عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 03-06-2025, 12:29 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,688
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أحب الأعمال في أحب الأيام


وروى المروزي، عن ميمون بن مهران، قال: "أدركت الناس وإنهم لَيُكبِّرون في العشر، حتى كنت أشبهه بالأمواج من كثرتها، ويقول: إن الناس قد نقصوا في تركهم التكبير"[13].

واستحب الإمام الشافعي رضوان الله عليه إظهار التكبير[14].

الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أهلَّ مُهِلٌّ قط إلا بُشِّر، ولا كبَّر مكبِّر قط إلا بُشر، قيل: يا رسول الله بالجنة؟ قال: نعم))[15].


أكثروا - يا عباد الله - من ذكر الله تعالى مجده، يذكركم، واجهروا به في مساجدكم وأسواقكم، وفي طُرقكم وعلى فُرشكم، وذكِّروا به أهلكم وذويكم؛ فإن الجهر بالذكر في هذه العشر شعيرة مبرورة، وسُنة مأثورة، وخصلة مشكورة، وقد باتت في كثير من المجتمعات مهجورة، فأكثروا من ترديدها، وتعاونوا في تجديدها، واحرصوا على تمجيدها، واجتهدوا في إظهارها وتشييدها، واعملوا على توطيدها وتخليدها.



﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 185]، ﴿ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الحج: 37]، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 45]، ﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ [المدثر: 3]، ﴿ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ [الإسراء: 111].



فطوبى لمن ملؤوا الآفاق بتكبيراتهم وعجُّوا، ورفعوا أصواتهم بذكرهم لله وضجُّوا، واستغرقوا الأوقاتَ واللحظاتِ بتهليلهم وثجُّوا، وأزعجوا البقاع بتسبيحهم لله ورجُّوا، وتركوا كل ما شغلهم عن سوى محبوبهم ومجُّوا، ونحروا رقاب اللهو والغفلة وشجُّوا، وجعلوا وجهتم الأيتامَ والبؤساء، والأرامل والضعفاء، وإلى قضاء حوائجهم حجُّوا.



فالغنيمةَ الغنيمةَ، باغتنام كل لحظة، والحرص على كل لفظة، في هذه الأيام العظيمة، فوالله ما منها عوض ولا عنها بدل أو قيمة.



أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الحج: 77].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت، إن صوابًا فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله؛ إنه كان غفارًا.


الخطبة الثانية
الحمد لله المُبدئ المعيد، الولي الحميد، ذي العرش المجيد، الفعَّال لما يريد، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ضد ولا نديد، شهادة مخلصٍ في التوحيد، راجٍ للحسنى والمزيد، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله لبِنة التمام، وبيت القصيد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأزواجه وذريته، والتابعين، والناصرين لسُنَّته بالقول والفعل إلى يوم الدين؛ أما بعد:
فيا من طال بُعدُه عن مولاه، ها هي أيام المصالحة، يا من دامت خسارته، ها قد أقبلت أيام التجارة الرابحة، من لم يربح في هذه العشر، ففي أي عشرٍ يربح؟! من لم يقرب فيها من مولاه فهو على بُعده لا يبرح[16]، ومن فرَّط فيها وانشغل بلفحاتها؛ ﴿ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ﴾ [الأعراف: 9]، ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ * لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [النحل: 108، 109]، ومن شمَّر فيها واغتنم نفحاتها؛ ﴿ فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ﴾ [سبأ: 37]، ﴿ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [التوبة: 88].

وما يندم النادمون مثل ندمهم على فوات الصالحات، ولا يتحسر المتحسِّرون إلا على انقضاء مواسم القربات، وما يتمنى المتمنُّون عودًا إلى الدنيا إلا لأجل الاستزادة من الطاعات؛ ﴿ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ [المؤمنون: 100]، ﴿ فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ﴾ [السجدة: 12].



﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ [النحل: 128].

فعلى المسلم أن يكون بفضل هذه الأيام عارفًا، وعلى تعظيمها عاكفًا، ومن فوات فضلها قلقًا خائفًا، ولمولاه مناجيًا، ولجلاله لاجئًا، ولمضاعفة ثوابه راجيًا.

فبادروا - يا عباد الله - بالأعمال فِتنًا، وسابقوا بالاجتهاد وقتًا وزمنًا، والحذر من السقوط في شرك الكسالى والزَّمنى، فإن الوحي المبارك قد وجَّهنا وألزمنا؛ ﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 63]، ﴿ فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ [الأعراف: 144].



فاجتهد - يا عبدالله - في هذه العشر المباركات في العبادات والطاعات، وجدَّ في القربات والمندوبات، واستكثر من جميل الخِلال، وتزوَّد من جليل الخِصال، واجهد في المكارم، وانهمك في الفضائل، ووسع مشاريعك الأخروية، ونوِّع أعمالك التزكوية، واختلس عن أعين الناس عباداتٍ، ولحظات، لا توثِّقها الكاميرات، ولا ترصدها العدسات، ولا تدوِّنها التغريدات، ولا تُحصى في سجل اليوميات، ولا تهاتف بها صديقًا، ولا تحدث بها رفيقًا، ولا تخافت بها قريبًا، ولا تذكرها لجليس، ولا تبثها لأنيس.



واللبيب - يا عباد الله - من فطن لنوائب دهره، وتحفظ من عواقب مكره، واغتنم ساعات عشره؛ فكانت مغانمه مذخورة، ومغارمه مخبورة[17].

فيا عبدًا يرجو لقاء ربه، ويطمع في ثوابه، ويهفو إلى رضوانه، ويتطلع إلى إحسانه:




عبدَالله، أنفاسك معدودة، وأوقاتك محدودة، ومالك عارية مردودة، وذاتك الموجودة عن قريب مفقودة[18].

فلُذْ بالجناب ذليلًا، وقف على الباب طويلًا، واتخذ في هذه العشر سبيلًا، واجعل جناب التوبة مقيلًا، واجتهد في الخير تجد ثوابًا جزيلًا، قل في الأسحار: أنا تائب، نادِ في الدُّجى: قد قدم الغائب[19].



عبدَالله، الليل طويل، فلا تقصره بمنامك، والنهار مضيء فلا تكدره بآثامك[20].

واعلم أن من غفل عن المقاصد، أدركته المصائد.

ومن أحب تصفية الأحوال، فليجتهد في تصفية الأعمال[21]؛ ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴾ [الجن: 16].



رُوِيَ في التوراة: "عبدي، أنفق من رزقي أبسط عليك فضلي، فإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة"[22]، وفي القرآن مصداقه: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ [سبأ: 39].



فابذل المعروف، وأجِبِ الملهوف، واصرف الهمة إلى كشف الغمة، ولا تحقرَنَّ صلةً تُهديها، ولا تستصغرنَّ خدمة تُسديها.

أعطِ محرومًا، انصر مظلومًا، أنقذ مكروبًا، أطعِم جائعًا، عُدْ مريضًا، أعِنْ منكوبًا.




يقول صلى الله عليه وسلم: ((صنائع المعروف تقي مصارع السوء، والصدقة خفيًا تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر، وكل معروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة))[23].

ومن كان في الله تلفُه، كان على الله خَلَفُه[24].
وقديمًا قيل: من أراد الكرامة يقول للكَرَى: مه؟
ومنازل الدنيا ينالها من سبق، ومنازل الآخرة ينالها من صدق.

والطريق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق.



فالمبادرةَ المبادرة بالعمل، والعجَلَ العجل قبل هجوم الأجل، قبل أن يندم المفرط على ما فعل، قبل أن يسأل الرجعة ليعمل صالحًا فلا يُجاب إلى ما سأل، قبل أن يحول الموت بين المؤمل وبلوغ الأمل، قبل أن يصير المرء مرتهنًا في حفرته بما قدم من عمل[25].

﴿ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المنافقون: 10، 11].



فكن في البر عملاقًا، وفي الطاعات خفاقًا، وفي القربات براقًا، وفي الإنفاق دفاقًا، وفي المعروف رقراقًا، وللإحسان ذواقًا، وللخيرات سباقًا، وللعلياء تواقًا، وللفردوس مشتاقًا.



اللهم اجعل عشرنا هذه أولها صلاحًا، وأوسطها فلاحًا، وآخرها نجاحًا.

اللهم فهَب لكل منا ما رجاه، وبلِّغه من الدارين مُناه.

[1] رواه البزار في كشف الأستار، من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما (2/ 28)، رقم الحديث: (1128)، وصححه الألباني، صحيح الترغيب والترهيب (2/ 32)، رقم الحديث: (1150).

[2] رواه ابن حبان في صحيحه، من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، باب: ذكر رجاء العتق من النار لمن شهِد عرفات يوم عرفة (302)، وصححه الألباني، صحيح الترغيب والترهيب (1150).

[3] رواه أحمد (1968)، أبو داود (2438)، الترمذي (757)، ابن خزيمة (2865)، ابن حبان (273).

[4] رواه البخاري (969).

[5] سنن الدارمي (1815)، البيهقي في الشعب (3752)، صحيح الترغيب والترهيب (1148).

[6] أخرجه أبو عوانة في مسنده (3025).

[7] رواه أحمد (14210)، وقال الأرنؤوط: صحيح، وهذا إسناد قويٌّ على شرط مسلم،وأخرجه الدارمي (2392)، والطبراني في الصغير (713)، وابن حبان (4639)، والطيالسي (1777).

[8] رواه البزار (1113)، وأبو يعلى (697)، والنسائي في الكبرى (9841)، وابن حبان (4640)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (106)، والحاكم (748)، وقال: على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.

[9] ينظر: لطائف المعارف لابن رجب (1/ 261).

[10] رواه أحمد (5446)، قال الأرنؤوط: إسناده صحيح، وابن أبي شيبة في المصنف (13919)، وعبد بن حميد (807)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (2971)، والبيهقي في الشعب (3751).

[11] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (3/ 250).

[12] البخاري تعليقًا (2/ 20)، قبل حديث: (969)، والبغوي في شرح السنة (4/ 301).

[13] فتح الباري لابن رجب (9/ 8، 9).

[14] ينظر: الحاوي الكبير (2/ 484).

[15] أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (7/ 379)، صححه الألباني، السلسلة الصحيحة (1621).

[16] لطائف المعارف (1/ 350).

[17] أدب الدنيا والدين للماوردي (1/ 202).

[18] نسيم الصبا لابن رجب (1/ 127).

[19] التبصرة لابن الجوزي (2/ 127).

[20] ينظر: تنبيه الغافلين للسمرقندي (1/ 38).

[21] صيد الخاطر لابن الجوزي (1/ 31).

[22] المحرر الوجيز لابن عطية (1/ 364).

[23] أخرجه الطبراني في الأوسط (6086)، وصححه الألباني، صحيح الترغيب والترهيب (881).

[24] ينظر: طبقات الفقهاء الشافعية لابن الصلاح (12/ 400).

[25] لطائف المعارف (1/ 274).






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 26.73 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 26.10 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.35%)]