عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 25-02-2025, 11:07 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,609
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله




تفسير "محاسن التأويل"
محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ الزخرف
المجلد الرابع عشر
صـ 5271 الى صـ 5280
الحلقة (540)






قال المهايمي: يعني لا خصوصية في ذاك المتاع، بحيث يدل عدمه على عدم
منصب النبوة، وإنما الذي يدل عدمه على عدم النبوة، التقوى. فالنبوة إنما تكون لمن كمل تقواه. سواء كانت عنده الدنيا أم لا. وإنما كانت الزينة الدنيوية أحق بالكفار، لأنها تثير ظلمة الأهوية المانعة من رؤية الحق. بحيث يصير صاحبها أعشى. انتهى.
تنبيه:
ما قدمناه من أن معنى ولولا أن يكون الناس أمة واحدة على تقدير (لولا كراهة ذلك) وأن معنى كونهم أمة واحدة اجتماعهم على أمر واحد وهو الكفر، أي أن كراهة الاجتماع على الكفر هي المانعة من تمتيع الكافر بها على الوجه المذكور- هو ما ذكره المفسرون. فورد عليه أنه حين لم يوسع على الكافرين للفتنة التي كان يؤدي إليها التوسعة عليهم من إطباق الناس على الكفر لحبهم الدنيا وتهالكهم عليها، فهلا وسع على المسلمين ليطبق الناس على الإسلام؟ فأجيب بأن التوسعة عليهم مفسدة أيضا، لما تؤدي إليه من الدخول في الإسلام لأجل الدنيا. والدخول في الدين لأجل الدنيا من دين المنافقين فكانت الحكمة فيما دبر حيث جعل في الفريقين أغنياء وفقراء. وغلب الفقر على الغنى. هذا ما قاله الزمخشري.
وعندي أن لا حاجة لتقدير الكراهة. وأن معنى الآية غير ما ذكروه. وذلك أن المعنى: لولا أن يكونوا خلقوا ليكونوا أمة واحدة، للترافد والتعاون والتضام، وما به قوام حياتهم كالجسم الواحد، لجعلنا للناس ما ذكر من الزين والحلي لدخوله تحت القدرة الكاملة. إلا أن ذلك مبطل للحكمة ومخرب لنظام الوجود. وإنما عبر عن الناس بمن يكفر بالرحمن، رعاية للأكثر وهم الكفار فإنهم الذين طبقوا ظهر الأرض وملأوا وجهها. وحطا لقدر الدنيا وتصغيرا لشأنها، بأن تؤتى لمن هو الأدنى منزلة.
والأخس قدرا. وخلاصة المعنى: أن خلقهم أمة واحدة مدنيين بالطبع، مانع من بسط الدنيا عليهم جميعهم. وهذا هو معنى (لولا) المطرد، أن ما بعدها أبدا مانع من جوابها. ولذلك يقولون (حرف امتناع لوجود) .
فليس المعنى على ما ذكروه أبدا كما يظهر واضحا لمن أنعم النظر. وبالجملة، فالآية هذه تتمة لما قبلها، في جواب أولئك الظانين، أن العظمة الدنيوية تستتبع النبوة. فبين تعالى حكمته في تفاوت الخلق في الآية الأولى. وهي التسخير. وفي الثانية حقارة الدنيا عنده وأنه لولا التسخير لآتاها أحط الخلق وأبعدهم منه، مبالغة
في الإعلام بضعتها. وهذا مصداق ما ورد من أن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن ما عنده خير وأبقى.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 36]
ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (36)
ومن يعش عن ذكر الرحمن أي يعرض عنه، فلم يخف سطوته ولم يخش عقابه نقيض له شيطانا فهو له قرين أي نجعل له شيطانا يغويه ويضله عن السبيل القويم دائما، لمقارنته له. قال القاشاني: قرئ (يعش) بضم الشين وفتحها: والفرق أن عشا يستعمل إذا نظر نظر العشى لعارض أو متعمدا، من غير آفة في بصره. وعشي إذا إيف بصره. فعلى الأول معناه: ومن كان له استعداد صاف وفطرة سليمة لإدراك ذكر الرحمن، أي القرآن النازل من عنده وفهم معناه. وعلم كونه حقا، فتعامى عنه لغرض دنيوي وبغي وحسد، أو لم يفهمه ولم يعلم حقيقته، لاحتجابه بالغواشي الطبيعية، واشتغاله باللذات الحسية عنه، أو لاغتراره بدينه وما هو عليه من اعتقاده ومذهبه الباطل نقيض له شيطانا جنيا فيغويه بالتسويل والتزيين لما انهمك فيه من اللذات، وحرص عليه من الزخارف. أو بالشبه والأباطيل المغوية لما اعتكف عليه بهواه من دينه. أو إنسيا يغويه ويشاركه في أمره ويجانسه في طريقه ويبعده عن الحق. وعلى الثاني معناه. ومن إيف استعداده في الأصل، وشقي في الأزل بعمى القلب عن إدراك حقائق الذكر، وقصر عن فهم معناه نقيض له شيطانا من نفسه أو جنسه، يقارنه في ضلالته وغوايته. انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 37]
وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37)
وإنهم ليصدونهم عن السبيل قال ابن جرير: أي: وإن الشياطين ليصدون هؤلاء الذين يعشون عن ذكر الله، عن سبيل الحق، فيزينون لهم الضلالة، ويكرهون لهم الإيمان بالله، والعمل بطاعته. ويحسبون أنهم مهتدون أي يظن هؤلاء المشركون بالله، بتزيين الشياطين لهم ما هم عليه، أنهم على الصواب والهدى.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 38]
حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين (38)
حتى إذا جاءنا أي العاشي قال أي لشيطانه يا ليت بيني وبينك بعد
المشرقين
أي بعد المشرق من المغرب. فغلب المشرق على المغرب، ثم ثنى.
وقيل المراد مشرقا الصيف والشتاء. والتقدير من المغربين، فاختصر. فبئس القرين قال القاشاني: أي حتى إذا حضر عقابنا اللازم لاعتقاده وأعماله، والعذاب المستحق لمذهبه ودينه، تمنى غاية البعد بينه وبين شيطانه الذي أضله عن الحق، وزين له ما وقع بسببه في العذاب، واستوحش من قرينه واستذمه، لعدم الوصلة الطبيعية، أو انقطاع الأسباب بينهما بفساد الآلات البدنية.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 39]
ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون (39)
ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون قال القاشاني: أي لن ينفعكم التمني وقت حلول العذاب واستحقاق العقاب. إذا ثبت وصح ظلمكم في الدنيا، وتبين عاقبته، وكشف عن حاله. لأنكم مشتركون في العذاب لاشتراككم في سببه. أو ولن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب من شدته وإيلامه. أي كما ينفع الواقعين في أمر صعب، معاونتهم في تحمل أعبائه.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 40]
أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين (40)
أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين إنكار تعجيب من أن يكون هو الذي يقدر على هدايتهم. وأراد أنه لا يقدر على ذلك منهم إلا هو وحده تعالى. وقد تكرر في التنزيل التعبير عنهم بالصم العمي الضلال، لأنه لا أجمع من ذلك لشرح حالهم، ولا أبلغ منه. إذ سلبوا استماع حجج الله وهداه، كالأصم.
وإبصار آيات الله والاعتبار بها، كالأعمى. وقصد السبيل الأمم، كالضال الحائر.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 41]
فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون (41)
فإما نذهبن بك أي نقبضك قبل أن نظهرك عليهم فإنا منهم منتقمون أي بالعذاب الأخروي.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 42]
أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون (42)
أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون وهذا كقوله تعالى:
فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون [غافر: 77] ، وفي تعبيره بالوعد، وهو لا يخلف الميعاد، إشارة إلى أنه هو الواقع. وهكذا كان. إذ لم يفلت أحد من صناديدهم، إلا من تحصن بالإيمان.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 43]
فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم (43)
فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم يعني دين الله الذي أمر به وهو الإسلام. فإنه كامل الاستقامة من كل وجه. قال الشهاب: هذا تسلية له صلى الله عليه وسلم وأمر لأمته أو له، بالدوام على التمسك. والفاء في جواب شرط مقدر. أي إذا كان أحد هذين واقعا لا محالة، فاستمسك به.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 44]
وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون (44)
وإنه لذكر لك ولقومك أي وإن الذي أوحي إليك لشرف لك ولقومك من قريش. لما خصهم به من نزوله بلسانهم. أو المراد بقومه، أتباعه. أي تنويه بقدرك وبقدر أمتك، لما أعطاه لهم بسببه من العلوم والمزايا والخصائص والشرائع الملائمة لسائر الأحوال والأزمان، وجوز أن يراد بالذكر الموعظة وسوف تسئلون أي عما عملتم فيه، من ائتماركم بأوامره، وانتهائكم عن نواهيه.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 45]
وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون (45)
وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون أي:
هل حكمنا بعبادة الأوثان؟ وهل جاءت في ملة من مللهم؟ قال القاضي: والمراد به الاستشهاد بإجماع الأنبياء على التوحيد والدلالة على أنه ليس ببدع ابتدعه، فيكذب ويعادى له. انتهى.
والذين أمر بمسألتهم الرسول صلى الله عليه وسلم، هم مؤمنو أهل الكتابين التوراة والإنجيل.
فالكلام بتقدير مضاف. أي أممهم المؤمنين. أو يجعل سؤالهم بمنزلة سؤال أنبيائهم. لأنهم إنما يخبرونه عن كتب الرسل. فإذا سألهم فكأنه سأل الأنبياء.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 46]
ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فقال إني رسول رب العالمين (46)
ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أي المصدقة له إلى فرعون لينهاه عن الاستعباد وملائه أي لينهاهم عن التعبد له فقال إني رسول رب العالمين أي فأبان أنه لا يستحق العبادة غيره تعالى، وأن ليس لأحد سواه استعباد، لأنها حق الربوبية المطلقة.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 47]
فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون (47)
فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون فلما أتاهم بالحجج على التوحيد والبراءة من الشرك، إذا فرعون وقومه يضحكون. أي كما أن قومك، مما جئتهم به من الآيات والعبر، يسخرون. وهذا تسلية من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم، عما كان يلقى من مشركي قومه. وإعلام منه له أن قومه من أهل الشرك، لن يعدوا أن يكونوا كسائر.
الأمم الذين كانوا على منهاجهم في الكفر بالله وتكذيب رسله. وندب منه نبيه صلى الله عليه وسلم إلى الاستنان بهم، بالصبر عليهم، بسنن أولي العزم من الرسل. وإخبار منه له أن عقبى مردتهم إلى البوار والهلاك. كسنته في المتمردين عليهم قبله، وإظفاره بهم، وإعلائه أمره. كالذي فعل بموسى عليه السلام وقومه الذين آمنوا به. من إظهار هم على فرعون وملئه. أفاده ابن جرير. ثم أشار إلى أن موجب الهزء لم يكن إلا لعناد، لا لقصورها، بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : الآيات 48 الى 50]
وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون (48) وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون (49) فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون (50)
وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها أي السابقة عليها وأخذناهم بالعذاب أي الدنيوي كالسنين، مما يلجئ إلى الرجوع، ولا أقل من رجائه لعلهم يرجعون وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك أي من أنه لا يعذب من آمن
بك ليكشف عنا العذاب إننا لمهتدون أي بما تزعم أنه الهداية فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون أي العهد الذي عاهدوا عليه، ويتمادون في غيهم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : الآيات 51 الى 53]
ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون (51) أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين (52) فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين (53)
ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي يعني أنهار النيل أفلا تبصرون أي ما أنا فيه من النعيم والخير، وما فيه موسى من الفقر أم أنا خير من هذا الذي هو مهين أي ضعيف لا شيء له من الملك والأموال ولا يكاد يبين أي الكلام، لمخالفة اللغة العبرانية اللغة القبطية فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين أي يعينونه ويصدقونه.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : الآيات 54 الى 55]
فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين (54) فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين (55)
فاستخف قومه أي فاستفزهم بهذه المغالطات، وحملهم على أن يخفوا له ويصدقوه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين فلما آسفونا أي أغضبونا بطاعة عدونا وقبول مغالطاته بلا دليل، وتكذيب موسى وآياته، وندائه بالساحر، ونكث العهود انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين وذلك لاستغراقهم في بحر الضلال، الأجيال الطوال، وعدم نفع العظة معهم بحال من الأحوال.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : الآيات 56 الى 58]
فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين (56) ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون (57) وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون (58)
فجعلناهم سلفا أي حجة للهالكين بعدهم ومثلا أي عبرة للآخرين أي الناجين ولما ضرب ابن مريم مثلا أي في كونه كآدم، كما أشارت له آية إن
مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون
[آل عمران: 59] ، والمعنى: لما بين وصفه الحق من أنه عبد مخلوق منعم عليه بالنبوة، عبادته كفر، ودعاؤه شرك، إذ لم يأذن الله بعبادة غيره إذا قومك منه أي من مثله المضروب ووصفه المبين يصدون أي يعرضون ولا يعون وقالوا أآلهتنا خير أم هو يعنون بآلهتهم الملائكة الذين عبدوهم، زعما منهم أنهم بنات الله تعالى. كما ذكر عنهم ذلك في أول السورة. أي أنهم خير من عيسى وأفضل، لأنهم من الملأ الأعلى والنوع الأسمى، فإذا جازت عبادة المفضول وهو عيسى، فبالأولى عبادة الأفضل وهم الملائكة. كأنهم يقررون على شركهم أصولا صحيحة. ويبنون على تمسكهم أقيسة صريحة. وغفلوا، لجهلهم، عن بطلان المقيس والمقيس عليه. وأن البرهان الصادع قام على بطلان عبادة غيره تعالى، وعلى استحالة التوالد في ذاته العلية. وإذا اتضح الهدى فما وراءه إلا الضلال، والمشاغبة بالجدال. كما قال تعالى:
ما ضربوه لك إلا جدلا أي ما ضربوا لك هذا القول إلا لأجل الجدل والخصومة، لا عن اعتقاد، لظهور بطلانه بل هم قوم خصمون أي شديد والخصومة بالباطل تمويها وتلبيسا.
وفي الحديث «1»
(ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)
وما ذكرناه في تفسير هذه الآية، هو الجلي الواضح، لدلالة السياق والسباق فقابل بينه وبين ما حكاه الغير وأنصف. ثم جلى شأن عيسى عليه السلام، بما يرفع كل لبس، بقوله سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 59]
إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل (59)
إن هو إلا عبد أنعمنا عليه أي بالنبوة والرسالة وجعلناه مثلا لبني إسرائيل أي آية لهم وحجة عليهم، بما ظهر على يديه، مما أيد نبوته ورسالته وصدق دعواه.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 60]
ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون (60)
ولو نشاء لجعلنا منكم أي بدلكم ملائكة في الأرض يخلفون أي يكونون مكانكم. إيعاد لهم بأنهم في قبضة المشيئة في إهلاكهم، وإبدال من هو خير منهم.
(1)
. أخرجه الترمذي في: التفسير، 43- سورة الزخرف، عن أبي أمامة.

كما في قوله تعالى: وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم [محمد: 38] ، وقيل معنى لجعلنا منكم لولدنا منكم ملائكة، كما ولدنا عيسى من غير أب، لتعرفوا تميزنا بالقدرة. واللفظ الكريم يحتمله. إلا أن الأظهر هو الأول، لما جرت به عادة التنزيل، من خواتم أمثال ما تقدم، بنظائر هذا الوعيد، والله أعلم.
وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : الآيات 61 الى 62]
وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم (61) ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين (62)
وإنه لعلم للساعة الضمير إما للقرآن كما ذهب إليه قوم، أي وإن القرآن الكريم يعلم بالساعة ويخبر عنها وعن أهوالها. وفي جعله عين العلم، مبالغة. والعلم بمعنى العلامة. وقيل الضمير لعيسى عليه السلام. أي إن ظهوره من أشراط الساعة.
ونزوله إلى الأرض في آخر الزمان دليل على فناء الدنيا. وقال بعضهم: معناه أن عيسى سبب للعلم بها. فإنه هو ومعجزاته من أعظم الدلائل على إمكان البعث. فالآية مجاز مرسل علاقته المسببية. إذ أطلق المسبب وهو العلم، وأراد السبب وهو عيسى ومعجزاته. كقولك (أمطرت السماء نباتا) أي مطرا يتسبب عنه النبات. وقرئ وإنه لعلم للساعة بفتحتين. أي أنه كالجبل الذي يهتدى به إلى معرفة الطريق ونحوه.
فبعيسى عليه السلام يهتدى إلى طريقة إقامة الدليل على إمكان الساعة وكيفية حصولها. انتهى.
وهو جيد فلا تمترن بها واتبعون أي اتبعوا هداي أو شرعي أو رسولي. أو هو أمر للرسول أن يقوله هذا أي القرآن، أو ما أدعوكم إليه صراط مستقيم ولا يصدنكم الشيطان أي عن الاتباع إنه لكم عدو مبين.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 53.33 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 52.71 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.18%)]