الموضوع: نفحات رمضانية
عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 25-03-2025, 12:35 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,370
الدولة : Egypt
افتراضي رد: نفحات رمضانية

نفحات رمضانية (الجزء الثالث)

أ. د. زكريا محمد هيبة


نفحات رمضانية (10)
في رمضان، حيث طقوس السحور والإفطار، يأتي طبق الفول المدمس كأحد الأطباق الرئيسة على السفرة المصرية، وقد أتى هذا الحضور الطاغي لبقائه في المعدة فترة طويلة، ومن ثمَّ يقلل من شعور الصائم بالجوع، كما أنه طبق اقتصادي.

وقد أقبل المصريون بكل طبقاتهم عليه، بمن فيم الملك فاروق؛ فقد كان مطعم "علي العاصي" بدمنهور يرسل يوميًّا للقصر الملكي "قِدْرًا من الفول" -القِدْر كان من الفضة، ليس من النحاس أو الألمونيوم- يكشف عليه طبيب بيطري، ثم يُشمَّع بالشمع الأحمر ويُنقل بالقطار. وعندما ولد الأمير أحمد فؤاد، أهدى الحاج "علي العاصي" للملك فاروق قدرة من الفول المدمس من الذهب تزن 460 جرامًا، والقدرة موجودة الآن في متحف قصر المنتزه.

يبدو أننا قد نقلناه من طبق اقتصادي إلى طبق أرستقراطي بامتياز، لكن ما لنا والملوك!

المهم أننا جعلناه من الأطباق الرئيسة على سفرة السحور (ولا تغتر بجمع الأطباق هذه، فالخبز له طبق، والفول له طبق، والعرب تعتبر المثنى بداية الجمع) ما علينا، فالخير كثير ولله الحمد والمنة، المهم يا سيدي، كل يوم مع السحور ادخل على طبق الفول دخول الفهد على فريسته، في حين بقية فريق السحور دخولهم خجل قياسًا بالفهد، أقصد بي.

بعد مرور أسبوع، لاحظت شيئًا غريبًا اعتراني، فقد استغلقت عليَّ كثير من الأفكار، ويبست يدي من الكتابة إلا قليلًا، أرجعت ذلك للصيام، واضطراب الساعة البيولوجية الخاصة بمعدتي، فأنا لا آكل في المساء في غير رمضان، وها أنا قد جعلت سحوري كفطوري؛ إذًا الأمر يرجع إلى السحور، فلو لم أتسحر؛ لربما فتحت الكتب لي مغاليقها، وجرت يدي في الكتابة كما العادة؛ لكن ماذا أفعل في أيام البرد هذه، أمن أجل قراءة أو كتابة أترك بطني تقرقع جوعًا؛ إن هذا لشيء عجاب!

لكن لسبب مجهول غاب الفول عن السحور في أحد الأيام، فأصبح اليوم الذي ملؤه العطاء؛ قراءة وكتابة. وبعدها عاد الفول للسفرة؛ فغابت الفكرة.

قررت أن أتبع المنهج العلمي، من خلال الملاحظة -وإلا ما معنى أن تكون أستاذًا جامعيًّا-؛ فحيّدت المتغيرات وأبقيت متغيرًا واحدًا وهو الفول.

وفي النهاية، توصلت إلى أن ثمة علاقة -طردية وعكسية- بين الفول والعطاء الفكري؛ فكلما حضر الفول زاد الخمول، وقلت الفكرة، وبغيابه على السفرة يتلاشى الكسل، وتحضر الأفكار!

شعرت بانتشاء شديد بوصولي لتلك النتيجة، وتذكرت ما كنت قرأته أن بعض الكُتَّاب قد زعموا أن الشاعر الكبير أبا العلاء المعري إنما شك؛ لأنه أسرف في أكل العدس والزيت، فساء هضمه، وتبع ذلك سوء رأيه في الحياة.

ولما كان الفول الشقيق الأكبر للعدس؛ فإن بينهما سمات مشتركة في التأثير، وإذا كان مفعول العدس بهذا الشكل العميق على شاعرنا المعري، فإن الأخ الأكبر يتوقع أن يكون أثره أعظم.

فها هي استنتاجاتي تتقاطع وتلتقي مع ما آلت إليه نتائج كبار العلماء. ثم تنطعت، وقلت لنفسي: ليس أبو العلاء وحده فيلسوفًا وحكيمًا، ولستُ أقلَّ منه، وفجأة طرق ذهني طارق؛ أنا كتاباتي وقراءاتي تتركز بعد العشاء وحتى السحور، فلا دخل إذًا للفول الذي ينقضي أثره ومفعوله قبل الإفطار! فإذ بملاحظاتي وفروضي البحثية ونتائجي وتبجُّحي وتنطُّعي وغروري، الكل يسقط على رأسي كدُش بارد في شهر ديسمبر؛ فيحفظ للفول والعدس كليهما مكانته في عالم البروتين، فهذا الفول -مهضوم- الحق، والمهضوم في المعدة أيضًا؛ يمكن أن يكون بديلًا عن اللحوم، وهو يفيد في تقوية الشَّعر والجلد والمخ والقلب والعضلات، وكذا الأسنان والعظام، ويقي من الإصابة من الأنيميا، والحد من تداعيات الشيخوخة، ويضبط مستوى السكر، ويقي من الإمساك، ويخفض من مستويات الكوليسترول الضار، وكذا الدهون الثلاثية.

فوجدتني بعد هذه الفوائد الجمة، أقول بكل ثقة: "يسقط المعري ويحيا الفول".

نفحات رمضانية (11):
"النظرة سهم مسموم من سهام إبليس"، شرها عظيم، وإثمها كبير، وأثرها ممتد؛ تترك صاحبها نهبًا لخيالاته المريضة، فيستلذ ما حرم الله على حساب من أحل له، فيصير أمره كالحيوان الضال.

إِنَّ الرِّجَالَ النَّاظِرِينَ إِلَى النِّسَا
مِثْلُ الْكِلابِ تَطُوفُ بِاللُّحْمَانِ




وهي من جملة الفضائل الإنسانية التي تدلل على سوية الفطرة؛ لذا رأينا العربي القديم في الجاهلية قادته حكمته إلى احترام حرمة جارته؛ عرفًا وليس ديانة، فهذا عنترة بن شداد يقول مفتخرًا بفضائله:
وأَغُضُّ طرفي ما بدَتْ لي جارَتي
حتى يُواري جارتي مأْواها




وفوق أن غض البصر من شيم نبلاء الرجال، فهو أمر رباني، قال تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾ [النور: 30] ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ﴾ [النور: 31].

والأمر هنا للنظر المباشر، أو عبر الفيديو والصورة، تلك التي ابتلينا بها في وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع المختلفة.

فمن حفظ بصره أرضى ربَّه، وأراح قلبه، وزكَّى نفسه، وحفظ فرجه. كما أنه دين بين؛ فمن يغض بصره عن محارم الناس، غض الناس أعينهم عن محارمه؛ ففي الحديث الصحيح "مَن تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيه المسلمِ، تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَه، ومَن تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَه، يَفْضَحْهُ ولو في جوفِ بيتِه".

نسأل الله الستر على جميع بيوتنا.

نفحات رمضانية (12):
أين أنت يا رمضان؟
حينما كنت على مشارف الشباب، ونجحت في الشهادة الإعدادية، التحقت بالقسم العلمي، بناءً على رغبة والدي -رحمه الله- فقد كان يريدني طبيبًا، لكنني كنت أريد شيئًا آخر، فلم تستهوِني دروس العلوم، كما أخذني الأدب والتاريخ؛ فقررت أن أقوم بتحويل مساري للقسم الأدبي.

ذهبت للمنسق المسؤول، فأخبرني بأن وقت التحويل انتهى، ولا يمكنني أن أحوِّل للمسار الأدبي إلا في حالة واحدة؛ إيجاد طالب في المسار الأدبي يريد أن يحوِّل للعلمي، فنتبادل المواقع.

تصادفت مع زميلي الذي كنت أتقاسم معه مقعد الدراسة في الصف الثالث الإعدادي، فكان قد التحق بالأدبي، ويريد هو الآخر أن يلتحق بالعلمي، فذهبنا معًا للمنسق وتم التحويل.

تمرُّ السنون، وبينما كنت في الدراسات العليا بجامعة الأزهر، اضطررت للذهاب لكلية طب الأسنان لعلاج سني، دخلت للطبيب المعالج، فأخذت أحدثه عن ضرورة العناية بأسناني، وأن أكون بالنسبة له حالة استثنائية، فلي عليه أيادٍ سابقة. ثم ضحكنا ضحك طفلين معًا.

أراك توقعته من يكون هذا الطبيب!

نعم هو! هذا الزميل الذي تبادلت معه التحويل من العلمي للأدبي. إنه العزيز الدكتور/ رمضان يوسف رمضان أبو شهبة.

كلانا أخذ قراره، وعمل على ما أراد وأحب، فنجح في مجاله. إن قراراتنا هي وحدها ما يحدد مكاننا في المستقبل، وكل شخص يضبط بوصلته وفقًا لتوجُّهه الذهني، ومن ثم يتحرك بموجبه.

وبعد انقطاع لأكثر من عقدين من الزمان، وجدتني أبحث عن صديقي القديم؛ فأين أنت يا رمضان؟

#يا ليت من يعرف رقم الدكتور رمضان يتحفني به#

نفحات رمضانية (13):
والصدقة سواء أكانت سرًّا أم علانية فيها الخير العظيم، قال تعالى: ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ [البقرة: 271].

فإظهار الصدقة فيها خير للفقراء، حتى لو كان باعثه الظهور؛ حيث يحرض ذلك البخلاء والممسكين على أن ينفقوا، فيعم النفع على الفقراء.

أما إن كانت صدقتك سرًّا؛ فهذا خير لك، ففي الحديث الشريف "صدقةُ السرِّ تطفئُ غضبَ الربِّ".

فتصدَّقوا في هذه الأيام الفضيلة، و"اتقوا النار ولو بشق تمرة". أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

نفحات رمضانية (14):
أيهما أعجب؟

من جميل ما وصلني، قصة هذا الجمل الذي باعه صاحبه، وحينما ذهبوا به للمسلخ ليذبحوه؛ أبى الدخول، وباءت كل المحاولات بالفشل! فجاء رجل ذو خبرة، وطلب منهم إحضار صاحب الجمل علَّه يساعدهم في إدخاله، حينما جاء الرجل، أمسك بخطامه واقتاده، والجمل يتبعه بكل يسر، فأسرعوا بسكاكينهم لكي ينحروه، لكن صاحب الجمل كان له رأي آخر، قال لهم: كيف أغدر بمن وثق بي وخطى بخطاي؟

ثم أعطاهم ما دفعوه، وأقسم أنه لن يبيع من وثق به وائتمنه على روحه.

أعرف أناسًا باعوا أصحابهم في أول الطريق، نظير كسب نقطة عند بعض من يظنون أنهم سيأخذون بأيديهم إلى سُلَّم الترقي.

وإن كنت أجد تفسيرًا عند أمثال هؤلاء -الذين يتكسبون بمواقفهم- فلا أجد مبررًا لأفعال أقل ما توصم به بأنها صغيرة، لأناس لا مكسب لهم جرَّاء ما يصنعون.

اتصل بي -وصِلَتي به ضعيفة- طالبًا التوسط للصلح بينه وبين آخر، أخذت أُلطِّف الأجواء بينهما، مؤكدًا على عمق صلتهما ببعضهما، وأن ما بينهما من عِشرة يتحتم عليه المسامحة. وبينما الحديث جارٍ بيننا؛ إذ برسالة صوتية على هاتفي تشعرني بأن الطرف الآخر يقوم بتسجيل المكالمة!

سرحت بعيدًا عن شكواه الرعْناء، تلك التي كانت قبل قليل استجيب معها بتعاطف، محاولًا إيجاد مبرر مقنع أو غير مقنع لهذا الذي يحدث، لكنني عجزت، أكمل حديثه بنصف عقل مني، وأصلحت بينهما بكل حب، لكن الدهشة لم تفارقني!

وَأَعجَبُ مِنّي كَيفَ أُخطِئُ دائِمًا
عَلى أَنَّني من أَعرَفِ الناسِ بِالناسِ




وبالمقارنة بين الفعلين: من الجمل والمتصل بي؛ ازداد حبي للإبل، وتذكرت أنني قد اصطحبت من مكتبتي بالسعودية كتابًا كبيرًا عن الإبل، سأحاول البحث عنه بين كتبي المتناثرة والموزعة في أماكن ثلاثة: العريش وكفر الشيخ ومسير. لكني رأيت الأكثر غرابة نفوس البشر، هي التي تحتاج إلى مجلدات حتى نستطيع أن نقف على شفير بئرها الغائر.

وما زلت أسأل؛ أيهما أعجب: حسن ظن الجَمل، أم جحود البشر.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.57 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.94 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.56%)]