الموضوع: زاد الداعية
عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 19-04-2025, 12:48 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,445
الدولة : Egypt
افتراضي رد: زاد الداعية

زاد الداعية (8)

صلاح صبري الشرقاوي



بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:
فدونك أيها القارئ الكريم المحور الثامن من محاور زاد الداعية، أسأل الله أن ينفع به فتأمله.

لا تتعَجَّل قطف الثمار؛ فمَن تعَجَّل شيئًا قبل أوانه عُوقِب بحرمانه.

بعض السالكين لطريق الدعوة يتعَجَّل أن يرى أثر دعوته في هداية الناس، فإن لم يجد لذلك أثرًا انقطع وتوارى ونسي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويأتي النبي وليس معه أحد".

أيها الموفق، أنت مطالب ببذل الجهد والبذر، وأما الثمرة فهي من عند الله ﴿ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ﴾ [الواقعة: 64] ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [القصص: 56].

وتأمل هذا الكلام البديع لابن القيم في بيان سِرِّ هداية الله لخلقه (نجائب النجاة مُهيَّأة للمراد، وأقدام المطرود موثوقة بالقيود هبَّت عواصف الأقدار في بيداء الأكوان، فتقلب الوجود ونجم الخير، فلما ركدت الريح إذا أبو طالب غريق في لجة الهلاك، وسلمان على ساحل السلامة، والوليد بن المغيرة يقدم قومه في التيه، وصهيب قد قدم بقافلة الروم، والنجاشي في أرض الحبشة، يقول: لبيك اللهم لبيك، وبلال ينادي: الصلاة خير من النوم، وأبو جهل في رقدة المخالفة: لما قضي في القدم بسابقة سلمان عرض به دليل التوفيق عن طريق آبائه في التمجس، فأقبل يناظر أباه في دين الشرك، فلما علاه بالحجة لم يكن له جواب إلا القيد، وهذا جواب يتداوله أهل الباطل من يوم حرَّفوه، وبه أجاب فرعون موسى: ﴿ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي ﴾ [الشعراء: 29]، وبه أجاب الجهمية الإمام أحمد لما عرضوه على السياط، وبه أجاب أهل البدع شيخ الإسلام حين استودعوه السجن، وها نحن على الأثر فنزل به ضيف «ولنبلونكم»، فنال بإكرامه مرتبة: «سلمان مِنَّا أهل البيت»، فسمع أن ركبًا على نية السفر، فسرق نفسه من أبيه ولا قطع، فركب راحلة العزم يرجو إدراك مطلب السعادة، فغاص في بحر البحث ليقع بدرة الوجود، فوقف نفسه على خدمه الأدلاء وقوف الأذلاء، فلما أحَسَّ الرهبان بانقراض دولتهم سلموا إليه أعلام الإعلام على نبوة نبينا، وقالوا: إن زمانه قد أظل فاحذر أن تضل، فرحل مع رفقة لم يرفقوا به ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ ﴾ [يوسف: 20]، فابتاعه يهودي بالمدينة، فلما رأى الحرة توقد حرًّا شوقه ولم يعلم رب المنزل بوجد النازل، فبينا هو يكابد ساعات الانتظار قدم البشير بقدوم البشير، وسلمان في رأس نخلة وكاد القلق يلقيه لولا أن الحزم أمسكه كما جرى يوم ﴿ إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا ﴾ [القصص: 10]، فعجل النزول لتلقي ركب البشارة، ولسان حاله يقول:
خليليَّ من نجد قفا بي على الرُّبا
قد هبَّ من تلك الديار نسيم




فصاح به سيده: ما لك؟ انصرف إلى شغلك، فقال: كيف انصرافي ولي في داركم شغلي؟ ثم أخذ لسان حاله يترنم لو سمع الأطروش «الأطرش الذي لا يسمع»:
خليليَّ لا والله ما أنا منكما
إذا علم من آل ليلى بدائيا




فلما لقي الرسول عارض نسخة الرهبان بكتاب الأصل فوافقه، يا محمد أنت تريد أبا طالب ونحن نريد سلمان. أبو طالب إذا سئل عن اسمه قال: عبد مناف. وإذا انتسب افتخر بالآباء، وإذا ذكرت الأموال عد الإبل، وسلمان إذا سئل عن اسمه قال: عبد الله، وعن نسبه قال: ابن الإسلام، وعن ماله قال: الفقر، وعن حانوته قال: المسجد، وعن نسبه قال: الصبر، وعن لباسه قال: التقوى والتواضع، وعن وساده قال: السهر، وعن فخره قال: سلمان منا، وعن قصده قال: يريدون وجهه، وعن سيره قال: إلى الجنة، وعن دليله في الطريق قال: إمام الخلق وهادي الأئمة.
إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا
وإن نحن أظللنا الطريق ولم نجد
كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديًا
دليلًا كفانا نور وجهك هاديا


الفوائد.
فتأمل أنت تريد أبا طالب ونحن نريد سلمان لتعرف أنه قد يبدو لنظرك أن فلانًا يستحق الهداية، والله يعلم أنه لا يستحقها، وقد ترى إنسانًا تظنه شقيًّا والله يعلم من حاله أنه سيهتدي؛ فما عليك إلا البذر ﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ﴾ [الأعراف: 58].

قد لا تتحقق ثمرة دعوتك إلا بعد سنين طويلة؛ فنبيُّ الله نوح قضى تسعمائة وخمسين سنة وما آمن معه إلا قليل، وقد لا تتحقق ثمرة دعوتك إلا بعد موتك، فطفل الأخدود استُشهد ولم يسمع قول قومه: آمنا برب الغلام، وسيد ولد آدم مات، والإسلام لم يخرج من الجزيرة إلا ما كان من إرسال الكتب للملوك، ثم تحقَّقت نبوءته في بلوغ الإسلام مبلغ الليل والنهار، وكم من عالم مات ولم ينتشر علمه إلَّا بعد سنوات متطاولة، فلا يصدنَّك عن مواصلة الطريق قلة الحضور لك أو قلة المتفاعلين مع منشوراتك على وسائل التواصل، فإن هذا يقدح في الإخلاص.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 18.95 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 18.33 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.31%)]