27-قصَّة موسى في القرآن الكريم
بقلم : مجـْـد مكَّي
أ ـ أما مواقف موسى عليه السلام تجاه المحنة التي تولى كِبْرها فرعون وبطانته، وتجاه قومه المؤمنين،
فبعد اجتماع الملأ المحرِّضين لفرعون، قال عليه السلام لقومه: [قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا] {الأعراف:128}.
قال موسى لقومه ـ من بني إسرائيل ـ لما شَكَوْا إليه: اطلبوا العَوْن من الله ربِّكم في كلِّ أموركم، فإنَّ الله هو الكافي لكم، واصبروا على ما نالكم من المَكَارِهِ في أنفسكم وأبنائكم؛ لأن الاستعانة بالله تغني المؤمن عن التبعيَّة للبشر، وتصله بالله رب البشر ومدبر الأسباب. واصبروا؛ لأن الصبر هو عدة المؤمنين لاحتمال الشدائد في سبيل الله والاستمساك بحبل الله.
[إِنَّ الأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ] {الأعراف:128}، إنَّ الأرض كُلَّها مُلكٌ لله الذي خلقها، يُورثها مَنْ يشاءُ من عباده، فيهلك فرعون وقومه، ويُملِّك أرضهم وبلادهم بعد إهلاكهم مَنْ يشاء من عباده، والنَّصر والظَّفَر للمتَّقين على عدوِّهم؛ فالأرض ليست ملكاً لفرعون ولا لغيره، بل هي لله تعالى يتصرف بها كيف يشاء، ويورثها لمن يشاء. والعاقبة دائماً وأبداً للمتقين:[الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ] {الحج:41}.
إلا أن قوم موسى من بني إسرائيل ردوا على موسى عليه السلام قائلين: [قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا] {الأعراف:129} فلا فرق بين الحالين، وقد فاتهم أن الفرق كبير بين الإيذاء في الحالين، الأولى: كانت استعباداً واحتقاراً، والثاني: كان في سبيل الدعوة والدين، وشتان بين من يعذَّب ولا يؤجر، وبين من يكون عذابه زيادة له في الأجر والثواب.
قال قوم موسى: آذانا فرعون وقومه من القبط قبل أن تأتينا نبياً رسولاً، وما زالوا مِنْ بعد ما جئتنا بالرسالة يؤذوننا، فزادت الشِّدَّة والمشقَّة علينا، فمتى يكون ما وعدتنا به من زوال ما نحن فيه؟
فردَّ موسى عليه السلام على موقفهم قائلاً: [قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ] {الأعراف:129}. أرجو مُتوقِّعاً أن يُهلك ربُّكم فرعونَ وقومَه، وأرجو مُتوقِّعاً أن يستخلفكم الله في الأرض المقدَّسة في فلسطين، فيجعلكم خلفاء ملوكها القائمين، ولكن لا يستخلفكم لمجرَّد تكريمكم بأن يمنحكُم إيَّاها لكونكم من ذُرِّيَّة إبراهيم، إنما يستخلفكم فيها ليبلوَكم في هذا الاستخلاف، فينظر كيف تعملون، فيحاسبكم بحَسَب أعمالكم.
قال موسى عليه السلام [عسى] ولم يجزم لئلا يتَّكلوا ويتركوا ما يجب من العمل، أو لئلا يكذبوه لضعف أنفسهم، بما طال عليهم من الذلِّ والاستخذاء لفرعون وقومه، واستعظامهم لملكه وقوته. وهو يرجو أن يهلك الله تعالى عدوهم الذي آذاهم وأن يجعلهم خلفاً، في الأرض التي وعدهم إيَّاها، [فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ] فيما استخلفكم هل تشكرون النعمة أم تكفرون؟ وهل تُصلحون في الأرض أم تفسدون ليجازيكم في الدنيا والآخرة بما تعملون؟
ب ـ وأما موقفه عليه السلام من فرعون وهامان وقارون
فهو قد اتخذ الأسباب الكاملة لتربية بني إسرائيل، وإعدادهم للخروج، ثم توجَّه إلى ربه تعالى داعياً وعائذاً وملتجأ: [وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسَابِ] {غافر:27}
وقال موسى لفرعون وملئه لمَّا تهدَّدوه بالقتل: إني لجأت مستعيذاً بربي وربِّكم لحمايتي وحفظي، واعتمدتُ عليه من شرِّ كلِّ مُسْتكبر عن توحيد الله وطاعته، لا يؤمن بيوم القيامة الذي يكون فيه الحساب من قِبَل ربِّ العباد.