقِيقَةٌ غَيْرُ الْوُجُودِ.
فَمَنْ قَالَ إِنَّ الشَّيْءَ الْمَوْجُودَ فِي الْخَارِجِ لَيْسَ شَيْئًا غَيْرَ الْحَقِيقَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْخَارِجِ، لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَقُولَ: لَفْظُ الْوُجُودِ يَعُمُّهُمَا، بَلْ يَقُولُ: هُوَ مَقُولٌ عَلَيْهِمَا بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ.
وَهَذَا غَلَطٌ ضَلَّتْ فِيهِ طَوَائِفُ، كَالرَّازِيِّ وَأَمْثَالِهِ.
بَيَانُ ذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: لَفْظُ الْوُجُودِ كَلَفْظِ الْحَقِيقَةِ، وَكَلَفْظِ الْمَاهِيَّةِ، وَكَلَفْظِ الذَّاتِ وَالنَّفْسِ، فَإِذَا قُلْتُمْ: الْوُجُودُ يَنْقَسِمُ إِلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ، أَوْ قَدِيمٍ وَمُحْدَثٍ - كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكُمْ: الْحَقِيقَةُ تَنْقَسِمُ إِلَى وَاجِبَةٍ وَمُمْكِنَةٍ، أَوْ إِلَى قَدِيمَةٍ وَمُحْدَثَةٍ، وَبِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ: الذَّاتُ تَنْقَسِمُ إِلَى هَذَا وَهَذَا وَهَذَا، وَالْمَاهِيَّةُ تَنْقَسِمُ إِلَى هَذَا وَهَذَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْعَامَّةِ، وَبِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ: الشَّيْءُ يَنْقَسِمُ إِلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ، وَقَدِيمٍ وَحَادِثٍ.
وَحِينَئِذٍ فَإِذَا قُلْتُمْ: يَشْتَرِكَانِ فِي الْوُجُودِ أَوِ الْوُجُوبِ [2] ، وَيَمْتَازُ أَحَدُهُمَا
(1) م: وَالْمُتَفَاضِلَةِ.
(2) م: فِي الْوُجُودِ وَالْوَاجِبِ.
عَنِ الْآخَرِ بِالْحَقِيقَةِ أَوِ الْمَاهِيَّةِ [1] - كَانَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُقَالَ: يَشْتَرِكَانِ فِي الْمَاهِيَّةِ أَوِ الْحَقِيقَةِ [2] ، وَيَمْتَازُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ بِالْوُجُودِ أَوِ الْوُجُوبِ [3] .
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّمَا اشْتَرَكَا فِي الْوُجُودِ الْعَامِّ الْكُلِّيِّ، وَامْتَازَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْحَقِيقَةِ الَّتِي تَخُصُّهُ.
قِيلَ: وَكَذَلِكَ يُقَالُ: إِنَّمَا اشْتَرَكَا فِي الْحَقِيقَةِ الْعَامَّةِ الْكُلِّيَّةِ، وَامْتَازَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْوُجُودِ الَّذِي يَخُصُّهُ ; فَلَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ مَا جَعَلْتُمُوهُ كُلِّيًّا مُشْتَرَكًا [4] ، كَالْجِنْسِ وَالْعَرَضِ الْعَامِّ، وَبَيْنَ مَا جَعَلْتُمُوهُ مُخْتَصًّا مُمَيَّزًا جُزْئِيًّا، كَالْفَصْلِ وَالْخَاصَّةِ. لَكِنْ عَمَدْتُمْ إِلَى شَيْئَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، فَقَدَّرْتُمْ أَحَدَهُمَا فِي حَالِ عُمُومِهِ، وَالْآخَرَ فِي حَالِ خُصُوصِهِ، فَهَذَا كَانَ مِنْ تَقْدِيرِكُمْ، وَإِلَّا فَكُلٌّ مِنْهُمَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّقْدِيرُ كَمَا أَمْكَنَ فِي الْآخَرِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُسَاوٍ لِلْآخَرِ فِي عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ، وَكَوْنِهِ مُشْتَرَكًا وَمُمَيَّزًا، فَلَا فَرْقَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَيْنَ مَا جَعَلْتُمُوهُ جِنْسًا أَوْ عَرَضًا عَامًّا، وَمَا جَعَلْتُمُوهُ فَصْلًا أَوْ خَاصَّةً، إِلَّا أَنَّكُمْ قَدَّرْتُمْ أَحَدَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ عَامًّا وَالْآخَرَ خَاصًّا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: إِذَا قُلْتُمُ: الْمَوْجُودَانِ يَشْتَرِكَانِ فِي مُسَمَّى الْوُجُودِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَمَيَّزَ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ بِأَمْرٍ آخَرَ.
قِيلَ لَكُمْ: الْمُمَيَّزُ أَنْ يَكُونَ وُجُودًا [5] خَاصًّا، فَلِمَ قُلْتُمْ: إِنَّهُ
(1) م: وَالْمَاهِيَّةِ.
(2) م: وَالْحَقِيقَةِ.
(3) م: وَالْوُجُوبِ.
(4) ب: مُشْتَرَكًا كُلِّيًّا.
(5) م: مَوْجُودًا
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|