عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 22-02-2025, 03:09 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,370
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أثر الزكاة في تحقيق الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية

ثامناً: الزكاة والقضاء على مشكلة التضخّم

يُعرف التضخُّم “Inflation” بأنه ظاهرة اقتصاديَّة تُشير إلى الارتفاع المُستَمِرّ في المُستَوى العامّ للأسعار في فترة زمنيَّة مُحدَّدة، ممّا يُؤدّي إلى انخفاض القُوَّة الشرائيَّة التي تُعبِّر عن كمِّيّة السِّلَع والخدمات التي يستطيع الفرد شراءها بأمواله، ويحدث التضخُّم عندما تزيد كمِّية النقود المُتَداولة بمُعدَّلٍ أسرع من زيادة حجم الإنتاج، ممّا يُؤدّي إلى ارتفاع أسعار السِّلَع والخدمات، الأمر الذي قد تكون له تأثيرات واسعة في الاقتصاد والمجتمع إذا لم تُوضَع خُطَط واستراتيجيّات فَعّالة لمُواجَهَته. [13].

أو هو: “الارتفاع المتزايد في أسعار السلع والخدمات، سواء كان هذا الارتفاع ناتجًا عن زيادة كمية النقد بشكل يجعله أكبر من حجم السلع المتاحة، أو العكس، أي أنه ناجم عن زيادة في الإنتاج فائضة عن الطلب الكلي، أو بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، فضلاً عن الدور المغذي لتوقعات التضخم”. [14].
أنواع التضخم الاقتصادي
1-التضخم الزاحف Creeping inflation:

ويُطلَق عليه أيضًا “التضخُّم المُعتَدِل”، وهو نوع ترتفع فيه الأسعار ببُطء ولكن بشكل مُستَمِرّ خلال فترة مُعيَّنة، وبمُعدَّل يتراوح بين 2-3%، ويُعَدّ هذا المُعدَّل طبيعيًّا، وقد يختلف قليلاً من دولة إلى أخرى؛ فزيادة أسعار السِّلَع بنِسَب قليلة يزيد من طلب المُستَهلِك عليها في الوقت الحاليّ؛ خوفًا من ارتفاعها أكثر في المُستَقبَل، مما يعزز الطلب على المنتجات ويُسهِم في النُّمُوّ الاقتصاديّ. [15]
2-التضخم المتنقل Walking inflation:

هو حالة اقتصادية ترتفع فيها أسعار المنتجات حوالي 3% إلى 10% كل عام، مما يدفع المستهلك إلى شراء منتجات إضافية خوفًا من ارتفاع سعرها، مما يسبب ارتفاع نسبة الطلب عليها وعجز المورد عن إنتاج كمية إضافية، فترتفع الأسعار.
3-التضخم الجامح أو الراكض Galloping inflation:

هو حالة ترتفع فيها أسعار السِّلَع والخدمات بسرعةٍ وبمُعدَّلٍ يفوق 10% خلال العام الواحد، فلا يُغطّي دخلُ الأفراد هذه الزيادةَ الكبيرةَ، ممّا يُؤدّي إلى تراجُع القُوَّة الشِّرائيَّة بشكل كبير، ويفقد العملة قيمتها، حيث لا يستطيع التاجر دفع الأجور للموظفين، الأمر الذي يضرُّ الاقتصاد كثيرًا، ويقود البلاد إلى المزيد من عدم الاستقرار الاقتصادي.
4-التضخم المفرط Hyperinflation:

يُعَدّ التضخم المفرط أحد أخطر وأقسى أنواع التضخم، بحيث تصبح النقود بلا قيمة تقريبًا، وقد ترتفع الأسعار لأكثر من 50% في الشهر الواحد، مما قد يُؤدّي إلى انهيار النظام النقديّ والاقتصاديّ للدولة المُتأثِّرة به.، وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا النوع من التضخم نادر الحدوث، وغالباً ما يرتبط بالأزمات الماليَّة الحادَّة في الدولة، أو بالحروب، كما حدث بعد الحرب العالمية الأولى حيث شهدت ألمانيا فترة تضخم لدرجة أن شراء جريدة يومية كانت تتطلب عربة مليئة بالنقود.
5-التضخم الركودي Stagflation:

هذا النوع من التضخم يُعد الأخطر على اقتصاديات الدول، لأنه يؤدي إلى حدوث كلٍّ من التضخم والركود في آن واحد, وهو حالة تتميز بالتباطؤ في معدلات النمو الاقتصادي مع ارتفاع معدل التضخم بشكل كبير، وهو ما يؤدي إلى زيادة حدة المشكلة. ويتميز هذا النوع من التضخم بزيادة معدلات الأسعار مع تراجع النمو الاقتصادي، وهو ما يعرف بالتباطؤ الاقتصادي.

ويحدث التضخم الركودي عندما يتباطأ النمو الاقتصادي ولكن يستمر تضخم الأسعار، وهذا يؤدي إلى زيادة معدلات البطالة وتراجع الإنتاجية. ويتسبب هذا النوع من التضخم في تفاقم المشكلات الاقتصادية، ويعتبر من الحالات الضارة بالاقتصاد. ويعتبر التضخم الركودي من المشاكل الاقتصادية الخطيرة التي يجب مواجهتها بحزم، ويمكن الحدّ منها عن طريق تنفيذ سياسات مالية ونقدية مناسبة، وتحفيز الإنتاجية والاستثمار، وخفض النفقات العامة.

ومن المهم الإشارة إلى أن التضخم الركودي يمكن أن يؤدي إلى تدهور القيمة الحقيقية للنقود، وهو ما يعني أنه يفقد النقود قيمتها الشرائية، ويزيد من تكلفة الحياة، ويؤثر على قدرة الأفراد على تحقيق الرفاهية.

لذلك يجب تفادي التضخم الركودي عن طريق تنفيذ سياسات اقتصادية مناسبة، وتشجيع الإنتاجية والاستثمار، وتحسين البنية التحتية للبلدان، وتحفيز الابتكار والتطوير التكنولوجي.
6-تضخُّم دفع الطلب Demand-Pull Inflation

يُشير هذا النوع إلى حالة التضخُّم التي تحدث نتيجة زيادة الطلب على السِّلَع والخدمات بشكل مُفرط، ممّا يُؤدّي إلى ارتفاع الأسعار؛ إذ يزيد طلب المُستَهلِكِين على السِّلَع المختلفة عن العرض المُتاح في السوق أو حجم الإنتاج، ممّا يدفع المُنتِجِين والمُورِّدِين إلى رفع الأسعار؛ لتلبية الطلب الزائد.

وفي هذه الحالة من التضخُّم، تتَّجِه الشركات نحو توظيف المزيد من العُمّال لتلبية الطلب المُتَزايِد، وبالتالي زيادة أسعار سِلَعها وخدماتها؛ لتغطية تكاليف العَمالة المُرتَفِعة، وبذلك يستَمِرّ التضخُّم بالارتفاع.
7-تضخُّم دفع النفقة Cost-Push Inflation

ويُقصَد به التضخُّم الذي يحدث نتيجة زيادة تكاليف عملية إنتاج السِّلَع المختلفة، كتكاليف المواد الخام، أو أجور العاملين، أو الوقود، أو الأجور أو غيرها، ممّا يُؤدّي إلى رفع أسعار السِّلَع بصورتها النهائية؛ لتغطية تكاليف الإنتاج المرتفعة، مما ينعكس على المستهلكين بصورة مباشرة.

فعلى سبيل المثال، ستُؤدّي الزيادة في سعر النفط -وهو يُعَدُّ مادَّةً رئيسةً في العديد من القطاعات الاقتصادية- في البداية إلى ارتفاع أسعار البنزين، وهذا يجعل عملية نقل البضائع من مكانٍ إلى آخر أكثر تكلفةً، ممّا سيُؤدّي بدوره إلى زيادة أسعار السِّلَع في محلات البقالة والمواد التموينية، فينجم عنها هذا النوع من التضخُّم.
8-التضخُّم المُستورَد Pass-Through Inflation

يُشير هذا النوع من التضخُّم إلى ارتفاع أسعار السِّلَع المُستوردة في السوق المحلية نتيجة انخفاض قيمة العملة المحلية للدولة مقابل العملة الأجنبية، فيتحمَّل المستهلك تكلفة هذا الانخفاض في قيمة العملة عند شراء سلعة مُستوردة، ويزداد هذا التضخُّم عند زيادة نسبة مدخلات الإنتاج المستوردة من الخارج.
9-توقُّعات التضخُّم Inflation Expectations

وتُعرف بأنَّها التوقعات التي يبنيها الأفراد والشركات حول زيادة الأسعار في المستقبل بناءً على الظروف الاقتصادية الحالية؛ فعلى سبيل المثال، قد تكون لدى بعض الشركات توقعات بارتفاع معدلات التضخُّم مع مرور الوقت، فترفع أسعارَ سلعها وخدماتها أكثر بناءً على هذه التوقعات، وقد تكون لدى الأفراد والموظفين التوقعات نفسها، فيطالبون بأجور أعلى للتعويض عن الخسارة المتوقعة في قدراتهم الشرائية.
10-التضخُّم الظاهر أو المفتوح Open Inflation


ويُعرف بأنَّه التضخُّم الذي يحدث على نطاق واسع، إذ تستمر الأسعار فيه بالارتفاع دون أن تبذل الجهات المسؤولة في الدولة جهودًا لمواجهته، ولذلك يمكن أن يُطلَق عليه “التضخُّم المفتوح”، وهذا الموقف السلبي تجاه التضخُّم يُؤدّي إلى تسارُعه وزيادة آثاره السلبية في الاقتصاد العامّ والمجتمع ككل.
11-التضخُّم المكبوت Repressed Inflation

يُعَدّ التضخُّم المكبوت حالةً عكسيةً للتضخُّم المفتوح؛ ففي حال وجود طلب زائد في اقتصاد الدولة على السلع والخدمات في السوق، فإن ذلك يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، فتقوم الحكومات باتخاذ التدابير اللازمة، مثل التحكم في الأسعار والتقنين وغيرها، لمنع زيادة الأسعار الناتجة عن الطلب الزائد، ولتجنب الآثار السلبية للتضخم.
12- شبه التضخم:

هو مواجهة الاقتصاد ضغوطًا تضخمية بسبب الضغوط من قطاعات معينة من الاقتصاد المحلي.
الزكاة وآليات القضاء على مشكلة التضخّم

يمكن من خلال الزكاة معالجة التضخُّم وكبح جماحه من خلال ما يلي:

توفير التدفقات النقدية بشكل مستمر وعبر جميع أيام السنة: إن انتظام انسياب حصيلة الزكاة مع بداية كل حَوْل قمريّ يوفر كميات النقد اللازمة للتداول، دون الحاجة إلى لجوء السلطات النقدية لعمليات الإصدار النقديّ.
ضمان المستوى المعيشي المسمى بمستوى حدّ الكفاية لكل فرد من أفراد المجتمع الإسلامي: إن هذا المستوى المعيشي المضمون يعني ضبط الطلب الكلي الفعّال والعرض الكلي في البلد المسلم، ومن ثم عدم السماح بالتفوق العشوائي للطلب الكلي على العرض الكلي، مما يؤدي إلى ارتفاع المستوى العام للأسعار، ومن ثم حدوث التضخم.والاقتصاد الإسلامي يضع توازنًا دقيقًا بين المراحل الثلاث للسلع والخدمات، وهي الضروريات والحاجات والتحسينيات، ومن خلاله يتحكم بمستويات الطلب الكلي على الاستهلاك من السلع الضرورية والحاجية والتحسينية (الكمالية)، وهذا يعني عدم السماح بظهور التضخم في البلد الإسلامي.
الصور العينية لبعض أنواع الزكاة والإبقاء على استقرار قيمة العملة للبلد الإسلامي: إن توزيع زكاة الزروع والثمار والماشية في صورتها العينية يسهم إلى درجة كبيرة في الاحتفاظ بالقيمة الشرائية للنقود، والحيلولة دون تدهورها. وتحليل ذلك اقتصاديًا: أن هذا التوزيع يؤدي إلى تقليل العرض النقدي الكلي داخل الأسواق الوطنية، ومن ثم تخفيض مستويات الطلب الكلي الفعّال، مما يؤدي إلى الحفاظ على القوة الشرائية لعملة البلد الإسلامي، وبالتالي تخفيض مستويات التضخم تبعًا لها.
ارتباط الزكاة برأس المال النامي: إن فرض الزكاة كنَفَقة واجبة الاستحقاق على رأس المال النامي يدفع بأصحاب رؤوس الأموال إلى الاستمرار في استثمارها، حتى ولو كان المعدل المتوقع للربح أقل من نصاب الزكاة (2.5%)، طالما كان هذا المعدل أكبر من الصفر.والسبب في هذا يرجع إلى أن المستثمرين المزكِّين يحاولون المحافظة على مقادير رؤوس أموالهم الأصلية، بل وتنميتها من خلال إدخال رؤوس أموالهم إلى الاستثمارات والإنتاج، والحصول على الأرباح من خلالها، وهذا يعني استرجاع مبالغ الزكاة التي أعطوها للفقراء والمساكين والمعوزين.
منع أسعار الفوائد الربوية في الاقتصاد الإسلامي: ويعني طرح نفقات تضخّمية كبيرة على رؤوس الأموال الوطنية التي دخلت إلى ميادين التجارة والبنوك والقروض والنشاطات الاقتصادية الأخرى، لأن الفوائد الربوية وبنسبها المختلفة على المستوى الكلي للاقتصاد تؤدي إلى ازدياد التكاليف الكلية للإنتاج والاستثمارات، مما يؤدي إلى ارتفاع المستوى العام للأسعار، وهو عين التضخم. فبإلغاء الفوائد الربوية، يتم القضاء على هذا السبب الكبير للتضخم.
فريضة الزكاة والقضاء على ظاهرة التضخم الركودي: إن أسعار الفوائد الربوية تؤدي إلى :

وضع تكاليف كبيرة على الإنتاج الوطني، مما يؤدي إلى ازدياد المستوى العام للأسعار نتيجة لنقل أعباء التكاليف الزائدة على المستهلكين من قبل المنتجين، وهذا يعني حدوث التضخم نتيجة لعدم قدرة الدخول النقدية على الحصول على نفس الكميات من السلع والخدمات.
تأثير سلبي كبير على مستويات العمالة في الدولة على شكل ازدياد البطالة في القوى العاملة، لأن ازدياد التكاليف الكلية للعرض الكلي من منتجات الدولة لا يقابله الطلب الكلي الفعّال اللازم لاستيعاب جميعها من الأسواق، مما يؤدي إلى تراكمها وتكدسها في المخازن من دون شراء لها، مما يدفع أصحاب المعامل والمنظمين والمدراء إلى أن يطردوا العمال والأُجَراء من العمل، مما يعني ظهور ظاهرة البطالة على مستوى البلاد.

صورة مقال أثر الزكاة في تحقيق الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية

فهنا تأتي الزكاة، مع العوامل المالية الأخرى في الاقتصاد الإسلامي، كعامل حرمة الربا، لتقضي على هاتين الظاهرتين، التضخم والبطالة، أي القضاء على مشكلتي البطالة والتضخم، والمسمى بالتضخم الركودي في آن واحد، وذلك وفقًا للتحليل التالي: إن الاستمرار في إعطاء الزكاة على مدار السنة في البلد الإسلامي يؤدي إلى: ازدياد الطلب الكلي الفعّال على الدوام في السنة، مما يؤدي إلى ازدياد العرض الكلي للسلع والخدمات المنتجة في البلاد، ثم ازدياد الناتج الكلي -أي المحلي- الإجمالي، ثم ازدياد الطلب الكلي على عوامل الإنتاج (المتكون من: الأرض، العمل، رأس المال، التنظيم، الشورى في الاقتصاد الإسلامي)، وازدياد الطلب الكلي على العمل من ضمن هذه العوامل الإنتاجية، ومن ثم القضاء على البطالة، فهنا تكون قد قُضِيَت على المشكلة الأولى وهي مشكلة البطالة.

كل هذا من جانب، ومن جانب آخر: إن الاستمرار في إعطاء الزكاة في الدولة المسلمة يؤدي إلى ازدياد الطلب الكلي الفعّال، ثم ازدياد العرض الكلي مع ازدياد القوة الشرائية جنبًا إلى جنب لدى شرائح الفقراء والمساكين والمعوزين في البلاد، مما يؤدي إلى ازدياد الطلب على المنتجات الكلية للدولة، وهذا يعني استيعاب العرض الكلي من السلع والخدمات الوطنية في الأسواق لدى المستهلكين في البلاد، ثم القضاء على ظاهرة تراكم وتكدس السلع والخدمات في الأسواق، ثم حدوث الرواج الاقتصادي، وهو يعني إرجاع القوة للقوى الشرائية للبلاد، مما يعني القضاء على مشكلة التضخم، وحدوث التنمية والتطور الاقتصادي في البلد الإسلامي.

وهنا يحصل القضاء المبرم على كلتا ظاهرتي البطالة والتضخم في آن واحد، مما يعني القضاء على ظاهرة التضخم الركودي في اقتصاد البلد الإسلامي من خلال فريضة الزكاة.

حصة الغارمين من مصارف الزكاة والقضاء على ظاهرة التضخم: إن الغارمين هم أحد الفئات الثمانية الذين يُسَدَّدُ ديونهم من مصارف الزكاة الثمانية وفقاً لقول الله تعالى: [ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ][سورة التوبة-الآية:60],

من هم الغارمون؟

الغارِم لغةً: الغُرمُ هو الدَّين، والغارمُ هو الذي عليه دَينٌ، والغريم يُطلَقُ على المَدينِ وعلى صاحِب الدَّينِ، وأصل الغُرمِ في اللُّغة اللُّزوم، ومنه قولُ الله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [سورة الفرقان – الآية: 65]، وسُمِّي كلُّ واحدٍ منهما غريمًا لمُلازَمَتِه صاحبَه، وقيل: الغُرمُ من الخسران، وكأنَّ الغارِمَ هو الذي خسِرَ مالَه.

الغارم شرعًا: هو المَدينُ العاجزُ عن وفاءِ دَينِه.[17].
أنواع الغارمين

الغارمون هم الذين تراكمت عليهم الديون، سواء كانوا قد استدانوا لإصلاح ذات البين، أو قد تراكمت عليهم الديون الشخصية بسبب الأزمات. الغارمون بحاجة إلى دعم مالي لسداد ديونهم والخروج من الأزمات المالية التي يواجهونها، والزكاة تُعطى لهم لكي يتمكنوا من تسوية ديونهم والعودة إلى حياة طبيعية. [18].

هناك نوعان أساسيان من الغارمين هما [19]:

غارم لمصلحة نفسه: أي الذي استدان المال من أجل النفقة على نفسه ومن يعيل، في شراء الطعام والشراب والملابس والعلاج وتكاليف المعيشة.
غارم لمصلحة الغير: أو لمصلحة المجتمع، أي الذي استدان المال لأداء منفعة عامة، كإصلاح بين متخاصمين، أو إيقاف فتنة، أو دفع ديّة.

الغارمون المستحقون للزكاة

ليس كل الغارمين مستحقين للزكاة، بل هناك شروط واجب تحققها، ومن شرط استحقاق الزكاة للغارم ما يلي::

أن يكون مسلماً.
أن لا يكون من أهل البيت عند الجمهور.
أن يكون دَينهُ في أمر مباح، أي لحاجة الإنفاق على أسرته، أو بسبب الخسارة في التجارة أو بسبب مصيبة أو كارثة. أما في حال كان سبب الدَّين أمراً محرَّماً مثل: القمار أو شراء الخمور مثلاً فإنّهُ لا يُعطى من الزكاة، وكذلك الأمر في حال كان دَين الغارم بسبب الإسراف أو التبذير فإنه لا يعطى من الزكاة على حساب بقية الفئات؛ وهذا ما ذهب إليه المالكية.

فضل سداد دين الغارم

قال رسول الله ﷺ: [ مَن نَفَّسَ عن مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عنْه كُرْبَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَن يَسَّرَ علَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عليه في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ ] [ صحيح مسلم-رقم الحديث:2699].

ففي هذا الحديث يقول النبي ﷺ: « مَن نَفَّسَ عن مُؤْمِنٍ كُرْبَةً »، أي: رفع عن مؤمن حزنا وعناء وشدة، ولو كان يسيرا، فيكون الثواب والأجر أن ينفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، وتنفيس الكرب إحسان، فجزاه الله جزاء وفاقا، « وَمَن يَسَّرَ علَى مُعْسِرٍ ». والتيسير على المعسر في الدنيا من جهة المال يكون بأحد أمرين: إما بإنظاره إلى الميسرة، وتارة بالوضع عنه إن كان غريما، أي: عليه دين، وإلا فبإعطائه ما يزول به إعساره، وكلاهما له فضل عظيم، وجزاؤه أن ييسر الله عليه في الدنيا والآخرة مقابل تيسيره على عبده؛ مجازاة له بجنس عمله، «ومن ستر مسلما»، أي: رآه على قبيح فلم يظهره للناس، فيكون جزاؤه أن يستره الله في الدنيا، أي: يستر عورته أو عيوبه، ويستره في الآخرة عن أهل الموقف. وهذا فيمن كان مستورا لا يعرف بشيء من المعاصي، فإذا وقعت منه هفوة أو زلة، فإنه لا يجوز هتكها ولا كشفها ولا التحدث بها.

وليس في هذا ما يقتضي ترك الإنكار عليه فيما بينه وبينه. وقوله: « وَاللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ »، أي: من أعان أخاه أعانه الله، ومن كان ساعيا في قضاء حاجات أخيه، قضى الله حاجاته؛ فالجزاء من جنس العمل [20].

وعلى ضوء هذا الحديث الشريف فإن سداد الدَّين عن الغارم فيه من الفضائل ما يلي:

تنفيس كربة من كرب الآخرة عن المسدِّد للدَّين، لأنه نَفَّس كربة دنيوية عن الغارم.
نيل التيسير من ربّ العالمين، لأنه يسّر على مُعسر وسدد عنه الدَّين.
الستر من الله تعالى في الدنيا والآخرة، لأنه ستر مسلماً غارماً عن الخوف والهم والغم والإشهار والشكوى القضائي.
المعونة من الله تعالى طالما كان المسلم مُعيناً لإخوانه بمن فيهم الغارمون.

آثار سداد دين الغارم

إن الآثار والحكم المترتبة عن سداد الدَّين عن الغارمين كثيرة، وما هي إلاّ امتداد للحكمة من دفع الزكاة للفئات المستحقة جميعها. وفي ما يلي بعض الآثار الإيجابية لسداد الدَّين عن الغارمين:

الحفاظ على كرامة الغارم من ذلِّ السؤال من ناحية، ومن ذلِّ المساءلة إن ترتب على دَينه المتراكم مساءلة قضائية.
إعانة الغارم على سدادِ دَينه بالحلال؛ ومنعه من اللجوء إلى الطرق المحرمة أو غير المشروعة لسداد ديونه، ما يترتب عليه ضرر أكبر.
شعور الغارم بالطمأنينة والسكينة، وتحصينه من المشاكل والضغوط النفسية المتولدة عن إلتزام الدَّين ، وبالتالي ينال الهدوء والتركيز اللازم لإعادة بناء حياته من جديد.
حفظ عائلة الغارم من شظف العيش أو من المشاكل الاجتماعية والنفسية التي قد يعيشونها بسبب الدَّين المتراكم على معيل الأسرة.
بناء نظام ضمان وتكافل اجتماعي، ونشر المحبة والتآخي بين أفراد المجتمع الاسلامي.

5 شروط تجيز إعطاء الغارم من أموال الزكاة

من المقرر شرعًا أن الغارم من مصارف الزكاة، وهو من حان أجل دَيْنه، ولا يقدر على السداد، ويجوز إعطاء الزكاة له بالشروط التالية [21] :

أن يكون دَينه للإنفاق في طاعة أو مباح، فبذلك يُعدُّ من الغارمين.
ألَّا يكون قد استدان ليأخذ من الزكاة، كأن يكون عنده ما يكفيه، وتوسع في الإنفاق بالدَّين لأجل أن يأخذ من الزكاة، وذلك بخلاف فقير استدان للحاجة أو للضرورة ناويًا الأخذ منها، فهذا يجوز له الأخذ.
أن يكون دَينه قد حَلَّ أجلُه بالفعل، فإن كان مؤجَّلًا ولم يحل موعد السداد فلا يُعَدُّ من الغارمين.
أن يكون الدَّينُ مما يحبس فيه لو لم يقم بسداده في أجله.
ومن الشروط المهمة لأخذ الغارمين من مال الزكاة، شرط أن لا يكون عند الغارم مالا زكويا أو غير زكوي زائد على كفايته يمكن أن يسدد منه الدين ؛ فإن كان عنده هذا الزائد يجب عليه أن يسدد دينه منه، ويعطى من الزكاة ما يكمل الوفاء بالدَّين إن احتاج، وإن كان قادرًا على وفاء الدَّين بعد زمنٍ بالاكتساب وأمكن تأجيل السداد فلا يعطى من الزكاة.

دور الغارمين في خلق مشكلة التضخم الركودي في الاقتصادات الوضعية

هناك بعض الحالات الاقتصادية والاجتماعية التي يمرّ بها الغارمون المدينون في الاقتصاد الوضعي نتيجة لنكسة أو فشل تصيب مؤسساتهم الإنتاجية، مما يؤدي إلى حدوث مشكلتي التضخم والبطالة في آن واحد في هذه البلدان، والسبب الرئيسي لها هو اعتمادهم على القروض الربوية، والتي نوضحها حسب التحليل الاقتصادي التالي:

لجوء الغارمين إلى القروض الربوية، ومن ثم تراكم الديون مع فوائدها الربوية عليهم بعد مرور موعد التسديد عليهم.
تراكم القروض الربوية مع فوائدها الربوية يؤدي إلى ازدياد تكاليف عناصر الإنتاج في الدولة، ومن ثم ازدياد تكاليف الناتج المحلي الإجمالي (Gross Domestic Product – GDP)، ثم ازدياد تكاليف الناتج القومي الإجمالي (Gross National Product – GNP)، ثم حدوث التضخم إثر ذلك، وتفاقمه باستمرار نتيجة العمل بالربا في الاقتصاد.
ازدياد الفوائد الربوية يؤدي إلى تثبيط همم الموسرين والأغنياء نحو النشاطات الاقتصادية، مما يؤدي إلى انخفاض الإنتاج في البلاد، ومن ثم تفوق الطلب الكلي الفعّال على العرض الكلي المنخفض أو المتوقف عن الازدياد، مما يؤدي إلى ارتفاع المستوى العام للأسعار، وهذا يعني حدوث مشكلة التضخم، نتيجة لعدم قدرة القِوى الشرائية لدى المواطنين على الحصول على نفس الكميات من السلع والخدمات كما في السابق.
القروض الربوية والتضخم الركودي: إن تراكم القروض مع فوائدها الربوية على الغارمين يؤدي إلى خلق مشكلتي البطالة والتضخم في آن واحد، فعند ازدياد تكاليف العناصر الإنتاجية نتيجة لأعباء الفوائد الربوية، تثبط الهمم عن الإنتاج، ثم تغلق المصانع الإنتاجية أبوابها، وتبدأ بطرد العمال من أعمالهم، وهذا يؤدي إلى خلق البطالة وازديادها في الاقتصاد القومي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، إن إغلاق المصانع أو تخفيض منتجاتها يؤدي إلى انخفاض العرض الكلي من السلع والخدمات المنتجة، ومع بقاء العرض النقدي للدولة الرأسمالية الوضعية على حاله، يكون هناك تفوق للقدرة الشرائية للمواطنين على السلع والخدمات المعروضة في أسواقها، مما يؤدي إلى انخفاض القوة الشرائية للنقود، وهذه الحالة تعني ظهور التضخم. فهنا تبين لنا أن الفوائد الربوية أدت إلى ظهور كلتا مشكلتي البطالة والتضخم في آن واحد، وهذا يعني ظهور مشكلة التضخم الركودي في اقتصاد الدولة الرأسمالية الوضعية الربوية.

دور الغارمين في القضاء على مشكلة التضخم الركودي في الاقتصاد الإسلامي

في الاقتصاد الإسلامي، عندما تلحق النكسات الاقتصادية بفئة المستثمرين والمنتجين، ويفشلون في نشاطاتهم الاقتصادية الإنتاجية، فإن الدولة المسلمة تتدخل في الاقتصاد وتضع حدًّا للنكسات والأزمات الاقتصادية، وخاصة في مجالات الإنتاج، وتستخدم لأجل ذلك مختلف الأدوات المالية الإسلامية في النظام المالي الإسلامي، وأحد هذه الأدوات المهمة هي القروض الحسنة، التي لها تأثير كبير في الحدّ من هذه النكسات الإنتاجية، وتُرجِّع الأمل والطمأنينة لهؤلاء المنتجين الذين كانوا قد خدموا البلد الإسلامي قبل نكساتهم، وكان دورهم كبيرًا في إحداث التوازن والاستقرار لاقتصاد الأمة ولنظامها الاجتماعي.

فهنا، لبيان كيفية دور الغارمين في القضاء على مشكلة التضخم الركودي وسدّ حاجاتهم، نلجأ إلى التحليل الاقتصادي التالي:
الغارمون هم: “صنف دانوا في مصلحتهم أو معروف وغير معصية، ثم عجزوا عن أداء ذلك في العرض والنقد فيعطون في غرمهم لعجزهم، فإن كانت لهم عروض يقضون منها ديونهم فهم أغنياء لا يعطون حتى يبرءوا من الدَّين، ثم لا يبقى لهم ما يكونون به أغنياء، وصنف دانوا في صلاح ذات بين ومعروف ولهم عروض تحمل حمالاتهم أو عامتها؛ وإن بيعت أضر ذلك بهم وإن لم يفتقروا؛ فيُعطى هؤلاء وتُوفَّر عروضهم؛ كما يُعطى أهل الحاجة من الغارمين حتى يقضوا سهمهم”.[22].
والغارمون نوعان:

الغارم لغيره: وهو الذي يتحمل الديون للإصلاح أو إيقاف الفتن والصلح بين المتخاصمين ولأجل دينه.

الغارم لنفسه: غير محرم، إلا إذا كان يستخدم هذا الدَّين في شيء محرم أو أي شيء سيئ[23].

إن إعطاء الزكاة للفئات الثمانية المستحقة للزكاة، ومن ضمنهم الغارمون، حسب آية الصدقات، وعلى مدار السنة، يؤدي إلى:

حصول الغارمين على الدخول اللازمة لاحتياجاتهم ولتسديد ديونهم، وخروجهم من وطأة القروض التي اقترضوها لأجل إصلاح اقتصادهم الأسري، أو لأجل الآخرين، كإصلاح ذات البين ودفع الدية، وهذا يعني خلق الطلب الفعّال لديهم شأنهم شأن الفئات الأخرى من الفقراء والمساكين والمعوزين ممن أتعبتهم ظروف معيشتهم الضيقة.

هؤلاء يُخلق لديهم الدخول اللازمة والضرورية للولوج إلى الحياة الاقتصادية من جديد، ثم يزداد طلبهم الكلي الفعال، ثم يزداد العرض الكلي من السلع والخدمات المنتجة.

وهذا يؤدي بدوره إلى خلق وتفعيل طلب كلي على العمالة في الدولة، مما يؤدي إلى القضاء على البطالة فيها، وعلى مدار السنة، فهنا يتحقق الهدف الأول وهو القضاء على الجانب الأول من مشكلة التضخم الركودي المتمثل بالبطالة، والذي يدعم هذا أكثر هو التجمع الكبير للطلب الكلي الفعال لدى الأصناف الثمانية الآخذة للزكاة وعلى مدار السنة، حيث يشكلون قوة كبيرة في مواجهة البطالة، ويقضون عليها في النهاية.

أما الثاني، فهو: تأثير القروض الحسنة غير الربوية في القضاء على التضخم، كأحد الوسائل المالية الكثيرة غير الزكاة في النظام المالي الإسلامي، والمأخوذة من قبل الغارمين، وهو يكون حسب التحليل الاقتصادي التالي في الاقتصاد الإسلامي:

إن حصول الغارمين على رؤوس الأموال اللازمة لاسترجاع قوتهم الاقتصادية والدخول إلى ميادين الإنتاج يبدأ كخطوة أولى بتعويض ضروريات حياتهم من خلال الزكاة والعوامل المالية الأخرى في النظام المالي الإسلامي.

ثم الحصول على القروض الحسنة أو من خلال التشاركات الشرعية أو غيرها من الأدوات المالية الإسلامية، ويعني توفر رؤوس أموال ضرورية لدى الغارمين للولوج مرة أخرى إلى داخل النشاطات الاقتصادية، وخاصة الإنتاجية السلعية والخدمية.

وهذا يؤدي إلى تشكيل دخول نقدية لدى العناصر الإنتاجية الخمسة من: الأرض، العمل، رأس المال، التنظيم، الشورى في الاقتصاد الإسلامي.

ثم خلق طلب فعّال لدى هذه العناصر، ثم خلق طلب كلي فعّال على مستوى الدولة المسلمة.

وهذا بدوره يؤدي إلى خلق عرض كلي من السلع والخدمات المنتجة، وذلك حسب العرف أو القاعدة الاقتصادية القائلة:

“الطلب يخلق العرض الخاص به ويساويه أو يقاربه”، وهنا: الطلب الكلي الفعّال يخلق العرض الكلي ويساويه أو يقاربه، ثم إحداث التوازن الاقتصادي، مما يعني المحافظة على القوة الشرائية للعملة الوطنية، وهو يعني عدم السماح بظهور التضخم ومحوه في الاقتصاد الوطني للدولة المسلمة.

والنتيجة: القضاء على كل من البطالة والتضخم في آن واحد، مما يعني القضاء على التضخم الركودي ومنع ظهوره في الاقتصاد الإسلامي.
تاسعاً: تعجيل وتأخير دفع الزكاة والقضاء على الفقر وخلق الانتعاش الاقتصادي

الزكاة عبادةٌ وركنٌ من أركان الإسلام، وهي عبادةٌ ماليَّةٌ محضةٌ، أوجبها الله تعالى على الأغنياء؛ قصدًا لسدِّ حاجة المصارف الثمانية المنصوص عليها في القرآن الكريم؛ خاصة الفقراء والمساكين؛ ولذلك خصهم النبي ﷺ بالذِّكر في حديث معاذ رضي الله عنه حين أرسله إلى اليمن وقال له: […فأعْلِمْهُمْ أنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عليهم صَدَقَةً في أمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِن أغْنِيَائِهِمْ وتُرَدُّ علَى فُقَرَائِهِمْ][ صحيح البخاري-رقم الحديث:1395].

وتجب الزكاة في المال إذا بلغ النِّصاب الشرعيَّ، وكانت ذمَّةُ مالكه خاليةً مِن الدَّين، وكان فائضًا عن حاجته وحاجة مَن يعول، ومضى عليه الحول (عامٌ قمريٌّ كامل).

والنِّصاب الشرعي للزكاة :من الذهب هو خمسة وثمانين 85 غراما من الذهب، ومن الفضة خمسمئة وخمسة وتسعون 595 غراما، والأوراق النقدية تقدر بالأحظ للفقراء منهما أي بالذي يبلغ المال به النصاب من الصنفين؛ فإذا ملك المسلم هذا النصاب أو أكثر منه وجبت فيه الزكاة بمقدار ربع العشر 2,5%، وهو ما أجمع عليه الفقهاء.
تعجيل إخراج الزكاة

إن تعجيل إخراج الزكاة أبلغ في تحقيق منفعة الفقراء والمحتاجين، فيجوز إخراج الزكاة قبل تمام الحول؛ سواء كان إخراجها دفعةً واحدةً أو على دفعات خلال العام، بشرط أن يكون المال مستكملًا النِّصاب وقت وجوب إخراج الزكاة عند تمام الحول. وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء؛ من الحنفية والشافعية والحنابلة : [24].

[ ذهب جمهور الفقهاء ومنهم الحنفية والشافعية والحنابلة وأبو عبيد واسحق إلى أنه يجوز للمزكي تعجيل إخراج زكاة ماله قبل ميعاد وجوبها ….واشترطوا لجواز ذلك أن يكون النصاب موجوداً ، فلا يجوز تعجيل الزكاة قبل وجود النصاب بغير خلاف.][25].
إن تعجيل الزكاة لا بأس به؛ إذا كان الحولُ مثلًا يحلّ في رمضان أو في رجب؛ واليوم رأى فقيرًا محتاجًا فأعطاه إياها بنية الزكاة؛ لا بأس إخراجها قبل الحول ولو كلها، سواء كلها أو بعضها [26].
وينبغي التنبه إلى أنه لو زاد المال عما هو عليه حين التعجيل: فإن هذه الزيادة يجب دفع زكاتها أيضاً.
تجب الزكاة في المال المُعَدِّ للتجارة إذا حال عليه الحول ، ويزكَّى رأس المال مع الربح عند تمام الحول ، وإن كان المال اشتري به عروض للتجارة : فيقدر ثمنها عند تمام الحول بما تساوي حينئذ ، وتخرج الزكاة بواقع اثنين ونصف في المئة 2,5 % من مجموع المال مع الأرباح.إذا قام البنك الإسلامي بإخراج زكاة مال عملائه : فهذا يجزئهم عن إخراجها إن كان البنك موثوقاً في تصريفها في وجهتها الشرعية ، وعلى المسلم أن يزكي ما في يده وما يملكه مما ليس في البنك [27].
يجوز تعجيل الزكاة وأداؤها قبل الحول ولو لعامين, وكذلك فإن بعض الفقهاء أجازوا إخراج المسلم زكاته لثلاثة سنين يضاً [28]، والدليل على جواز تعجيل الزكاة هذا هو ما روي من: [أنَّ العبَّاسَ سألَ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ في تَعجيلِ صدقتِهِ قبلَ أن تَحلَّ ، فرخَّصَ لَهُ في ذلِكَ ][سنن أبي داود-رقم الحديث:1624].

تأخير إخراج الزكاة

إن تأخير الزكاة عن وقت وجوبها مع القدرة لا يجوز, فلا: [يجوز تأخير الزكاة عن وقت وجوبها مع القدرة على إخراجها. ويبقى في ذمة صاحبها وهو ضامن لها، قال الإمام النووي في المجموع: من وجبت عليه الزكاة وقدر على إخراجها؛ لم يجز له تأخيرها ؛ لأنه حق يجب صرفه إلى الآدمي توجهت المطالبة بالدفع إليه، فلم يجز له التأخير كالوديعة إذا طالب بها صاحبها، فإن أخرها وهو قادر على أدائها ضمنها لأنه أخر ما يجب عليه مع إمكان الأداء فضمنه كالوديعة][29].

الزكاة [ عبادة يلتزم المسلم بأحكامها من حيث مقدارها ووقتها وأجناسها ، وليس له أن يؤخر أداءها إذا حلَّ وقتها إلا من عذرٍ يبيح ذلك … لا يجوز تأخير إخراج الزكاة بعد تمام الحول إلاّ لعذر شرعي ، كعدم وجود الفقراء حين تمام الحول ، وعدم القدرة على إيصالها إليهم ، ولغيبة المال ونحو ذلك … ولا يجوز الاتجار بأموال الزكاة لمن وجبت عليه الزكاة ، أو للمؤسسات القابضة لأموال الزكاة الموكلة بإيصالها إلى أهلها ، بل الواجب عليهم أداؤها ، وليكن الاستثمار لغير أموال الزكاة … فعليك أداء الزكاة في وقتها ، ولا يجوز تأخيرها مع التمكن من أدائها ، ولا استثمار أموالها ، لا في مشاريع تجارية ربحية ، ولا في مشاريع دعوية][30] .

سنَّ الله تعالى على عباده أداء فريضة الزكاة في وقت محدد بعد تحقيقها لشروط الزكاة سداً لحاجة الفقراء والمحتاجين على مدار العام؛ دون تأخير أو تراخي من المزكين. وعليه فحكم تأخير إخراج زكاة المال لا يجوز شرعاً في الإسلام؛ إلاّ بوجود عذر شرعي كاستحالة إيصال لمن هم في حاجة، أو عدم توفر فقراء في وقت إخراج الزكاة، أو غير متاح مصرف من مصاريف الزكاة في المكان المُزكّى فيه.

وفي ذلك جاء قول الإمام النووي رحمه الله تعالى: “الزكاة عندنا يجب إخراجها على الفور. فإذا وجبت وتمكن من إخراجها لم يجز تأخيرها. وإن لم يتمكن فله التأخير إلى التمكُّن. فإن أخر بعد التمكن عصى وصار ضامنا“. أي أجاز الإسلام التأخير في إخراج الزكاة في الحالات التالية [31]:

إذا تعذر الإخراج لسبب.
إذا وقع عليه ضرر بإخراج الزكاة دون تأخير. ج-إذا كان التأخير لمصلحة للفقير أو حاجة تصب في مصلحة الفقير.

التحليل الاقتصادي لتعجيل وتأخير الزكاة عن موعدها

في حالة تعجيل الزكاة: إن الظروف الاقتصادية الاستثنائية الشخصية أو العامة عندما تتطلب التعجيل بالزكاة؛ فإنها تؤدي خلق الطلب الفعّال لدى فئات الفقراء والمساكين وغيرهم من المستحقين؛ وهذا يؤدي الى ازدياد العرض الكلي للسلع والخدمات المنتجة في الدولة المسلمة؛ وهو يؤدي إلى ازدياد الإنتاج الكلي ثم تنشيط الدورة الاقتصادية؛ ثم ازدياد الاستهلاك وازدياد الدخول لدى العناصر الإنتاجية؛ ثم ازدياد النشاطات التجارية؛ ثم ارجاع القوة للنقود الوطنية؛ ثم التخفيض أو القضاء على التضخم؛ ثم إعادة التوازن والإستقرار الاقتصادي للبلد المسلم؛ وكل هذا يعني حدوث الرواج والانتعاش الاقتصادي؛ والوصول إلى الأهداف الاقتصادية المنشودة؛ ثم حصول الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية لأفراد المجتمع الإسلامي .
في حالة تأخير الزكاة: إن هذا يعني إيصال قدرات شرائية على شكل نقود أو منتجات مادية معينة إلى فئات الفقراء والمساكين وغيرهم من المستحقين الذين كانوا قد استحقوها سابقاً؛ في أوقات ضرورية لهم؛ وعدم حرمانهم من ثمارات النظام المالي الإسلامي؛ ثم إرجاع القوة الاقتصادية لهم؛ ثم تشكيل طلب فعّال لديهم لاشباع حاجاتهم الاقتصادية؛ وكذلك إشباع حاجاتهم المادية عند اعطاءهم المنتجات المادية؛ وهذا يعني اخراجهم من البؤس الاقتصادي الذي كانوا يقعون فيه لولا تأخير الزكاة لأجلهم.

خاتمة

يُعتبر نظام الزكاة من أهم الأنظمة الاقتصادية في الإسلام، بل هو أداة فعّالة لتحقيق العدالة الاجتماعية، ومحاربة الفقر، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي. ومن خلال تنظيم دفع الزكاة وفق الأحكام الشرعية، سواء بالتعجيل أو التأخير عند الحاجة، يمكن تحقيق اقتصاد مزدهر مستقر يعم فيه الرخاء، وتتحقق فيه العدالة لجميع أفراد المجتمع.

[1] عبد الوهاب خلاف- كتاب علم أصول الفقه وخلاصة تاريخ التشريع -ص: 186- الموقع: المكتبة الشاملة- https://shamela.ws/book/12380/174

[2] سامح عوض الله- الانتعاش الاقتصادي - التاريخ: 26 نوفمبر 2022- الموقع: الإمارات اليوم/ 2024 مؤسسة دبي- https://www.emaratalyoum.com/business/arab-and-inter

[3] تفسير السعدي-الموقع: آيــــات - القرآن الكريم Holy Quran https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/kat...4.html#qortobi

([4])مجدي عبد الفتاح سليمان- دور الزكاة في علاج الركود الاقتصادي-مجلة الوعي الإسلامي – دولة الكويت-العدد: 445 - الشهر: 11 السنة الثانية .-

([5])انظر د. شوقي أحمد دنيا، تمويل التنمية في الاقتصاد الإسلامي ـ ص 282 ـ نقلاً عن نهاية المحتاج للإمام الرملي ـ ج6 ص 157.

([6]) التفسير الميسر--الموقع: القرآن الكريم2022 https://quransunna.net/Meaning-of-ve...f-Surah-9.html .

([7])تفسير الوسيط, تفسير البغوي-الموقع: القرآن الكريم2022 https://quransunna.net/Meaning-of-ve...f-Surah-9.html .

([8])الدكتور مصطفي الخِنْ-و-الدكتور مصطفي البُغا-و-على الشربجي-الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي –المجلد الأول- (في العبادات وملحقاتها )- دار القلم –دمشق-ط 13- 1433هـ/2012- ص284.

([9])الغزي- شرح العلامة الشيخ محمد بن قاسم الغزي المسمى: فتح القريب المجيب في شرح الفاظ التقريب للامام العلامة احمد بن الحسين الشهير بابي شجاع – المصدر السابق-ص29.

([10])الغزي- شرح العلامة الشيخ محمد بن قاسم الغزي المسمى: فتح القريب المجيب في شرح الفاظ التقريب للامام العلامة احمد بن الحسين الشهير بابي شجاع – المصدر السابق-ص29 .

([11])الإمام ابن قدامة، المغني، ج2، ص668-نقلاً عن : [مجدي عبد الفتاح سليمان- دور الزكاة في علاج الركود الاقتصادي-مجلة الوعي الإسلامي – دولة الكويت-العدد: 445 - الشهر: 11 السنة الثانية .-].

([12])الإمام ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد ـ ص323-نقلاً عن نفس المصدر السابق.

[13] سمر سدر- أنواع التضخم وتأثيراتها في الاقتصاد -04 أغسطس 2024 - الموقع: الشارقة 24- https://sharjah24.ae/ar/Articles/2024/08/05/NJ304

[14] الموقع: شبكة الجزيرة2025-التضخم-31/1/2008-https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2008/1/31

[15] الموقع: رواء عام 2018، - تعرف على التضخم الاقتصادي وكيف يؤثر على تجارة التجزئة؟- أغسطس 29, 2022- https://www.rewaatech.com/

([16]) الهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد و التمويل- 106-topic http://islamfin.go-forum.net/t

[17] الموقع: مؤسسة الدرر السنية 1446 هــ-الموسوعة الفقهية-كتابُ الزَّكاةِ الباب الثَّامِنُ: مصارِفُ الزَّكاةِالفصل الخامس: الغارِمون المبحث الأوَّل: تعريفُ الغارِم- https://dorar.net/feqhia/2502/

[18] الموقع: غراس الخير الانسانية-مصارف الزكاة حسب الشريعة الإسلامية-https://www.ghirasalkhaeer.com/recipients-of-zakat/

[19] الموقع: مؤسسة إحياء الدولية 2023- من هم الغارمون الذين يعطون من الزكاة؟ https://ihyamiras.org/ar/zakat-for-those-in-debt/

[20] الموقع: مؤسسة الدرر السنية 1446 هــ- الموسوعة الحديثية- شروح الأحاديث- https://dorar.net/hadith/sharh/20512

[21] مرام محمد- 5 شروط تجيز إعطاء الغارم من أموال الزكاة.. تعرف عليها- الأربعاء، 04 أكتوبر- الموقع: اليوم السابع- دار الافتاء المصرية https://www.youm7.com/story/2023/10/4/5--

[22] موقع: ويكيبيديا- الموسوعة الحرة - غارم (فقه)/ الأحكام الفقهية- آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم 9 أكتوبر 2024- https://ar.wikipedia.org/wiki/

[23] Mai Ahmed ميا أحمد- من هم الغارمون | أنواع الغارمون- موقع محيط 2025 - https://m7et.net/types-of-garmon

[24] المفتي : الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام- حكم تعجيل إخراج زكاة المال قبل تمام الحول - تاريخ الفتوى : 22 فبراير 2023- الموقع: دار الإفتاء المصرية- https://www.dar-alifta.org/ar/fatawa/18351/

[25] موقع الإسلام سؤال وجواب© 1997-2025-هل يجوز أن يخرج زكاة كل مبلغ مالي يدخره معجلة؟-تاريخ النشر : 10-03-2010-https://islamqa.info/ar/answers/145090/

[26] الموقع الرسمي لسماحة الشيخ الإمام ابن باز رحمه الله-فتاوى الدروس هل يجوز تعجيل الزكاة قبل حلول الحول؟-https://binbaz.org.sa/fatwas/31691/

[27] موقع الإسلام سؤال وجواب© 1997-2025-تعجيل الزكاة وكيف يخرج زكاته إن كان ماله في بنك إسلامي؟-تاريخ النشر : 10-07-2007- https://islamqa.info/ar/answers/98528/

([28])سيد سابق- فقه السنة - دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع - لبنان - مجلد 1 - ط4 - 1403هـ /1983م –ص 285 .

[29] الموقع : جمعية قطرالخيرية 2025-تأخير إخراج الزكاة عن وقت وجوبها-2022-03-24-https://www.qcharity.org/blog/15974/

[30] موقع الإسلام سؤال وجواب© 1997-2025- حكم تأخير الزكاة واستثمار أموالها-تاريخ النشر : 08-03-2005- https://islamqa.info/ar/answers/67578/

[31] الموقع: مسارات 2019 - تأخير إخراج زكاة المال: حكمه وكفارته في الإسلام- https://masarat-sy.org/
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 47.43 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 46.80 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.32%)]