عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 27-02-2025, 11:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,764
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"
محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ ق
المجلد الخامس عشر
صـ 5496 الى صـ 5505
الحلقة (562)






إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم وقال [ ص: 5496 ] تعالى:

ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وقال: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون وقال تعالى: حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون وقال تعالى: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون

ومما يدل على ذلك أنه ذكره بصيغة الجمع فقال: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد وهذا كقوله سبحانه: نتلو عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون وقال تعالى: نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وقال: إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه فإن مثل هذا اللفظ إذا ذكره الله تعالى في كتابه دل على أن المراد أنه سبحانه بجنوده وأعوانه من الملائكة؛ فإن صيغة: (نحن) يقولها المتبوع المطاع المعظم الذي له جنود يتبعون أمره، وليس لأحد جند يطيعونه كطاعة الملائكة ربهم، وهو خالقهم وربهم؛ فهو سبحانه العالم بما توسوس به نفسه، وملائكته تعلم؛ فكان لفظ: (نحن) هنا هو المناسب، وكذلك قوله: ونعلم ما توسوس به نفسه فإنه سبحانه يعلم ذلك، وملائكته يعلمون ذلك، كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « إذا هم العبد بحسنة كتبت [ ص: 5497 ] له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات، وإذا هم بسيئة لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت سيئة واحدة، وإن تركها لله كتبت له حسنة» . فالملك يعلم ما يهم به العبد من حسنة وسيئة، وليس ذلك من علمهم الغيب الذي اختص الله به.

ثم قال: وقوله: ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد يقتضي أنه سبحانه وجنده الموكلين بذلك يعلمون ما توسوس به للعبد نفسه، كما قال: أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون فهو يسمع، ومن يشاء من ملائكته.

وأما الكتابة فرسله يكتبون كما قال هاهنا: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد وقال تعالى: إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وأخبر بالكتابة: (نحن)؛ لأن جنده يكتبون بأمره، وفصل في تلك الآية بين السماع والكتابة؛ لأنه يسمع بنفسه.

وأما كتابة الأعمال فتكون بأمره، والملائكة يكتبون، فقوله: ونحن أقرب إليه مثل قوله: ونكتب ما قدموا وآثارهم لما كانت ملائكته متقربين إلى العبد بأمره، كما كانوا كاتبين عمله بأمره، فإن ذلك قربه من كل أحد بتوسط الملائكة، كتكليمه عبده بتوسط الرسل، كما قال تعالى: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء فهذا تكليمه لجميع عباده بواسطة الرسل، وذاك قربه إليهم عند الاحتضار، وعند الأقوال الباطنة في النفس والظاهرة. انتهى كلامه رحمه الله.

وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية 17]
إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد (17)
إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد أي ونحن أقرب إلى الإنسان من وريد حلقه حين يتلقى الملكان الحفيظان ما يتلفظ به. ف (إذ) ظرف (لأقرب) وفيه إيذان بأنه غني عن استحفاظ الملكين، فإنه أعلم منهما، ومطلع على ما يخفى عليهما، لكنه لحكمة اقتضته، وهي إلزام الحجة في الأخرى، والتقدم إلى ما يرغبه ويرهبه في الأولى.
وقال القاشاني: بين تعالى بهذه الآية أقربيته لينتفي القرب بمعنى الاتصال والمقارنة، كما
قال أمير المؤمنين عليه السلام: هو مع كل شيء، لا بمقارنة، إذ الشيء به ذلك الشيء، وبدونه ليس شيئا حتى يقارنه
.
أي: يعلم حديث نفسه الذي توسوس به نفسه وقت تلقي المتلقيين، مع كونه أقرب إليه منهما. وإنما تلقيهما للحجة عليه، وإثبات الأقوال والأعمال في الصحائف النورية، للجزاء.

ثم قال: والمتلقي القاعد عن اليمين، هو القوة العاقلة العملية المنتقشة بصور الأعمال الخيرية المرتسمة بالأقوال الحسنة الصائبة. وإنما قعد عن يمينه، لأن اليمين هي الجهة القوية الشريفة المباركة، وهي جهة النفس التي تلي الحق. والمتلقي القاعد عن الشمال هو القوة المتخيلة التي تنتقش بصور الأعمال البشرية البهيمية والسبعية، والآراء الشيطانية والوهمية، والأقوال الخبيثة الفاسدة. وإنما قعد عن الشمال، لأن الشمال هي الجهة الضعيفة الخسيسة المشؤومة، وهي التي تلي البدن، ولأن الفطرة الإنسانية خيرة بالذات، لكونها من عالم الأنوار، مقتضية بذاتها، وغريزتها الخيرات. والشرور إنما هي أمور عرضت لها من جهة البدن وآلاته وهيئاته، يستولي صاحب اليمين على صاحب الشمال، فكلما صدرت منه حسنة كتبها له في الحال، وإن صدرت منه سيئة منع صاحب الشمال من كتابتها في الحال انتظارا للتسبيح، أي التنزيه عن الغواشي البدنية، والهيئات الطبيعية، بالرجوع إلى مقره الأصلي، وسنخه الحقيقي، وحاله الغريزي، لينمحي أثر ذلك الأمر العارضي، بالنور الأصلي والاستغفار، أي التنور بالأنوار الروحية والتوجه إلى الحضرة الإلهية، لينمحي أثر تلك الظلمة العرضية، بالنور الوارد كما روي أن كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيئات على يساره، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها ملك اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين
لصاحب اليسار: دعه سبع ساعات، لعله يسبح أو يستغفر! انتهى.
وقد كثر في كلام القاشاني رحمه الله تأويل الملك بالقوة الحاثة على الخير، والشيطان بالمغوية على الشر. وسبقه إليه الحكماء. قال بعض الحكماء: هذا الشيء الذي أودع فينا ونسميه قوة وفكرا، وهو في الحقيقة معنى لا يدرك كنهه، وروح لا تكتنه حقيقتها، لا يبعد أن يسميه الله تعالى ملكا، ويسمي أسبابه ملائكة، أو ما شاء من الأسماء، فإن التسمية لا حجر فيها على الناس، فكيف يحجر فيها على صاحب الإرادة المطلقة، والسلطان النافذ، والعلم الواسع.
وقد سبق الغزالي إلى هذا المعنى، وعبر عنه بالسبب وقال: إنه يسمى ملكا، فإنه، في شرح عجائب القلب من كتاب (الإحياء) ، بعد ما قسم الخواطر إلى محمود ومذموم، قال: وكذلك لأنوار القلب وظلمته سببان مختلفان: فسبب الخاطر الداعي إلى الخير يسمى ملكا، وسببا لخاطر الداعي إلى الشر يسمى شيطانا.. إلخ. والبحث كله غرر، تجدر مراجعته.
لطيفة:
قعيد كجليس، بمعنى مجالس، لفظا ومعنى. وإنما أفرد رعاية للفواصل، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، كقوله:
فإني وقيار بها لغريب
وقيل: يطلق (فعيل) للواحد والمتعدد، كقوله: والملائكة بعد ذلك ظهير [التحريم: 4] ، وضعف بأنه ليس على إطلاقه، بل إذا كان (فعيل) بمعنى (مفعول) بشروطه، وهذا بمعنى (فاعل) ، فلا يصح فيه ذلك إلا بطريق الحمل على (فعيل) بمعنى (مفعول) .
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية 18]
ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (18)
ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب أي ملك يرقب عمله، عتيد أي حاضر.
ولما ذكر استبعادهم للبعث، وأزاح ذلك بتحقيق قدرته وعلمه، أعلمهم بأنهم يلاقون ذلك عن قريب، ونبه على اقترابه بلفظ الماضي، فقال سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية 19]
وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد (19)
وجاءت سكرة الموت أي شدته المحيرة الشاغلة للحواس، المذهلة للعقل بالحق أي بالموعود الحق، والأمر المحقق، وهو الموت، فالباء للملابسة. أو بالموعود الحق من أمر الآخرة، والثواب والعقاب الذي غفل عنه، فالباء للتعدية. أي أحضرت سكرة الموت حقيقة الأمر، وهي أحوالها الباطنة، وأظهرتها عليه.
قال الشهاب: السكرة استعيرت للشدة، ووجه الشبه بينهما أن كلا منهما مذهب للعقل، فالاستعارة تصريحية تحقيقية. ويجوز أن يشبه الموت بالشراب على طريق الاستعارة المكنية. وإثبات السكرة لها، تخييل. ذلك ما كنت منه تحيد أي تفر. والجملة على تقدير القول. أي يقال له في وقت الموت: ذلك الأمر الذي رأيته هو الذي كنت منه تحيد في حياتك، فلم ينفعك الهرب والفرار. وهل المشار إليه بذلك، الحق أو الموت؟ قال الطيبي: إن اتصل قوله: وجاءت سكرة الموت.. إلخ بقوله في لبس من خلق جديد وما معه، فالمشار إليه بذلك الحق، والخطاب للفاجر. أي جاءك أيها الفاجر الحق الذي أنكرته. وإن اتصل بقوله ولقد خلقنا الإنسان ... إلخ، فالمشار إليه الموت. والالتفات لا يفارق الوجهين. والثاني هو المناسب، لقوله: وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد بعده، وتفصيله ألقيا في جهنم كل كفار عنيد [ق: 24] ، وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد [ق: 31] انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : الآيات 20 الى 21]
ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد (20) وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (21)
ونفخ في الصور يعني: نفخة البعث ذلك أي النفخ يوم الوعيد أي وقت تحقق الوعيد، بشهود ما قدم من الأعمال وما أخر وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد قال ابن جرير: أي سائق يسوقها إلى الله، وشاهد يشهد عليها بما عملت في الدنيا من خير أو شر. وهل هما ملكان، أو ملك جامع للوصفين، أو الأول ملك، والثاني الإنسان نفسه يشهد على نفسه، أو سائق من أعمالها، إلى مكان جزائها، وشهيد من أجزائها؟ أقوال:
وقال القاشاني: أي سائق من علمه، وشهيد من عمله، لأن كل أحد ينجذب إلى محل نظره، وما اختاره بعلمه. والميل الذي يسوقه إلى ذلك الشيء إنما نشأ من شعوره بذلك الشيء، وحكمه بملاءمته له، سواء كان أمرا سفليا جسمانيا بعثه عليه هواه، وأغراه عليه وهمه وقواه أو أمرا علويا روحانيا بعثه عليه عقله، ومحبته الروحانية، وحرضه عليه قلبه وفطرته الأصلية. فالعلم الغالب عليه سائقه إلى معلومه، وشاهده بالميل الغالب عليه، والحب الراسخ فيه.
والعمل المكتوب في صحيفته يشهد عليه بظهوره على صور أعضائه وجوارحه، وينطق عليه كتابه بالحق، وجوارحه بهيئات أعضائه المتشكلة بأعماله.
انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية 22]
لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (22)
لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد في المخاطب بهذا، أقوال ثلاثة:
أحدها- أنه النبي صلى الله عليه وسلم، أتى بهذه الجملة معترضة في خلال أمر النبأ الأخروي، تنويها بمنة الإعلام بذلك، والتعريف به، ثم شدة نفوذ البصر به، والوقوف على غوامضه، بعد خلو الذهن عنه رأسا. والمعنى: لقد كنت في غفلة من هذا القرآن قبل أن يوحى إليك، فكشفنا عنك غطاءك بإنزاله إليك، فبصرك اليوم حديد، نافذ قوي، ترى ما لا يرون، وتعلم ما لا يعلمون. ومثله آية ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان [الشورى: 52] .
وثانيها- أنه الكافر، وأن الكلام على تقدير القول. أي: يقال له لقد كنت في غفلة من هذا الذي عاينت اليوم من الأهوال، فكشفنا عنك غطاءك، بأن جلينا لك، ذلك، وأظهرناه لعينيك، حتى رأيته وعاينته، فزالت الغفلة عنك. ومثله عن الكفار آية أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا [مريم: 38] ، وآية ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا [السجدة: 12] .
وثالثها- أنه الإنسان مطلقا، لقوله وجاءت كل نفس، والمقصود أنه كشف الغطاء عن البر والفاجر، ورأى كل ما يصير إليه.
وعول ابن جرير في الأولوية على الثالث.
قال الزمخشري: جعلت الغفلة كأنها غطاء غطى به جسده كله، أو غشاوة غطى بها عينيه، فهو لا يبصر شيئا. فإذا كان يوم القيامة تيقظ، وزالت الغفلة عنه وغطاؤها، فيبصر ما لم يبصره من الحق.
وقال القاشاني في تأويل الآية: لقد كنت في غفلة من هذا لاحتجابك بالحس والمحسوسات، وذهولك عنه، لاشتغالك بالظاهر عن الباطن فكشفنا عنك بالموت غطاءك المادي الجسماني، الذي احتجبت به فبصرك اليوم حديد أي إدراكك لما ذهلت عنه، ولم تصدق بوجوده، قوي تعاينه. انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية 23]
وقال قرينه هذا ما لدي عتيد (23)
وقال قرينه أي قرين هذا الإنسان الذي جيء به يوم القيامة معه سائق وشهيد، وهو إما الملك الموكل عليه في الدنيا لكتابة أعماله، وهو الرقيب المتقدم، أو الشيطان الذي قيض له مقارنا له يغويه، وهو الأظهر- كما اعتمده الزمخشري- لآية نقيض له شيطانا فهو له قرين [الزخرف: 36] ، ويشهد له قوله تعالى: قال قرينه ربنا ما أطغيته [ق: 27] ، هذا ما لدي عتيد أي هذا شيء لدي حاضر معد محفوظ. والإشارة على الأول لما في صحفه، وعلى الثاني للشخص نفسه. أي هذا ما لدي عتيد لجهنم هيأته بإغوائي لها.
وقال القاشاني: وقال قرينه أي من شيطان الوهم الذي غره بالظواهر، وحجبه عن البواطن. هذا ما لدي عتيد مهيأ لجهنم. أي ظهر تسخير الوهم إياه في التوجه إلى الجهة السفلية، وأنه ملكه، واستعبده في طلب اللذات البدنية، حتى هيأه لجهنم في قعر الطبيعة. انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية 24]
ألقيا في جهنم كل كفار عنيد (24)
ألقيا في جهنم كل كفار عنيد خطاب من الله تعالى للسائق والشهيد، على أنهما ملكان، لا ملك جامع للوصفين، أو لملكين من خزنة النار، أو لواحد، وتثنية الفاعل منزل منزلة تثنية الفعل، وتكريره على أنه أصله: ألق، ألق، ثم حذف الفعل الثاني، وأبقى ضميره مع الفعل الأول، فثنى الضمير للدلالة على ما ذكر. أو الألف
بدل من نون التأكيد، لأنها تبدل ألفا في الوقف، فأجرى الوصل مجراه- أوجه ذكروها-.
وقال ابن جرير: أخرج الأمر للقرين، وهو بلفظ واحد، مخرج خطاب الاثنين.
وفي ذلك وجهان من التأويل:
أحدهما- أن يكون القرين بمعنى الاثنين، كالرسول، والاسم الذي يكون بلفظ الواحد في الواحد والتثنية والجمع. فرد قوله: ألقيا إلى المعنى.
والثاني- أن يكون كما كان بعض أهل العربية يقول. وهي أن العرب تأمر الواحد والجماعة بما تأمر به الاثنين، فتقول للرجل: ويلك! ارحلاها، وازجراها، كما قال:
فقلت لصاحبي لا تحبسانا ... بنزع أصوله واجتر شيحا
وقال أبو ثروان:
فإن تزجراني يا ابن عفان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا
وسبب ذلك منهم، أن الرجل أدنى أعوانه في إبله وغنمه، اثنان. وكذلك الرفقة أدنى ما تكون ثلاثة. فجرى كلام الواحد على صاحبيه. ألا ترى الشعراء أكثر شيء قيلا: يا صاحبي، يا خليلي. انتهى.
و (الكفار) المبالغ في جحده وحدانية الله تعالى، وما جاء به رسوله صلوات الله عليه.
و (العنيد) المعاند للحق، وسبيل الهدى، لا يسمع دليلا في مقابلة كفره. وقد زاد على العناد بوصف:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية 25]
مناع للخير معتد مريب (25)
مناع للخير أي الكلي، وهو الإسلام. أو المال. واستصوب ابن جرير أنه هنا كل حق وجب لله أو لآدمي في ماله، لأنه لم يخصص منه شيء، فدل على أنه كل خير يمكن منعه طالبه معتد أي متجاوز الحد في الاعتداء على الناس، بالبذاء والفحش في المنطق، وبيده بالسطوة والبطش ظلما، كما قال قتادة: معتد في منطقه وسيرته وأمره.
مريب أي شاك في الحق، أو موقع صاحبه في الريب مع كثرة الدلائل.
وقال القاشاني: الخطاب في ألقيا للسائق والشهيد اللذين يوبقانه ويلقيانه ويهلكانه في أسفل غياهب مهواة الهيولى الجسمانية، وغيابة جب الطبيعة الظلمانية، في نيران الحرمان. أو لمالك. والمراد بتثنية الفاعل تكرار الفعل، كأنما قال: ألق، ألق، لاستيلائه عليهم في الإبعاد والإلقاء إلى الجهة السفلية. ويقوي الأول:
أنه عدد الرذائل الموبقة، التي أوجبت استحقاقهم لعذاب جهنم، ووقوعهم في نيران الجحيم، وبين أنها من باب العلم والعمل. والكفران ومنع الخير، كلاهما من إفراط القوة البهيمية الشهوانية، لانهماكها في لذاتها، واستعمالها نعم الله تعالى في غير مواضعها من المعاصي والاحتجاب عن المنعم بها، ومن حقها أن تذكره، وتبعث على شكره، ومكالبتها عليها، لفرط ولوعها بها، فتمنعها عن مستحقيها. وذكرهما على بناء المبالغة، ليدل على رسوخ الرذيلتين فيه، وغلبتهما عليه، وتعمقه فيهما، الموجب للسقوط عن رتبة الفطرة في قعر بئر الطبيعة. والعنود والاعتداء، كلاهما من إفراط القوة الغضبية، واستيلائها، لفرط الشيطنة، والخروج عن حد العدالة. والأربعة من باب فساد العمل. والريب والشرك. كلاهما من نقصان القوة النطقية، وسقوطها عن الفطرة، بتفريطها في جنب الله، وتصورها عن حد القوة العاقلة. وذلك من باب فساد العلم. انتهى.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 52.30 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 51.67 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.20%)]