عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 22-06-2025, 05:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,491
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله




تفسير "محاسن التأويل"
محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ نوح
المجلد السادس عشر
صـ 5927 الى صـ 5936
الحلقة (604)







القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المعارج (70) : الآيات 5 الى 14]
فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (6) وَنَراهُ قَرِيباً (7) يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (8) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (9)
وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (10) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ (14)
فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا أي: على ما يقولون. ولا يضق صدرك، فقد قرب الانتقام منهم.
إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ أي: العذاب الدنيويّ أو الأخرويّ بَعِيداً أي: وقوعه، لعدم إيمانهم بوعيده تعالى. وَنَراهُ قَرِيباً أي قريب الحضور. يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ أي كالشيء المذاب، أو درديّ الزيت. و (يوم) إما ظرف ل (قريبا) ، أو لمحذوف.
وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ أي: كالصوف.
وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً أي قريب قريبا عن شأنه، لشغله بشأن نفسه.
يُبَصَّرُونَهُمْ أي يعرّفون أقرباءهم، ومع ذلك يفر بعضهم من بعض. وفيه تنبيه على أن المانع من هذا السؤال هو الاندهاش مما نزل، لا احتجاب بعضهم من بعض.
يَوَدُّ الْمُجْرِمُ أي يتمنى الكافر لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ أي الذين هم محل شفقته.
وَصاحِبَتِهِ أي التي هي أحب إليه وَأَخِيهِ أي الذي يستعين به في النوائب.
وَفَصِيلَتِهِ أي عشيرته الَّتِي تُؤْوِيهِ أي تضمه إليها عند الشدائد.
وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ أي الافتداء. أو المذكور. أو من في الأرض.
عطف على (يفتدى) . و (ثم) للاستبعاد.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المعارج (70) : الآيات 15 الى 18]
كَلاَّ إِنَّها لَظى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوى (16) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17) وَجَمَعَ فَأَوْعى (18)
كَلَّا أي لا يكون ذلك إِنَّها أي النار الموعود بها المجرم لَظى أي لهب خالص. نَزَّاعَةً لِلشَّوى أي الأطراف، كاليد والرجل. أو جمع (شواة) وهي جلدة الرأس. تَدْعُوا أي إلى صليّها مَنْ أَدْبَرَ أي عن الحق وَتَوَلَّى أي عن الطاعة. وَجَمَعَ أي المال فَأَوْعى أي جعله في وعاء وكنزه، ومنع حق الله منه، فلم نزكّ، ولم ينفق فيما أوجب الله عليه إنفاقه فيه.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المعارج (70) : الآيات 19 الى 21]
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21)
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً أي قليل الصبر، شديد الحرص، كما بيّنه بقوله:
إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ أي الضرّ والبلاء جَزُوعاً أي كثير الجزع من قلة صبره.
وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ أي كثر ماله، وناله الغنى مَنُوعاً أي لما في يده، بخيل به، لشدة حرصه.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المعارج (70) : الآيات 22 الى 35]
إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26)
وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (29) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (31)
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (34) أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35)
إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ أي مقيمون، لا يضيّعون منها شيئا. وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ أي المتعفّف الذي أدبرت عنه الدنيا، فلا يسأل الناس. وقيل: الذي لا ينمي له مال. وقيل: المصاب ثمره، أخذا من قوله أصحاب الجنة في السورة قبل بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ [القلم: 27] .
واللفظ أعمّ من ذلك كله.
وقد روى ابن جرير عن ابن عمر أنه سئل عن الحق المعلوم أهو الزكاة؟ فقال:
إن عليك حقوقا سوى ذلك.
ومثله عن ابن عباس قال: هو سوى الصدقة، يصل بها رحما، أو يقري بها ضيفا، أو يحمل بها كلّا، أو يعين بها محروما.
وعن الشعبيّ: أن في المال حقّا سوى الزكاة.
وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ أي الجزاء. وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ قال ابن جرير: أي وجلون أن يعذبهم في الآخرة، فهم من خشية ذلك لا يضيّعون له فرضا، ولا يتعدون له حدّا. إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ أي أن ينال من عصاه، وخالف أمره. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ أي لغلبة ملكة الصبر، وامتلاك ناصيته. إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ قال ابن جرير: أي التمس لفرجه منكحا سوى زوجته، أو ملك يمينه.. فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ أي الذين عدوا ما أحل الله لهم، إلى ما حرّمه عليهم. وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ
وَعَهْدِهِمْ راعُونَ
قال ابن جرير: أي لأمانات الله التي ائتمنهم عليها من فرائضه، وأمانات عباده التي ائتمنوا عليها، وعهوده التي أخذها عليهم بطاعته فيما أمرهم به ونهاهم، وعهود عباده التي أعطاهم، على ما عقده لهم على نفسه راعون، يرقبون ذلك ويحفظونه فلا يضيّعونه. وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ أي لا يكتمون ما استشهدوا عليه، ولكنهم يقومون بأدائها حيث يلزمهم أداؤها، غير مغيّرة ولا مبدّلة.
وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ أي لا يضيّعون لها ميقاتا ولا حدّا. قيل: الحفظ عن الضياع، استعير للإتمام والتكميل للأركان والهيئات. ولذا قال القاضي: وتكرير ذكر الصلاة ووصفهم بها أولا وآخرا، باعتبارين: للدلالة على فضلها، وإنافتها على غيرها.
أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ أي بثواب الله تعالى، لاتصافهم بمكارم الأخلاق.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المعارج (70) : الآيات 36 الى 39]
فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (37) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38) كَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (39)
فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ أي مسرعين للحضور، ليظفروا بما يتخذونه هزؤا.
وعن ابن زيد: (المهطع) الذي لا يطرف.
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ أي متفرقين حلقا ومجالس، جماعة جماعة، معرضين عنك، وعن كتاب الله. أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ أي ولم يتّصف بصفات أهلها المنوّه بها قبل. كَلَّا أي لا يكون ذلك، لأنه طمع في غير مطمع. إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ أي من النطف. يعني: ومن قدر على ذلك فلا يعجزه إهلاكهم، فليحذروا عاقبة البغي والفساد. ولذا قال:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المعارج (70) : الآيات 40 الى 44]
فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (40) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (41) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (42) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (44)
فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ يعني مشرق كل يوم من السنة ومغربه، أو
مشرق كل كوكب ومغربه، أو الأقطار التي تشرق فيها الشمس وتغرب. إِنَّا لَقادِرُونَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ أي بمغلوبين، إن أردنا ذلك. فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ أي أخذهم فيه وهلاكهم. يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ أي يسرعون.
و (النصب) الضم المنصوب للعبادة، أو العلم المنصوب على الطريق ليهتدي به السالك، أو ما ينصب علامة لنزول الملك وسيره. فهم يسرعون إسراع عبدة الأصنام نحو صنمهم، أو إسراع من ضل عن الطريق إلى أعلامها. أو إسراع الجند إلى راية الأمير. خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ أي من الخزي والهوان. تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ أي تغشاهم ذلة من هول ما حاق بهم. ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ أي بأنهم ملاقوه.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
سورة نوح
قال المهايمي: سميت به لاشتمالها على تفاصيل دعوته وأدعيته. وهي مكية.
وآيها ثمان وعشرون.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة نوح (71) : الآيات 1 الى 4]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (1) قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (4)
إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني عذاب الطوفان قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ أي يعفو عنها. ومِنْ إما مزيدة، أو تبعيضيه. وهو ما وعدهم العقوبة عليها. وأما ما لم يعدهم العقوبة عليها، فقد تقدم عفوه لهم عنها. أو هو ما سبق، فإن الإسلام يجبّ ما قبله وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وهو أقصى ما قدره بشرط الإيمان. أي فلا يعاجلكم بعذاب غرق أو نحوه. إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ أي الذي كتبه على من كذب وتولى إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي من أهل العلم والنظر لأنبتم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة نوح (71) : الآيات 5 الى 14]
قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاَّ فِراراً (6) وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً (9)
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً (12) ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (14)
قالَ أي نوح بعد أن بذل غاية الجهد، وضاقت عليه الحيل، في تلك المدد الطوال، رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي أي إلى التوحيد والعمل الصالح لَيْلًا وَنَهاراً أي دائما بلا فتور ولا توان. فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً أي من الحق الذي أرسلتني به وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ أي إلى الإيمان لِتَغْفِرَ لَهُمْ أي بسببه جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ أي سدوا مسامعهم من استماع الدعوة وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ أي تغطوا بها من كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في الدين وَأَصَرُّوا أي على الشر والكفر وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً أي تعاظموا عن الإذعان للحق، وقبول ما دعوتهم إليه من النصيحة ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً أي دعوتهم مرة بعد مرة، على وجوه متنوعة، ما بين مجاهرة وإظهار بلا خفاء، وما بين إعلان وصياح بهم، وما بين إسرار فيما بيني وبينهم في خفاء. وهذه المراتب أقصى ما يمكن للآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر. فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ أي سلوه العفو عما سلف بالتوبة النصوح إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً أي لذنوب من تاب وأناب. يُرْسِلِ السَّماءَ أي المطر عَلَيْكُمْ مِدْراراً أي متتابعا. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ أي فيكثرها عندكم وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً أي لسقيا جناتكم ومزارعكم. ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً أي لا ترون له عظمة، إذ تشركون معه ما لا يسمع ولا يبصر. فنفي الرجاء مراد به نفي لازمه، وهو الاعتقاد، مبالغة. وجوّز أن يكون الرجاء بمعنى الخوف، أي ما لكم لا تخافون عظمة الله. ومنه قوله:
إذا لسعته النّحل لم يرج لسعها
قال الشهاب: وهو أظهر.
وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً أي تارات، ترابا ثم نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم أجنّة، وهكذا طورا بعد طور. أي ومقتضى علم ذلك شدة الرهبة من بطشه وأخذه، لعظيم قدرته. هذا في أنفسكم. وهكذا يستدل على باهر عظمته، وقاهر قدرته من آياته الكونية. كما قال:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة نوح (71) : الآيات 15 الى 20]
أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (16) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً (18) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً (19)
لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً (20)
أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ
سِراجاً
أي يزيل ظلمه الليل، وينير وجه الأرض. وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً أي أنشأكم منها. ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً أي للحساب والجزاء. وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً أي تستقرون عليها وتمتهدونها. لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً أي طرقا مختلفة.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 45.99 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 45.36 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.37%)]