وفي الحقيقة هذه المسألة فتح الباب فيها صعب؛ لأنها مخالفة للأصل، ولذلك لا تخلو من نظر وبحث، وحاصل ذلك: أن الأصل يقتضي أن من قام بعمل دون عقد فإنه لا يستحق شيئا، ولما فتح هذا الباب رتبت عليها مسائل: منها: أنه لو شردت دابة من إنسان، فأمسكها آخر وحفظها وقام بسقيها، والإحسان إليها، وكلفه ذلك، فإنه يرجع بنفقها أيضا على هذا القول الذي اختاره المصنف رحمه الله.
وهذه المسائل كلها مخالفة للأصل، وقد سبق أن قلنا: أن المسائل: أصل، ومستثنى من الأصل، وإذا استثني من الأصل هل يقاس عليه أو لا؟ فإذا كان قضاء عمر رضي الله عنه برد الآبق مستثنى، فهل يقاس غيره عليه؟ من حيث الأصل لا يقاس غيره؛ لأنه فعل بمحض البر والإحسان، فلا نطالب صاحبه بدفع مال له.
وقد يسأل سائل ويقول: لماذا لا ندفع له كلفة إحضاره؟ فنقول: سكوت صاحب المال عن وضع جعل وعن التعهد والالتزام بالجعل يبرئ ذمته، وهذا هو الأصل.
وأخوه المسلم حينما جاءه ووجد هذا الشيء هناك، فإذا فاته حض من دنياه فهناك حض في الآخرة، فإننا نجد الشريعة تبقي أشياء لأخوة الإسلام ولمعاني الأخوة؛ بل قد تفسد المعاملة وتلغيها بسبب معارضتها للأخوة، وربما منعت ما أحله الله لمعارضته للأصول كقوله عليه الصلاة والسلام: (ولا يبع بعضكم على بيع بعض) ، ونهى عليه الصلاة والسلام أن يسوم المسلم على سوم أخيه، مع أن البيع جائز، والسوم جائز، لكن إذا أضر بالأخوة منع، فإذا كان الإنسان المسلم لا يستشعر الأخوة الإسلامية، وقد يبحث عن ضالة أخيه المسلم من أجل أن يأخذ نفقتها، فيكون هذا أمرا مؤثرا في محبة المسلمين وتعاطفهم.
وما دام أن الله أعطاك القدرة على أن تجد هذا الشيء وتعثر عليه، فلماذا لا تحفظه لأخيك المسلم وترده له، ولا يكون لك منه شيء، فقد قال صلى الله عليه وسلم في بداية الهجرة لما أتى المهاجرون إلى المدينة، قال عليه الصلاة والسلام للأنصار: (من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا يؤجرها) ، ورواية مسلم: (ولا يؤاجرها) ، فنهاهم عن الإجارة، وهي مباحة؛ لأن حالة المهاجرين حينما هاجروا في أول الأمر لا تسمح لهم أن يدفعوا الأجرة، ثم بعد ذلك رخص في شراء الأراضي؛ لأن الأمر اتسع وأصبح الناس في سعة.
ففي بعض الأحيان يضيع الشيء من عندي ولا أستطيع أن أدفع تكاليفه، ولا أستطيع أن أدفع شيئا لمن وجده، ففتح باب المعاوضة لا يخلو من نظر وبحث؛ لأن هناك أصولا معروفة من هدي الشرع ينبغي الاحتكام إليها، ولعل الأشبه أنه لا يأخذ شيئا، لكن لا ينبغي لصاحب الشيء أن يفوت المكافأة والإحسان لأخيه المسلم؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: (من صنع إليكم معروفا فكافئوه) ، وهذا يدل على أنه يدخل تحت باب المكافأة، لكن لا يلزم بشيء لأنه لم يلتزم.
وهذا هو الأشبه من حيث الأصول، والله أعلم.
وجوب كون الجعالة معلومة على شيء معلوم أو مجهول
وقوله: (أن يجعل له شيئا) نكرة تشمل القليل والكثير، فمن حقك أن تقول: من أحضر لي كذا أعطيه ريالا، وهذا قليل بالنسبة للعرف، أو أعطيه عشرة أو مائة، فكله جعالة، سواء كان قليلا أو كثيرا.
وقوله: (معلوما) خرج به المجهول، فلا يجعل شيئا مجهولا، كما لو قال: من عثر على سيارتي الضائعة فأرضيه، أو أعطيه شيئا، أو أعطيه مالا، أو له مكافأة، فهذا لا يجوز؛ لأنه مبهم، والجعل مجهول، ولا يجوز أن يجعل جعلا مجهولا، وهذا بإجماع العلماء رحمهم الله، فلا يقول: أعطيه مكافأة؛ لأنه ربما ذهب المسكين وتعب وظن أن المكافأة فوق ألف ريال، ولو علم أنها دون الألف ريال لما أتعب نفسه، فيأتي وإذا بها مائة ريال، فإذا جاء يقول: لماذا لم تعطني إلا مائة؟ قال: أنا قلت: لك مكافأة، وهذه مكافأة.
إذا: لا يغرر بالناس، ولابد أن يكون الجعل معلوما، فلا يصح أن يقول: أرضيك، ولا يصح أن يقول: مكافأة، ولا يصح أن يقول: نعطيه ثوبا، أو نعطيه سيارة، حتى يصف الثوب الذي سيعطيه أو السيارة التي سيعطيه، بمعنى: أن يحدد الثواب والجعل الذي وضعه؛ لقوله تعالى: {ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} [يوسف:72] ، والحمل معروف -كما ذكرنا- في الوصف وهو ستون صاعا، فقال: {حمل بعير} ؛ لأنه معروف بالعرف، فيجوز أن يطلقه لمعرفته عن طريق العرف.
فقوله رحمه الله: (أن يجعل شيئا معلوما) ، أي: أن يجعل شيئا معلوما ببداية العقل، ويقول له: هذا الشيء المعلوم، وهو يشمل جميع الأموال، سواء كانت من الأعيان من الحيوانات أو من غيرها، فكل ذلك يصح حتى ولو كان من العقار، فإن قال: من وجد لي سيارتي الضائعة أعطيه أرضية في موضع كذا وكذا، فيصح أن يجعل الشيء من العقار، فهذا عام شامل لجميل الأموال.
قال رحمه الله: [لمن يعمل له عملا معلوما] .
كقوله: إن خطت لي قميصا من نوع كذا وكذا، أو خطت لي ثوبا من نوع كذا وكذا، والجعالة قد تكون في بعض صور الإجارة المحرمة، توسعة من الله على العباد، فيقول له: من خاط لي قميصا من نوع كذا وكذا، أو خاط لي ثوبا من نوع كذا وكذا، أعطيه كذا وكذا.
إذا: لو قال مثلا: من خاط لي ثوبا من نوع كذا أعطيه مائة، فخياطة الخياط عمل معلوم، أو يقول: من بنى لي جدارا ثلاثة أمتار في مترين، فهذا معلوم، فيجوز على العمل المعلوم.
وتجوز الجعالة على العمل المجهول، لقوله: [أو مجهولا] ، كأن يقول: من رد لي سيارتي الضائعة، والبحث عن السيارة الضائعة له وسائل عديدة وطرق متعددة، فإذا أطلق وقال: من رد لي سيارتي -أي: بأي طريقة وبأي وسيلة- أعطيه ألفا أو أعطيه ألفين.
تحديد المدة في الجعالة
قال رحمه الله: [مدة معلومة] .
كأن يقول: من عثر على سيارتي المفقودة خلال هذا الشهر أعطيه عشرة آلاف ريال، أو من عثر على ابني الضائع خلال هذه الأسبوع أعطيه ألفا، فهذه مدة معلومة.
وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء رحمهم الله: هل يجوز أن يحدد مدة معلومة للبحث أم لا؟ وكلهم متفقون على أنه إذا أطلق وقال: من وجد سيارتي الضائعة، أو من وجد ابني الضائع، أو من وجد ساعتي المفقودة، أو من وجد كتابي أو مسجلي أو قلمي أعطيه كذا، ولم يحدد مدة، فكلهم متفقون على أنه يجوز.
لكن الخلاف إذا حدد مدة معينة، فقال: من عثر على سيارتي خلال شهر رمضان، أو من عثر على سيارتي خلال سنة، أو من عثر على كتابي خلال يوم، أو خلال ساعة، فحدد مدة معلومة، فمذهب الجمهور على جواز ذلك، وقال بعض العلماء: لا يصح أن يحدد مدة معلومة، والأصح هو مذهب الجمهور.
وقوله: [أو مجهولة] : كما ذكرنا، مثل أن يقول: من عثر على كتابي، ولم يحدد، ولذلك إذا قال: من عثر على سيارتي فتبقى إلى الأبد، إذا لم يفسخها ولم يوجد من قام ببعض العمل، فإذا فسخت فحينئذ تنفسخ على تفصيل سيذكره إن شاء الله تعالى.
أمثلة استحقاق الجعل
قال رحمه الله: [كرد عبد] .
تمثيل لتقرير ما سبق، وقد كانوا قديما ربما فر العبد أو ضاع، فيقول: من رد لي عبدي الضائع فله كذا.
قال: [ولقطة] .
كأن تسقط منه ساعة فيقول: من وجد ساعتي من نوع كذا وكذا فله كذا وكذا.
فهذه لقطة: من وجد ساعتي، من وجد قلمي، كأن يسقط القلم في المدرسة، أو في المكتب، أو في مكان معين ويقول: من وجد لي قلمي فأعطيه كذا وكذا، فهذه لقطة، فالقلم إذا سقط والتقطه أحد صار بحكم اللقطة، وسيأتي إن شاء الله بيان أحكامها.
قال: [وخياطة] .
كأن يقول: من خاط لي قميصا، أو خاط لي ثوبا، ونحو ذلك.
قال: [وبناء حائط] .
كأن يقول: من بنى لي سورا على مزرعتي مائة متر في مائة في علو مترين أو متر ونصف، أعطيه ثلاثين ألفا.
فهذا رخص فيه بعض العلماء على أنه من باب الجعالة.
متى يستحق الجعل
قال رحمه الله: [فمن فعله بعد علمه بقوله استحقه] .
قوله: (فمن) : من صيغ العموم.
(فمن فعل) أي: رد الشارد، وعثر على اللقطة، وخاط القميص، وبنى الحائط، فمن فعل هذه الأشياء بعد قوله استحق الجعل.
وقوله: (بعد علمه بقوله) إذا فعله بعد قوله فإنه يستحق الجعالة بلا إشكال؛ لأنه التزم، وهذا عقد بين الطرفين، سواء كان لمعلوم أو مطلق لعمل جميع الناس، فإذا فعل ذلك بعد قوله استحق الجعل؛ لأنه اشترط والتزم.
ولذلك يكون كأنه التزم بالمال أن يدفعه عند وجود هذا الشيء الذي هو رد الآبق، والعثور على الضائع ونحوه، فإذا عثر عليه لزمه أن يدفع، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة:1] ، فهو التزم أن يدفع له، فيجب عليه الوفاء بما التزم به، ويلزمه القاضي، فإذا حدد عشرة آلاف أو مبلغا معينا على رد الضائع وجيء له بالضائع؛ لزمه أن يدفعها لمن وجدها.
وقوله: (استحقه) أي: استحق الجعل كاملا، لكن يشترط أن يكون الفعل كاملا، فلو أنه عثر على المفقود، وقبل أن يعطيه لصاحبه بساعة توفي، فإنه ينفسخ عقد الجعالة؛ لأنه ما أتم الفعل؛ إذ لابد أن يصل إلى الشخص نفسه، وحينئذ من حيث الأصل لا يستحق الجعل كاملا؛ لأنه لم يفعل فعلا كاملا.
إذا: يستحق الجعل من قام به على وجهه، وعلى الشرط الموجود في قول الجاعل، أما لو فعل البعض فهذا فيه تفصيل سيأتي إن شاء الله تعالى.
الاشتراك في الجعل
قال رحمه الله: [والجماعة يقتسمونه] .
بعد أن قرر أن من فعل بعد القول استحق الجعل كاملا، فإن كانوا جماعة اقتسموا؛ فلو فر بعير وشرد فانطلق ثلاثة أشخاص، فقال صاحب البعير: من أمسك لي بعيري الشارد أعطيه ثلاثة آلاف، فانطلق ثلاثة أشخاص وكلهم اجتمعوا على ذلك البعير وأمسكوه وجاءوا به، فإذا جاءوا به استحقوا ما جعله الجاعل ويقسم بينهم؛ لحديث الجعل: (قالوا: اقسموا.
قالوا: والله لا نقسم حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسأله) ، فلما جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا يشكون في جوازه قال لهم: (اقسموا واضربوا لي معكم بسهم، وضحك عليه الصلاة والسلام) .
أي: أنه شيء مباح، فأذن بقسمته، فدل هذا على أن الجعل قد يقسم إذا كان هناك أكثر من شخص، أو طائفة اجتمعت في العثور على ضائع أو وجود شيء مفقود؛ فإنهم يستحقونه ويقسم الجعل بينهم على الشرط الذي التزم به صاحبه.
استحقاق الجعل في أثناء القول
قال رحمه الله: [وفي أثنائه يأخذ قسط تمامه] .
قوله: (وفي أثنائه) : صورة المسألة في أثناء قوله: كأن تضيع مني السيارة يوم السبت، فجعلت أبحث عنها يوم السبت كله، فبحث شخص دون أن يتعاقد معي، وعثر عليها يوم الأحد، وفي يوم الأحد أعلنت أن من أحضر السيارة أعطيه ألفا؛ فحينئذ يستحق ما بعد الإعلان لا ما قبله، فإن كان الذي بعد الإعلان له أجرة وله قدر، فحصل ما يوجب انتقالها إلى المعاوضة بالإجارة، ويستحق قدر الذي يكون بعد القول لا الذي قبله.
وهذا في مسائل منها: مسألة الرجوع عن النفقة في البحث والتحري، ففي بعض الأحيان تلزم، وفي بعض الأحيان لا تلزم، كأن تقول: من بحث عن بعيري سأعطيه مائة ونفقته علي، فحينئذ يستحق النفقة التي بعد القول لا التي قبل القول؛ لأنك التزمت له من ذلك الوقت، فيستحقها بعد القول لا قبله.
فقوله: (وفي أثنائه يأخذ قسط تمامه) أي: قسط تمام الفعل ما بين القول والعثور على الشيء الذي ضاع من صاحبه.
صحة فسخ عقد الجعالة من الطرفين
قال رحمه الله: [ولكل فسخها] .
شرع رحمه الله في صفة عقد الجعالة، فقال رحمه الله: [ولكل فسخها] .
فعقد الجعالة عقد جائز، بمعنى: أن من حقك أن تفسخ متى شئت، ومن حق الشخص الذي يقوم بالبحث أن يفسخ عقد الجعالة، ولو أن شخصا قال: يا محمد! ابحث لي عن سيارتي الضائعة وأعطيك عشرة آلاف ريال.
فقال: قبلت.
فلما قال: قبلت التزم أن يبحث، ولو أنه بعد ما قال: قبلت، قال: لا أريد أن أبحث، فهل يلزم؟
الجواب لا يلزم؛ لأن هذا عقد جائز وليس ملزما به.
لكن بالنسبة للشخص الذي وضع الجعل إذا قال: فسخت الجعالة، فحينئذ فيه تفصيل؛ لأنه في بعض الأحيان يفسخ الجعالة ويضر بمصالح الأشخاص الذين يبحثون، فمثلا يقول: من عثر على سيارتي أعطيه مائة ألف، فيذهب الناس ويتكبدون المشقة والعناء، وفي نفس الطريق وقبل وصولهم يقول: قد فسخت.
إذا: في هذه الحالة صاحب الجعل أو المالك لا يستحق أن يرجع عن عقد الجعالة؛ وفي ذلك تفصيل: فإذا أضر رجوعه بحق العامل وجب عليه أن يدفع للعامل أجرة العمل ما بين الاتفاق والفسخ.
وأما إذا كان لا يضر به، فإنه لا إشكال في كونه لا حرج عليه في الفسخ.
كذلك ينفسخ عقد الجعالة بالموت، فلو أن الباحث بحث ووجد ثم مات قبل التسليم، فإن العقد في هذه الحالة ينفسخ، وكذلك لو قال: من عثر على سيارتي أعطيه عشرة آلاف، ثم توفي بعد ساعة وعثر عليها بعد ساعتين، أو قال: من عثر على سيارتي أعطيه عشرة آلاف ريال، ثم بعد ذلك زالت أهليته، فكل هذا يؤثر في العقد، والعقد ضعيف من العقود الجائزة، فإذا كان لا ضرر في الفسخ، فإنه يصح فسخها من العامل ومن رب الشيء المفقود.
قال رحمه الله: [ولكل فسخها فمن العامل لا يستحق شيئا] .
قوله: (من العامل) أي: إن وقع الفسخ من العامل فلا يستحق شيئا؛ لأنه فوت على نفسه المال، وفوت على نفسه الجعل، فيتحمل مسئولية نفسه، فلو أنه بحث سنة كاملة ولم يجد، ثم قال: لا أريد أن أتم البحث، فذلك له، ويكون قد أسقط حقه بفسخه.
قال رحمه الله: [ومن الجاعل بعد الشروع للعامل أجرة عمله] .
فإن فسخت الجعالة من المالك والجاعل بعد شروع العامل، أو بعد شروع أكثر من شخص في البحث والتحري وقال: فسخت؛ لزمه أن يدفع له الأجرة ما بين قوله والفسخ، فمثلا: لو ضاعت السيارة، أو ضاعت الإبل، أو ضاعت الغنم في صحراء، والصحراء تبعد عن المدينة مائة كيلو، فخرج اثنان للبحث عنها، وبعد يومين فسخ الجاعل العقد، فكانوا قد وصلوا إلى المكان الذي فيه الشيء المفقود، فالسفر الذي تكبدوه للذهاب إلى ذلك الموضع يعتبر استحقاقا لهم على المالك والجاعل، فتقدر أجرة مثلهم، ويفسخ العقد، ويعطيهم حقهم في هذا العمل الذي عملوه؛ لأن في ذلك تفويتا عليهم، ويجب عليه أن يضمن لهم ذلك الحق.