وقفات مع القرآن: وقفة مع آية (5)
د. حسام العيسوي سنيد
قال تعالى: ﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 184].
ما معنى قوله: ﴿ وَعَلى الذِيْنَ يُطِيْقُوْنَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِيْنٍ فَمَنْ تَطَوَعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُوْمُوْا خَيْرٌ لَكُم ﴾.
توضيح: نحن نعلَم أن الصيام فرضٌ واجبٌ على المستطيع، والفدية لا تكون إلا على مَن يَعجِز عن قضاء الصوم؛ (كالمريض الذي لا يُرجى شفاؤه، والرجل الكبير في السن)، فما معنى ما ذكَره الله في الآية؟
والإجابة: إن الله يتحدَّث في هذه الآية عن مرحلة من مراحل تشريع الصوم، فالصيام شُرع على مرحلتين:
المرحلة الأولى: مرحلة التخيير: أي تخيير المكلَّف الذي يطيق الصوم بين أمرين: الصيام، وهو الأفضل، والإفطار مع الفدية، وهي إطعام مسكين، وهذا هو المقصود بقوله تعالى: ﴿ وَعَلى الذِيْنَ يُطِيْقُوْنَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِيْنٍ فَمَنْ تَطَوَعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُوْمُوْا خَيْرٌ لَكُم ﴾.
المرحلة الثانية: مرحلة الإلزام ونسْخ التخيير الذي رخَّصت فيه الآية السابقة، فقال تعالى: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْر فَلْيَصُمْه وَمَن كَانَ مَرِيْضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَامٍ أُخَرَ ﴾ [البقرة: من الآية 185]، والدليل على ذلك: ما ورَد عن سلمة بن الأكوع قال: لَمَّا نزلت ﴿ وَعَلى الذِيْنَ يُطِيْقُوْنَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِيْنٍ ﴾، كان مَن أراد أن يُفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها نسختها[1].
والمرحلة الثانية الإلزامية جاءت على رُتبتين: الأولى: تشديد عليهم، والثانية: تخفيف ورحمة، فقد كانوا يأكلون ويشربون ويُباشرون نساءهم، ما لم يناموا أو يُصَلُّوا العشاء، فإذا ناموا وصَلَّوْا العشاء، لم يَحل لهم شيءٌ من ذلك إلى الليلة القادمة، فشقَّ ذلك عليهم، وشَكَوْا للنبي (صلى الله عليه وسلم)، فأنزَل الله عزَّ وجلَّ: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 187].
[1] ورد الحديث في الصحيحين.