
25-06-2025, 03:29 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,462
الدولة :
|
|
رد: منهاج السنة النبوية ( لابن تيمية الحراني )**** متجدد إن شاء الله
منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
أبو العباس أحمد ابن تيمية الحنبلي الدمشقي
المجلد السابع
الحلقة (419)
صـ 187 إلى صـ 196
فَإِنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِوَجْهِ اللَّهِ، بِهَذَا تَمَيَّزُوا. كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [سُورَةُ الْإِنْسَانِ: 9] .
وَأَمَّا إِنْفَاقُ الصِّدِّيقِ وَنَحْوُهُ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، لِتَخْلِيصِ مَنْ آمَنَ، وَالْكُفَّارُ يُؤْذُونَهُ أَوْ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ مِثْلَ اشْتِرَائِهِ بِمَالِهِ سَبْعَةً كَانُوا يُعَذَّبُونَ فِي اللَّهِ، مِنْهُمْ بِلَالٌ، حَتَّى قَالَ عُمَرُ: أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا، يَعْنِي بِلَالًا [1] .
وَإِنْفَاقُهُ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَفِي [2] نَصْرِ الْإِسْلَامِ، حَيْثُ كَانَ أَهْلُ الْأَرْضِ قَاطِبَةً أَعْدَاءَ الْإِسْلَامِ. وَتِلْكَ النَّفَقَةُ مَا بَقِيَ يُمْكِنُ مِثْلُهَا. وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» [3] وَهَذَا فِي النَّفَقَةِ الَّتِي اخْتُصُّوا بِهَا، وَأَمَّا جِنْسُ إِطْعَامِ الْجَائِعِ مُطْلَقًا، فَهَذَا مُشْتَرَكٌ يُمْكِنُ فِعْلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
[فصل البرهان الثاني والعشرون "وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ" والجواب عليه]
فَصْلٌ
قَالَ الرَّافِضِيُّ [4] : "الْبُرْهَانُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [سُورَةُ الزُّمَرِ: 33] . مِنْ طَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ} "
(1) ذَكَرَ هَذَا الْإِسْنَادَ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي "حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ" 1/147.
(2) س، ب: الْإِيمَانِ فِي. . .
(3) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 2/21
(4) فِي (ك) ص 160 (م) .
[: مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآلُهُ] [1] {وَصَدَّقَ بِهِ} : قَالَ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. وَمِنْ طَرِيقِ الْفَقِيهِ الشَّافِعِيِّ عَنْ مُجَاهِدٍ [2] : {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} قَالَ: جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَدَّقَ بِهِ عَلِيٌّ. وَهَذِهِ فَضِيلَةٌ اخْتُصَّ بِهَا، فَيَكُونُ هُوَ الْإِمَامَ "."
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا لَيْسَ مَنْقُولًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَوْلُ مُجَاهِدٍ وَحْدَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ يَجِبُ اتِّبَاعُهَا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، لَوْ كَانَ [3] هَذَا النَّقْلُ صَحِيحًا عَنْهُ، فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا عَنْهُ؟ ! فَإِنَّهُ قَدْ عُرِفَ بِكَثْرَةِ [4] الْكَذِبِ.
وَالثَّابِتُ عَنْ مُجَاهِدٍ [5] خِلَافُ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ الصِّدْقَ هُوَ الْقُرْآنُ، وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ هُوَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي عَمِلَ بِهِ، فَجَعَلَهَا عَامَّةً. رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ [وَغَيْرُهُ] [6] عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ [7] : هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ يَجِيئُونَ [بِهِ] [8] يَوْمَ الْقِيَامَةِ،
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ فِي (ك) فَقَطْ.
(2) ك:. . مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى. . .
(3) س، ب: وَلَوْ كَانَ وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(4) ن، م، س: كَثْرَةِ.
(5) أَبُو الْحَجَّاجِ مُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ الْمَكِّيُّ، تَابِعِيٌّ، مُفَسِّرٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وُلِدَ سَنَةَ 21 وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 104 قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي "سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ" ، "الْإِمَامُ شَيْخُ الْقُرَّاءِ الْمُفَسِّرِينَ. .، قَالَ أَبُو بَكْرٍ ابْنُ عَبَّاسٍ: قُلْتُ لِلْأَعْمَشَ: مَا بَالُهُمْ يَتَّقُونَ تَفْسِيرَ مُجَاهِدٍ؟ قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ يَسْأَلُ أَهْلَ الْكِتَابِ. قَالَ ابْنُ خِرَاشٍ: أَحَادِيثُ مُجَاهِدٍ عَنْ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ مَرَاسِيلُ" ، انْظُرْ تَرْجَمَةَ مُجَاهِدٍ فِي "سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ" 4/449 - 457، طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَةِ، بَيْرُوتَ 1401 1981، مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ 3/439 - 440 حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ 3/279 - 310 الْأَعْلَامِ 6/161.
(6) وَغَيْرُهُ: زِيَادَةٌ فِي (م) .
(7) فِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ (ط. بُولَاقَ) 24/4
(8) بِهِ: فِي (ن) وَفِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ.
فَيَقُولُونَ [1] : هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتُمُونَا قَدِ اتَّبَعْنَا [2] مَا فِيهِ. وَرَوَاهُ [3] أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فَذَكَرَهُ، وَحَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: وَصَدَّقَ بِهِ. قَالَ: الْمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَصَدَّقَ بِهِ} . قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [4] -.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا مُعَارَضٌ بِمَا هُوَ أَشْهَرُ مِنْهُ عِنْدَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ، وَهُوَ أَنَّ الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ: مُحَمَّدٌ، وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ: أَبُو بَكْرٍ، فَإِنَّ هَذَا يَقُولُهُ طَائِفَةٌ، وَذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَلِيٍّ. قَالَ [5] : جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ وَصَدَّقَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ. وَفِي هَذَا حِكَايَةٌ ذَكَرَهَا بَعْضُهُمْ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ غُلَامِ أَبِي بَكْرٍ الْخَلَّالِ: أَنَّ سَائِلًا سَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ لَهُ هُوَ - أَوْ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ [6]: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ. فَقَالَ السَّائِلُ: بَلْ فِي عَلِيٍّ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ جَعْفَرٍ: اقْرَأْ مَا بَعْدَهَا: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [سُورَةُ الزُّمَرِ: 33] إِلَى قَوْلِهِ [7] {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا} [سُورَةُ الزُّمَرِ: 35] الْآيَةَ، فَبُهِتَ السَّائِلُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: لَفْظُ الْآيَةِ عَامٌّ مُطْلَقٌ لَا يَخْتَصُّ بِأَبِي بَكْرٍ وَلَا بِعَلِيٍّ،
(1) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ: يَقُولُونَ.
(2) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ فَاتَّبَعْنَا.
(3) ن، س، ب: رَوَاهُ.
(4) انْظُرْ تَفْسِيرَ ابْنِ كَثِيرٍ (ط. الشَّعْبِ) 7/89 - 90، زَادَ الْمَسِيرِ 7/182
(5) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ 24/3
(6) كَذَا فِي (م) وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: الْمُهَاجِرِينَ.
(7) عِبَارَةُ "إِلَى قَوْلِهِ" : سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
بَلْ كُلُّ مَنْ دَخَلَ فِي عُمُومِهَا دَخَلَ فِي حُكْمِهَا. وَلَا رَيْبَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا أَحَقُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالدُّخُولِ فِيهَا، لَكِنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِهِمْ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ - وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [سُورَةُ الزُّمَرِ: 32 - 33] الْآيَةَ، فَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - الْكَاذِبَ عَلَى اللَّهِ وَالْمُكَذِّبَ بِالصِّدْقِ، وَهَذَا ذَمٌّ عَامٌّ.
وَالرَّافِضَةُ أَعْظَمُ أَهْلِ الْبِدَعِ دُخُولًا فِي هَذَا الْوَصْفِ الْمَذْمُومِ ; فَإِنَّهُمْ أَعْظَمُ الطَّوَائِفِ افْتِرَاءً لِلْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ، وَأَعْظَمُهُمْ تَكْذِيبًا بِالصِّدْقِ لِمَا [1] جَاءَهُمْ، وَأَبْعَدُ الطَّوَائِفِ عَنِ الْمَجِيءِ بِالصِّدْقِ وَالتَّصْدِيقِ بِهِ.
وَأَهْلُ السُّنَّةِ الْمَحْضَةِ أَوْلَى الطَّوَائِفِ بِهَذَا ; فَإِنَّهُمْ يَصْدُقُونَ وَيُصَدِّقُونَ بِالْحَقِّ فِي كُلِّ مَا جَاءَ بِهِ، وَلَيْسَ لَهُمْ هُوًى إِلَّا مَعَ الْحَقِّ.
وَاللَّهُ تَعَالَى مَدَحَ الصَّادِقَ فِيمَا يَجِيءُ بِهِ وَالْمُصَدِّقَ بِهَذَا الْحَقِّ. فَهَذَا مَدْحٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلِكُلِّ مَنْ آمَنَ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَقُلْ: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ، فَلَمْ يَجْعَلْهُمَا صِنْفَيْنِ، بَلْ جَعَلَهُمَا [2] صِنْفًا وَاحِدًا ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مَدْحُ النَّوْعِ الَّذِي يَجِيءُ بِالصِّدْقِ وَيُصَدِّقُ بِالصِّدْقِ، فَهُوَ مَمْدُوحٌ عَلَى اجْتِمَاعِ الْوَصْفَيْنِ، عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ شَأْنِهِ إِلَّا أَنْ يَجِيءَ بِالصِّدْقِ، وَمِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُصَدِّقَ بِالصِّدْقِ.
وَقَوْلُهُ: {جَاءَ بِالصِّدْقِ} اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ صِدْقٍ، وَإِنْ كَانَ الْقُرْآنُ أَحَقَّ بِالدُّخُولِ فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ صَدَّقَ بِهِ أَيْ بِجِنْسِ الصِّدْقِ [3] . وَقَدْ
(1) س، ب: لِلصِّدْقِ وَلِمَا.
(2) ن، م، س: بَلْ جَعَلَهُمْ.
(3) ب: مَنْ يُحْسِنُ الصِّدْقَ.
يَكُونُ الصِّدْقُ الَّذِي صُدِّقَ بِهِ لَيْسَ [1] هُوَ عَيْنَ الصِّدْقِ الَّذِي جَاءَ بِهِ، كَمَا تَقُولُ: فُلَانٌ يَسْمَعُ الْحَقَّ، وَيَقُولُ الْحَقَّ وَيَقْبَلُهُ، وَيَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَيَعْمَلُ بِهِ. أَيْ هُوَ مَوْصُوفٌ بِقَوْلِ الْحَقِّ لِغَيْرِهِ، وَقَبُولِ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْأَمْرِ بِالْعَدْلِ وَالْعَمَلِ بِهِ. وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْعَدْلِ الَّذِي يَأْمُرُ بِهِ لَيْسَ هُوَ عَيْنَ الْعَدْلِ الَّذِي يَعْمَلُ بِهِ.
فَلَمَّا ذَمَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَنِ اتَّصَفَ بِأَحَدِ الْوَصْفَيْنِ: الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ، وَالتَّكْذِيبِ بِالْحَقِّ، إِذْ كَلٌّ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ [2] الذَّمَّ، مَدَحَ ضِدَّهُمَا الْخَالِيَ عَنْهُمَا، بِأَنْ يَكُونَ يَجِيءُ بِالصِّدْقِ لَا بِالْكَذِبِ، وَأَنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ مُصَدِّقًا بِالْحَقِّ، لَا يَكُونُ مِمَّنْ يَقُولُهُ هُوَ، وَإِذَا قَالَهُ غَيْرُهُ لَمْ [3] يُصَدِّقْهُ، فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَصْدُقُ وَلَا يَكْذِبُ، لَكِنْ يَكْرَهُ: أَنَّ غَيْرَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ حَسَدًا وَمُنَافَسَةً، فَيُكَذِّبُ غَيْرَهُ فِي صِدْقِهِ أَوْ لَا يُصَدِّقُهُ، بَلْ يُعْرِضُ عَنْهُ. وَفِيهِمْ مَنْ يُصَدِّقُ طَائِفَةً فِيمَا قَالَتْ، قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ مَا قَالُوهُ: أَصِدْقٌ هُوَ أَمْ كَذِبٌ؟ وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى لَا يُصَدِّقُهَا [4] فِيمَا تَقُولُ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا، بَلْ إِمَّا أَنْ يُصَدِّقَهَا وَإِمَّا أَنْ يُعْرِضَ عَنْهَا [5] .
وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي عَامَّةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ: تَجِدُ كَثِيرًا مِنْهُمْ صَادِقًا فِيمَا يَنْقُلُهُ، لَكِنْ مَا يَنْقُلُهُ عَنْ طَائِفَتِهِ يُعْرِضُ عَنْهُ، فَلَا يَدْخُلُ هَذَا فِي الْمَدْحِ، بَلْ فِي الذَّمِّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْ بِالْحَقِّ الَّذِي جَاءَهُ.
(1) لَيْسَ سَاقِطَةٌ مِنْ (س) (ب) .
(2) بِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(3) م: لَا.
(4) س، ب: لَا تُصَدِّقُهَا.
(5) س، ب: بَلْ إِمَّا أَنْ تُصَدِّقَهَا وَإِمَّا أَنْ تُعْرِضَ عَنْهَا.
وَاللَّهُ قَدْ ذَمَّ الْكَاذِبَ وَالْمُكَذِّبَ بِالْحَقِّ ; لِقَوْلِهِ فِي غَيْرِ آيَةٍ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ} [سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ: 68] وَقَالَ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 21] .
وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ مِمَّا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ، الَّذِينَ هُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يَجِيءُ بِالصِّدْقِ فَلَا يَكْذِبُ، فَكُلٌّ مِنْهُمْ صَادِقٌ فِي نَفْسِهِ مُصَدِّقٌ لِغَيْرِهِ.
وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ: (وَالَّذِي) صِنْفًا مِنَ الْأَصْنَافِ لَا يُقْصَدُ [1] بِهِ وَاحِدٌ بِعَيْنِهِ، أَعَادَ الضَّمِيرَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فَقَالَ: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [سُورَةُ الزُّمَرِ: 33] .
وَأَنْتَ تَجِدُ كَثِيرًا مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى عِلْمٍ وَدِينٍ لَا يَكْذِبُونَ فِيمَا يَقُولُونَهُ [2] ، بَلْ لَا يَقُولُونَ إِلَّا الصِّدْقَ، لَكِنْ لَا يَقْبَلُونَ مَا يُخْبِرُ بِهِ غَيْرَهُمْ مِنَ الصِّدْقِ، بَلْ يَحْمِلُهُمُ الْهَوَى وَالْجَهْلُ عَلَى تَكْذِيبِ غَيْرِهِمْ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا إِمَّا تَكْذِيبِ نَظِيرِهِ وَإِمَّا تَكْذِيبِ [3] مَنْ لَيْسَ مِنْ طَائِفَتِهِ.
وَنَفْسُ تَكْذِيبِ الصَّادِقِ هُوَ مِنَ الْكَذِبِ، وَلِهَذَا قَرَنَهُ بِالْكَاذِبِ [4] عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ} [سُورَةُ الزُّمَرِ: 32] فَكِلَاهُمَا كَاذِبٌ: [هَذَا كَاذِبٌ] [5] فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ، وَهَذَا كَاذِبٌ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ الْمُخْبِرِ عَنِ اللَّهِ.
(1) س، ب: لَا يُصَدِّقُ بِهِ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(2) ب: فِيمَا يَقُولُونَ.
(3) م: إِمَّا بِكَذِبِ نَظِيرِهِ، وَإِمَّا بِكَذِبِ.
(4) م: بِالْكَذِبِ.
(5) عِبَارَةُ "وَهَذَا كَاذِبٌ" فِي (ب) فَقَطْ.
وَالنَّصَارَى يَكْثُرُ فِيهِمُ الْمُفْتَرُونَ لِلْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ، وَالْيَهُودُ يَكْثُرُ فِيهِمُ الْمُكَذِّبُونَ بِالْحَقِّ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ الْمُكَذِّبَ بِالصِّدْقِ نَوْعًا ثَانِيًا ; لِأَنَّهُ أَوَّلًا لَمْ يَذْكُرْ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْكَذِبِ، بَلْ ذَكَرَ مَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ. وَأَنْتَ إِذَا تَدَبَّرْتَ هَذَا، وَعَلِمْتَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَالتَّكْذِيبِ بِالصِّدْقِ مَذْمُومٌ، وَأَنَّ [1] الْمَدْحَ لَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا مَنْ كَانَ آتِيًا بِالصِّدْقِ مُصَدِّقًا لِلصِّدْقِ، عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا مِمَّا هَدَى اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ إِلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ.
إِذَا تَأَمَّلْتَ هَذَا تَبَيَّنَ لَكَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الشَّرِّ - أَوْ أَكْثَرَهُ - يَقَعُ مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ [2] ، فَتَجِدُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، أَوِ الرَّجُلَيْنِ [3] مِنَ النَّاسِ، لَا يَكْذِبُ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ مِنَ الْعِلْمِ، لَكِنْ لَا يَقْبَلُ مَا تَأْتِي بِهِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، فَرُبَّمَا [4] جَمَعَ بَيْنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَالتَّكْذِيبِ بِالصِّدْقِ.
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ يُوجَدُ فِي عَامَّةِ الطَّوَائِفِ شَيْءٌ مِنْهُ فَلَيْسَ فِي الطَّوَائِفِ أَدْخَلَ فِي ذَلِكَ مِنَ الرَّافِضَةِ ; فَإِنَّمَا أَعْظَمُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا عَلَى اللَّهِ، وَعَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الصَّحَابَةِ [5] وَعَلَى ذَوِي الْقُرْبَى. وَكَذَلِكَ هُمْ مِنْ أَعْظَمِ الطَّوَائِفِ تَكْذِيبًا بِالصِّدْقِ، فَيُكَذِّبُونَ بِالصِّدْقِ الثَّابِتِ الْمَعْلُومِ مِنَ الْمَنْقُولِ الصَّحِيحِ وَالْمَعْقُولِ الصَّرِيحِ.
فَهَذِهِ الْآيَةُ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - مَا فِيهَا مِنْ مَدْحٍ فَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى الصَّحَابَةِ الَّذِينَ افْتَرَتْ عَلَيْهِمُ الرَّافِضَةُ وَظَلَمَتْهُمْ، فَإِنَّهُمْ جَاءُوا بِالصِّدْقِ وَصَدَّقُوا بِهِ،
(1) م: فَإِنَّ.
(2) م: مِنْ أَحَدٍ مِنْ هَذَيْنِ.
(3) س، ب: وَالرَّجُلَيْنِ.
(4) م: وَرُبَّمَا.
(5) م: وَعَلَى أَصْحَابِهِ.
وَهُمْ مِنْ أَعْظَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ دُخُولًا فِي ذَلِكَ، وَعَلِيٌّ مِنْهُمْ، وَمَا فِيهَا مِنْ ذَمٍّ فَالرَّافِضَةُ أَدْخَلُ النَّاسِ فِيهِ، فَهِيَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ مِنَ الطَّرَفَيْنِ [1] ، وَلَيْسَ فِيهَا حُجَّةٌ عَلَى اخْتِصَاصِ عَلِيٍّ دُونَ الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ بِشَيْءٍ، فَهِيَ [2] حُجَّةٌ [عَلَيْهِمْ] [3] مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا بِحَالٍ.
[فصل البرهان الثالث والعشرون "هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ" والجواب عليه]
فَصْلٌ
قَالَ الرَّافِضِيُّ [4] : الْبُرْهَانُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 62] مِنْ طَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَكْتُوبٌ عَلَى الْعَرْشِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ [5] ، مُحَمَّدٌ عَبْدِي وَرَسُولِي أَيَّدْتُهُ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [6] ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي كِتَابِهِ: ( {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} ، يَعْنِي بِعَلِيٍّ [7] ، وَهَذِهِ مِنْ أَعْظَمِ الْفَضَائِلِ الَّتِي لَمْ تَحْصُلْ لِغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ [8] ، فَيَكُونُ هُوَ الْإِمَامَ "."
(1) ن: مِنَ الطَّرِيقَيْنِ.
(2) م: فَهَذِهِ.
(3) عَلَيْهِمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (س) .
(4) فِي (ك) ص 160 (م) .
(5) ك: أَنَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لِي.
(6) ك: وَأَيَّدْتُهُ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
(7) ك: بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ.
(8) مِنَ الصَّحَابَةِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ك) .
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: الْمُطَالَبَةُ بِصِحَّةِ النَّقْلِ. وَأَمَّا مُجَرَّدُ الْعَزْوِ إِلَى رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فَلَيْسَ [1] حُجَّةً بِالِاتِّفَاقِ. وَأَبُو نُعَيْمٍ لَهُ كِتَابٌ مَشْهُورٌ فِي "فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ" [2] ، وَقَدْ ذَكَرَ قِطْعَةً مِنَ الْفَضَائِلِ فِي أَوَّلِ "الْحِلْيَةِ" ، فَإِنْ كَانُوا يَحْتَجُّونَ بِمَا رَوَاهُ، فَقَدْ رَوَى فِي فَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ مَا يُنْقِضُ بُنْيَانَهُمْ وَيَهْدِمُ أَرْكَانَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا [لَا] [3] يَحْتَجُّونَ بِمَا رَوَاهُ فَلَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى نَقْلِهِ، وَنَحْنُ نَرْجِعُ فِيمَا رَوَاهُ - هُوَ وَغَيْرُهُ - إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا الْفَنِّ وَالطُّرُقِ الَّتِي بِهَا يُعْلَمُ صِدْقُ الْحَدِيثِ وَكَذِبُهُ، مِنَ النَّظَرِ فِي إِسْنَادِهِ وَرِجَالِهِ، وَهَلْ هُمْ ثِقَاتٌ سَمِعَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ أَمْ لَا؟ وَنَنْظُرُ إِلَى شَوَاهِدِ الْحَدِيثِ وَمَا يَدُلُّ [عَلَيْهِ] [4] عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، لَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ مَا يُرْوَى فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ أَوْ فَضَائِلِ غَيْرِهِ، فَمَا ثَبَتَ أَنَّهُ صِدْقٌ صَدَّقْنَاهُ، وَمَا كَانَ كَذِبًا كَذَّبْنَاهُ.
فَنَحْنُ نَجِيءُ بِالصِّدْقِ وَنُصَدِّقُ بِهِ، لَا نَكْذِبُ، وَلَا نُكَذِّبُ صَادِقًا. وَهَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ. وَأَمَّا مَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ [5] بِالْحَقِّ، فَعَلَيْنَا أَنْ نُكَذِّبَهُ فِي كَذِبِهِ وَتَكْذِيبِهِ لِلْحَقِّ، كَأَتْبَاعِ مُسَيْلِمَةَ
(1) ن، م، س: فَلَيْسَتْ.
(2) سَبَقَتْ تَرْجَمَةُ أَبِي نُعَيْمٍ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيِّ قَبْلَ صَفَحَاتٍ، وَذَكَرَ الزِّرِكْلِيُّ فِي "الْأَعْلَامِ" 1/150 أَنَّ لَهُ كِتَابَ "مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ" كَبِيرٌ، بَقِيَتْ مِنْهُ أَجْزَاءٌ فِي مُجَلَّدٍ وَاحِدٍ مَخْطُوطٍ. وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي "مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ" عَنْهُ: "قَالَ الْخَطِيبُ: رَأَيْتُ لِأَبِي نُعَيْمٍ أَشْيَاءَ يَتَسَاهَلُ فِيهَا، مِنْهَا أَنَّهُ يُطْلِقُ فِي الْإِجَازَةِ أَخْبَرَنَا وَلَا يُبَيِّنُ. قُلْتُ: هَذَا مَذْهَبٌ رَآهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ التَّدْلِيسِ، وَكَلَامُ ابْنِ مَنْدَهْ فِي أَبِي نُعَيْمٍ فَظِيعٌ لَا أُحِبُّ حِكَايَتَهُ، وَلَا أَقْبَلُ قَوْلَ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْآخَرِ، بَلْ هُمَا عِنْدِي مَقْبُولَانِ، لَا أَعْلَمُ لَهُمَا ذَنْبًا أَكْثَرَ مِنْ رِوَايَتِهِمَا الْمَوْضُوعَاتِ سَاكِتَيْنِ عَنْهَا" .
(3) لَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (س) .
(4) عَلَيْهِ: فِي (ب) فَقَطْ.
(5) س، ب: وَكَذَّبَ.
الْكَذَّابِ وَالْمُكَذِّبِينَ بِالْحَقِّ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَاتَّبَعَهُ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ: صِدِّيقُهُ الْأَكْبَرُ وَسَائِرُ الْمُؤْمِنِينَ.
وَلِهَذَا نَقُولُ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ [1] . وَهَذَا الْحَدِيثُ - وَأَمْثَالُهُ - مِمَّا جَزَمْنَا أَنَّهُ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ نَشْهَدُ أَنَّهُ [2] كَذِبٌ مَوْضُوعٌ، فَنَحْنُ وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ - نَعْلَمُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا فِي قُلُوبِنَا، لَا سَبِيلَ لَنَا إِلَى دَفْعِهِ، أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ [كَذِبٌ] [3] مَا حَدَّثَ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَهَكَذَا نَظَائِرُهُ [4] مِمَّا نَقُولُ فِيهِ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَكُلُّ مَنْ كَانَ عَارِفًا بِعِلْمِ الْحَدِيثِ وَبِدِينِ الْإِسْلَامِ يَعْرِفُ، وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِذَلِكَ عِلْمٌ لَا يَدْخُلُ مَعَنَا، كَمَا أَنَّ أَهْلَ الْخِبْرَةِ بِالصَّرْفِ يَحْلِفُونَ عَلَى مَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مَغْشُوشٌ، وَإِنْ كَانَ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْمَغْشُوشِ وَالصَّحِيحِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 62 - 63] . وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ عَدَدٌ مُؤَلَّفٌ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَعَلِيٌّ وَاحِدٌ [مِنْهُمْ] [5] لَيْسَ لَهُ قُلُوبٌ يُؤَلَّفُ بَيْنَهَا.
وَالْمُؤْمِنُونَ [6] صِيغَةُ [7] جَمْعٍ، فَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ لَا يَحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ وَاحِدًا
(1) لَمْ أَجِدْ هَذَا الْحَدِيثَ الْمَوْضُوعَ.
(2) س، ب: يَشْهَدُ لَهُ، ن: نَسْهَدُ (غَيْرُ مَنْقُوطَةٍ) لَهُ.
(3) كَذِبٌ: زِيَادَةٌ فِي (م) .
(4) س، ب: نَظِيرُهُ.
(5) مِنْهُمْ: فِي (م) فَقَطْ.
(6) س، ب: وَالْمُؤْمِنِينَ.
(7) ب: صِفَةُ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|