عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 14-05-2025, 03:25 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,041
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي



جعلها الله سبحانه وتعالى إلا آية على توحيده وعظمته حتى يكون الإنسان شاكرا لأنعم ربه.
إذا: كثير من الأمراض ومنها الانسداد في الشرايين، الغالب أنه يهلك إذا لم يسعف ويفك هذا الانسداد، فإذا كان عنده انسداد في شريان القلب، فيعني أنه مهدد بين العشية والضحى أن يأتيه قدر الله، فمثل هذه الأمراض الخطرة في القلب والتي يقول الأطباء: إنها خطرة والغالب عدم السلامة منها؛ فإنه يحكم بكونها أمراضا مخوفة.
فليس كل مرض قلب أو ألمه يعد مرضا مخوفا؛ لأن شرب المشروبات الغازية -وهذا ثابت طبيا- يؤثر على القلب، ولربما تأتي بأعراض مثل أعراض الذبحة الصدرية أعاذنا الله وإياكم منها، وغالبا ليس هناك ذبحة صدريةولا أي شيء، إنما هي غازات تضغط على غشاء الإنسان فيظن أن قلبه فيه علة وما فيه علة، فمثل هذه الأمور لا بد فيها من الرجوع إلى الأطباء، ومن أهم ما كان يوصي به بعض الحكماء والعقلاء: أنه ليس هناك طبيب للإنسان مثل نفسه، فإذا وجدت أن نفسك تغيرت، فانظر فقد يكون طعامك قد تغير، فلو تغير طعامك تغيرت نفسيتك، ولو تغير جسدك تتغير طاقتك ويتغير وضعك، فالشاهد: أنه ليست كل أمارة أو علامة يحكم بكونها مرضا، ولا بد من الرجوع إلى الأطباء وأهل الخبرة في هذا.
وقوله: (ودوام قيام) .
هو استطلاق البطن أعاذنا الله وإياكم، فإذا استطلقت بطنه ولم تتماسك فإن الغالب في ذلك أنه يؤدي إلى الهلاك والموت إذا لم يتداركه الله برحمته، وقد تكون أمارة على مرض معد أو على مرض مهلك، فدوام استطلاق البطن يعتبر من الأمراض المخوفة.
وقوله: (ورعاف) .
أي: إذا نزح وكان رعافا شديدا؛ لأن هذا غالبا مرض مخوف؛ لأنه قد يكون الرعاف في بعض الأحيان بسبب الأمراض الدموية التي تكون في دم الإنسان، في صفائح الدم، وكذلك في حكم خروج الدم خروجه من داخل البدن، كالقرحة التي تكون في معدة الإنسان إذا انفجرت، أو استقاء الدم وكان في درجاته الأخيرة، فهذه غالبا مخوفة، لكن إذا كانت في بدايتها فيمكن أن يتدارك ولا يكون المرض مخوفا.
وقوله: (وأول فالج وآخر سل) .
كل هذه الأمراض مخوفة، والغالب أن الإنسان لا يسلم منها، حمانا الله وإياكم منها.
وقوله: (والحمى المطبقة) .
مثل: الملاريا، فالملاريا إذا استحكمت وتمكنت من إنسان فالغالب أنها تقتله، وإذا أطبقت على الإنسان وأصبح محموما وأثر عليه، فإنها غالبا ما تقتل الإنسان، إذا كانت مستحكمة ووصلت إلى درجاتها الخطيرة.
وقوله: (والربع) .
وهي الحمى التي تأتيه في اليوم الأول، ثم تمكث يومين ثم تأتي في اليوم الرابع.
وبعض العلماء رحمهم الله كان يقول: سمعت بعض المشايخ سأل بعض الأطباء فقال: هي علامة على بعض الأمراض الخطرة في البدن -يعني: أنها ليست بذاتها- والغالب أن مثل هذه الأمراض تستحكم في الإنسان حتى تقتله.
حكم التداوي عند طبيب كافر
وقوله: [وما قال طبيبان مسلمان عدلان] .
يشترط في الطبيبين أن يكونا من أهل الخبرة، فلا نسأل عن مرض في البطن طبيبين مختصين بالرأس، أو بأمراض الأنف والحنجرة، فيشترط فيهما الخبرة.
وفي القديم ما كان هناك تخصص إلا في بعض الجرائح والوصائف، فقد كان هناك بعض التخصصات الطبية التي أشار إليها الإمام ابن القيم رحمه الله في الطب النبوي، والجرائح: هي التي تطبب بالجراحة، والوصائف: هي التي تطبب بالوصف، وهذا كله تخصص، والآن كأنه خرج هذا عن مجال الطب، من حيث جعلت الصيدلة على حدة، وجعلت الكيمياء على حدة وجعلت مداواة الأبدان على حدة، فأي مرض نريد أن نحكم عليه فنرجع إلى أهل الاختصاص به، فإذا كان المرض مرض القلب -أعاذنا الله وإياكم- فنرجع إلى المتخصصين في القلب، فإذا شهد طبيبان عدلان مسلمان -كما ذكر المصنف- وحكما بكونه مخوفا، فقالا: هذا المرض الغالب أنه يموت منه، فحينئذ يكون مرضا مخوفا.
وقوله: (مسلمان) هنا مسألة: وهي الإسلام في الطبيب، فبعض العلماء رحمهم الله يقول: لا تقبل في الأحكام والمسائل شهادة الطبيب الكافر؛ لأنه غير مأمون، فربما كذب؛ لأن الكافر قد كذب على الله بالشرك، وادعى أن لله ولدا، وأن الله ثالث ثلاثة فمن باب أولى أن يكذب على المخلوق، وقد وصف الله عز وجل من كان على الكفر بأنه عدو مبين للمسلمين، فالعدو لا يصدق لعدوه.
ولكن هذا القول خالفه قول آخر وهو: أن الطبيب الكافر إذا عرفت منه الأمانة والانضباط وعدم الخيانة فإنه يؤمن بقوله، ولذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في السنة العمل بقول الكافر، والاستعانة بالكافر إذا عرف أنه ناصح، ويدل على ذلك حديث عائشة في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم استأجر عبد الله بن أريقط -وهو رجل من بني الديل- هاديا خريتا) ، فـ عبد الله بن أريقط كان يعرف الطرقات، فكان دليلا أخذه النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته من مكة إلى المدينة، فلاحظ أنه كان بالإمكان لهذا الكافر، أن يذهب بهم إلى طريق معطش ويهكلان، وبالإمكان أن يذهب بهما إلى طريق يكشف من قريش، لكن النبي صلى الله عليه وسلم عرف فيه أمانة، وعرف أنه محل ثقة فوثق به، وهذا دليل على أن الكافر إذا عرف أنه ثقة فيعمل بقوله.
كما أن عندنا حديثا ما ذكره الأئمة من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وممن فصل في هذه المسألة الإمام ابن القيم رحمه الله في أحكام الاستعانة بالكافر في أحكام أهل الذمة، وابن تيمية في الفتاوى المصرية، وكذلك جاء في مواضع في مجموع الفتاوى أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم على هذا، والإمام ابن القيم أشار إلى هذا حينما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعين -بعد الله- بخزاعة على قريش، وكانت خزاعة على دين الشرك وعلى ملة الكفر، ولكنها كانت تحب النبي صلى الله عليه وسلم، وبينها وبين جد النبي صلى الله عليه وسلم قصي بعض الحلف: اللهم إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا فكانت بين خزاعة وبين النبي صلى الله عليه وسلم مودة، وهذه المودة كانت عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم يستقلها، فكانت خزاعة لا ترى قريشا تدبر أمرا مكيدة للنبي صلى الله عليه وسلم إلا أخبرته صلى الله عليه وسلم، فهذا استعاذة من كافر، لكن عرف من خزاعة النصح، ولذلك قال الإمام ابن القيم رحمه الله: وكانت خزاعة عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
كذلك أيضا مما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم في مسألتنا كان يأمر الصحابة أن يستطبوا الحارث بن كلدة، وكان كافرا، ومع ذلك كان يأمرهم بالتداوي عنده والعمل بما يقوله لهم، فهذا كله يدل على جواز الاستعانة بالطبيب الكافر والعمل بقوله.
لكن هناك من أئمة السلف وهو مذهب الإمام أحمد رحمة الله عليه، فقد كان للإمام أحمد طبيب يهودي، وكان يعمل بمشورة هذا اليهودي ويستطبه، ولكن لا يقبل قوله في الصلاة والعبادات كالصوم، فلو قال له: لا تصم، فما يقبل قوله حتى يتأكد من طبيب مسلم، ولو قال له مثلا: لا تركع أو لا تسجد، فإنه لا يثق به في أمور الديانة.
ومن هنا فرق العلماء في قول الطبيب الكافر بين العبادة وأمور الديانة ومصلحة البدن، فيمكن أن تقبل لكن إذا قال لك: سجودك يؤثر على البصر، أو يؤثر على العملية في الظهر، فحينئذ عليه أن يستوثق بطبيب مسلم يمكن الرجوع إليه، لكن إذا عمت البلوى ولم يجد الإنسان إلا طبيبا كافرا فإنه يعمل بخيرهم، وهكذا بخير الكفار، فالكفار فيهم من هو خير من الآخر؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح: (إن بالحبشة ملكا لا يظلم عنده أحد) ، وكان ملك الحبشة على دين الكفر، فامتدحه بما فيه من خير؛ لأنه لا يظلم الناس؛ ومثل هذه الأشياء قد توجد في الأطباء الكفار، فمن عرف بالنصح عمل بقوله واستثبت.
أما لو فسد الزمان ولم يوجد طبيب عادل، فقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن فرحون في تبصرة الحكام، والإمام ابن القيم رحمهم الله وغيرهم من الأئمة: أنه إذا تعذر وجود العدل عمل بشهادة أمثل الفساق، فإذا لم يوجد وتعذر وجود الطبيب العدل، فانظر إلى أحسن الأطباء الموجودين في نظرك والذي يمكن أن تؤثر عليه وتناشده أن ينصح لك، فتعمل بقوله وتثق بخبره.
وجود الحاجة إلى الطبيب المسلم
قال رحمه الله: [وما قال طبيبان مسلمان عدلان] .
المسلمون بحاجة إلى الأطباء، وهذا يدل على أن تعلم الطب فيه خير كثير للإسلام والمسلمين؛ لأنه يحتاج إلى الطبيب المسلم، ومن هنا كان الإمام الشافعي رحمه الله يقول: ضيعوا ثلث العلم ووكلوه إلى اليهود والنصارى.
لأن الشريعة منها ما يتعلق بالباطن كأمور الاعتقادات، ومنها ما يتعلق بالظاهر كالصلوات والأذكار، فهذه لمصلحة الدين، وأما مصلحة الدنيا فللبدن؛ لأن البدن فيه دين ودنيا، فبقيت مصلحة الدنيا فصار ثلثا من هذا الوجه، فقال: ضيعوا ثلث العلم.
وبعض العلماء يقولون: الطب نصف العلم؛ لأن العلم للدين والدنيا، فيرى أن الطب هو قوام الأجساد، ولا يمكن أن تقوم هذه الأرض ولا أن يسمح للعباد والبلاد إلا بصلاح أبدانهم، فأصبح نصف العلم من هذا الوجه، فهو -أي: علم الطب- علم عزيز وعلم شريف إذا حفظت فيه حدود الله عز وجل، وكان هدف الطبيب الإحسان، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر: (أن الله تعالى غفر لامرأة بغي من بغايا بني إسرائيل ذنوبها حينما سقت كلبا يلهث الثرى) ، فما بالك بالمريض المسلم الذي يعجز عن صلاته وعن طاعته لربه، والذي لا يكون البلاء مختصا به بل يشمله ويشمل أهله، فكيف بتفريج كربته! وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من نفس عن مؤمن كربة نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) ، ومن أراد أن ينظر إلى آثاره الحميدة فليتأمل حينما يكون الإنسان عاجزا عن شهود الجمعة والجماعات، وعن قراءة القرآن وذكر الله عز وجل، وحين يكون عاجزا عن مصالح دنياه، كيف إذا شوفي وعوفي بإذن الله ثم بفضل هذا الطبيب كم يكون لهذا الطبيب إذا حسنت نيته من الأجر والخير الكثير! فلا شك أنه من أفضل العلوم، فنحن بحاجة إلى الأطباء المسلمين الذين يسدون عجز الأمة في مثل هذا، فيرجع إلى قولهم، ويوثق بخبرهم وشهادتهم.
فقوله: (وما قال طبيبان مسلمان عدلان أنه مخوف) .
إذا قالا: إن هذا المرض مرض مخوف -كما ذكرنا- وشهدوا بأن هذا المرض مرض مخوف، لكن ينبغي أن ينبه إلى أن العمل بوجود الأمارات والعلامات الدالة على وجود المرض، فلا بد من وجود التحاليل والتقارير التي تثبت أنه مصاب بهذا المرض، فإذا ثبت ذلك حكم بكونه مريضا مرض الموت.
الأسئلة




حث طالب العلم على إعانة إخوانه في طلب العلم
السؤال بعد الانتهاء من درس العالم أحب أن أجالس طالب علم لتدارس المسائل، فهل إذا رفضت الإجابة عن بعض المسائل طلبا مني أن يجتهد الزميل ويبحث، وليس السبب شيئا يتعلق بشيء في الصدر، فهل فعلي صحيح؟
الجواب هذا حسن، وأحسن منه أن تعطيه، هذا حسن أنك تقصد أن تشخذ همته؛ لأن هذا يدعو إلى التعب والجد والتحصيل، لكن لو أنك أخبرته أثابك الله على إخباره وتعليمه، ووضع الله البركة في علمك بقدر ما نشرت، ومن يضمن لك أن تبقى؟ ومن يضمن لك أنه ينال هذه المسألة؟ فلربما افترقتم افتراقا لا تلتقيان بعده أبدا، وحيل بينه وبين بلوغ هذه الفائدة، فنزلت به هذه النازلة وهو أشد ما يكون حاجة إليها، فيسألك الله عن ذلك، فأنت تبذل ما عندك.
ومن أفضل ما وجدنا تضحية طالب العلم مع أخيه، فإن الشيطان يأتي بالدواخل حتى في الاختبارات، وبعضهم يقول: لا تعطه ملخصك، فهذا يعوده على الكسل والخمول لا، فقد تلي أمر أخيك المسلم فترفق به فيرفق الله بك، فإذا احتاج إليك في مسألة أو معضلة أو مشكلة أو نازلة، أو ملخص أو كتاب ورفقت به وأعطيته حاجته؛ فإن الله يرفق بك كما رفقت به: (وإن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه) ، وإني والله لأعرف من طلاب العلم من كان يكتب الملخصات حتى إنه في بعض الأحيان يصور لإخوانه ولا يأخذ على تصويرها شيئا، ويرجو بهذا أن ينال الأجر والثواب، وأن الله سيبارك له في علمه كما أسدى وأولى إلى إخوانه من الخير والمعروف، فلا يحرص طالب العلم على التضييق.
ولذلك ينبغي أن الإنسان يوسع على الناس، فلا يأخذهم بالشدة، ولا يضيق عليهم، فالأكمل والأفضل أن تحتسب الأجر والثواب عند الله فتعلم أخاك، ولا شك أن شحذ الهمة لطلب العلم له أساليب أخرى، فلا يشحذ همة الشيء مثل الإخلاص لله جل وعلا، فإذا أردت أن تكون همتك صادقة فتعود على الإخلاص، فلا تجلس معه في مجلس إلا وتذكره بالله الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، وتقول له: يا أخي! أوصيك ونفسي بتقوى الله عز وجل أن تنظر ماذا في قلبك وأن أنظر ما في قلبي ونحن في مجلس طلب العلم، وقد كان بعض السلف إذا قالوا لبعضهم: حدثنا، قال: حتى تأتي النية.
فيراقبون أنفسهم في الإخلاص، فإذا أردته يجد ويجتهد فادعه إلى الإخلاص، وكذلك عليك أن تدعو له بظاهر الغيب أن الله يفتح عليه، وأن يرزقه الجد والإخلاص والاجتهاد في طلب العلم، وإذا أردته أن يجد ويجتهد فاسأله سؤال المذاكر.
فهناك أساليب أخر، فلا تقتصر على أنك تبخل عليه وتمن عليه وتمنعه من التعليم والتوجيه، بل عليك أن تجد وتجتهد في ذلك لعل الله أن يبارك في علمك، وتأخذ بالأكمل والأفضل من الرفق بإخوانك، وهذه وصية في كل من ولاك الله أمره أن تكون على رفق به، فلا تأخذ بالشدة ولا تضيق عليه، ولو جاءك الشيطان يقول: هذا حزم.
فقد يكون الأفضل في بعض الأحيان الحزم ولكن في حدود ضيقة، أما الأفضل والأكمل دائما فهو أن يرفق الإنسان بإخوانه، قال صلى الله عليه وسلم: (اللهم من ولي من أمور أمتي شيئا فرفق بهم فاللهم ارفق به) ، حتى في مسألة التكبير إذا جاء إلى التشهد الأول، وقد حصلت مذاكرة بين بعض مشايخنا رحمة الله عليهم في مسألة عندما يجلس الإمام في التشهد الأول ويقول: الله أكبر، فيشعر الناس أنها للجلوس، فكان بعض المشايخ رحمة الله عليهم يقول: عليه أن يقول: الله أكبر، تكبيرا واحدا لا مد فيه حتى يعودهم على حفظ الصلاة، فقال بعض مشايخنا رحمة الله عليهم: أولا: أنا لا أشك غالبا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتأثر تكبيره؛ لأنها طبيعة وسجية في الإنسان أنه يتأثر بحاله منتقلا.
ثانيا: أن هذا ليس أمرا متعلقا بالتعبد، وإنما هو رفق بالتذكير، فإذا قال: الله أكبر بالمد، رفق بالناس وذكرهم؛ لأن فيهم مشغول البال، والمهموم والمغموم والمكروب، فإذا كان الله عز وجل قد شرع سجود السهو لما ينتابهم في صلاتهم، فهذا أمر لا يستطيع الإنسان أن يخالف الفطرة والسليقة، فالرفق بالناس دائما هو حال الكمال وهو الأفضل والأكمل.
نسأل الله العظيم أن يرزقنا الرفق وأن يجعلنا من أهله، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
مسألة تفضيل صدقة الفقير على صدقة الغني
السؤال في قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أفضل الصدقة: (أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر) ، هل فيه دليل على أن صدقة المعسر أو المسكين أفضل من صدقة الموسر أو الغني؟
الجواب باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد: فالصدقة النسبية وصدقة الأحوال لا تقتضي التفضيل من كل وجه، وتوضيح ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: (أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخاف الفقر وتأمل الغنى) ، أي: في عز شبابك، تخاف الفقر كما يقال: يخاف المستقبل، وتأمل الغنى أي: أنه يرجو أمورا صالحة في مستقبله، فإذا جاء -مثلا- يجمع مالا لزواجه، فلو أراد أن يتصدق لجاءه الشيطان وقال له: كيف تتزوج إذا تصدقت؟ فهو حينئذ يأمل شيئا من وراء جمع المال، فإذا تصدق مع وجود هذه الرغبات وهذه الشهوات، وآثر ما عند الله سبحانه وتعالى عظم أجره.
أما إذا كان في آخر عمره، فهذه أشياء نسبية، فما فضل كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم من حال العبد ألبتة بين ما يكون من وزر السيئة وأجر الحسنة على أحوال العمر مفرقا على أحوال الأشخاص غنى وفقرا، وقوة وضعفا، وعزا وذلا، على حسب أحوال الإنسان كلها، ومنها الصدقة، فالصدقة في الأحوال لا تقتضي التفضيل من كل وجه، بمعنى: كأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: تدارك شبابك؛ فإن الصدقة في الشباب والقوة والحاجة إلى المال أعظم من الصدقة في غير ذلك، وهذا لا يمنع أن الغني يتبوأ من رحمة الله ما لا يخطر له على بال، فهذا عثمان رضي الله عنه أغدق الله عليه من المال والخير وجعل الله يده يد بركة، فما اشترى شيئا إلا بورك له في صفقة يمينه، ومع ذلك كان أثرى الصحابة وأكثرهم صدقة، وجعل الله عز وجل صدقاته سببا في رحمة الله له.
فوجود الغنى لا يمنع أن ينال الإنسان أجره وثوابه، فلو تصدق الإنسان وهو غني بالأموال الكثيرة، وستر العورات وفرج الكربات فله دعوات الناس، وله كذلك أجر تفريج الكربات التي فرجها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لما جاءه الصحابة وقالوا: (يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور) .
فهذا يدل على أن أهل الغنى يفوزون بالدرجات العلى، وأن الغنى يجعل الإنسان يفوز بالأجر الكثير، لكننا نبهنا على أن الصدقة تضاعف بحسب ما يكون من البلاء فيها، فبلاء الفقير في الصدقة أعظم من بلاء الغني، وهذا هو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (سبق درهم مائة درهم) ، فرجل لا يملك إلا درهما فتصدق به، ورجل يملك المال الكثير فأخرج من عرض ماله مائة درهم، فالمائة درهم إذا قورنت بجوار عشرات الألوف من الدراهم فإنها لا تتساوي شيئا، والدرهم بجوار العشرة الدراهم يعتبر عشر المال، فإذا أخرجه فإنه يساوي شيئا كثيرا، وهذه مسألة نسبية، لكن لو أن غنيا تصدق بعشرة آلاف ريال، فهي يسيرة في ماله، لكن العشرة آلاف ريال فرجت كربة مكروب كان في أمس الحاجة إليها، فأجره عند الله عظيم: {ولكل درجات مما عملوا} [الأنعام:132] ، والله سبحانه وتعالى لا يضيع أجره.
وهناك أمر لا بد من وضعه في الحسبان: وهو وجود الدعوات، ووجود الأمور التي تحتف بالصدقة؛ كالإخلاص والصدق والرغبة وعدم الغرور؛ والقبول من الله سبحانه وتعالى مقرون بمثل هذه الاعتبارات، ومن هنا قول بعض العلماء رحمهم الله وهو قول معتبر في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (للعامل فيض مثل أجر خمسين) .
فجعل أجر العامل في أيام الشدة -كأيامنا، نسأل الله عز وجل أن يجعل ذلك- أو أيام الفتن الشديدة، كأجر خمسين رجلا، فإذا جاء الإنسان يتصدق، تكلمت عليه زوجته، وتكلم عليه أولاده، وجاءه الخوف أنه لا يستطيع أن يؤمن مستقبله كما يقولون، وجاءته الضائقة في دراسته وفي عمله ووظيفته من جهة أنه كان يريد سيارة يركبها، ويريد بيتا يسكنه، فهذه الأمور كلها التي آثار مرضاة الله عز وجل عليها في وجود مضاعفة الحسنات وجزيل الثواب على صدقته، فينال بها أضعاف أضعاف ما كان يؤمل مما لو تصدق في عهد الصحابة رضوان الله عليهم، فإن الرجل إذا تصدق في عهد الصحابة جزته أمه خيرا وجزاه أبوه خيرا، وأثنى عليه الناس وأحبوه وذكروه بالخير، أما اليوم فقل أن يجد من يعينه على الحق؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إنكم تجدون على الحق أعوانا، ولا يجدون على الحق أعوانا) ، فجعل مضاعفة أجر العامل في أيام الصبر بأجر الخمسين لعدم وجود المعين على الحق.
فدل على أن الجزاء والثواب يضاعف فيما يحيط به من البلاء والفتن، ومن هنا تكون صدقة الغني لها أجرها وصدقة الفقير لها أجرها، والله تعالى أعلم.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 33.30 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 32.67 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.89%)]