25-قصَّة موسى في القرآن الكريم
بقلم : مجـْـد مكَّي
موقف السحرة من تهديد فرعون ووعيده
مبارزة موسى السحرة ومبارزة النبي المشركين يوم بدر:
يا لها من معركة فاصلة بين الحق والباطل، بين جندي من جنود الرحمن وبين جند الشيطان، يقابل فيها رجل واحد جموعا من السحرة، وطاغوتا عبَّد الناس لنفسه وأرهبهم، وحشوداً من ملئه ووزرائه وجنده ورجال دولته، فتهزم القلة الكثرة، وينتصر الواحد على الجمع؛ لأن الله تعالى معه.. انتصر بإيمانه ويقينه، واعتزازه بالله تعالى، وركونه إليه سبحانه، وتوكله عليه عز وجل .
كانت مبارزة موسى عليه السلام للسحرة من أعظم المعارك في التاريخ البشري، وهي في سيرة موسى عليه السلام كغزوة بدر في سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن كلا المعركتين حاسمتان في إحقاق الحق، وكشف الباطل، وقد قال الله تعالى في معركة موسى عليه السلام :﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف:118]، وقال في معركة محمد صلى الله عليه وسلم :﴿وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الحَقَّ وَيُبْطِلَ البَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ ﴾ [الأنفال:8].
وفي معركة موسى كُسر فرعون، ودُحضت حجته، وآمن جنوده من السحرة، وهذا أقوى ما يكون نصرا لموسى عليه السلام. وفي معركة محمد صلى الله عليه وسلم كُسر جيش المشركين، وقتل فرعون هذه الأمة أبو جهل في جماعة من صناديد الشرك؛ ولذا كانت المعركتان فرقاناً بين الحق والباطل.
وننتقل إلى ختام المشهد في هذه المباراة الذي تعرضه لنا سورة الشعراء ، وهي بعد سورتي الأعراف وطه نزولاً.
ماذا أجاب سحرة فرعون بعد أن هدَّدهم بتقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، وصلبهم أمام الشعب المصري مُسمَّرين في جذوع النخل؟
الكون كله يرقب الموقف , الجبال والتلال والأشجار والنجوم والكواكب والبحار والأنهار , جميعها تحبس الأنفاس من رهبة الموقف وشدته , الكل ينتظر ويتساءل: ماذا سيفعل السحرة؟؟ وأغلب الظن أنهم سيتراجعون أو على الأقل سيكتمون إيمانهم في قلوبهم.
وهنا يأتي رد السحرة:﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ لمُؤْمِنِينَ(51) ﴾ {الشعراء}.قال السَّحَرة لفرعون: لا ضَرَر علينا فيما يلحقنا من عذاب في الدنيا، لأننا ننقلب ونصير إلى ربِّنا في الآخرة مؤمنين مُؤَمِّلين غفرانه.
وقالوا لفرعون: إنا نرجو أن يغفر لنا ربُّنا خطايانا من الشِّرك والسِّحر؛ بسبب أنْ كنا أوَّل المؤمنين من القبْط بما جاء به موسى وهارون عن ربِّ العالمين.
قال سحَرة فرعون: ﴿ لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ(50) ﴾ لا ضير إن فقدوا الجاه .. لا ضير إن فقدوا المال .. لا ضير إن فقدوا الأولاد .. لا ضير إن فقدوا الحرية .. لا ضير إن فقدوا أرواحهم .. لا ضير على الدنيا بأسرها إن فقدوها ...
ردَّ السحرة بكلمة واحدة، ولكنها كلمة تهتز لها الجبال الراسخة ،وترتج لها الأرض الهامدة , كلمة لو وزنت بالكون كله لوزنته: ﴿ لَا ضَيْرَ ﴾ ولم يمض على إيمانهم سوى دقائق معدودات، ورفضوا الخضوع لسلطان غير سلطان الله .
ولكن ما الذى دفع السحرة لقول تلك الكلمة:﴿ لَا ضَيْرَ ﴾؟
إنه إيمانهم الراسخ الثابت الذى لا يتزعزع ولا يهتز كما أنه لا يخضع ولا يخنع.. وهكذا دائماً النفس البشرية حين تستعلي فيها حقيقة الإيمان، تستعلي على قوة الأرض وتستهين ببأس الطغاة، وتنتصر فيها العقيدة وتحتقر الفناء الزائل إلى جوار الخلود المقيم. حينها لا تقف لتسأل: ماذا ستأخذ وماذا ستدع؟ وماذا ستقبض وماذا ستدفع؟ ماذا ستخسر وماذا ستكسب؟ وماذا ستلقى في الطريق من صعاب وأشواك وأهوال وتضحيات؟ لأن الأفق المشرق المضيء بنور الإيمان، أمامها فلا تنظر إلى شيء في الطريق ويقف الطغيان عاجزاً أمام الإيمان وأمام الاطمئنان. يقف الطغيان عاجزاً أمام القلوب التي خيل إليه أنها ملك يمينه.. فإذا هي مستعصية عليه. وماذا يملك الطغيان إذا رغبت القلوب في جوار الله؟ وماذا يملك الجبروت إذا اعتصمت القلوب بالله؟ وماذا يملك السلطان إذا زهدت القلوب فيما يملك السلطان ؟
كيف تغيرت شخصياتهم؟ كيف انقلبت موازينهم؟
كانت هممهم مشدودةً إلى المال: [أئن لنا لأجراً]، وكانت آمالهم منوطة بفرعون:[بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون].
هذا منطقهم قبل أن يؤمنوا … فلما ذاقوا حلاوة الإيمان كان جوابهم على التهديد والوعيد في بساطة ويقين:[لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات].
بعد أن كان همهم الدنيا صار همهم الآخرة:[ليغفر لنا خطايانا].
وبعد أن كانوا يحلفون بعزه فرعون صاروا يقولون:[ والذي فطرنا ].
تغير الاتجاه … تغير المنطق … تغير السلوك … تغيرت الألفاظ … أصبح القوم غير القوم … وما ذلك إلا من صنع الإيمان.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا في أول النهار سحرة وفي آخر النهار شهداء بررة.
إن هذا الموقف المهيب الذي سطّره هؤلاء الشهداء التائبون بدمائهم.. وسطّره القرآن بأحرفٍ من نور على صفحات الخلود.. يجب أن يكون حافزاً لكل مؤمن على الثبات على الحق حتى الرمق الأخير والصمود في وجه الباطل مهما كلّف الثمن. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار" رواه البخاري