عرض مشاركة واحدة
  #532  
قديم 04-05-2025, 02:50 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,430
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله

شرح سنن أبي داود
(عبد المحسن العباد)

كتاب الجهاد
شرح سنن أبي داود [317]
الحلقة (349)



شرح سنن أبي داود [317]

للأسير في الشريعة أحكام، ومن ذلك الإحسان إليه وترغيبة في الإسلام، ويجوز حبسه وضربه وتقريره لمعرفة ما عنده من أخبار العدو، ولا يجوز إكراهه على الإسلام إن أباه، ويجوز قتله إن رأى الإمام المصلحة في ذلك.

إيثاق الأسير الكافر


شرح حديث: ( عجب ربنا من قوم يدخلون الجنة في السلاسل )

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الأسير يوثق. حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد -يعني ابن سلمة - أخبرنا محمد بن زياد سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (عجب ربنا عز وجل من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل!) ]. أورد أبو داود [ باب في الأسير يوثق ]. يعني: يوثق بالحبال والقيود حتى لا يفر وحتى يُطمأن إلى إمساكه وعدم إفلاته، فهو يوثق، والله عز وجل قال: فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا [محمد:4]. ووأرد أبو داود حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ (عجب ربنا عز وجل من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل) ] والمقصود بهم الأسارى الذين يؤسرون وهم كفار، فإن ذلك الأسر من أسباب إسلامهم ودخولهم في الإسلام، فهم يقادون إلى الجنة في السلاسل، يعني أنهم يجرون إلى شيء لا يريدونه وهو خير لهم، فيئول بهم الأمر إلى أن يسلموا ويكونوا من أهل الجنة وقد كانوا كارهين في أول الأمر؛ لأن أسرهم مكروه لهم، ولكنه يترتب على أسرهم وبقائهم وعدم قتلهم أنهم يشاهدون أحوال المسلمين وأعمال المسلمين وأحكام الإسلام، فيدخلون في الإسلام، فيكونون من أهل الجنة، ويسلمون من أن يكونوا من أهل النار الذين هم الكفار الذين لا سبيل لهم إلى الجنة، ومآلهم إلى النار، ويبقون فيها أبد الآباد ولا يخرجون منها أبداً. هذا هو المقصود بالحديث، وفيه إثبات صفة العجب لله عز وجل، وهي ثابتة في السنة كما في هذا الحديث وغيره، وأيضاً ثابتة في القرآن على إحدى القراءتين في قول الله عز وجل: بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ [الصافات:12]. وقد قال المنذري : (عجب ربنا) قيل: عظم ذلك عنده. وقيل: عظم جزاؤه. فسمى الجزاء عجباً، وقال ابن فورك : والعجب المضاف إلى الله تعالى يرجع إلى معنى الرضا والتعظيم، وأن الله يعظم من أخبر عنه بأنه يعجب منه ويرضى عنه. وهذا من التأويل، والأصل في الصفات أنها لا تؤول، وإنما تثبت على الوجه الذي يليق بالله بكماله وجلاله، والصفات كلها من باب واحد يؤتى بها على نهج واحد وعلى طريقة واحدة بدون تأويل وبدون تحريف وبدون تكييف وبدون تشبيه أو تعطيل أو تمثيل، بل على حد قول الله عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

تراجم رجال إسناد حديث عجب ربنا من قوم يدخلون الجنة في السلاسل )


قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ]. هو موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ حدثنا حماد -يعني ابن سلمة - ]. حماد بن سلمة ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً و مسلم وأصحاب السنن. [ أخبرنا محمد بن زياد ]. محمد بن زياد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ سمعت أبا هريرة ]. هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه، وقد مر ذكره. والإسناد من أعلى الأسانيد عند أبي داود.

شرح حديث قصة إيثاق الحارث بن البرصاء الليثي


قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن مسلم بن عبد الله عن جندب بن مكيث رضي الله عنه أنه قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله بن غالب الليثي رضي الله عنه في سرية، وكنت فيهم، وأمرهم أن يشنوا الغارة على بني الملوح بالكديد، فخرجنا حتى إذا كنا بالكديد لقينا الحارث بن البرصاء الليثي ، فأخذناه، فقال: إنما جئت أريد الإسلام، وإنما خرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! فقلنا: إن تكن مسلماًَ لم يضرك رباطنا يوماً وليلة، وإن تكن غير ذلك نستوثق منك. فشددناه وثاقاً) ]. أورد أبو داود حديث جندب بن مكيث رضي الله عنه. [ (نستوثق منه) ] يعني: نطمئن إلى أنا قد تمكنا منك وأقعدناك حتى لا تفر وأنت كافر. والمقصود من هذا بيان ما دلت عليه الترجمة من أن توثيق الأسير جائز، وقد جاء بذلك القرآن والسنة، فجاء في القرآن في قوله تعالى: فَشُدُّوا الْوَثَاقَ [محمد:4]، وجاء في السنة في أحاديث كثيرة، ومنها هذا الحديث.

تراجم رجال إسناد حديث قصة إيثاق الحارث بن البرصاء الليثي


قوله: [ حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر ]. عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر ، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ حدثنا عبد الوارث ]. هو عبد الوارث بن سعيد العنبري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ حدثنا محمد بن إسحاق ]. هو محمد بن إسحاق المدني ، وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً و مسلم وأصحاب السنن. [ عن يعقوب بن عتبة ]. يعقوب بن عتبة ثقة، أخرج له أبو داود و النسائي و ابن ماجة . [ عن مسلم بن عبد الله ]. مسلم بن عبد الله مجهول، أخرج له أبو داود . [ عن جندب بن مكيث ]. جندب بن مكيث رضي الله تعالى عنه صحابي، أخرج له أبو داود . والإسناد فيه ذلك المجهول، والحديث ضعيف من حيث الإسناد، لكن الوثاق وكون الأسير يوثق جاء في أحاديث منها الأحاديث المتقدمة.

شرح حديث قصة أسر ثمامة بن أثال وإسلامه رضي الله تعالى عنه


قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عيسى بن حماد المصري و قتيبة ، قال قتيبة : حدثنا الليث بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: (بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: ماذا عندك يا ثمامة ؟ قال: عندي -يا محمد- خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى إذا كان الغد، ثم قال له: ما عندك يا ثمامة ؟ فأعاد مثل هذا الكلام، فتركه حتى كان بعد الغد فذكر مثل هذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أطلقوا ثمامة . فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل فيه، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسول) وساق الحديث. قال عيسى أخبرنا الليث وقال: ذا ذم ]. أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل بعثاً قبل نجد فجاءوا بثمامة بن أثال وهو سيد أهل اليمامة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بربطه في سارية من سواري المسجد، ثم جاء إليه وقال: [ (ماذا عندك يا ثمامة ؟ فقال: عندي -يا محمد- خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت) ]. قوله: [ (عندي خير)] فسر هذا الخير الذي عنده بقوله: [ (إن تقتل تقتل ذا دم) ] يعني: يستحق القتل، وفي رواية أخرى: [ ذا ذم ] أي: ذا ذمة أو ذمام. [ (وإن تنعم تنعم على شاكر) ] يعني: شاكر لك عفوك وإحسانك. فتركه ثم أعاد عليه مرة ثانية ثم الثالثة وهو يجيب جواباً واحداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ (أطلقوا ثمامة) ] ، فلما أطلقوه ذهب إلى نخل فيه ماء واغتسل وجاء وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأسلم. والمقصود من إيراد الحديث أنه ربط وأوثق، وفي الحديث دليل على اغتسال الكافر عند إسلامه، وذلك لأن الكفار لا يتطهرون، ويباشرون النجاسات، ولا يلتزمون بالأحكام الشرعية مثل الاغتسال من الجنابة وما إلى ذلك، فذهب واغتسل ثم جاء وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ثم إنه ذهب واعتمر، ولما رأه أهل مكة من الكفار قالوا: صبأت . فأخبرهم أنه أسلم وأنه هداه الله، وأن الميرة التي تأتيهم من نجد سيمنع مجيئها إليهم إلا إذا أذن محمد صلى الله عليه وسلم. فالحاصل أن هذا الرجل أسلم رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ومحل الشاهد من ذلك كونه ربط في سارية من سواري المسجد. والحديث فيه جواز دخول الكافر المسجد، ولكن ذلك ليس على إطلاقه، وإنما للحاجة. والكافر ليست ذاته نجسة، بمعنى أن من يلمسه عليه أن يغسل يده، وإنما نجاسة الكفار نجاسة حكمية، وهي نجاسة الكفر، وأما أبدانهم فمن لمسها أو صافح إنساناً منهم فلا يغسل يديه من أجل المصافحة أو لأنه لمس شيئاً نجساً؛ لأن النجاسة حكمية.

تراجم رجال إسناد حديث قصة أسر ثمامة بن أثال وإسلامه رضي الله تعالى عنه

قوله: [ حدثنا عيسى بن حماد المصري ]. عيسى بن حماد المصري الملقب بـ زغبة وهو ثقة، أخرج له مسلم و أبو داود و النسائي و ابن ماجة . [ و قتيبة ]. قتيبة بن سعيد مر ذكره. [ قال قتيبة : حدثنا الليث ] الليث بن سعد مر ذكره. [ عن سعيد بن أبي سعيد ]. هو سعيد بن أبي سعيد المقبري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ أنه سمع أبا هريرة ] هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ، وقد مر ذكره. وهذا الإسناد رباعي؛ لأن قتيبة و عيسى بن حماد في طبقة واحدة.

شرح حديث ربط يدي سهيل بن عمرو إلى عنقه بعد أسره يوم بدر


قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن عمرو الرازي حدثنا سلمة -يعني ابن الفضل - عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة قال: (قدم بالأسارى حين قدم بهم وسودة بنت زمعة عند آل عفراء في مناخهم على عوف و معوذ ابني عفراء، قال: وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب، قال: تقول سودة : والله إني لعندهم إذ أتيت فقيل: هؤلاء الأسارى قد أتي بهم. فرجعت إلى بيتي ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه، وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل.)ثم ذكر الحديث ]. أورد أبو داود حديث: [ يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة قال: [ (قدم بالأسارى حين قدم بهم وسودة عند آل عفراء في مناخهم) ] فلما رجعت إلى بيتها وجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأت أبا يزيد سهيل بن عمرو مجموعة يداه إلى عنقه أي أنه قد أوثق. والشاهد منه إيثاق الأسارى، وأنهم يوثقون، لكون سهيل قد جمعت يداه إلى عنقه، أي: قد أوثق بالقيد. وقوله: [ ثم ذكر الحديث ] يشير إلى أن فيه اختصاراً. والحديث ضعيف لأن فيه انقطاعاً، وقد يكون -أيضاً- ضعفه من جهة سلمة بن الفضل ، وقد ضعف الحديث الشيخ الألباني .

تراجم رجال إسناد حديث ربط يدي سهيل بن عمرو إلى عنقه بعد أسره يوم بدر

قوله: [ حدثنا محمد بن عمرو الرازي ]. محمد بن عمرو الرازي ثقة، أخرج له البخاري و مسلم و أبو داود و ابن ماجة. [ حدثنا سلمة -يعني ابن الفضل - ]. سلمة بن الفضل صدوق كثير الخطأ، أخرج له أبو داود و الترمذي و ابن ماجة في التفسير. [ عن ابن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر ]. ابن إسحاق مر ذكره، وعبد الله بن أبي بكر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة ]. يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة ثقة، أخرج له مسلم و أبو داود .
الأسير ينال منه ويضرب ويقرر


شرح حديث ضرب الصحابة عبد بني الحجاج للاستعلام عن عير أبي سفيان


قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الأسير ينال منه ويضرب ويقرر. حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن ثابت عن أنس رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب أصحابه فانطلقوا إلى بدر فإذا هم بروايا قريش فيها عبد أسود لبني الحجاج فأخذه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجعلوا يسألونه: أين أبو سفيان ؟ فيقول: والله ما لي بشيء من أمره علم، ولكن هذه قريش قد جاءت فيهم أبو جهل و عتبة و شيبة ابنا ربيعة و أمية بن خلف ، فإذا قال لهم ذلك ضربوه، فيقول: دعوني دعوني أخبركم. فإذا تركوه قال: والله ما لي بأبي سفيان من علم، ولكن هذه قريش قد أقبلت فيهم أبو جهل و عتبة و شيبة ابنا ربيعة و أمية بن خلف قد أقبلوا والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي وهو يسمع ذلك، فلما انصرف قال: والذي نفسي بيده! إنكم لتضربونه إذا صدقكم وتدعونه إذا كذبكم، هذه قريش قد أقبلت لتمنع أبا سفيان . قال أنس : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هذا مصرع فلان غداً. ووضع يده على الأرض، وهذا مصرع فلان غداً. ووضع يده على الأرض، وهذا مصرع فلان غداً. ووضع يده على الأرض. فقال: والذي نفسي بيده! ما جاوز أحد منهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذ بأرجلهم فسحبوا فألقوا في قليب بدر) ]. أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي [ باب في الأسير ينال منه ويضرب ويقرر ]. يعني أن ذلك سائغ عند الحاجة إلى ذلك، وهو كونه يضرب وينال منه ويقرر ويستجوب ويسأل عن أخبار العدو وعمّا وراءه، كل ذلك لا بأس به عند الحاجة. وأورد أبو داود حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذهب هو وأصحابه إلى بدر لأجل أخذ العير التي جاء بها أبو سفيان من الشام إذا هم بروايا قريش فيها عبد أسود لبني الحجاج. والروايا: جمع راوية، وهي القِرَب التي تحمل على الإبل للسقي. فسألوا هذا العبد عن أبي سفيان ، و أبو سفيان هو الذي جاء من الشام، فأخبرهم بأن قريشاً قد جاءت فيها فلان وفيها فلان وفيها فلان، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي ويسمع كلامه وكلامهم، فضربوه، فكان إذا قال: دعوني أخبركم تركوا الضرب، فيقول لهم: مثل الكلام الذي قاله أولاً، وكان صادقاً في إخباره عن الجماعة الذين جاءوا ليدافعوا عن عير أبي سفيان وليقاتلوا الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعهم، فلما سلم قال: [ (إنكم لتضربونه إذا صدقكم وتدعونه إذا كذبكم) ]. يعني: إذا قال دعوني أخبركم تركوه، وهو ليس عنده خبر عن الشيء الذي يريدونه بالنسبة لعير أبي سفيان ، ولكن كان عنده الخبر عن قريش. فالمقصود من هذا أنهم كانوا يضربونه والرسول صلى الله عليه وسلم ما نهاهم عن الضرب، أي: أقرهم على ذلك، وما قال: لا تفعلوا. فدل هذا على جواز ضرب الأسير أو الشخص الذي يحتاج إلى ضربه من أجل استخراج شيء منه يفيد المسلمين ضد أعدائهم. وفيه دليل على أن الإنسان إذا كان يصلي فإنه يمكنه أن يسمع الكلام الذي يجري حوله بحيث لا يشغله عن صلاته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمع الذي يقول لهم، وبعدما صلى أخبرهم بأن شأنه أنه إذا صدقكم ضربتموه وإذا كذبكم تركتموه ولم تضربوه. وقوله: [ قال رسول صلى الله عليه وسلم: (هذا مصرع فلان غداً) ]. معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار لهم في الأرض إلى مصارع هؤلاء الكفار الذين هم صناديد قريش وكفار قريش ومقدموهم. فلما جاءت الوقعة ما تجاوز كل واحد منهم المكان الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا من علامة نبوته ودلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، حيث يخبر عن الشيء المستقبل فيقع طبقاً لما أخبر به صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. ثم إنه أمر بهم فسحبوا وألقوا في قليب في بدر، والقليب هي البئر المحفورة غير المطوية، فسحبوا وألقوا في هذه القليب.

تراجم رجال إسناد حديث ضرب الصحابة عبد بني الحجاج للاستعلام عن عير أبي سفيان


قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن ثابت ]. موسى بن إسماعيل مر ذكره، و حماد مر ذكره، و ثابت هو ابن أسلم البناني ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن أنس ]. هو أنس بن مالك رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. والإسناد من الأسانيد العالية عند أبي داود ، وهي الرباعيات.
إكراه الأسير على الإسلام


شرح حديث بيان سبب نزول قوله تعالى: ( لا إكراه في الدين )


قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الأسير يكره على الإسلام. حدثنا محمد بن عمرو بن علي المقدمي قال: حدثنا أشعث بن عبد الله -يعني السجستاني - ح وحدثنا ابن بشار قال: حدثنا ابن أبي عدي - وهذا لفظه -، ح وحدثنا الحسن بن علي قال: حدثنا وهب بن جرير عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (كانت المرأة تكون مقلاة فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا. فأنزل الله عزوجل: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ [البقرة:256]). قال أبو داود : المقلاة التي لا يعيش لها ولد ]. أورد أبو داود [ باب في الأسير يكره على الإسلام ] أي أنه لا يكره، فالأسير لا يكره فيقال له: إما أن تسلم وأما أن نقتلك، ليس هذا من حكم الإسلام، وإنما يوثق ويصير عبداً بين مسلمين يشاهد أحكام الإسلام وأعمال الإسلام، فيكون ذلك سبباً في إسلامه, فما دام أن المسلمين قد تمكنوا منه فإنه يصير تحت إمرتهم وتحت سلطتهم وتحت تصرفهم، فيكون رقيقاً مملوكاً يتصرفون فيه كيف يشاءون، ثم يكون وجوده بين المسلمين سبباً في إسلامه، فالمقصود هو الهداية وليس المقصود القتل. ولكن كون المسلمين يذهبون إلى بلاد الكفار ويغزونهم ويقاتلونهم على أن يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية ويكونوا تحت حكم الإسلام هذا هو حكم الإسلام، ومعنى هذا أن فيه جهاداً وفيه انتقال المسلمين من بلادهم إلى بلاد الكفار يغزونهم، فيدعونهم إلى الإسلام، وإلى أن يدخلوا تحت لوائه أو يعطوا الجزية ويكونوا تابعين للمسلمين يعاملهم المسلمون المعاملة التي جاء بها الإسلام. وأما أن يكون عندهم كافر أسير فيخيرونه بين القتل أو الإسلام فليس الأمر الشرعي كذلك؛ لأنه ما حصل إلزام الأفراد الذين عاشوا تحت حكم الإسلام مأسورين، وكذلك الذين أعطوا الجزية عن يد وهو صاغرون، فهؤلاء ما أكرهوا على الإسلام بحيث يلزم الإنسان منهم بأن يسلم وإلا قتل، بل إن أسلم فالحمد لله، وإلا فإنه يعطي الجزية ويكون تحت حكم الإسلام، وإعطاؤه الجزية وبقاؤه تحت حكم الإسلام ومشاهدته أحكام الإسلام من أسباب دخوله في الإسلام. فإكراه الأسير على الإسلام لا يجوز. وهنا أورد أبو داود حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه في سبب نزول قوله تعالى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ [البقرة:256] أن الأنصار كانوا في المدينة ومعهم اليهود، وكانت المرأة تكون مقلاة لا يعيش لها ولد، فتنذر أنَّه إن جاءها ولد فإنها ستهوده، أي: تجعله يهودياً. والأنصار الذين كانوا في المدينة من الأوس والخزرج أصلهم من أزد اليمن من العرب. فكانت المرأة تنذر بأن تهود ابنها، فيكون يهودياً وينشأ على أنه يهودي، واليهود كانوا معهم في المدينة، فلما أجلي بنو النضير قال الأنصار: لا ندع أبناءنا الذين قد هودوا بسبب هذا النذر الذي يحصل من المرأة المقلاة. فأنزل الله: (( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ )) يعني أنه لا يكره الشخص على الإسلام وعلى أن يدخل في الإسلام. وأنزل الله عز وجل: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ [البقرة:256]، فهذا هو معنى الآية، وليس معناها أن الكفار لا يُجَاهدون ولا يُغزون في بلادهم، وعلى هذا فلا تنافي بين ما جاء في القرآن من الأمر بقتال الكفار، كقوله تعالى: فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة:5]، وقوله تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال:39]، لا تنافي بين ذلك وبين هذه الآية التي هي قوله تعالى: (( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ))، وتكون الآية محمولة على مثل من نزلت فيهم، وهم الذين كانوا أبناء مشركين ولكنهم تهودوا، فلا يكرهوهم على الإسلام فيلزموهم بالإسلام أو القتل؛ لأنهم لو أكرهوهم فيمكن أن يظهروا الإسلام علناً وهم يبطنون الكفر، فلا يكون هناك فائدة من وراء هذا الإكراه. فتكون الآية محمولة على مثل من نزلت فيهم، وآيات الأمر بالقتال للمشركين على ما هي عليه، وهي أن المسلمين يذهبون إلى بلاد الكفار فيغزونهم ويقاتلونهم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً وقال: (اغزوا باسم الله، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله). فتحمل الآيات والأحاديث التي في القتال على غزو الكفار والذهاب إليهم ليدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ويحكم الإسلام بلادهم، ويكون الإسلام ظاهراً عالياً على الأديان، ويكونون تحت لوائه، فيشاهدون أحكام الإسلام وفضله، فيكون ذلك سبباً في إسلامهم، والآية (( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ )) تكون في مثل هؤلاء. وليس الأمر كما يفعله بعض الناس في هذا الزمان حين انهزموا في نفوسهم، فأرادوا أن يعتذروا للإسلام أمام الكفار بأنَّ الإسلام ليس فيه هجوم وليس فيه ذهاب إلى الكفار من أجل دعوتهم إلى الإسلام، وإنما الجهاد في الإسلام للدفاع! هكذا يقول بعض الناس في هذا الزمان، فكثير من الناس يقولون: الجهاد للدفاع. ونقول: كيف يكون الجهاد للدفاع والصحابة كانوا يذهبون إلى الكفار في بلادهم ويغزونهم في بلادهم، وكذلك من بعدهم، والرسول صلى الله عليه وسلم جهز الجيوش وقال: (اغزوا باسم الله، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله)، والصحابة ذهبوا إلى الفرس والروم، مع أن الفرس والروم ما هاجموا المدينة وما جاءوا إلى المدينة حتى يدافع الصحابة عن أنفسهم، وإنما ذهبوا إليهم في بلادهم لإخراجهم من الظلمات إلى النور بأن يسلموا، أو يدخلوا تحت حكم الإسلام فيشاهدون أحكام الإسلام فيكون ذلك سبباً في إسلامهم؟! وهل يُظن أن الذين ذهبوا إلى إفريقيا حتى وصلوا إلى المحيط الأطلسي ذهبوا ليدافعوا عن الإسلام أو ليدافعوا عن المسلمين؟! إنما كانوا يذهبون إلى الكفار ويدعونهم إلى الإسلام، لكن لما ضعف المسلمون في هذا الزمان وصار الكفار متغلبين صار بعض المسلمين يزعم أن الجهاد إنما هو للدفاع فقط، وأن الكفار لا يغزون ولا يذهب إليهم في بلادهم، ولا إكراه في الدين، فصارت آية (لا إكراه في الدين) هي عندهم كل شيء، والآية إنما جاءت في مثل هذه الصورة التي ذكرت، وهي أن المرأة كانت تكون مقلاة، فتنذر إن عاش لها ولد فإنها ستهوده، ثم لما أجلي بنو النضير وكان أبناء الأنصار اليهود معهم كانوا يكرهونهم على الإسلام حتى يبقوا معهم، فنزلت الآية: (( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ )). إذاً الآية لها معنىً يخصها، وتلك الآيات لها معانٍ، ولا تنافي بين ما في آيات قتال الكفار حتى يكون الدين كله لله وبين آية (( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ))؛ لأنها في مثل من نزلت فيهم، فالمسلمون إذا كان تحت أيديهم كافر فإنه لا يجوز لهم أن يقولوا له: إما أن تسلم وإما أن نقتلك، فهذا إكراه ممنوع وغير جائز، وإنما يغزى الكفار في بلادهم ويقاتلون، فإن دخلوا في الإسلام فالحمد لله، وهذا هو المطلوب، وإن لم يدخلوا طلب منهم إعطاء الجزية ويتولى عليهم المسلمون، ويكون ذلك سبباً في إسلامهم بأن يشاهدوا أحكام الإسلام وتعاليم الإسلام.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.35 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.72 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.48%)]