عرض مشاركة واحدة
  #565  
قديم 27-02-2025, 11:11 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,041
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"
محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ الذاريات
المجلد الخامس عشر
صـ 5526 الى صـ 5535
الحلقة (565)








القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : الآيات 15 الى 19]
إن المتقين في جنات وعيون (15) آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين (16) كانوا قليلا من الليل ما يهجعون (17) وبالأسحار هم يستغفرون (18) وفي أموالهم حق للسائل والمحروم (19)
إن المتقين أي الذين اتقوا الله بطاعته، واجتناب معاصيه في الدنيا، وبتجنب القول بالخرص والتخمين في الأمور الاعتقادية في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم قال ابن جرير: أي عاملين ما أمرهم به ربهم، مؤدين فرائضه. وقال غيره: أي قابلين لما أعطاهم من النعيم الأخروي، راضين به.
وهذا هو الوجه. ولذا قال ابن كثير: والذي فسر به ابن جرير فيه نظر، لأن قوله تبارك وتعالى آخذين حال من قوله في جنات وعيون فالمتقون في حال كونهم في الجنات والعيون، آخذين ما آتاهم ربهم. أي من النعيم والسرور والغبطة.
ثم أشار إلى سر استحقاقهم لذلك بقوله: إنهم كانوا قبل ذلك يعني: في الدنيا محسنين أي قد أحسنوا أعمالهم لغلبة محبة الله على قلوبهم، بظهور آثارها في أفعالهم وأقوالهم، كما بينه بقوله سبحانه كانوا قليلا من الليل ما يهجعون أي كانوا يهجعون هجوعا قليلا. لتقوى نفوسهم على عبادته تعالى، بنشاط.
روى ابن جرير عن أنس في الآية أنهم كانوا يصلون ما بين هاتين الصلاتين، ما بين المغرب والعشاء.
وعن محمد بن علي: كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة.
وعن مطرف: قل ليلة أتت عليهم، إلا صلوا فيها من أولها أو من وسطها.
وعن الحسن قال: لا ينامون من الليل إلا أقله، كابدوا قيام الليل.
وقرأ الأحنف بن قيس هذه الآية فقال: لست من أهل هذه الآية.
وعن الضحاك: أن الوقف على قوله تعالى كانوا قليلا أي أن المحسنين كانوا قليلا ثم ابتدئ فقيل من الليل ما يهجعون و (ما) نافية. أي لا يهجعون.
قال ابن كثير: هذا القول فيه بعد وتعسف.
لطيفة:
في هذه الجملة الكريمة مبالغات في وصف هؤلاء بقلة النوم، وترك الاستراحة.
وذلك ذكر القليل. والليل الذي هو وقت النوم، والهجوع الذي هو الخفيف من النوم، وزيادة (ما) لأنها تدل على القلة. وبالجملة. ففي الآية استحباب قيام الليل، وذم نومه كله. والأحاديث على ذلك كثيرة شهيرة وبالأسحار هم يستغفرون قال القاضي: أي أنهم مع قلة هجوعهم، وكثرة تهجدهم، إذا أسحروا أخذوا في الاستغفار، كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم.
قال الرازي: في الآية إشارة إلى أنهم كانوا يتهجدون ويجتهدون، ثم يريدون أن يكون عملهم أكثر من ذلك، وأخلص منه، فيستغفرون من التقصير. وهذا سيرة الكريم: يأتي بأبلغ وجوه الكرم ويستقله، ويعتذر من التقصير. واللئيم يأتي بالقليل ويستكثره، ويمن به. وفيه وجه آخر ألطف منه: وهو أنه تعالى، لما بين أنهم يهجعون قليلا، والهجوع مقتضى الطبع، قال يستغفرون أي من ذلك القدر من النوم القليل. وفيه لطيفة أخرى نبينها في جواب سؤال: وهو أنه تعالى مدحهم بقلة الهجوع،. ولم يمدحهم بكثرة السهر، وما قال: كانوا كثيرا من الليل ما يسهرون، فما الحكمة فيه؟ مع أن السهر هو الكلفة والاجتهاد، لا الهجوع؟ نقول: إشارة إلى أن نومهم عبادة، حيث مدحهم الله تعالى بكونهم هاجعين قليلا، وذلك الهجوع أورثهم الاشتغال بعبادة أخرى، وهو الاستغفار، في وجوه الأسحار ومنعهم من الإعجاب بأنفسهم والاستكبار.
ثم قال: والاستغفار يحتمل طلب المغفرة بالذكر بقولهم: ربنا اغفر لنا.
وطلب المغفرة بالفعل، أي بالأسحار. يأتون بفعل آخر طلبا للغفران، وهو الصلاة.
والأول أظهر، والثاني عند المفسرين أشهر. انتهى.
ويؤيد الثاني الإشارة إلى الزكاة في الآية بعدها. والزكاة قرينة الصلاة في كثير من الآيات وسر التعبير عن الصلاة بالاستغفار، الإشارة إلى أنه ركنها المهم في التهجد، بل وفي غيره، فيكون من إطلاق الجزء على الكل. وقد ذكر في أذكار الصلاة الاستغفار في مواضع منها. كالركوع والسجود وبين السجدتين وآخر الصلاة، كما أخرجه الشيخان وأهل السنن- وكان صلى الله عليه وسلم يطيل الركوع والسجود والتهجد لذلك.
لطيفة:
قال الزمخشري في (أساس البلاغة) إنما سمي (السحر) استعارة، لأنه وقت إدبار الليل، وإقبال النهار، فهو متنفس الصبح. انتهى.
وفي أموالهم حق للسائل والمحروم أي الفقير المتعفف الذي يظن غنيا، فيحرم الصدقة.
قال قتادة: هذان فقيرا أهل الإسلام: سائل يسأل في كفه، وفقير متعفف ولكليهما عليك حق، يا ابن آدم.
وفي الصحيح «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم: ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان. ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه.
وروى الإمام أحمد عن الحسين بن علي رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: للسائل حق وإن جاء على فرس. ورواه أبو داود وأسنده عن علي كرم الله وجهه.
ويدخل في (المحروم) كل من لا مال له، ومن هلك ماله بآفة، ومن حرم الرزق واحتاج، إلا أن أهم أفراده المتعفف. ولذا عول عليه الأكثر.
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس: في أموالهم حق سوى الزكاة يصلون بها رحما، أو يقرون بها ضيفا، أو يحملون بها كلا.
ثم أشار تعالى إلى أنه لا حاجة إلى الخرص والتخمين في باب الاعتقادات، لكثرة الآيات الواضحة، بقوله سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : آية 20]
وفي الأرض آيات للموقنين (20)
(1)
أخرجه البخاري في: التفسير، 2- سورة البقرة، 48- باب لا يسئلون الناس إلحافا، حديث رقم 788، عن أبي هريرة.

وفي الأرض آيات للموقنين أي عبر وعظات لأهل اليقين، وهم الذين يقودهم النظر إلى ما تطمئن به النفس، وينثلج له الصدر، فيرون فيها مما ذرأ من صنوف النبات والحيوانات، والمهاد والجبال والقفار والأنهار والبحار، عبرا وآيات عظاما، وشواهد ناطقة بقدرة الصانع ووحدانيته، جل جلاله.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : آية 21]
وفي أنفسكم أفلا تبصرون (21)
وفي أنفسكم، أفلا تبصرون أي في حال ابتدائها وتنقلها من حال إلى حال، واختلاف ألسنتها وألوانها، وما جبلت عليه من القوى والإرادات، وما بينها من التفاوت في العقول والأفهام، وما في تراكيب أعضائها من الحكم في وضع كل عضو منها، في المحل المفتقر إليه، إلى غير ذلك مما لا يحصيه قلم كاتب، ولا لسان بليغ.
أنشد الحافظ ابن أبي الدنيا في كتابه (التفكير والاعتبار) لشيخه أبي جعفر القرشي:
وإذا نظرت تريد معتبرا ... فانظر إليك، ففيك معتبر
أنت الذي تمسي وتصبح في ال ... دنيا وكل أموره عبر
أنت المصرف كان في صغر ... ثم استقل بشخصك الكبر
أنت الذي تنعاه خلقته ... ينعاه منه الشعر والبشر
أنت الذي تعطى وتسلب، لا ... ينجيه من أن يسلب الحذر
أنت الذي لا شيء منه له ... وأحق منه بما له القدر
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : آية 22]
وفي السماء رزقكم وما توعدون (22)
وفي السماء رزقكم وما توعدون يعني ب (السماء) المزن، وب (الرزق) المطر، فإنه سبب الأقوات. والمراد ب ما توعدون العذاب السماوي، لأن مؤاخذات المكذبين الأولين كانت من جهتها. والخطاب لمشركي مكة.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : آية 23]
فو رب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون (23)
فو رب السماء والأرض أي الذي خلقهما للاستدلال بهما على حقيقة ما أخبر
إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون أي مثل نطقكم. والضمير في (إنه) عائد لما ذكر من أمر الآيات والرزق، أو أمر النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى ما توعدون ويؤيد الأخير ما تأثره من أنباء وعيد المكذبين، وبدأ منها بنبإ قوم لوط، لأن قراهم واقعة في ممرهم إلى فلسطين للاتجار، فقال سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : الآيات 24 الى 30]
هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين (24) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون (25) فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين (26) فقربه إليهم قال ألا تأكلون (27) فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم (28)
فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم (29) قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم (30)
هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين يعني: الملائكة الذي دخلوا عليه في صورة ضيف. قال الزمخشري: فيه تفخيم للحديث، وتنبيه على أنه ليس من علم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما عرفه بالوحي. وإكرامهم أن إبراهيم خدمهم بنفسه، وأخدمهم امرأته، وعجل لهم القرى، أو أنهم في أنفسهم مكرمون.
إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام أي سلام عليكم قوم منكرون أي أنتم قوم لا أعرفكم. وهو كالسؤال منه عن أحوالهم، ليعرفهم. فإن قولك لمن لقيته:
أنا لا أعرفك! في قوة قولك: عرف لي نفسك وصفها.
فراغ إلى أهله أي ذهب إليهم في خفية من ضيوفه. ومن أدب المضيف أن يخفي أمره، وأن يبادر بالقرى من غير أن يشعر به الضيف، حذرا من أن يكفه ويعذره- قاله الزمخشري- وأيده الناصر بما حكى عن أبي عبيد: أنه لا يقال راغ، إلا إذا ذهب على خفية وأنه يقال روغ اللقمة إذا غمسها فرويت سمنا. قال الناصر: وهو من هذا المعنى، لأنها تذهب مغموسة في السمن حتى تخفى. ومن مقلوباته (غور الأرض) والجرح. وسائر مقلوباته قريبة من هذا المعنى. انتهى.
فجاء بعجل سمين أي قد أنضجه شيا فقربه إليهم أي بأن وضعه بين أيديهم قال ألا تأكلون أي منه. قال القاضي: وهو مشعر بكونه حنيذا. والهمزة فيه للعرض، والحث على الأكل على طريقة الأدب، إن قاله أول ما وضعه. وللإنكار، إن قاله حينما رأى إعراضهم.
فأوجس منهم خيفة أي أضمرها، لظنه أنهم أرادوا به سوءا قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم أي يبلغ ويكمل علمه فأقبلت امرأته في صرة أي صيحة فصكت أي لطمت وجهها أي تعجبا، على عادة النساء في كل غريب عندهن وقالت عجوز عقيم أي عاقر ليس لي ولد قالوا كذلك قال ربك أي مثل الذي قلنا وأخبرنا به، قال ربك، فإنما نخبرك عن الله. فأقبلي قوله، ولا تتوهمي عليه خلاف الحكمة، ولا الجهل، بعدم قبولك للولادة. إنه هو الحكيم العليم
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : الآيات 31 الى 37]
قال فما خطبكم أيها المرسلون (31) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (32) لنرسل عليهم حجارة من طين (33) مسومة عند ربك للمسرفين (34) فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (35)
فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين (36) وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم (37)
قال أي إبراهيم لضيفه فما خطبكم أي أمركم وشأنكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين أي مؤاخذتهم لنرسل عليهم حجارة من طين أي رجما لهم على فعلهم الفاحشة مسومة أي مرسلة، أو معلمة عند ربك للمسرفين أي المتعدين حدود الله. الكافرين به فأخرجنا من كان فيها أي في تلك القرية من المؤمنين أي بإيحاء الخروج إليهم على لسان الملائكة، وهم لوط وابنتاه عليهم السلام. فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين يعني بيت لوط عليه السلام وتركنا فيها أي في تلك القرية آية أي علامة تدل على إهلاكهم الدنيوي الدال على الأخروي للذين يخافون العذاب الأليم أي في الآخرة وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : الآيات 38 الى 40]
وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين (38) فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون (39) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم (40)
وفي موسى عطف على (فيها) بإعادة الجار، لأن المعطوف عليه ضمير مجرور. أي وتركنا في قصة موسى بإهلاك أعدائه، آية وحجة تبين لمن رآها حقية دعواه.
إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين أي ببرهان ظاهر فتولى بركنه أي
فأعرض عن الإيمان. والركن: جانب الشيء. ف (ركنه) جانب بدنه، فالتولي به كناية عن الإعراض. والباء للتعدية، لأن معناه ثنى عطفه. أو للملابسة. أو الركن فيه بمعنى الجيش، لأنه يركن إليه، ويتقوى به، والباء للمصاحبة أو للملابسة. وقال ساحر أي هو ساحر أو مجنون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم أي فأغرقناهم في البحر هو مليم
أي آت بما يلام عليه من الكفر والعناد.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : الآيات 41 الى 42]
وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم (41) ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم (42)
وفي عاد أي وتركنا في عاد، قوم هود عليه السلام آية إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم أي التي لا خير فيها من إنشاء مطر، أو إلقاح شجر. وهي ريح الهلاك.
ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم أي الشيء الهالك. وأصل الرميم: البالي المفتت، من عظم أو نبات أو غير ذلك.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : الآيات 43 الى 45]
وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين (43) فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون (44) فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين (45)
وفي ثمود أي وتركنا في ثمود، قوم صالح عليه السلام إذ قيل لهم أي بعد عقرهم الناقة تمتعوا أي في داركم حتى حين يعني: ثلاثة أيام، كما بينته الآية الأخرى.
فعتوا عن أمر ربهم أي فاستكبروا عن امتثاله فأخذتهم الصاعقة يعني العذاب الحال بهم، المعهود وهم ينظرون أي إليها. فإنها نزلت بهم نهارا.
فما استطاعوا من قيام أي نهوض، فضلا عن دفاع عذاب الله وما كانوا منتصرين أي ممتنعين من العذاب. وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : آية 46]
وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين (46)
وقوم نوح قرئ بالجر عطفا على وفي ثمود أو المجرورات قبل.
وبالنصب مفعولا لمضمر دل عليه السياق والسباق. أي وأهلكنا قوم نوح. أو عطفا على مفعول أخذناه
أو على محل وفي موسى من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين أي: مخالفين أمر الله، خارجين عن طاعته.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : الآيات 47 الى 48]
والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون (47) والأرض فرشناها فنعم الماهدون (48)
والسماء بنيناها بأيد أي رفعناها بقوة وإنا لموسعون أي لقادرون على الإيساع، كما أوسعنا بناءها. والأرض فرشناها أي مهدناها ليتمتعوا بها فنعم الماهدون أي لهم. وفي إيثار صيغة فاعل من (مهد على فرش) إشارة إلى أن من المواد ما تختلف صيغته في النظم فعلا واسما، فيكون في أحدهما أرق وألطف وأفصح، فيؤثر على غيره في ظرف، ويؤثر عليه غيره في آخر. والمرجع الذوق- كما بسطه ابن خلدون وابن الأثير.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : آية 49]
ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون (49)
ومن كل شيء خلقنا زوجين أي ذكرا وأنثى، أو نوعين متقابلين.
قال ابن كثير: جميع المخلوقات أزواج: سماء وأرض. وليل ونهار. وشمس وقمر. وبر وبحر. وضياء وظلام. وإيمان وكفر. وموت وحياة. وشقاء وسعادة. وجنة ونار. حتى الحيوانات والنباتات. انتهى. وهو مأخوذ من كلام ابن جرير في تأييد تفسير مجاهد، وعبارة ابن جرير:
وأولى القولين في ذلك قول مجاهد: وهو أن الله تبارك وتعالى خلق لكل ما خلق من خلقه ثانيا له، مخالفا في معناه. فكل واحد منهما زوج للآخر، ولذلك قيل خلقنا زوجين وإنما نبه جل ثناؤه بذلك من قوله: خلقه على قدرته على خلق ما يشاء، وأنه ليس كالأشياء التي شأنها فعل نوع واحد دون خلافه، إذ كل ما صفته فعل نوع واحد دون ما عداه، كالنار التي شأنها التسخين ولا تصلح للتبريد، وكالثلج الذي شأنه التبريد ولا يصلح للتسخين، فلا يجوز أن يوصف بالكمال، وإنما كمال المدح للقادر على فعل كل ما شاء فعله من الأشياء المختلفة والمتفقة. انتهى.
لعلكم تذكرون قال ابن جرير: أي لتذكروا وتعتبروا بذلك، فتعلموا أيها
المشركون بالله، أن ربكم الذي يستوجب عليكم العبادة، هو الذي يقدر على خلق الشيء وخلافه، وابتداع زوجين من كل شيء، لا ما لا يقدر على ذلك.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 52.86 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 52.24 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.19%)]