
24-06-2025, 08:04 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,575
الدولة :
|
|
رد: منهاج السنة النبوية ( لابن تيمية الحراني )**** متجدد إن شاء الله

منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحنبلي الدمشقي
المجلد السادس
الحلقة (364)
صـ 105 إلى صـ 114
أَحْمَدَ، وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، كَمَا قَدْ بَسَطْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ.
فَمَصْرِفُ الْفَيْءِ وَالْخُمُسِ وَاحِدٌ، فَكَانَ دِيوَانُ الْعَطَاءِ الَّذِي لِعُمَرَ يُقَسَّمُ فِيهِ الْخُمُسُ وَالْعَطَاءُ جَمِيعًا.
وَأَمَّا مَا يَقُولُهُ الرَّافِضَةُ مِنْ أَنَّ خُمُسَ مَكَاسِبِ الْمُسْلِمِينَ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ وَيُصْرَفُ إِلَى مَنْ يَرَوْنَهُ هُوَ نَائِبُ الْإِمَامِ الْمَعْصُومِ أَوْ إِلَى غَيْرِهِ، فَهَذَا قَوْلٌ لَمْ يَقُلْهُ قَطُّ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ: لَا عَلِيٌّ وَلَا غَيْرُهُ، وَلَا أَحَدٌ مِنَ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْقَرَابَةِ: لَا بَنِي هَاشِمٍ وَلَا غَيْرِهِمْ.
وَكُلُّ مَنْ نَقَلَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ أَوْ عُلَمَاءِ أَهْلِ بَيْتِهِ، كَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَأَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ هَذَا خِلَافُ الْمُتَوَاتِرِ مِنْ سِيرَةِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإِنَّهُ قَدْ تَوَلَّى الْخِلَافَةَ أَرْبَعَ سِنِينَ وَبَعْضَ أُخْرَى، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا، بَلْ لَمْ يَكُنْ فِي وِلَايَتِهِ قَطُّ خُمُسٌ مَقْسُومٌ، أَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَمَا خَمَّسَ لَا هُوَ وَلَا غَيْرُهُ أَمْوَالَهُمْ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَإِذَا غُنِمْتَ مِنْهُمُ الْأَمْوَالُ [1] خُمِّسَتْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لَكِنَّ فِي عَهْدِهِ لَمْ يَتَفَرَّغِ الْمُسْلِمُونَ لِقِتَالِ الْكُفَّارِ، بِسَبَبِ مَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْفِتْنَةِ وَالِاخْتِلَافِ.
وَكَذَلِكَ مِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُخَمِّسْ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا طَالَبَ أَحَدًا [2] قَطُّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِخُمُسِ
(1) ب: أَمْوَالٌ.
(2) ن، م، ب: وَلَا طَلَبَ أَحَدًا، ر، ي: وَلَا طَلَبَ طَالِبٌ أَحَدًا، ح: وَلَا طَلَبَ طَالِبٌ أَحَدًا. وَلَعَلَّ الصَّوَابَ مَا أُثْبِتُهُ.
مَالِهِ، بَلْ إِنَّمَا كَانَ يَأْخُذُ مِنْهُمُ الصَّدَقَاتِ، وَيَقُولُ: لَيْسَ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ، وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ بِالْجِهَادِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَكَانَ هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقْسِّمُ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ: يُقَسِّمُ الْغَنَائِمَ بَيْنَ أَهْلِهَا، وَيُقَسِّمُ الْخُمُسَ وَالْفَيْءَ.
وَهَذِهِ هِيَ الْأَمْوَالُ الْمُشْتَرَكَةُ السُّلْطَانِيَّةُ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَاؤُهُ يَتَوَلَّوْنَ قِسْمَتَهَا [1] . وَقَدْ صَنَّفَ الْعُلَمَاءُ لَهَا كُتُبًا مُفْرَدَةً، وَجَمَعُوا بَيْنَهَا فِي مَوَاضِعَ: يَذْكُرُونَ قَسْمَ الْغَنَائِمِ وَالْفَيْءِ وَالصَّدَقَةِ.
وَالَّذِي تَنَازَعَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ لَهُمْ فِيهِ مَأْخَذٌ، فَتَنَازَعُوا فِي الْخُمُسِ، لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ فِي الْقُرْآنِ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 41] .
وَقَالَ فِي الْفَيْءِ: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: 7] .
وَقَدْ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: 6] .
وَأَصْلُ الْفَيْءِ الرُّجُوعُ، وَاللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ، وَأَعْطَاهُمُ الْأَمْوَالَ يَسْتَعِينُونَ بِهَا عَلَى عِبَادَتِهِ، فَالْكُفَّارُ لَمَّا كَفَرُوا بِاللَّهِ وَعَبَدُوا غَيْرَهُ لَمْ يَبْقُوا
(1) ح، ب، ر، ي: قَسْمَهَا.
مُسْتَحِقِّينَ لِلْأَمْوَالِ، فَأَبَاحَ اللَّهُ لِعِبَادِهِ قَتْلَهُمْ وَأَخْذَ أَمْوَالِهِمْ، فَصَارَتْ فَيْئًا أَعَادَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الْمُسْتَحِقُّونَ لَهُ، وَكُلُّ مَالٍ أُخِذَ مِنَ الْكُفَّارِ قَدْ يُسَمَّى فَيْئًا حَتَّى الْغَنِيمَةِ.
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَنَائِمِ حُنَيْنٍ: "«لَيْسَ لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ»" [1] .
لَكِنْ لَمَّا قَالَ - تَعَالَى: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: 6] ، وَقَالَ: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [سُورَةُ الْحَشْرِ: 7] صَارَ اسْمُ الْفَيْءِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَمَّا أَخَذَ مِنَ الْكُفَّارِ بِغَيْرِ قِتَالٍ.
وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْفَيْءَ لَا يُخَمَّسُ، كَقَوْلِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ، وَهَذَا قَوْلُ السَّلَفِ قَاطِبَةً، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْخِرَقِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ: يُخَمَّسُ، وَالصَّوَابُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، فَإِنَّ السُّنَنَ الثَّابِتَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَائِهِ تَقْتَضِي أَنَّهُمْ لَمْ يَخْمُسُوا فَيْئًا قَطُّ، بَلْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِكَانَتْ أَوَّلَ الْفَيْءِ، وَلَمْ يَخْمُسْهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَلْ خَمَسَ غَنِيمَةَ بَدْرٍ، وَخَمَسَ خَيْبَرَ وَغَنَائِمَ حُنَيْنٍ.
وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ، لَمْ يَكُونُوا يَخْمُسُونَ الْجِزْيَةَ وَالْخَرَاجَ.
وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَفْظُ آيَةِ الْخُمُسِ وَآيَةِ الْفَيْءِ وَاحِدًا، اخْتَلَفَ فَهْمُ النَّاسِ لِلْقُرْآنِ، فَرَأَتْ طَائِفَةٌ أَنَّ آيَةَ الْخُمُسِ تَقْتَضِي أَنْ يُقْسَّمَ الْخُمُسُ بَيْنَ الْخَمْسَةِ بِالسَّوِيَّةِ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَدَاوُدَ
(1) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/208 - 209
الظَّاهِرِيِّ، لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ هَذَا ظَاهِرُ الْقُرْآنِ، ثُمَّ إِنْ آيَةَ الْفَيْءِ لَفْظُهَا كَلَفْظِ آيَةِ الْخُمُسِ، فَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الْفَيْءَ كُلَّهُ يُصْرَفُ أَيْضًا مَصْرِفَ الْخُمُسِ إِلَى هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ، وَهَذَا قَوْلُ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ وَأَتْبَاعِهِ، وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ.
وَهُوَ قَوْلٌ يَقْتَضِي فَسَادَ الْإِسْلَامِ إِذَا دُفِعَ الْفَيْءُ كُلُّهُ إِلَى هَذِهِ الْأَصْنَافِ، وَهَؤُلَاءِ يَتَكَلَّمُونَ أَحْيَانًا بِمَا يَظُنُّونَهُ ظَاهِرَ اللَّفْظِ، وَلَا يَتَدَبَّرُونَ عَوَاقِبَ قَوْلِهِمْ، وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ فِي آيَةِ الْفَيْءِ: {فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} [سُورَةُ الْحَشْرِ: 7] الْمُرَادُ بِذَلِكَ: خُمُسُ الْفَيْءِ، فَرَأَوْا أَنَّ الْفَيْءَ يُخْمَسُ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: هَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا، لِأَنَّهُ قَالَ: {فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: 7] ، لَمْ يَقُلْ: خُمُسُهُ لِهَؤُلَاءِ، ثُمَّ قَالَ: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: 8] ، {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: 9] {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: 10] وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُسْتَحِقُّونَ لِلْفَيْءِ كُلِّهِ، فَكَيْفَ يَقُولُ: الْمُرَادُ خُمُسُهُ؟
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ لَمَّا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ: "هَذِهِ عَمَّتِ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ" .
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ فَوَافَقُوا هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّ الْخُمُسَ يَسْتَحِقُّهُ هَؤُلَاءِ، لَكِنْ قَالُوا: إِنَّ سَهْمَ الرَّسُولِ كَانَ يَسْتَحِقُّهُ فِي حَيَّاتِهِ، وَذَوُو قُرْبَاهُ كَانُوا يَسْتَحِقُّونَهُ لِنَصْرِهِمْ لَهُ، وَهَذَا قَدْ سَقَطَ بِمَوْتِهِ فَسَقَطَ سَهْمُهُمْ، كَمَا سَقَطَ سَهْمُهُ.
وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ قَالَا: بَلْ يُقَسَّمُ سَهْمُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي مَصْرِفِ الْفَيْءِ، إِمَّا فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، وَإِمَّا فِي الْمَصَالِحِ مُطْلَقًا، وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ: هَلْ كَانَ الْفَيْءُ مِلْكًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَيَاتِهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، لِأَنَّهُ أُضِيفَ إِلَيْهِ، وَالثَّانِي: لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: ذَوُو الْقُرْبَى هُمْ ذَوُو قُرْبَى [1] الْقَاسِمِ الْمُتَوَلِّي، وَهُوَ الرَّسُولُ فِي حَيَاتِهِ، وَمَنْ يَتَوَلَّى الْأَمْرَ بَعْدَهُ.
وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: "«مَا أَطْعَمَ اللَّهُ نَبِيًّا طُعْمَةً إِلَّا كَانَتْ لِمَنْ [2] يَتَوَلَّى الْأَمْرَ بَعْدَهُ»" [3] .
وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَكْثَرِ السَّلَفِ: أَنَّ مَصْرِفَ الْخُمُسِ وَالْفَيْءِ وَاحِدٌ، وَأَنَّ الْجَمِيعَ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُصْرَفُ فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَالرَّسُولُ هُوَ الْمُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [سُورَةُ الْحَشْرِ: 7] .
(1) قُرْبَى: سَاقِطَةٌ مِنْ (ح) ، (ر) .
(2) ن، م: لِلَّذِي.
(3) الْحَدِيثَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 3/198 كِتَابِ الْخَوَارِجِ وَالْإِمَارَةِ وَالْفَيْءِ، بَابِ فِي صَفَايَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَنَصُّهُ: عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَطْلُبُ مِيرَاثَهَا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَطْعَمَ نَبِيًّا طُعْمَةً فَهِيَ لِلَّذِي يَقُومُ بَعْدَهُ، وَالْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ يَسِيرٍ فِي اللَّفْظِ، فِي الْمُسْنَدِ ط. الْمَعَارِفِ 1/160 وَصَحَّحَ أَحْمَدُ شَاكِرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ الْحَدِيثَ.
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: "«إِنِّي وَاللَّهِ لَا أُعْطِي أَحَدًا وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ»" [1] . فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُعْطِي الْمَالَ لِمَنْ أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ لَا لِمَنْ يُرِيدُ هُوَ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ رَسُولَ اللَّهِ لَا لِكَوْنِهِ مَالِكًا لَهُ.
وَهَذَا بِخِلَافِ نَصِيبِهِ مِنَ الْمَغْنَمِ وَمَا وُصِّيَ لَهُ بِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ مِلْكَهُ، وَلِهَذَا سُمِّيَ الْفَيْءُ مَالَ اللَّهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ الْمَالُ الَّذِي يَجِبُ صَرْفُهُ فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ؛ أَيْ: فِي طَاعَةِ اللَّهِ، أَيْ لَا يَصْرِفُهُ أَحَدٌ فِيمَا يُرِيدُ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا، بِخِلَافِ الْأَمْوَالِ الْمَمْلُوكَةِ.
وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [سُورَةُ النُّورِ: 33] فَإِنَّهُ لَمْ يُضِفْهُ إِلَى الرَّسُولِ بَلْ جَعَلَهُ مِمَّا آتَاهُمُ اللَّهُ، قَالُوا: وَقَوْلُهُ - تَعَالَى: {وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: 7] تَخْصِيصُ هَؤُلَاءِ بِالذِّكْرِ لِلِاعْتِنَاءِ بِهِمْ، لَا لِاخْتِصَاصِهِمْ بِالْمَالِ، وَلِهَذَا قَالَ: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: 7] أَيْ لَا تَتَدَاوَلُونَهُ وَتَحْرِمُونَ الْفُقَرَاءَ، وَلَوْ كَانَ مُخْتَصًّا بِالْفُقَرَاءِ لَمْ يَكُنْ لِلْأَغْنِيَاءِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ دُولَةً.
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [سُورَةُ الْحَشْرِ: 7] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ هُوَ الْقَاسِمُ لِلْفَيْءِ وَالْمَغَانِمِ، وَلَوْ كَانَتْ مَقْسُومَةً مَحْدُودَةً كَالْفَرَائِضِ، لَمْ يَكُنْ لِلرَّسُولِ أَمْرٌ فِيهَا وَلَا نَهْيٌ.
وَأَيْضًا فَالْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَائِهِ تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُخَمِّسْ قَطُّ خُمُسًا
(1) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 2/206
خَمْسَةَ أَجْزَاءٍ وَلَا خُلَفَاؤُهُ، وَلَا كَانُوا يُعْطُونَ الْيَتَامَى مِثْلَ مَا يُعْطُونَ الْمَسَاكِينَ، بَلْ يُعْطُونَ أَهْلَ الْحَاجَةِ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَسَاكِينُ أَكْثَرَ مِنَ الْيَتَامَى الْأَغْنِيَاءِ، وَقَدْ كَانَ [1] بِالْمَدِينَةِ يَتَامَى أَغْنِيَاءُ فَلَمْ يَكُونُوا يُسَوُّونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْفُقَرَاءِ، بَلْ وَلَا عُرِفَ أَنَّهُمْ أَعْطَوْهُمْ، بِخِلَافِ ذَوِي الْحَاجَةِ، وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهَا.
[فصل كلام الرافضي أن عمر كان يأخذ بالرأي والحدس والظن]
فَصْلٌ [2]
قَالَ الرَّافِضِيُّ [3] : "وَقَالَ بِالرَّأْيِ وَالْحَدْسِ وَالظَّنِّ" .
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْقَوْلَ بِالرَّأْيِ لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بَلْ عَلِيٌّ كَانَ مِنْ أَقَوْلِهِمْ بِالرَّأْيِ، وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُثْمَانُ وَزَيْدٌ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانُوا يَقُولُونَ بِالرَّأْيِ، وَكَانَ رَأْيُ عَلِيٍّ فِي دِمَاءِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْأُمُورِ الْعَظَائِمِ.
كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ [4] وَغَيْرِهِ عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ [5] قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ: أَخْبِرْنَا عَنْ مَسِيرِكَ هَذَا، أَعْهَدٌ عَهِدَهُ إِلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْ رَأْيٌ رَأَيْتَهُ؟ قَالَ: مَا عَهِدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيَّ شَيْئًا [6] وَلَكِنَّهُ رَأْيٌ رَأَيْتُهُ، وَهَذَا أَمْرٌ ثَابِتٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَرْوِ عَلِيٌّ
(1) ح، ر: وَقَدْ يَكُونُ، ب: قَدْ كَانَ.
(2) فَصْلٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ح) ، (ر) ، وَفِي (ي) : الْفَصْلُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ
(3) فِي (ك) ص 139 (م) .
(4) 4/300 كِتَابِ السُّنَّةِ، بَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ فِي الْفِتْنَةِ.
(5) ن، ح: عُبَادَةَ.
(6) سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ: بِشَيْءٍ.
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قِتَالِ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ شَيْئًا، كَمَا رَوَاهُ فِي قِتَالِ الْخَوَارِجِ، بَلْ رَوَى الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي قِتَالِ الْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ، وَأَمَّا قِتَالُ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ فَلَمْ يَرْوِ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِيهِ نَصًّا إِلَّا الْقَاعِدُونَ؛ فَإِنَّهُمْ رَوَوُا الْأَحَادِيثَ فِي تَرْكِ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى أَنَّهُ أُمِرَ بِقَتْلِ [1] النَّاكِثِينَ وَالْقَاسِطِينَ وَالْمَارِقِينَ فَهُوَ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [2] .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّأْيَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَذْمُومًا فَلَا لَوْمَ عَلَى مَنْ قَالَ بِهِ [3] ، وَإِنْ كَانَ مَذْمُومًا فَلَا رَأْيَ أَعْظَمُ ذَمًّا مِنْ رَأْيٍ أُرِيقَ بِهِ دَمُ أُلُوفٍ مُؤَلَّفَةٍ مِنَ
(1) ر: بِقِتَالِ.
(2) ذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ 3/139 - 140 حَدِيثَيْنِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ الْأَوَّلُ: قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِتَالِ النَّاكِثِينَ وَالْقَاسِطِينَ وَالْمَارِقِينَ. وَالثَّانِي: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: تُقَاتِلُ النَّاكِثِينَ وَالْقَاسِطِينَ وَالْمَارِقِينَ بِالطُّرُقَاتِ وَالنَّهَرَوَانَاتِ وَبِالشَّعَفَاتِ، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَعَ مَنْ تُقَاتِلُ هَؤُلَاءِ الْأَقْوَامُ؟ قَالَ: مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَلَمْ يُعَلِّقِ الْحَاكِمُ عَلَى الْحَدِيثَيْنِ، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي تَلْخِيصِ الْمُسْتَدْرَكِ: قُلْتُ: لَمْ يَصِحَّ، وَسَاقَهُ الْحَاكِمُ بِإِسْنَادَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ، ضَعِيفَيْنِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عِرَاقٍ الْكِنَانِيُّ فِي تَنْزِيهِ الشَّرِيعَةِ 1/387 بِلَفْظِ: أُمِرْنَا بِقِتَالِ النَّاكِثِينَ وَالْقَاسِطِينَ وَالْمَارِقِينَ مَعَ عَلِيٍّ ثُمَّ قَالَ: (حب) وَفِيهِ أَصْبَغُ بْنُ نُبَاتَةَ، وَعَنْهُ: عَلِيُّ بْنُ الْخَرُوزِ، شِيعِيٌّ مَتْرُوكٌ، تُعِقِّبَ بِأَنَّ لَهُ طُرُقًا أُخْرَى غَيْرَ هَذِهِ، فَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْأَرْبَعِينَ، مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ بِلَفْظِ: أُمِرْتُ بِقِتَالِ ثَلَاثَةٍ، فَذَكَرَهُ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَكَذَا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَالْخَطِيبُ وَالْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ فِي إِيضَاحِ الْإِشْكَالِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، قَالَ الْعُقَيْلِيُّ: وَأَسَانِيدُهَا لَيِّنَةٌ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيٌّ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ الشَّوْكَانِيُّ فِي الْفَوَائِدِ الْمَجْمُوعَةِ ص 383 وَقَالَ: وَفِي إِسْنَادِهِ مَتْرُوكَانِ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِ أَبِي أَيُّوبَ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
(3) ر: عَلَى مَنْ قَالَهُ.
الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَحْصُلْ بِقَتْلِهِمْ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، لَا فِي دِينِهِمْ وَلَا فِي دُنْيَاهُمْ، بَلْ نَقَصَ الْخَيْرُ عَمَّا كَانَ، وَزَادَ الشَّرُّ عَلَى مَا كَانَ.
فَإِذَا كَانَ مِثْلُ هَذَا الرَّأْيِ لَا يُعَابُ [1] بِهِ، فَرَأْيُ عُمَرَ وَغَيْرِهِ فِي مَسَائِلِ الْفَرَائِضِ وَالطَّلَاقِ أَوْلَى أَنْ لَا يُعَابَ [2] . مَعَ أَنَّ عَلِيًّا شَرَكَهُمْ فِي هَذَا الرَّأْيِ، وَامْتَازَ بِرَأْيِهِ فِي الدِّمَاءِ.
وَقَدْ كَانَ ابْنُهُ الْحَسَنُ وَأَكْثَرُ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ لَا يَرَوْنَ الْقِتَالَ مَصْلَحَةً، وَكَانَ هَذَا الرَّأْيُ أَصْلَحَ [3] مِنْ رَأْيِ الْقِتَالِ بِالدَّلَائِلِ الْكَثِيرَةِ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ قَوْلَ عَلِيٍّ فِي الْجَدِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ كَانَ بِالرَّأْيِ، وَقَدْ قَالَ: اجْتَمَعَ رَأْيِي وَرَأْيُ عُمَرَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَالْآنَ فَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ يُبَعْنَ، فَقَالَ لَهُ قَاضِيهِ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ: رَأْيُكَ مَعَ رَأْيِ عُمَرَ فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ رَأْيِكِ وَحْدَكَ فِي الْفُرْقَةِ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: "اقْضُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ، فَإِنِّي أَكْرَهُ الِاخْتِلَافَ، حَتَّى يَكُونَ لِلنَّاسِ جَمَاعَةٌ، أَوْ أَمُوتُ كَمَا مَاتَ أَصْحَابِي" ، قَالَ: وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَرَى أَنَّ عَامَّةَ مَا يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ كَذِبٌ [4] .
وَقَدْ جَمَعَ الشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ الْمَسَائِلَ الَّتِي تُرِكَتْ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، فَبَلَغَتْ شَيْئًا كَثِيرًا، وَكَثِيرٌ مِنْهَا قَدْ جَاءَتِ السُّنَّةُ بِخِلَافِهِ، كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا الْحَامِلُ، فَإِنَّ مَذْهَبَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهَا
(1) ن، م: أُرِيقَتْ،
(2) ح: يُعَاقَبَ.
(3) ح: أَصَحُّ.
(4) الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي الْبُخَارِيِّ 5/19 كِتَابِ فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَابِ مَنَاقِبِ عَلِيٍّ.
تَعْتَدُّ أَبْعَدَ الْأَجَلَيْنِ، وَبِذَلِكَ أَفْتَى أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا «جَاءَتْهُ سُبَيْعَةُ الْأَسْلَمِيَّةُ وَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ: "كَذَبَ أَبُو السَّنَابِلِ، بَلْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ»" [1] . وَكَانَ زَوْجُهَا قَدْ تُوُفِّيَ عَنْهَا بِمَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
فَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ بِالرَّأْيِ ذَنْبًا، فَذَنْبُ غَيْرِ عُمَرَ - كَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِ - أَعْظَمُ، فَإِنَّ ذَنْبَ مَنِ اسْتَحَلَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ بِرَأْيٍ، هُوَ ذَنْبٌ أَعْظَمُ مِنْ ذَنْبِ مَنْ حَكَمَ فِي قَضِيَّةٍ جُزْئِيَّةٍ بِرَأْيِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُ مَا هُوَ صَوَابٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ خَطَأٌ، فَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَسْعَدُ بِالصَّوَابِ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الصَّوَابَ فِي رَأْيِهِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي رَأْيِ غَيْرِهِ، وَالْخَطَأُ فِي رَأْيِ غَيْرِهِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي رَأْيِهِ، وَإِنْ كَانَ الرَّأْيُ كُلُّهُ صَوَابًا، فَالصَّوَابُ [2] الَّذِي مَصْلَحَتُهُ أَعْظَمُ هُوَ خَيْرٌ وَأَفْضَلُ مِنَ الصَّوَابِ الَّذِي مَصْلَحَتُهُ دُونَ ذَلِكَ، وَآرَاءُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَتْ مَصَالِحُهُا أَعْظَمَ لِلْمُسْلِمِينَ.
فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ عُمَرُ فَوْقَ الْقَائِلِينَ بِالرَّأْيِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِيمَا يُحْمَدُ، وَهُوَ أَخَفُّ مِنْهُمْ فِيمَا يُذَمُّ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: "«قَدْ كَانَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدِّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ»" [3] .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ رَأْيَ الْمُحَدِّثِ الْمُلْهَمِ أَفْضَلُ مِنْ رَأْيِ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ فَوْقُهُ إِلَّا النَّصَّ الَّذِي هُوَ حَالُ الصِّدِّيقِ الْمُتَلَقِّي مِنَ الرَّسُولِ، وَنَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ الصِّدِّيقَ أَفْضَلُ مِنْ عُمَرَ، لَكِنَّ عُمَرَ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِهِمْ.
(1) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/243.
(2) ح، ب: فَإِنَّ الصَّوَابَ.
(3) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|