عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 21-05-2025, 11:41 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,307
الدولة : Egypt
افتراضي رد: قصَّة موسى في القرآن الكريم

6-قصَّة موسى في القرآن الكريم


بقلم : مجـْـد مكَّي







في مَدْيَن:
تحدثنا في الحلقة الخامسة عن خروج موسى عليه السلام إلى مدْيَن مهاجراً خائفاً على نفسه من كيد فرعون ، وقد خرج بسرعة غير منتظر ولا متزوِّد، وتوجَّه تلقاء مَدْيَن لا يلوي على شيء، خائفاً يترقَّب، قاطعاً صحراء سيناء الواسعة على قدميه، من غير زاد، ولا رفيق، سوى الأمل بأن يهديَه ربُّه سواء السبيل، وينجيه من فرعون وقومه.

حتى إذا وصل مدين، كان أول ما لاقاه نبع الماء الذي يسقي عليه الرعاة، ورأى امرأتين تذودان غنمهما عن الماء بينما يسقي الرجال من غير التفات إليهما أو مساعدة على الأقل، فيتحرك للمساعدة في إحقاق الحق، وقال لهما مستوضحاً الأمر مُتبيِّناً السبب حتى يكون تصرُّفه صحيحاً سليماً: ما خطبكما؟ والخطب: هو الأمر العظيم. وكان جواب الفتاتين واضحاً محدَّداً مختصراً: [قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ] {القصص:23}.

قال تعالى: [وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ] {القصص:23} أي: وحين أشرف موسى على الأرض التي فيها ماء آل مَدْين، وكانوا يسقون منها مواشيهم، وَجَد على الماء جماعةً كثيرة من الناس، يستخرجون الماءَ من البئر بالدِّلاء ويصبُّونَهُ في أجرانٍ، لتشربَ أنعامُهم ودوابُّهم، ووجد موسى من خلف الجماعة امرأتين تُبْعدان أغنامَهُما عن الماء حتى يفرغ الناس، وتخلو لهما البئر.

قال موسى للمَرأتين: ما شأنكما لا تَسْقيان مواشيكما مع الناس؟!
قالتا: إنا امرأتان لا نزاحم الرجال أدباً واستحياءً، فإذا رجع الرُّعاة عن الماء سَقَيْنا مواشينا مِنْ فَضْل ما بقيَ من الماء، والسبب في قيامنا بوظيفة سَقْيِ مواشي أبينا، أنه ليس لنا إخوةٌ ذكورٌ للقيام بهذه الوظيفة، وأبونا شيخٌ كبير لا يَقْدر أن يسقي مواشيه.

[فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ] {القصص:24} فلمَّا سمع كلامَهما رقَّ لهما ورحمهما، وسقى لهما الغنم، وبعد أن ساقت المرأتان أغنامَهُما، وابتعدتا في اتِّجاه دار أبيهما، ابتعد موسى عن مكان البئر، وأوى إلى شجرة، فجلس في ظلِّها من شدَّة الحرِّ، فسأل ربَّه قائلاً: ربِّ إني لما سَبَق أن أنزلت إليَّ من النَّجاة من الظالمين، والوصول إلى ماء «مَدْين»، والاستظلال آمناً في ظلِّ هذه الشجرة، مُفْتَقرٌ إلى ما تسوقُه إليَّ من خيرٍ ورزق تفضُّلاً منك وإنعاماً، ومن ذلك: تزويجي بزوجةٍ صالحةٍ عفيفةٍ تعفُّني وتكون لي سكناً.

وتأتيه الاستجابة سريعاً: [فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا] {القصص:25} أي: وصلت الفتاتان إلى أبيهما، وأخبرتاه خبرَ الرجل الغريب الذي سقى لهما، وعقب دعاءِ موسى ربَّه مباشرةً جاءت إحدى الفتاتين اللتين سقى لهما تسيرُ إليه في حياءٍ، قالت: إنَّ أبي، يطلب منك أن تأتي إليه؛ ليُعطيَكَ أجْرَ سَقْيك لنا.

هكذا كلها حياء وأدب، حتى لكأنَّ الحياء طريقها على الأرض التي تسير عليها فكل خطوة من خطواتها أدب وحياء.
وحين يصل موسى بيت الشيخ الصالح، ويقص عليه قصته، وما كان من أمره يبشره الشيخ بالأمان والنجاة من القوم الظالمين..

قال الله تعالى: [فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ] {القصص:25}
أي: فلمَّا جاء موسى أباهما الشيخ الكبير، وأخبره بأمره أجمع، قال الشيخ أبو المرأتين لموسى: لا تَخَفْ من جنود السُّلطة الفرعونيَّة، فنحن في «مدين» نقع خارج سلطته ونظام حكمه، وبوصولك إلى هذه الأرض نَجَوْتَ من فرعون وقومه الظالمين.. وما كان أحوجَ موسى عليه السلام لمثل هذه البشرى، في مثل هذا الوقت.

ويشاءُ الله تعالى أن يكمل لموسى نعمة الأمن الذي حصل عليه بنعمة الاستقرار في بيت وأسرة، فتتقدَّم إحدى المرأتين طالبةً من أبيها أن يستأجر موسى ليحلَّ مكانها في العمل: [قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ] {القصص:26} قالت إحدى الفتاتَيْن: يا أَبَتِ اتَّخِذه أجيراً ليرعى أغنامنا، ويقوم على حفظها، فهو قويُّ الجسد، استخرج الماء بالدِّلاء من البئر بقوَّة وهمَّة، على الرُّغم من قدومه إلى «مدْين» ماشياً على قدمَيْه من مصر، وهو أمين، فقد اختار أن يمشي أمامنا إلى مسكننا، حتى لا تصف الريح جسدنا؛ إنَّ خير مَن استعملت مَنْ قَوِيَ على العمل وأدَّى الأمانة.

والقوة والأمانة من أهم ما يجب توفره في العامل والمستأجر والموظف والمدير حتى يكون عمله نافعاً مفيدا.









__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 18.11 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 17.48 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.47%)]