عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 25-02-2025, 05:57 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,502
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"
محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ فصلت
المجلد الرابع عشر
صـ 5191 الى صـ 5200
الحلقة (532)






يعني أن إثبات المقاولة مع السماء والأرض من المجاز. إما بالاستعارة المكنية. كما تقول (نطقت الحال) فتجعل الحال كإنسان يتكلم في الدلالة، ثم يتخيل له النطق الذي هو لازم المشبه به، وينسب إليه. وإما بالاستعارة التمثيلية بأن شبه فيه حالة السماء والأرض التي بينهما وبين خالقهما، في إرادة تكوينهما وإيجادهما، بحالة أمير ذي جبروت له نفاذ في سلطانه، وإطاعة من تحت تصرفه من غير تردد. وقد رد غير واحد قول من ذهب إلى أن في الجمادات تمييزا ونطقا على ظاهر أمثال هذه النصوص. منهم ابن حزم. قال في (الفصل) : وأما قوله تعالى قالتا أتينا طائعين فقد علمنا بالضرورة والمشاهدة أن القول في اللغة التي نزل بها القرآن، إنما هو دفع آلات الكلام من أنابيب الصدر والحلق والحنك واللسان والشفتين والأضراس، بهواء يصل إلى آذان السامع، فيفهم به مرادات القائل. فإذ لا
شك في هذا، فلكل من لا لسان له ولا شفتين ولا أضراس ولا حنك ولا حلق، فلا يكون منه القول المعهود منا. هذا مما لا يشك فيه ذو عقل. فإذ هذا هكذا كما قلنا بالعيان، فكل قول ورد به نص ولفظ مخبر به عمن ليست هذه صفته، فإنه ليس هو القول المعهود عندنا. لكنه معنى آخر. فإذ هذا كما ذكرنا، فبالضرورة صح أن معنى قوله تعالى: أتينا طائعين إنما هو على نفاذ حكمه عز وجل وتصريفه لهما. انتهى.
وكذا الحال في ائتيا طوعا أو كرها فإنهما لما نزلا ... وهما من الجمادات- منزلة العقلاء، إذ أمرا وخوطبا على طريق المكنية أو التمثيلية، أثبت لهما ما هو من صفات العقلاء من الطوع والكره ترشيحا. وهما مؤولان ب (طائع وكاره) لأن المصدر لا يقع حالا بدون ذلك، ويجوز كونهما مفعولا مطلقا. وإنما قال طائعين بجمع المذكر السالم مع اختصاصه بالعقلاء الذكور. وكان مقتضى الظاهر (طائعات) أو (طائعتين) نظرا إلى الخطاب والإجابة والوصف بالطوع والكره.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 12]
فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم (12)
فقضاهن سبع سماوات في يومين أي أحكمهن بإزالة رخاوة الدخان.
قال المهايمي ولم يجعل لمادتها يوما. لأنها كمادة الأرض. فدخلت في يومها وأوحى في كل سماء أمرها أي ما أمر به فيها ودبره من الملائكة والخلق الذي فيها، وما لا يعلم وزينا السماء الدنيا بمصابيح فإنها كالسقف المرفوع المزين بمصابيح معلقة به، ما يدعو إلى الاستدلال بها على قدرة صانعها وحكمته وحفظا أي من الشياطين أن تسترق أخبارها ذلك تقدير العزيز العليم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 13]
فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود (13)
فإن أعرضوا أي عن هذا الاستدلال، وعن الإيمان بهذا العزيز الغالب على كل شيء، الذي اقتضى علمه ترتيب بعض الأمور فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود لأنكم مثلهما في العناد، ومثل عاد في الاستكبار، ومثل ثمود في استحباب العمى على الهدى.
قال ابن جرير: قد بينا فيما مضى أن معنى الصاعقة كل ما أفسد الشيء وغيره عن هيئته. وقيل في هذا الموضع: عني بها وقعة من الله وعذاب.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : الآيات 14 الى 16]
إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون (14) فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون (15) فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون (16)
إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم قال الزمخشري: أي أتوهم من كل جانب، واجتهدوا بهم، وأعملوا فيهم كل حيلة، فلم يروا منهم إلا العتو والإعراض كما حكى الله تعالى عن الشيطان لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم [الأعراف: 17] ، يعني لآتينهم من كل جهة. ولأعلمن فيهم كل حيلة، وتقول (استدرت بفلان من كل جانب، فلم يكن لي فيه حيلة) . وحاصله جعل الجهتين كناية عن جميع الجهات، علي ما عرف في مثله. والمراد بإتيانهم من جميع الجهات، بذل الوسع في دعوتهم على طريق الكناية. ويحتمل أن المعنى: جاءوهم بالوعظ من جهة الزمن الماضي وما جرى فيه على الكفار، ومن جهه المستقبل وما سيجري عليهم. فالمراد بما بين أيديهم الزمن الماضي، وبما خلفهم المستقبل.
ويجوز فيه العكس، كما ذكر في آية الكرسي ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا أي إرسال رسول لأنزل ملائكة أي من السماء بما تدعوننا إليه فإنا بما أرسلتم به أي من عبادة الله وحده كافرون فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أي حتى نخاف عذابه، لو تركنا عبادته، أو عبدنا معه غيره أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة أي فيجب أن يحذر عقابه ويتقى عذابه وكانوا بآياتنا أي التي هي أقوى الدلائل يجحدون فأرسلنا عليهم أي لعتوهم بالقوة ريحا صرصرا أي شديدة الصوت في هبوبها في أيام نحسات أي مشؤومات عليهم لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون أى في الأخرى. كما لم ينصروا في الدنيا.
تنبيه:
قال الرازي: استدل الأحكاميون من المنجمين بهذه الآية على أن بعض الأيام قد يكون نحسا وبعضها قد يكون سعدا. لأن النحس يقابله السعد، والكدر يقابله الصافي. ثم أطال الرازي في الجواب والإيراد. ولا يخفى أن السعد والنحس إنما هو أمر إضافي لا ذاتي. وإلا لكان اليوم الذي يراه المنجمون نحسا، مشؤوم الطالع على كل ما أشرقت عليه الشمس. وكذا ما يرونه سعدا. والواقع بخلاف ذلك. إذ اليوم النحس عند زيد، قد يكون سعدا عند بكر. بل الساعة بل الدقيقة. فأين تلك الدعوى؟ والقرآن أتى على أسلوب العرب البديع. ومن لطائفهم تسمية وقت الشدة والبؤس بالنحس، ومقابلها بالسعد. فالنحس نحس على صاحبه. والسعد سعد على صاحبه.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 17]
وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون (17)
وأما ثمود فهديناهم أي بينا لهم سبيل الحق وطريق الرشد. ونهيناهم أن يتبعوا الضلالة. وأمرناهم أن يقتفوا الهدى فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون أي من الآثام، بكفرهم بالله.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 18]
ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (18)
ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون أي يخشون ربهم ويخافون وعيده. وذلك بالإيمان به وحده وتصديق رسله.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 19]
ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون (19)
ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون أي يوم يجمع، لمزيد الفضيحة، بين الأولين والآخرين، أعداء الله المشركون والجاحدون، إلى النار فيجيء أولهم على آخرهم، ليتم إلزام الحجة عليهم بين جميعهم، فلا يبقى لهم مقال لهم لأنهم لا يزالون يجادلون عن أنفسهم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 20]
حتى إذا ما جاؤها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون (20)
حتى إذا ما جاؤها أي فبالغوا في إنكار المخالفة شهد عليهم سمعهم أي بأنهم سمعوا الحجج فأعرضوا عنها، وسمعوا الشبه فاتبعوها، وسمعوا الفواحش فاستحسنوها وأبصارهم أي بأنهم رأوا الآيات فلم يعتبروها، ورأوا القبائح فاختاروها وجلودهم أي بأنهم باشروا المعاصي، فوصل أثرها إلى القوة اللامسة منهم، فيشهد كل عضو وجزء بما كانوا يعملون.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 21]
وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون (21)
وقالوا لجلودهم أي المدركة ألم العذاب الذي لا يدركه السمع والبصر لم شهدتم علينا أي بما يوجب إيلامكم قالوا أنطقنا الله أي بهذه الشهادة الذي أنطق كل شيء أي أنطق كل شيء من الحيوان. فهو من العام الذي خصه العقل، كقوله تعالى والله على كل شيء قدير [البقرة: 284] ، أي كل شيء من المقدورات. هذا، على أن النطق علي ظاهره وحقيقته. وقيل المراد ظهور علامات على الأعضاء دالة على ما كانت متلبسة به في الدنيا، بتغير أشكالها ونحوه. مما يلهم الله من رآه أنه صدر عنه ذلك، لارتفاع الغطاء في الآخرة. فالنطق مجاز عن الدلالة.
قال القاشاني: معنى شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم أي غيرت صور أعضائهم، وصورت أشكالها على هيئة الأعمال التي ارتكبوها، وبدلت جلودهم وأبشارهم فتنطق بلسان الحال، وتدل بالأشكال على ما كانوا يعملون. ولنطقها بهذا اللسان قالت أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء إذ لا يخلو شيء ما من النطق. ولكن الغافلين لا يفهمون. انتهى. لكن قال الرازي: تفسير هذه الشهادة، بظهور أمارات مخصوصة على هذه الأعضاء، دالة على صدور تلك الأعمال منهم، عدول عن الحقيقة إلى المجاز. والأصل عدمه.
ثم قال: وهذه الآية يحسن التمسك بها في بيان أن البينة ليست شرطا للحياة، ولا لشيء من الصفات المشروطة بالحياة. فالله تعالى قادر على خلق العقل والقدرة والنطق في كل جزء من أجزاء هذه الأعضاء. والله أعلم.
تنبيه:
قال الرازي: نقل عن ابن عباس أنه قال: المراد من شهادة الجلود شهادة الفروج، وإنه من باب الكنايات كما قال ولكن لا تواعدوهن سرا [البقرة: 235] وأراد النكاح. وقال: أو جاء أحد منكم من الغائط [النساء: 43] و [المائدة: 6] ، والمراد قضاء الحاجة. فتكون الآية وعيدا شديدا في الزنى. انتهى.
وقد أشار الإمام ابن الأثير في (المثل السائر) إلى ترجيح هذا المعنى. حيث ذكر هذه الآية في الترجيح الذي يقع بين معنيين، يدل عليهما لفظ واحد، يكون حقيقة في أحدهما، مجازا في الآخر، وعبارته: الجلود هاهنا تفسر حقيقة ومجازا.
أما الحقيقة فيراد بها الجلود مطلقا، وأما المجاز فيراد بها الفروج خاصة، وهذا هو المانع البلاغي الذي يرجح جانب المجاز على الحقيقة، لما فيه من لطف الكناية عن المكنى عنه. وقد يسأل هاهنا في الترجيح بين الحقيقة والمجاز، عن غير الجانب البلاغي. ويقال: ما بيان هذا الترجيح؟ فيقال: طريقة لفظ الجلود عام،، فلا يخلو إما أن يراد به الجلود مطلقا أو يراد به الجوارح التي هي أدوات الأعمال خاصة. ولا يجوز أن يراد به الجلود على الإطلاق، لأن شهادة غير الجوارح التي هي الفاعلة، شهادة باطلة. إذ هي شهادة غير شاهد. والشهادة هنا يراد بها الإقرار. فتقول اليد: أنا فعلت كذا وكذا. وتقول الرجل: أنا مشيت إلى كذا وكذا. وكذلك الجوارح الباقية تنطق مقرة بأعمالها. فترجح بهذا أن يكون المراد به شهادة الجوارح. وإذا أريد به الجوارح، فلا يخلو إما أن يراد به الكل أو البعض. فإن أريد به الكل، دخل تحته السمع والبصر. ولم يكن لتخصيصهما بالذكر فائدة. وإن أريد به البعض، فهو بالفرج أخص منه بغيره من الجوارح، لأمرين: أحدهما- أن الجوارح كلها قد ذكرت في القرآن الكريم شاهدة على صاحبها بالمعصية ما عدا الفرج. فكان حمل الجلد عليه أولى، ليستكمل ذكر الجميع. الآخر- إنه ليس في الجوارح ما يكره التصريح بذكره إلا الفرج. فكني عنه بالجلد، لأنه موضع يكره التصريح فيه بالمسمى على حقيقته.
فإن قيل: إن تخصيص السمع والبصر بالذكر، من باب التفصيل، كقوله تعالى:
فاكهة ونخل ورمان [الرحمن: 68] . والنخل والرمان من الفاكهة. قلت في الجواب: هذا القول عليك لا لك. لأن النخل والرمان إنما ذكرا لتفضيل لهما في الشكل أو في الطعم، والفضيلة هاهنا في ذكر الشهادة، إنما هي تعظيم لأمر المعصية.
وغير السمع والبصر أعظم في المعصية. لأن معصية السمع إنما تكون في سماع غيبة، أو في سماع صوت مزمار أو وتر، أو ما جرى هذا المجرى. ومعصية البصر إنما تكون في النظر إلى محرم: وكلتا المعصيتين لا حد فيها. وأما المعاصي التي توجد من غير السمع والبصر، فأعظم. لأن معصية اليد توجب القطع. ومعصية الفرج توجب جلد مائة أو الرجم. وهذا أعظم. فكان ينبغي أن تخص بالذكر دون السمع والبصر. وإذا ثبت فساد ما ذهبت إليه، فلم يكن المراد بالجلود إلا الفروج خاصة.
انتهى كلام ابن الأثير.
وناقشه ابن أبي الحديد في (الفلك الدائر) بما محصله: أن حمل الجلد على الفرج إنما يتعين، إذا كان بين لفظتي الجلد والفرج أو معناهما مناسبة. ولا نجد مناسبة إلا أن يكون لأجل أن الجلد جزء من أجزاء ماهية الفرج. فعبر عن الكل بالبعض، وهو بعيد جدا. انتهى.
وأقول: مقصود من أثر عنه إرادة الفروج بالجلود هو إرادة الفرد الأهم والأقوى.
وذلك لأن الجلود تصدق على ما حواه الجسم من الأعضاء والعضلات التي تكتسب الجريمة. ولا يخفى أن أهمها بالعناية وأولاها بالإرادة هو الفروج. لأن معصيتها تربى على الجميع. وقد عهد في مفسري السلف اقتصارهم في التأويل من العام على فرده الأهم. كقصرهم (سبيل الله) على الجهاد، مع أن (سبيل الله) يصدق على كل ما فيه خير وقربة ونفع ومعونة، على الطاعة. إلا أن أهم الجميع هو جهاد الذين يصدون عن الحق. فذكر الجهاد لا ينفي غيره. وهذه فائدة ينبغي أن يحرص على فهمها كل من له عناية بالتفسير. فإنها من فوائده الجليلة. وينحل بها إشكالات.
ليست بالقليلة، والله الموفق. وقوله تعالى: وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون إما من تمام كلام الجلود، أو مستأنف من كلامه تعالى: وعلى كل، فهو مقرر لما قبله، بأن القادر على الخلق أول مرة، قادر على إنطاق كل شيء.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 22]
وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون (22)
وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم أي وما كنتم تستترون عند فعلكم الفواحش والمنكرات، مخالفة أو كراهة أن يشهد عليكم
ما ذكر. أي ليس استتارهم للخوف مما ذكر، بل من الناس. ف أن يشهد مفعول له، بتقدير مضاف. أو من أن يشهد أو عن أن يشهد. أو أنه ضمن معنى الظن، فهو في محل نصب. وفي الآية تنبيه على أن المؤمن ينبغي أن يتحقق، أنه لا يمر عليه حال إلا وعليه رقيب، كما قال أبو نواس:
إذا ما خلوت الدهر يوما، فلا تقل ... خلوت. ولكن قل: علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما يخفى عليك، يغيب
ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون أي ما ظننتم أن الله يعلم فينطق الجوارح، ولكن ظننتم أنه لا يعلم كثيرا، وهو ما عملتم خفية. فما استترتم عنها واجترأتم على المعاصي. وإذا كان أن يشهد مفعولا له، فالمعنى ما استترتم بالحجب، لخيفة أن تشهد عليكم الجوارح. فلذا ما استترتم عنها. لكن لأجل ظنكم أن الله لا يعلم كثيرا، فلذا سعيتم في الاستتار عن الخلق، لا عن الخالق، ولا عما تنطق به الجوارح.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 23]
وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين (23)
وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم أي أهلككم بالجراءة على مخالفته في الدنيا، ومجادلته في القيامة فأصبحتم من الخاسرين أي لأعمال النجاة.
والدرجات في الآخرة.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 24]
فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين (24)
فإن يصبروا أي على النار فالنار مثوى لهم أي منزل ومسكن وإن يستعتبوا أي يسألوا العتبى وهي الرجعة إلى الذين يحبون فما هم من المعتبين أي المجابين إليه، فلا يخفف عنهم العذاب.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : الآيات 25 الى 26]
وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين (25) وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون (26)
وقيضنا لهم قرناء أي بعثنا لهم نظراء من الشياطين اقترنوا بهم فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم أي حسنوا لهم أعمالهم كلها، الحاضرة والمستقبلة.
فالطرفان كناية عن الجميع، أو ما بين أيديهم من جرائم الدنيا، وما خلفهم من التكذيب بالمعاد. قال الشهاب: وتفسير أمور الدنيا بما بين أيديهم، لحضورها عندهم، كالشيء الذي بين يديك تقلبه كيف تشاء. والآخرة بما خلفهم، لعدم مشاهدتها، كالشيء الذي خلفك، أو لكونها ستلحق بهم. وقد يعكس فيجعل ما بين أيديهم الآخرة لأنها مستقبلة، وما خلفهم الدنيا لمضيها وتركها كما مر قريبا.
وقال القاشاني في تفسير الآية: أي قدرنا لهم أخدانا وأقرانا من شياطين الإنس أو الجن، من الوهم والتخيل، لتباعدهم من الملأ الأعلى، ومخالفتهم بالذات للنفوس القدسية والأنوار الملكوتية، بانغماسهم في المواد الهيولانية. واحتجابهم بالصفات النفسانية، وانجذابهم إلى الأهواء البدنية والشهوات الطبيعية. فناسبوا النفوس الأرضية الخبيثة والكدرة المظلمة. وخالفوا الجواهر القدسية. فجعلت الشياطين أقرانهم وحجبوا عن نور الملكوت فزينوا لهم ما بين أيديهم أي ما بحضرتهم من اللذات البهيمية والسبعية، والشهوات الطبيعية في وما خلفهم أي من الآمال والأماني التي لا يدركونها وحق عليهم القول أي في القضاء الإلهي. بالشقاء الأبدي في أمم قد خلت من قبلهم من المكذبين بأنبيائهم، الضالين المضلين من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين وقال الذين كفروا أي ستروا زينة أدلة القرآن عن أتباعهم. الذين زينوا لهم شبهاتهم الواهية لا تسمعوا لهذا القرآن أي إذا قرأه، ولا تصغوا له، كيلا يؤثر عليكم وعظه والغوا فيه أي ائتوا باللغو عند قراءته، ليختلط. فلا يمكنه القراءة. والمراد باللغو ما لا أصل له. أو ما لا معنى له لعلكم تغلبون أي تصدون من أراد استماعه، عن استماعه، فلا يسمعه. وإذا لم يسمعه، ولم يفهمه، لم يتبعه. فتغلبون بكيدكم هذا حججه، التي يغلب بها عقولكم.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 48.82 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 48.19 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.29%)]