وقفات مع القرآن: وقفة مع آية (9)
د. حسام العيسوي سنيد
قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 264].
بيَّن الله عزَّ وجلَّ في هذه الآية صنفًا من الناس لا يَقصِد بإنفاقه وجه الله، بل الغرض: ثناء الناس عليه[1]، وضرب الله عزَّ وجلَّ لهذا الصنف مثلًا، فهو "كمثل الحجر الأملس الذي عليه شيء من التراب، يَظُنُّه الظانُّ أرضًا طيبة مُنبتة... فإذا أصابه مطرٌ شديد أذهب عنه التراب، فيبقى صلدًا أملس، ليس عليه شيء من الغبار أصلًا، كذلك هذا المنافق: يظن أن له أعمالًا صالحة، فإذا كان يوم القيامة اضمحلَّت وذهبت أصلًا، ولهذا قال تعالى: ﴿ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ﴾؛ أي: لا يجدون له ثوابًا في الآخرة، فلا ينتفع بشيءٍ منه أصلًا[2].
وقد بيَّن (صلى الله عليه وسلم) خُطورة الرياء في أحاديث كثيرة، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَن عمِل عملًا، أشرَك فيه معي غيري تركتُه وشِرْكَه"[3]، وعن جندب بن عبد الله بن سفيان (رضي الله عنه) قال: قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "من سمَّع سمَّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به"[4]، ومعنى سمَّع: أظهَر عملَه للناس رياءً، ومعنى سمَّع الله به: فضَحه يوم القيامة، ومعنى راءَى: أظهَر للناس العمل الصالح ليَعظُم عندهم، ومعنى راء الله به: أظهَر سريرته على رؤوس الخلائق.
وقد يتوهَّم البعض أن هناك أعمالًا يَظُنُّها رياءً وليست رياءً؛ فعن أبي ذر (رضي الله عنه) قال: قيل لرسول الله (صلى الله عليه وسلم): أرأيت الرجلَ الذي يعمَل من الخير، ويَحمَدُه الناس عليه؟ قال: "تلك عاجلُ بُشرى المؤمن"[5].
[1] انظر: الصابوني، صفوة التفاسير، (1/ 168).
[2] المرجع السابق، (1/ 169).
[3] رواه مسلم.
[4] متفق عليه.
[5] رواه مسلم.