عرض مشاركة واحدة
  #397  
قديم 18-02-2025, 01:42 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,408
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (9)
سُورَةُ يُوسُفَ
من صــ 196 الى صــ 205
الحلقة (397)




ما نبغي " ما " استفهام في موضع نصب ; والمعنى : أي شيء نطلب وراء هذا ؟ ! وفى لنا الكيل ، ورد علينا [ ص: 196 ] الثمن ; أرادوا بذلك أن يطيبوا نفس أبيهم . وقيل : هي نافية ; أي لا نبغي منك دراهم ولا بضاعة ، بل تكفينا بضاعتنا هذه التي ردت إلينا . وروي عن علقمة " ردت إلينا " بكسر الراء ; لأن الأصل ، رددت ; فلما أدغم قلبت حركة الدال على الراء .

وقوله : ونمير أهلنا أي نجلب لهم الطعام ; قال الشاعر :


بعثتك مائرا فمكثت حولا متى يأتي غياثك من تغيث


وقرأ السلمي بضم النون ، أي نعينهم على الميرة .

ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير أي حمل بعير لبنيامين .

قوله تعالى : قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل

فيه مسألتان :

الأولى : قوله تعالى : " تؤتون " أي تعطوني .

موثقا من الله أي عهدا يوثق به . قال السدي : حلفوا بالله ليردنه إليه ولا يسلمونه ; واللام في " لتأتنني " لام القسم .

إلا أن يحاط بكم قال مجاهد : إلا أن تهلكوا أو تموتوا . وقال قتادة : إلا أن تغلبوا عليه . قال الزجاج : وهو في موضع نصب .

فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل أي حافظ للحلف . وقيل : حفيظ للعهد قائم بالتدبير والعدل .

الثانية : هذه الآية أصل في جواز الحمالة بالعين والوثيقة بالنفس ; وقد اختلف العلماء في ذلك ; فقال مالك وجميع أصحابه وأكثر العلماء : هي جائزة إذا كان المتحمل به مالا . وقد ضعف الشافعي الحمالة بالوجه في المال ; وله قول كقول مالك . وقال عثمان البتي : إذا تكفل بنفس في قصاص أو جراح فإنه إن لم يجئ به لزمه الدية وأرش الجراح ، وكانت له في مال الجاني ، إذ لا قصاص على الكفيل ; فهذه ثلاثة أقوال في الحمالة بالوجه . والصواب تفرقة مالك في ذلك ، وأنها تكون في المال ، ولا تكون في حد أو تعزير ، على ما يأتي بيانه :

قوله تعالى : وقال يابني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون

[ ص: 197 ] فيه سبع مسائل :

الأولى : لما عزموا على الخروج خشي عليهم العين ; فأمرهم ألا يدخلوا مصر من باب واحد ، وكانت مصر لها أربعة أبواب ; وإنما خاف عليهم العين لكونهم أحد عشر رجلا لرجل واحد ; وكانوا أهل جمال وكمال وبسطة ; قاله ابن عباس والضحاك وقتادة وغيرهم .

الثانية : إذا كان هذا معنى الآية فيكون فيها دليل على التحرز من العين ، والعين حق ; وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن العين لتدخل الرجل القبر ، والجمل القدر . وفي تعوذه - عليه السلام - : أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ما يدل على ذلك . وروى مالك عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه سمع أباه يقول : اغتسل أبي سهل بن حنيف بالخزار فنزع جبة كانت عليه ، وعامر بن ربيعة ينظر ، قال : وكان سهل رجلا أبيض حسن الجلد قال فقال له عامر بن ربيعة : ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء ! فوعك سهل مكانه واشتد وعكه ، فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبر أن سهلا وعك ، وأنه غير رائح معك يا رسول الله ; فأتاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره سهل بالذي كان من شأن عامر ; فقال رسول الله صلى الله عليه سلم : علام يقتل أحدكم أخاه ألا بركت إن العين حق ، توضأ له ، فتوضأ عامر ، فراح سهل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس به بأس ; في رواية ( اغتسل ) فغسل له عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخل إزاره في قدح ثم صب عليه ; فراح سهل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس به بأس . وركب سعد بن أبي وقاص يوما فنظرت إليه امرأة فقالت : إن أميركم هذا ليعلم أنه أهضم الكشحين ; فرجع إلى منزله فسقط ، فبلغه ما قالت المرأة ، فأرسل إليها فغسلت له ; ففي هذين الحديثين أن العين حق ، وأنها تقتل كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ; وهذا قول [ ص: 198 ] علماء الأمة ، ومذهب أهل السنة ; وقد أنكرته طوائف من المبتدعة ، وهم محجوجون بالسنة وإجماع علماء هذه الأمة ، وبما يشاهد من ذلك في الوجود ; فكم من رجل أدخلته العين القبر ، وكم من جمل ظهير أدخلته القدر ، لكن ذلك بمشيئة الله تعالى كما قال : وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله . قال الأصمعي : رأيت رجلا عيونا سمع بقرة تحلب فأعجبه شخبها فقال : أيتهن هذه ؟ فقالوا : الفلانية لبقرة أخرى يورون عنها ، فهلكتا جميعا ، المورى بها والمورى عنها . قال الأصمعي . وسمعته يقول : إذا رأيت الشيء يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني .

الثالثة : واجب على كل مسلم أعجبه شيء أن يبرك ; فإنه إذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة ; ألا ترى قوله - عليه السلام - لعامر : ألا بركت فدل على أن العين لا تضر ولا تعدو إذا برك العائن ، وأنها إنما تعدو إذا لم يبرك . والتبريك أن يقول : تبارك الله أحسن الخالقين ! اللهم بارك فيه .

الرابعة : العائن إذا أصاب بعينه ولم يبرك فإنه يؤمر بالاغتسال ، ويجبر على ذلك إن أباه ; لأن الأمر على الوجوب ، لا سيما هذا ; فإنه قد يخاف على المعين الهلاك ، ولا ينبغي لأحد أن يمنع أخاه ما ينتفع به أخوه ولا يضره هو ، ولا سيما إذا كان بسببه وكان الجاني عليه .

الخامسة : من عرف بالإصابة بالعين منع من مداخلة الناس دفعا لضرره ; وقد قال بعض العلماء : يأمره الإمام بلزوم بيته ; وإن كان فقيرا رزقه ما يقوم به ، ويكف أذاه عن الناس . وقد قيل : إنه ينفى ; وحديث مالك الذي ذكرناه يرد هذه الأقوال ; فإنه - عليه السلام - لم يأمر في عامر بحبس ولا بنفي ، بل قد يكون الرجل الصالح عائنا ، وأنه لا يقدح فيه ولا يفسق به ; ومن قال : يحبس ويؤمر بلزوم بيته . فذلك احتياط ودفع ضرر ، والله أعلم .

السادسة : روى مالك عن حميد بن قيس المكي أنه قال : دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بابني جعفر بن أبي طالب فقال لحاضنتهما : ما لي أراهما ضارعين فقالت حاضنتهما : يا رسول الله ! إنه تسرع إليهما العين ، ولم يمنعنا أن نسترقي لهما إلا أنا لا ندري ما يوافقك من ذلك ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : استرقوا لهما فإنه لو سبق شيء القدر سبقته العين . وهذا [ ص: 199 ] الحديث منقطع ، ولكنه محفوظ لأسماء بنت عميس الخثعمية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه ثابتة متصلة صحاح ; وفيه أن الرقى مما يستدفع به البلاء ، وأن العين تؤثر في الإنسان وتضرعه ، أي تضعفه وتنحله ; وذلك بقضاء الله تعالى وقدره . ويقال : إن العين أسرع إلى الصغار منها إلى الكبار ، والله أعلم .

السابعة : أمر - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي أمامة العائن بالاغتسال للمعين ، وأمر هنا بالاسترقاء ; قال علماؤنا : إنما يسترقى من العين إذا لم يعرف العائن ; وأما إذا عرف الذي أصابه بعينه فإنه يؤمر بالوضوء على حديث أبي أمامة ، والله أعلم .

قوله تعالى : وما أغني عنكم من الله من شيء أي من شيء أحذره عليكم ; أي لا ينفع الحذر مع القدر .

" إن الحكم " أي الأمر والقضاء .

إلا لله عليه توكلت أي اعتمدت ووثقت . وعليه فليتوكل المتوكلون .

قوله تعالى : ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون

قوله تعالى : ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم أي من أبواب شتى .

ما كان يغني عنهم من الله من شيء إن أراد إيقاع مكروه بهم .

" إلا حاجة " استثناء ليس من الأول .

في نفس يعقوب قضاها أي خاطر خطر بقلبه ; وهو وصيته أن يتفرقوا ; قال مجاهد : خشية العين ، وقد تقدم القول فيه . وقيل : لئلا يرى الملك عددهم وقوتهم فيبطش بهم حسدا أو حذرا ; قاله بعض المتأخرين ، واختاره النحاس ، وقال : ولا معنى للعين هاهنا . ودلت هذه الآية على أن المسلم يجب عليه أن يحذر أخاه مما يخاف عليه ، ويرشده إلى ما فيه طريق السلامة والنجاة ; فإن الدين النصيحة ، والمسلم أخو المسلم .

قوله تعالى : " وإنه " يعني يعقوب . لذو علم لما علمناه أي بأمر دينه . ولكن أكثر الناس لا يعلمون [ ص: 200 ] أي لا يعلمون ما يعلم يعقوب - عليه السلام - من أمر دينه .

وقيل : " لذو علم " أي عمل ; فإن العلم أول أسباب العمل ، فسمي بما هو بسببه .

قوله تعالى : ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال قتادة : ضمه إليه ، وأنزله معه . وقيل : أمر أن ينزل كل اثنين في منزل ، فبقي أخوه منفردا فضمه إليه وقال : أشفقت عليه من الوحدة . قال له سرا من إخوته : إني أنا أخوك فلا تبتئس أي لا تحزن بما كانوا يعملون .

قوله تعالى : فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه لما عرف بنيامين أنه يوسف قال له : لا تردني إليهم ، فقال : قد علمت اغتمام يعقوب بي فيزداد غمه ، فأبى بنيامين الخروج ; فقال يوسف : لا يمكن حبسك إلا بعد أن أنسبك إلى ما لا يجمل بك : فقال : لا أبالي ! فدس الصاع في رحله ; إما بنفسه من حيث لم يطلع عليه أحد ، أو أمر بعض خواصه بذلك . والتجهيز التسريح وتنجيز الأمر ; ومنه جهز على الجريح أي قتله ، ونجز أمره . والسقاية والصواع شيء واحد ; إناء له رأسان في وسطه مقبض ، كان الملك يشرب منه من الرأس الواحد ، ويكال الطعام بالرأس الآخر ; قاله النقاش عن ابن عباس ، وكل شيء يشرب به فهو صواع ; وأنشد :


نشرب الخمر بالصواع جهارا


واختلف في جنسه ; فروى شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كان صواع الملك شيئا من فضة يشبه المكوك ، من فضة مرصعا بالجوهر ، يجعل على الرأس ; وكان للعباس واحد في الجاهلية ، وسأل نافع بن الأزرق ما الصواع ؟ قال : الإناء ; قال فيه الأعشى :
له درمك في رأسه ومشارب وقدر وطباخ وصاع وديسق


وقال عكرمة : كان من فضة . وقال عبد الرحمن بن زيد : كان من ذهب ; وبه كال طعامهم مبالغة في إكرامهم . وقيل : إنما كان يكال به لعزة الطعام . والصاع يذكر ويؤنث ; فمن أنثه قال : أصوع ; مثل أدور ، ومن ذكره قال أصواع ; مثل أثواب . وقال مجاهد وأبو صالح : الصاع الطرجهالة بلغة حمير . وفيه قراءات : " صواع " قراءة العامة ; و " صوغ " بالغين المعجمة ، وهي قراءة يحيى بن يعمر ; قال : وكان إناء أصيغ من ذهب . " وصوع " بالعين غير المعجمة قراءة أبي رجا . " وصوع " بصاد مضمومة وواو ساكنة وعين غير معجمة قراءة أبي . [ ص: 201 ] " وصياع " بياء بين الصاد والألف ; قراءة سعيد بن جبير . " وصاع " بألف بين الصاد والعين ; وهي قراءة أبي هريرة .

قوله تعالى : ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون أي نادى مناد وأعلم . وأذن للتكثير ; فكأنه نادى مرارا أيتها العير . والعير ما امتير عليه من الحمير والإبل والبغال . قال مجاهد : كان عيرهم حميرا . قال أبو عبيدة : العير الإبل المرحولة المركوبة ; والمعنى : يا أصحاب العير ، كقوله : واسأل القرية ويا خيل الله اركبي : أي يا أصحاب خيل الله ، وسيأتي . وهنا اعتراضان : الأول : إن قيل : كيف رضي بنيامين بالقعود طوعا وفيه عقوق الأب بزيادة الحزن ، ووافقه على ذلك يوسف ؟ وكيف نسب يوسف السرقة إلى إخوته وهم براء وهو - الثاني - فالجواب عن الأول : أن الحزن كان قد غلب على يعقوب بحيث لا يؤثر فيه فقد بنيامين كل التأثير ، أولا تراه لما فقده قال : يا أسفى على يوسف ولم يعرج على بنيامين ; ولعل يوسف إنما وافقه على القعود بوحي ; فلا اعتراض . وأما نسبة يوسف السرقة إلى إخوته فالجواب : أن القوم كانوا قد سرقوه من أبيه فألقوه في الجب ، ثم باعوه ; فاستحقوا هذا الاسم بذلك الفعل ، فصدق إطلاق ذلك عليهم . جواب آخر - وهو أنه أراد أيتها العير حالكم حال السراق ; والمعنى : إن شيئا لغيركم صار عندكم من غير رضا الملك ولا علمه . جواب آخر - وهو أن ذلك كان حيلة لاجتماع شمله بأخيه ، وفصله عنهم إليه ، وهذا بناء على أن بنيامين لم يعلم بدس الصاع في رحله ، ولا أخبره بنفسه . وقد قيل : إن معنى الكلام الاستفهام ; أي أوإنكم لسارقون ؟ كقوله : وتلك نعمة أي أوتلك نعمة تمنها علي ؟ والغرض ألا يعزى إلى يوسف - صلى الله عليه وسلم - الكذب .

قوله تعالى : قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم فيه سبع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم . البعير هنا الجمل في قول أكثر المفسرين . وقيل : إنه الحمار ، وهي لغة لبعض العرب ; قاله مجاهد واختاره . وقال [ ص: 202 ] مجاهد : الزعيم هو المؤذن الذي قال : أيتها العير . والزعيم والكفيل والحميل والضمين والقبيل سواء والزعيم الرئيس . قال :


وإني زعيم إن رجعت مملكا بسير ترى منه الفرانق أزورا


وقالت ليلى الأخيلية ترثي أخاها :


ومخرق عنه القميص تخاله يوم اللقاء من الحياء سقيما
حتى إذا رفع اللواء رأيته تحت اللواء على الخميس زعيما




الثانية : إن قيل : كيف ضمن حمل البعير وهو مجهول ، وضمان المجهول لا يصح ؟ قيل له : حمل البعير كان معينا معلوما عندهم كالوسق ; فصح ضمانه ، غير أنه كان بدل مال للسارق ، ولا يحل للسارق ذلك ، فلعله كان يصح في شرعهم أو كان هذا جعالة ، وبذل مال لمن كان يفتش ويطلب .

الثالثة : قال بعض العلماء : في هذه الآية دليلان : أحدهما : جواز الجعل وقد أجيز للضرورة ; فإنه يجوز فيه من الجهالة ما لا يجوز . في غيره ; فإذا قال الرجل : من فعل كذا فله كذا صح . وشأن الجعل أن يكون أحد الطرفين معلوما والآخر مجهولا للضرورة إليه ; بخلاف الإجارة ; فإنه يتقدر فيها العوض والمعوض من الجهتين ; وهو من العقود الجائزة التي يجوز لأحدهما فسخه ; إلا أن المجعول له يجوز أن يفسخه قبل الشروع وبعده ، إذا رضي بإسقاط حقه ، وليس للجاعل أن يفسخه إذا شرع المجعول له في العمل . ولا يشترط في عقد الجعل حضور المتعاقدين ، كسائر العقود ; لقوله : ولمن جاء به حمل بعير وبهذا كله قال الشافعي .

الرابعة : متى قال الإنسان ، من جاء بعبدي الآبق فله دينار لزمه ما جعله فيه إذا جاء به ; فلو جاء به من غير ضمان لزمه إذا جاء به على طلب الأجرة ; وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من جاء بآبق فله أربعون درهما ولم يفصل بين من جاء به من عقد ضمان أو غير عقد . قال ابن [ ص: 203 ] خوير منداد ولهذا قال أصحابنا : إن من فعل بالإنسان ما يجب عليه أن يفعله بنفسه من مصالحه لزمه ذلك ، وكان له أجر مثله إن كان ممن يفعل ذلك بالأجر .

قلت : وخالفنا في هذا كله الشافعي .

الخامسة : الدليل الثاني : جواز الكفالة على الرجل ; لأن المؤذن الضامن هو غير يوسف - عليه السلام - قال علماؤنا : إذا قال الرجل تحملت أو تكفلت أو ضمنت أو وأنا حميل لك أو زعيم أو كفيل أو ضامن أو قبيل ، أو هو لك عندي أو علي أو إلي أو قبلي فذلك كله حمالة لازمة ، وقد اختلف الفقهاء فيمن تكفل بالنفس أو بالوجه ، هل يلزمه ضمان المال أم لا ؟ فقال الكوفيون : من تكفل بنفس رجل لم يلزمه الحق الذي على المطلوب إن مات ; وهو أحد قولي الشافعي في المشهور عنه . وقال مالك والليث والأوزاعي : إذا تكفل بنفسه وعليه مال فإنه إن لم يأت به غرم المال ، ويرجع به إلى المطلوب ; فإن اشترط ضمان نفسه أو وجهه وقال : لا أضمن المال فلا شيء عليه من المال ; والحجة لمن أوجب غرم المال أن الكفيل قد علم أن المضمون وجهه لا يطلب بدم ، وإنما يطلب بمال ; فإذا ضمنه له ولم يأته به فكأنه فوته عليه ، وعزه منه ; فلذلك لزمه المال . واحتج الطحاوي للكوفيين فقال : أما ضمان المال بموت المكفول به فلا معنى له ; لأنه إنما تكفل بالنفس ولم يتكفل بالمال ، فمحال أن يلزمه ما لم يتكفل به .

السادسة : واختلف العلماء إذا تكفل رجل عن رجل بمال ; هل للطالب أن يأخذ من شاء منهما ؟ فقال الثوري والكوفيون والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق : يأخذ من شاء حتى يستوفي حقه ; وهذا كان قول مالك ثم رجع عنه فقال : لا يؤخذ الكفيل إلا أن يفلس الغريم أو يغيب ; لأن التبدية بالذي عليه الحق أولى ، إلا أن يكون معدما فإنه يؤخذ من الحميل ، لأنه معذور في أخذه في هذه الحالة ; وهذا قول حسن . والقياس أن للرجل مطالبة أي الرجلين شاء . وقال ابن أبي ليلى : إذا ضمن الرجل عن صاحبه مالا تحول على الكفيل وبرئ صاحب الأصل ، إلا أن يشترط المكفول له عليهما أن يأخذ أيهما شاء ; واحتج ببراءة الميت من الدين ، بضمان أبي قتادة ، وبنحوه قال أبو ثور .

[ ص: 204 ] السابعة : الزعامة لا تكون إلا في الحقوق التي تجوز النيابة فيها ، مما يتعلق بالذمة من الأموال ، وكان ثابتا مستقرا ; فلا تصح الحمالة بالكتابة لأنها ليست بدين ثابت مستقر ; لأن العبد إن عجز رق وانفسخت الكتابة ; وأما كل حق لا يقوم به أحد عن أحد كالحدود فلا كفالة فيه ، ويسجن المدعى عليه الحد ، حتى ينظر في أمره . وشذ أبو يوسف ومحمد فأجازا الكفالة في الحدود والقصاص ، وقالا : إذا قال المقذوف أو المدعي القصاص بينتي حاضرة كفله ثلاثة أيام ; واحتج لهم الطحاوي بما رواه حمزة بن عمرو عن عمر وابن مسعود وجرير بن عبد الله والأشعث أنهم حكموا بالكفالة بالنفس بمحضر الصحابة .

قوله تعالى : قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين

قوله تعالى : قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض يروى أنهم كانوا لا ينزلون على أحد ظلما ، ولا يرعون زرع أحد ، وأنهم جمعوا على أفواه إبلهم الأكمة لئلا تعيث في زروع الناس .

وما كنا سارقين يروى أنهم ردوا البضاعة التي كانت في رحالهم ; أي فمن رد ما وجد فكيف يكون سارقا ؟ ! .

قوله تعالى : قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين المعنى : فما جزاء الفاعل إن بان كذبكم ؟

فأجاب إخوة يوسف : جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه أي يستعبد ويسترق . فجزاؤه مبتدأ ، و من وجد في رحله خبره ; والتقدير : جزاؤه استعباد من وجد في رحله ; فهو كناية عن الاستعباد ; وفي الجملة معنى التوكيد ، كما تقول : جزاء من سرق القطع فهذا جزاؤه .

كذلك نجزي الظالمين أي كذلك نفعل في الظالمين إذا سرقوا أن يسترقوا ، وكان هذا من دين يعقوب - عليه السلام - وحكمه . وقولهم هذا قول من لم يسترب نفسه ; لأنهم التزموا استرقاق من وجد في رحله ، وكان حكم السارق عند أهل مصر أن يغرم ضعفي ما أخذ ; قاله الحسن والسدي وغيرهما . مسألة : قد تقدم في سورة " المائدة " أن القطع في السرقة ناسخ لما تقدم من الشرائع ، أو لما كان في شرع يعقوب من استرقاق السارق ، والله أعلم .

[ ص: 205 ] قوله : فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم

قوله تعالى : فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه إنما بدأ يوسف برحالهم لنفي التهمة والريبة من قلوبهم إن بدأ بوعاء أخيه . والوعاء يقال بضم الواو وكسرها ، لغتان ; وهو ما يحفظ فيه المتاع ويصونه .

ثم استخرجها من وعاء أخيه يعني بنيامين ; أي استخرج السقاية أو الصواع عند من يؤنث ، وقال : ولمن جاء به فذكر ; فلما رأى ذلك إخوته نكسوا رءوسهم ، وظنوا الظنون كلها ، وأقبلوا عليه وقالوا ويلك يا بنيامين ! ما رأينا كاليوم قط ، ولدت أمك " راحيل " أخوين لصين ! قال لهم أخوهم : والله ما سرقته ، ولا علم لي بمن وضعه في متاعي . ويروى أنهم قالوا له : يا بنيامين ! أسرقت ؟ قال : لا والله ; قالوا : فمن جعل الصواع في رحلك ؟ قال : الذي جعل البضاعة في رحالكم . ويقال : إن المفتش كان إذا فرغ من رحل رجل استغفر الله - عز وجل - تائبا من فعله ذلك ; وظاهر كلام قتادة وغيره أن المستغفر كان يوسف ; لأنه كان يفتشهم ويعلم أين الصواع حتى فرغ منهم ، وانتهى إلى رحل بنيامين فقال : ما أظن هذا الفتى رضي بهذا ولا أخذ شيئا ، فقال له إخوته : والله لا نبرح حتى تفتشه ; فهو أطيب لنفسك ونفوسنا ; ففتش فأخرج السقاية ; وهذا التفتيش من يوسف يقتضي أن المؤذن سرقهم برأيه ; فيقال : إن جميع ذلك كان أمر من الله تعالى ; ويقوي ذلك قوله تعالى : كذلك كدنا ليوسف .

قوله تعالى : كذلك كدنا ليوسف فيه ثلاث مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " كدنا " معناه صنعنا ; عن ابن عباس . والقتبي : دبرنا . ابن الأنباري : أردنا ; قال الشاعر :


كادت وكدت وتلك خير إرادة لو عاد من عهد الصبا ما قد مضى


وفيه جواز التوصل إلى الأغراض بالحيل إذا لم تخالف شريعة ، ولا هدمت أصلا ، خلافا لأبي حنيفة في تجويزه الحيل وإن خالفت الأصول ، وخرمت التحليل .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.79 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.16 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.50%)]