
تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (10)
سُورَةُ النحل
من صــ 156 الى صــ 165
الحلقة (427)
قوله تعالى : ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون
قوله تعالى : ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا النقض والنكث واحد ، والاسم النكث والنقض ، والجمع الأنكاث . فشبهت هذه الآية الذي يحلف ويعاهد ويبرم عهده ثم ينقضه بالمرأة تغزل غزلها وتفتله محكما ثم تحله . ويروى أن امرأة حمقاء كانت بمكة تسمى ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة كانت تفعل ذلك ، فبها وقع التشبيه ; قال الفراء ، وحكاه عبد الله بن كثير والسدي ولم يسميا المرأة ، وقال مجاهد وقتادة : وذلك ضرب مثل ، لا على امرأة معينة . وأنكاثا نصب على الحال . والدخل : الدغل والخديعة والغش . قال أبو عبيدة : كل أمر لم يكن صحيحا فهو دخل .
أن تكون أمة هي أربى من أمة [ ص: 156 ] قال المفسرون : نزلت هذه الآية في العرب الذين كانت القبيلة منهم إذ حالفت أخرى ، ثم جاءت إحداهما قبيلة كثيرة قوية فداخلتها غدرت الأولى ونقضت عهدها ورجعت إلى هذه الكبرى - قاله مجاهد - فقال الله - تعالى - : لا تنقضوا العهود من أجل أن طائفة أكثر من طائفة أخرى أو أكثر أموالا فتنقضون أيمانكم إذا رأيتم الكثرة والسعة في الدنيا لأعدائكم المشركين . والمقصود النهي عن العود إلى الكفر بسبب كثرة الكفار وكثرة أموالهم . وقال الفراء : المعنى لا تغدروا بقوم لقلتهم وكثرتكم أو لقلتكم وكثرتهم ، وقد عززتموهم بالأيمان . أربى أي أكثر ; من ربا الشيء يربو إذا كثر . والضمير في به يحتمل أن يعود على الوفاء الذي أمر الله به . ويحتمل أن يعود على الرباء ;
أي أن الله - تعالى - ابتلى عباده بالتحاسد وطلب بعضهم الظهور على بعض ، واختبرهم بذلك من يجاهد نفسه فيخالفها ممن يتبعها ويعمل بمقتضى هواها ; وهو معنى قوله : إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون من البعث وغيره .
قوله تعالى : ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة أي على ملة واحدة .
ولكن يضل من يشاء بخذلانه إياهم ; عدلا منه فيهم .
ويهدي من يشاء بتوفيقه إياهم ; فضلا منه عليهم ، ولا يسأل عما يفعل بل تسألون أنتم . والآية ترد على أهل القدر كما تقدم .
واللام في وليبينن ولتسئلن مع النون المشددة يدلان على قسم مضمر ، أي والله ليبينن لكم ولتسئلن .
قوله تعالى : ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم
قوله تعالى : ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم كرر ذلك تأكيدا .
فتزل قدم بعد ثبوتها مبالغة في النهي عنه لعظم موقعه في الدين وتردده في معاشرات الناس ; أي لا تعقدوا الأيمان بالانطواء على الخديعة والفساد فتزل قدم بعد ثبوتها ، أي عن الأيمان بعد المعرفة [ ص: 157 ] بالله . وهذه استعارة للمستقيم الحال يقع في شر عظيم ويسقط فيه ; لأن القدم إذا زلت نقلت الإنسان من حال خير إلى حال شر ; ومن هذا المعنى قول كثير :
فلما توافينا ثبت وزلت
والعرب تقول لكل مبتلى بعد عافية أو ساقط في ورطة : زلت قدمه ; كقول الشاعر :
سيمنع منك السبق إن كنت سابقا وتقتل إن زلت بك القدمان
ويقال لمن أخطأ في شيء : زل فيه .
ثم توعد - تعالى - بعد بعذاب في الدنيا وعذاب عظيم في الآخرة . وهذا الوعيد إنما هو فيمن نقض عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ; فإن من عاهده ثم نقض عهده خرج من الإيمان ، ولهذا قال : وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله أي بصدكم . وذوق السوء في الدنيا هو ما يحل بهم من المكروه .
قوله تعالى : ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون
قوله تعالى : ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون نهى عن الرشا وأخذ الأموال على نقض العهد ; أي لا تنقضوا عهودكم لعرض قليل من الدنيا . وإنما كان قليلا وإن كثر لأنه مما يزول ، فهو على التحقيق قليل ، وقيل : إن هذه الآية ولا تشتروا نزلت في امرئ القيس بن عابس الكندي وخصمه ابن أسوع ، اختصما في أرض فأراد امرؤ القيس أن يحلف فلما سمع هذه الآية نكل وأقر له بحقه ; والله أعلم .
ما عندكم ينفد وما عند الله باق فبين الفرق بين حال الدنيا وحال الآخرة بأن هذه تنفد وتحول ، وما عند الله من مواهب فضله ونعيم جنته ثابت لا يزول لمن وفى بالعهد وثبت على العقد . ولقد أحسن من قال :
المال ينفد حله وحرامه يوما وتبقى في غد آثامه ليس التقي بمتق لإلهه
حتى يطيب شرابه وطعامه
آخر :
هب الدنيا تساق إليك عفوا أليس مصير ذاك إلى انتقال
وما دنياك إلا مثل فيء أظلك ثم آذن بالزوال
[ ص: 158 ] قوله تعالى : ولنجزين الذين صبروا أي على الإسلام والطاعات وعن المعاصي .
أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون أي من الطاعات ، وجعلها أحسن لأن ما عداها من الحسن مباح ، والجزاء إنما يكون على الطاعات من حيث الوعد من الله . وقرأ عاصم وابن كثير ولنجزين بالنون على التعظيم . الباقون بالياء .
قوله تعالى : من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون قوله تعالى : من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة شرط وجوابه . وفي الحياة الطيبة خمسة أقوال [ الأول ] أنه الرزق الحلال ; قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والضحاك . [ الثاني ] القناعة ; قاله الحسن البصري وزيد بن وهب ووهب بن منبه ، ورواه الحكم عن عكرمة عن ابن عباس ، وهو قول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - . [ الثالث ] توفيقه إلى الطاعات فإنها تؤديه إلى رضوان الله ; قال معناه الضحاك . وقال أيضا : من عمل صالحا وهو مؤمن في فاقة وميسرة فحياته طيبة ، ومن أعرض عن ذكر الله ولم يؤمن بربه ولا عمل صالحا فمعيشته ضنك لا خير فيها . وقال مجاهد وقتادة وابن زيد : هي الجنة ، وقاله الحسن ، وقال : لا تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة . وقيل هي السعادة ، روي عن ابن عباس أيضا . وقال أبو بكر الوراق : هي حلاوة الطاعة . وقال سهل بن عبد الله التستري : هي أن ينزع عن العبد تدبيره ويرد تدبيره إلى الحق . وقال جعفر الصادق : هي المعرفة بالله ، وصدق المقام بين يدي الله . وقيل : الاستغناء عن الخلق والافتقار إلى الحق . وقيل : الرضا بالقضاء . ولنجزينهم أجرهم أي في الآخرة . بأحسن ما كانوا يعملون وقال ( فلنحيينه ) ثم قال ( ولنجزينهم ) لأن ( من ) يصلح للواحد والجمع ، فأعاد مرة على اللفظ ومرة على المعنى . وقال أبو صالح : جلس ناس من أهل التوراة وناس من أهل الإنجيل وناس من أهل الأوثان ، فقال هؤلاء : نحن أفضل ، وقال هؤلاء : نحن أفضل ; فنزلت .
قوله تعالى : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم [ ص: 159 ] فيه مسالة واحدة : وهي أن هذه الآية متصلة بقوله : ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء فإذا أخذت في قراءته فاستعذ بالله من أن يعرض لك الشيطان فيصدك عن تدبره والعمل بما فيه ; وليس يريد استعذ بعد القراءة ; بل هو كقولك : إذا أكلت فقل بسم الله ; أي إذا أردت أن تأكل . وقد روى جبير بن مطعم عن أبيه قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين افتتح الصلاة قال اللهم إني أعوذ بك من الشيطان من همزه ونفخه ونفثه . وروى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة . قال ألكيا الطبري : ونقل عن بعض السلف التعوذ بعد القراءة مطلقا ، احتجاجا بقوله - تعالى - : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ولا شك أن ظاهر ذلك يقتضي أن تكون الاستعاذة بعد القراءة ; كقوله - تعالى - : فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا . إلا أن غيره محتمل ، مثل قوله - تعالى - : وإذا قلتم فاعدلوا وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب وليس المراد به أن يسألها من وراء حجاب بعد سؤال متقدم . ومثله قول القائل : إذا قلت فاصدق ، وإذا أحرمت فاغتسل ; يعني قبل الإحرام . والمعنى في جميع ذلك : إذا أردت ذلك ; فكذلك الاستعاذة . وقد تقدم هذا المعنى وتقدم القول في الاستعاذة مستوفى
قوله تعالى : إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون
قوله تعالى : إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا أي بالإغواء والكفر ، أي ليس لك قدرة على أن تحملهم على ذنب لا يغفر ; قاله سفيان . وقال مجاهد : لا حجة له على ما يدعوهم إليه من المعاصي . وقيل : إنه ليس عليهم سلطان بحال ; لأن الله - تعالى - صرف سلطانه عليهم حين قال عدو الله إبليس لعنه الله ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين [ ص: 160 ] قال الله - تعالى - : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين .
قلت : قد بينا أن هذا عام يدخله التخصيص ، وقد أغوى آدم وحواء - عليهما السلام - بسلطانه ، وقد شوش على الفضلاء أوقاتهم بقوله : من خلق ربك ؟ . حسبما تقدم في آخر الأعراف بيانه
إنما سلطانه على الذين يتولونه أي يطيعونه . يقال : توليته أي أطعته ، وتوليت عنه ، أي أعرضت عنه .
والذين هم به مشركون أي بالله ; قاله مجاهد والضحاك . وقيل : يرجع به إلى الشيطان ; قاله الربيع بن أنس والقتيبي . والمعنى : والذين هم من أجله مشركون . يقال : كفرت بهذه الكلمة ، أي من أجلها . وصار فلان بك عالما ، أي من أجلك . أي والذي تولى الشيطان مشركون بالله .
قوله تعالى : وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين
قوله تعالى : وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قيل : المعنى بدلنا شريعة متقدمة بشريعة مستأنفة ; قاله ابن بحر . مجاهد : أي رفعنا آية وجعلنا موضعها غيرها . وقال الجمهور : نسخنا آية بآية أشد منها عليهم . والنسخ والتبديل رفع الشيء مع وضع غيره مكانه . وقد تقدم الكلام في النسخ في البقرة مستوفى
قالوا يريد كفار قريش .
إنما أنت مفتر أي كاذب مختلق ، وذلك لما رأوا من تبديل الحكم .
بل أكثرهم لا يعلمون لا يعلمون أن الله شرع الأحكام وتبديل البعض بالبعض .
قل نزله روح القدس يعني جبريل ، نزل بالقرآن كله ناسخه ومنسوخه . وروي بإسناد صحيح عن عامر الشعبي قال : وكل إسرافيل بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ثلاث سنين ، فكان يأتيه بالكلمة والكلمة ، ثم نزل عليه جبريل بالقرآن . وفي صحيح مسلم أيضا أنه نزل عليه بسورة " الحمد " ملك لم ينزل إلى الأرض قط . كما تقدم [ ص: 161 ] في الفاتحة بيانه .
من ربك بالحق أي من كلام ربك .
ليثبت الذين آمنوا أي بما فيه من الحجج والآيات .
وهدى أي وهو هدى وبشرى للمسلمين .
قوله تعالى : ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين قوله تعالى : ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر اختلف في اسم هذا الذي قالوا إنما يعلمه ; فقيل : هو غلام الفاكه بن المغيرة واسمه جبر ، كان نصرانيا فأسلم ; وكانوا إذا سمعوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - ما مضى وما هو آت مع أنه أمي لم يقرأ قالوا : إنما يعلمه جبر وهو أعجمي ; فقال الله - تعالى - : لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين أي كيف يعلمه جبر وهو أعجمي هذا الكلام الذي لا يستطيع الإنس والجن أن يعارضوا منه سورة واحدة فما فوقها . وذكر النقاش أن مولى جبر كان يضربه ويقول له : أنت تعلم محمدا ، فيقول : لا والله ، بل هو يعلمني ويهديني . وقال ابن إسحاق : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - كثيرا ما يجلس عند المروة إلى غلام نصراني يقال له جبر ، عبد بني الحضرمي ، وكان يقرأ الكتب ، فقال المشركون : والله ما يعلم محمدا ما يأتي به إلا جبر النصراني . وقال عكرمة : اسمه يعيش عبد لبني الحضرمي ، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلقنه القرآن ; ذكره الماوردي . وذكر الثعلبي عن عكرمة وقتادة أنه غلام لبني المغيرة اسمه يعيش ، وكان يقرأ الكتب الأعجمية ، فقالت قريش : إنما يعلمه بشر ، فنزلت . المهدوي عن عكرمة : هو غلام لبني عامر بن لؤي ، واسمه يعيش . وقال عبد الله بن مسلم الحضرمي : كان لنا غلامان نصرانيان من أهل عين التمر ، اسم أحدهما يسار واسم الآخر جبر . كذا ذكر الماوردي والقشيري والثعلبي ; إلا أن الثعلبي قال : يقال لأحدهما نبت ويكنى أبا فكيهة ، والآخر جبر ، وكانا صيقلين يعملان السيوف ; وكانا يقرآن كتابا لهم . الثعلبي : يقرآن التوراة والإنجيل . الماوردي والمهدوي : التوراة . فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمر بهما ويسمع قراءتهما ، وكان المشركون يقولون : يتعلم منهما ، فأنزل الله هذه الآية وأكذبهم . وقيل : عنوا سلمان الفارسي - رضي الله عنه - ; قاله الضحاك . وقيل :
[ ص: 162 ] نصرانيا بمكة اسمه بلعام ، وكان غلاما يقرأ التوراة ; قاله ابن عباس . وقال القتبي : كان بمكة رجل نصراني يقال له أبو ميسرة يتكلم بالرومية ، فربما قعد إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال الكفار : إنما يتعلم محمد منه ، فنزلت . وفي رواية أنه عداس غلام عتبة بن ربيعة . وقيل : عابس غلام حويطب بن عبد العزى ويسار أبو فكيهة مولى ابن الحضرمي ، وكانا قد أسلما . والله أعلم
قلت : والكل محتمل ; فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ربما جلس إليهم في أوقات مختلفة ليعلمهم مما علمه الله ، وكان ذلك بمكة . وقال النحاس : وهذه الأقوال ليست بمتناقضة ; لأنه يجوز أن يكونوا أومأوا إلى هؤلاء جميعا ، وزعموا أنهم يعلمونه .
قلت : وأما ما ذكره الضحاك من أنه سلمان ففيه بعد ; لأن سلمان إنما أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ، وهذه الآية مكية .
لسان الذي يلحدون إليه أعجمي الإلحاد : الميل ; يقال : لحد وألحد ، أي مال عن القصد . وقد تقدم في الأعراف وقرأ حمزة " يلحدون " بفتح الياء والحاء ; أي لسان الذي يميلون إليه ويشيرون أعجمي . والعجمة : الإخفاء وضد البيان . ورجل أعجم وامرأة عجماء ، أي لا يفصح ; ومنه عجم الذنب لاستتاره . والعجماء : البهيمة ; لأنها لا توضح عن نفسها . وأعجمت الكتاب أي أزلت عجمته . والعرب تسمي كل من لا يعرف لغتهم ولا يتكلم بكلامهم أعجميا . وقال الفراء : الأعجم الذي في لسانه عجمة وإن كان من العرب ، والأعجمي أو العجمي الذي أصله من العجم . وقال أبو علي : الأعجمي الذي لا يفصح ، سواء كان من العرب أو من العجم ، وكذلك الأعجم والأعجمي المنسوب إلى العجم وإن كان فصيحا . وأراد باللسان القرآن ; لأن العرب تقول للقصيدة والبيت : لسان ; قال الشاعر :
لسان الشر تهديها إلينا وخنت وما حسبتك أن تخونا
يعني باللسان القصيدة .
وهذا لسان عربي مبين أي أفصح ما يكون من العربية .
قوله تعالى : إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم [ ص: 163 ] قوله تعالى : إن الذين لا يؤمنون بآيات الله أي هؤلاء المشركون الذين لا يؤمنون بالقرآن لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم .
قوله تعالى : إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله هذا جواب وصفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالافتراء .
وأولئك هم الكاذبون هذا مبالغة في وصفهم بالكذب ; أي كل كذب قليل بالنسبة إلى كذبهم . ويقال : كذب فلان ولا يقال إنه كاذب ; لأن الفعل قد يكون لازما وقد لا يكون لازما . فأما النعت فيكون لازما ولهذا يقال : عصى آدم ربه فغوى ، ولا يقال : إنه عاص غاو . فإذا قيل : كذب فلان فهو كاذب ، كان مبالغة في الوصف بالكذب ; قاله القشيري .
قوله تعالى : من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم
فيه إحدى عشر مسألة :
الأولى : قوله تعالى : من كفر بالله هذا متصل بقوله - تعالى - : ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها فكان مبالغة في الوصف بالكذب ; لأن معناه لا ترتدوا عن بيعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - . أي من كفر من بعد إيمانه وارتد فعليه غضب الله . قال الكلبي : نزلت في عبد الله بن أبي سرح ومقيس بن صبابة وعبد الله بن خطل ، وقيس بن الوليد بن المغيرة ، كفروا بعد إيمانهم . وقال الزجاج : من كفر بالله من بعد إيمانه بدل ممن يفتري الكذب ; أي إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه ; لأنه رأى الكلام إلى آخر الاستثناء غير تام فعلقه بما قبله . وقال الأخفش : " من " ابتداء وخبره محذوف ، اكتفي منه بخبر من الثانية ; كقولك : من يأتنا من يحسن نكرمه .
الثانية : قوله تعالى : إلا من أكره هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر ، في قول أهل التفسير ; لأنه قارب بعض ما ندبوه إليه . قال ابن عباس : أخذه المشركون وأخذوا أباه وأمه [ ص: 164 ] سمية وصهيبا وبلالا وخبابا وسالما فعذبوهم ، وربطت سمية بين بعيرين ووجئ قبلها بحربة ، وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال ; فقتلت وقتل زوجها ياسر ، وهما أول قتيلين في الإسلام . وأما عمار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها ، فشكا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كيف تجد قلبك ؟ قال : مطمئن بالإيمان . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فإن عادوا فعد . وروى منصور بن المعتمر عن مجاهد قال : أول شهيدة في الإسلام أم عمار ، قتلها أبو جهل ، وأول شهيد من الرجال مهجع مولى عمر . وروى منصور أيضا عن مجاهد قال : أول من أظهر الإسلام سبعة : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر ، وبلال ، وخباب ، وصهيب ، وعمار ، وسمية أم عمار . فأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمنعه أبو طالب ، وأما أبو بكر فمنعه قومه ، وأخذوا الآخرين فألبسوهم أدرع الحديد ، ثم صهروهم في الشمس حتى بلغ منهم الجهد كل مبلغ من حر الحديد والشمس ، فلما كان من العشي أتاهم أبو جهل ومعه حربة ، فجعل يسبهم ويوبخهم ، وأتى سمية فجعل يسبها ويرفث ، ثم طعن فرجها حتى خرجت الحربة من فمها فقتلها ; - رضي الله عنها - . قال : وقال الآخرون ما سئلوا إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله ، فجعلوا يعذبونه ويقولون له : ارجع عن دينك ، وهو يقول أحد أحد ; حتى ملوه ، ثم كتفوه وجعلوا في عنقه حبلا من ليف ، ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به بين أخشبي مكة حتى ملوه وتركوه ، قال فقال عمار : كلنا تكلم بالذي قالوا - لولا أن الله تداركنا - غير بلال فإنه هانت عليه نفسه في الله ، فهان على قومه حتى ملوه وتركوه . والصحيح أن أبا بكر اشترى بلالا فأعتقه . وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أن ناسا من أهل مكة آمنوا ، فكتب إليهم بعض أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة : أن هاجروا إلينا ، فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا ، فخرجوا يريدون المدينة حتى أدركتهم قريش بالطريق ، ففتنوهم فكفروا مكرهين ، ففيهم نزلت هذه الآية . ذكر الروايتين عن مجاهد إسماعيل بن إسحاق . وروى الترمذي عن عائشة قالت قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما هذا حديث حسن غريب . وروي عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة علي وعمار [ ص: 165 ] وسليمان بن ربيعة . قال الترمذي : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسن بن صالح .
الثالثة : لما سمح الله - عز وجل - بالكفر به وهو أصل الشريعة عند الإكراه ولم يؤاخذ به ، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها ، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به ولم يترتب عليه حكم ; وبه جاء الأثر المشهور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه الحديث . والخبر وإن لم يصح سنده فإن معناه صحيح باتفاق من العلماء ; قاله القاضي أبو بكر بن العربي . وذكر أبو محمد عبد الحق أن إسناده صحيح قال : وقد ذكره أبو بكر الأصيلي في الفوائد وابن المنذر في كتاب الإقناع .
الرابعة : أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل ، أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ، ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بحكم الكفر ; هذا قول مالك والكوفيين والشافعي ; غير محمد بن الحسن فإنه قال : إذا أظهر الشرك كان مرتدا في الظاهر ، وفيما بينه وبين الله - تعالى - على الإسلام ، وتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات ، ولا يرث أباه إن مات مسلما . وهذا قول يرده الكتاب والسنة ، قال الله - تعالى - : إلا من أكره الآية . وقال : إلا أن تتقوا منهم تقاة وقال : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض الآية . وقال : إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الآية . فعذر الله المستضعفين الذين يمتنعون من ترك ما أمر الله به ، والمكره لا يكون إلا مستضعفا غير ممتنع من فعل ما أمر به ; قاله البخاري .
