عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 12-02-2025, 11:07 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,406
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الاول
صـــ 51 الى صـــ 60
(6)






تتحقق البلوى فإنها تنقض من الهواء فلا يمكن صون الأواني عنها خصوصا في الصحاري بخلاف سباع الوحش.، وعن أبي يوسف - رحمه الله - قال ما يقع على الجيف من سباع الطير فسؤره نجس؛ لأن منقاره لا يخلو عن نجاسة عادة.
وأما سؤر السنور ففي كتاب الصلاة قال، وإن توضأ بغيره أحب إلي وفي الجامع الصغير قال هو مكروه، وهو قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وقال أبو يوسف - رحمه الله - لا بأس بسؤره لحديث عائشة - رضي الله عنها - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصغي الإناء لهرة حتى تشرب، ثم يتوضأ بالباقي».
(ولنا) حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - «يغسل الإناء من ولوغ الهرة مرة»، وهو إشارة إلى الكراهة، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «الهرة سبع»، وهي من السباع التي لا يؤكل لحمها فهذا الحديث يدل على النجاسة، وحديث عائشة - رضي الله عنها - يدل على الطهارة فأثبتنا حكم الكراهة عملا بهما جميعا، وكان الطحاوي - رحمه الله - يقول: كراهة سؤره لحرمة لحمه، وهذا يدل على أنه إلى التحريم أقرب، وقال الكرخي - رحمه الله - كراهة سؤره؛ لأنه يتناول الجيف فلا يخلو فمه عن النجاسة عادة، وهذا يدل على أن الكراهة كراهة تنزيه، وهو الأصح، والأقرب إلى موافقة الأثر.
قال (وإن مات في الإناء ذباب، أو عقرب، أو غير ذلك مما ليس له دم سائل لم يفسده عندنا) ، وقال الشافعي - رضي الله عنه - يفسده إلا ما خلق منه كدود الخل يموت فيه، وسوس الثمار يموت في الثمار، واستدل بقوله تعالى {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] فهو تنصيص على نجاسة كل ميتة، وإذا تنجس بالموت تنجس ما مات فيه إلا أن فيما خلق منه ضرورة، ولا يمكن التحرز عنه فصار عفوا لهذا.
(ولنا) حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه، ثم امقلوه، ثم انقلوه فإن في أحد جناحيه سما، وفي الآخر شفاء»، وإنه ليقدم السم على الشفاء، ومعلوم أن الذباب إذا مقل مرارا في الطعام الحار يموت فلو كان مفسدا لما أمر بمقله، وفي حديث سلمان الفارسي - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «ما ليس له دم سائل إذا مات في الإناء فهو الحلال أكله، وشربه، والوضوء به»، ولأن الحيوان إذا مات فإنما يتنجس لما فيه من الدم المسفوح حتى لو ذكي فسال الدم منه كان طاهرا، وهذا؛ لأن المحرم هو الدم المسفوح قال الله تعالى {أو دما مسفوحا} [الأنعام: 145] فما ليس له دم سائل لا يتناوله نص التحريم فلا ينجس ما مات فيه قياسا على ما خلق منه.
قال (وإن وقع فيه دم، أو خمر، أو عذرة، أو بول أفسده عندنا) ، وقال مالك - رحمه الله - لا يفسده إلا أن يتغير به أحد أوصافه من لون، أو ريح، أو طعم، واحتج بما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتوضأ من بئر، وهي بضاعة، وهي بئر يلقى فيه الجيف، ومحايض النساء فلما ذكر له ذلك قال خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه، أو طعمه، أو ريحه».
(ولنا) قوله - عليه الصلاة والسلام - «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسلن فيه من الجنابة» فلو لم يكن ذلك مفسدا للماء ما كان للنهي عنه معنى، وفائدة، وفيه طريقتان إحداهما أن الماء ينجس بوقوع النجاسة فيه؛ لأن صفة الماء تتغير بما يلقى فيه حتى يضاف إليه كماء الزعفران، وماء الباقلا، والثانية أن الماء لا ينجس، ولكن يتعذر استعماله لمجاورة الفاسد؛ لأن النجاسة تتفرق في أجزاء الماء فلا يمكن استعمال جزء من الماء إلا باستعمال جزء من النجاسة، واستعمال النجاسة حرام، وأما الحديث فقد قيل: إن بئر بضاعة كان ماؤه جاريا يسقى منه خمس بساتين، وعندنا الماء الجاري لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير أحد أوصافه.
وقيل إنما كان يلقى فيه الجيف في الجاهلية فإن في الإسلام نهوا عن مثل هذا، وكان برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من التنزه، والتقذر ما يمنعه من التوضؤ، والشرب من بئر يلقى فيه ذلك في وقته، وإنما أشكل عليهم أن ما كان في الجاهلية هل يسقط اعتباره بتطهير البئر في الإسلام فأزال إشكالهم بما قال.

(وإن بزق في الماء، أو امتخط لم يفسده؛ لأنه طاهر لاقى طاهرا)
، والدليل على طهارة البزاق «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعان في محو بعض الكتابة به»، والدليل على المخاط «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - امتخط في صلاته فأخذه بثوبه، ودلكه»، ثم المخاط، والنخامة سواء، ولما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمار بن ياسر - رضي الله عنه - يغسل ثوبه من النخامة قال «ما نخامتك، ودموع عينيك، والماء الذي في ركوتك إلا سواء».
(وإن أدخل جنب، أو حائض، أو محدث يده في الإناء قبل أن يغسلها، وليس عليها قذر لم يفسد الماء استحسانا)، وكان ينبغي في القياس أن يفسده؛ لأن الحدث زال عن يده بإدخاله في الإناء فيصير الماء مستعملا كالماء الذي غسل به يده، وجه الاستحسان ما روي أن المهراس كان يوضع على باب مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفيها ماء فكان أصحاب الصفة - رضوان الله عليهم - يغترفون منه للوضوء بأيديهم، ولأن فيه بلوى، وضرورة فقد لا يجد شيئا يغترف به الماء من الإناء العظيم
فيجعل يده لأجل الحاجة كالمغرفة، وإذا ثبت هذا في المحدث فكذلك في الجنب، والحائض لما روي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها قالت «كنت أغتسل أنا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد فربما بدأت أنا، وربما بدأ هو، وكنت أقول أبق لي، وهو يقول بق لي»، وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - في الأمالي قال إذا أدخل الجنب يده، أو رجله في البئر لم يفسده، وإن أدخل رجله في الإناء أفسده، وهذا لمعنى الحاجة ففي البئر الحاجة إلى إدخال الرجل لطلب الدلو فجعل عفوا، وفي الإناء الحاجة إلى إدخال اليد فلا تجعل الرجل عفوا فيه، وإن أدخل في البئر بعض جسده سوى اليد، والرجل أفسده؛ لأنه لا حاجة إليه.
وقال في الأصل إذا اغتسل الطاهر في البئر أفسده، وهو بناء على ما تقدم أن المستعمل للماء على قصد التقرب، وإن كان طاهرا فالماء بفعله يصير مستعملا فإذا اغتسل في البئر صار الماء مستعملا، وقوله أفسده دليل على أن الصحيح من قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن الماء المستعمل نجس؛ لأن الفاسد من الماء هو النجس، وإذا انغمس فيه لطلب دلو، وليس على بدنه قذر لم يفسد الماء؛ لأنه لم يوجد فيه إزالة الحدث، ولا إقامة القربة لما لم يغتسل فيه، وإن انغمس في جب يطلب دلوا لم يفسد الماء، ولم يجزئه من الغسل في قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى -، وقال محمد - رحمه الله تعالى - لا يفسد الماء، ويجزئه من الغسل، وعن أبي يوسف في الأمالي أن الماء يفسد، ولا يجزئه من الغسل. من أصحابنا من قال هذا الخلاف ينبني على أصل، وهو أن عند أبي يوسف الماء يصير مستعملا بأحد شيئين إما بإزالة الحدث، أو بإقامة القربة فلو زال الحدث هنا صار الماء مستعملا فلا يجزئه من الاغتسال فلهذا قال الرجل بحاله، والماء بحاله، ومن أصل محمد أن الماء لا يصير مستعملا إلا بإقامة القربة، والاغتسال يتحصل بغير نية فكان الرجل طاهرا، والماء غير مستعمل لعدم القصد منه إلى إقامة القربة، وهذا ليس بقوي فإن هذا المذهب غير محفوظ عن محمد نصا، ولكن الصحيح أن إزالة الحدث بالماء مفسد للماء إلا عند الضرورة كما بينا في الجنب يدخل يده في الإناء، وفي البئر معنى الضرورة موجود فإنهم إذا جاءوا بغواص لطلب دلوهم لا يمكنهم أن يكلفوه الاغتسال أولا فلهذا لا يصير الماء مستعملا، ولكن الرجل يطهر؛ لأن الماء مطهر من غير قصد. وجه رواية الإملاء أنه كما أدخل بعض أعضائه في البئر صار الماء مستعملا فبعد ذلك سواء اغتسل، أو لم يغتسل لم يطهره الماء المستعمل.
قال (وإن وقع في البئر بول ما يؤكل لحمه أفسده في قول أبي حنيفة
وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى -، ولا يفسده في قول محمد، ويتوضأ منه ما لم يغلب عليه).
وأصل المسألة أن بول ما يؤكل لحمه نجس عندهما طاهر عند محمد - رحمه الله تعالى -، واحتج بحديث أنس - رضي الله تعالى عنه - «أن قوما من عرنة جاءوا إلى المدينة فأسلموا فاجتووا المدينة فاصفرت ألوانهم، وانتفخت بطونهم فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخرجوا إلى إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها، وألبانها» الحديث، فلو لم يكن طاهرا لما أمرهم بشربه، والعادة الظاهرة من أهل الحرمين بيع أبوال الإبل في القوارير من غير نكير دليل ظاهر على طهارتها، ولهما قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه»، ولما ابتلي سعد بن معاذ - رضي الله تعالى عنه - بضغطة القبر «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن سببه فقال إنه كان لا يستنزه من البول»، ولم يرد به بول نفسه فإن من لا يستنزه منه لا تجوز صلاته، وإنما أراد أبوال الإبل عند معالجتها، والمعنى أنه مستحيل من أحد الغذاءين إلى نتن، وفساد فكان نجسا كالبعر. فأما حديث أنس - رضي الله تعالى عنه - فقد ذكر قتادة عن أنس - رضي الله تعالى عنه - «أنه رخص لهم في شرب ألبان الإبل»، ولم يذكر الأبوال، وإنما ذكره في حديث حميد عن أنس - رضي الله تعالى عنهما -، والحديث حكاية حال فإذا دار بين أن يكون حجة، أو لا يكون حجة سقط الاحتجاج به، ثم نقول خصهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك؛ لأنه عرف من طريق الوحي أن شفاءهم فيه، ولا يوجد مثله في زماننا، وهو كما «خص الزبير - رضي الله تعالى عنه - بلبس الحرير لحكة كانت به»، وهي مجاز عن القمل فإنه كان كثير القمل، أو؛ لأنهم كانوا كفارا في علم الله تعالى، ورسوله علم من طريق الوحي أنهم يموتون على الردة، ولا يبعد أن يكون شفاء الكافر في النجس.
إذا عرفنا هذا فنقول: إذا وقع في الماء فعند محمد - رحمه الله - هو طاهر فلا يفسد الماء حتى يجوز شربه، ولكن إذا غلب على الماء لم يتوضأ به كسائر الطاهرات إذا غلبت على الماء، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله هو نجس فكان مفسدا للماء، والبئر، والإناء فيه سواء، وعلى قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - لا يجوز شربه للتداوي، وغيره لقوله - صلى الله عليه وسلم - «إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم»، وعند محمد يجوز شربه للتداوي، وغيره؛ لأنه طاهر عنده، وعند أبي يوسف يجوز شربه للتداوي لا غير عملا بحديث العرنيين، ولا يجوز لغيره، ولو أصاب الثوب لم ينجسه عند محمد - رحمه الله تعالى - حتى تجوز الصلاة فيه، وإن امتلأ الثوب منه، وعلى
قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى - ينجس الثوب إلا أنه يجوز الصلاة فيه ما لم يكن كثيرا فاحشا؛ لأنه مختلف في نجاسته، وفيه بلوى لمن يعالجها فخفت نجاسته لهذين المعنيين فكان التقدير بالكثير الفاحش، وقال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - الكثير الفاحش في الثوب الربع فصاعدا قيل أراد به ربع الموضع الذي أصابه من ذيل، أو غيره، وقيل أراد به ربع جميع الثوب، وهو الصحيح، وهذا؛ لأن الربع ينزل منزلة الكمال بدليل أن المسح بربع الرأس كالمسح بجميعه، وعن أبي يوسف في روايته الكثير الفاحش شبر في شبر، وفي رواية ذراع في ذراع، وعن محمد - رحمه الله تعالى - فيما يقدر الكثير الفاحش على قوله كالأرواث، وغيره أنه قدر موضع القدمين، وهذا قريب من شبر في شبر.
(ويستحب للرجل حين يبتدئ الوضوء أن يقول بسم الله، وإن لم يقل أجزأه)، وعلى قول أصحاب الظواهر التسمية من الأركان لا يجوز الوضوء إلا بها لقوله - عليه الصلاة والسلام - «لا وضوء لمن لم يسم»، وعندنا التسمية من سنن الوضوء لا من أركانه فإن الله تعالى بين أركان الوضوء بقوله {فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] الآية، ولم يذكر التسمية «، وعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأعرابي الوضوء، ولم يذكر التسمية» فتبين بهذا أن المراد من قوله - عليه الصلاة والسلام - «لا وضوء لمن لم يسم» نفي الكمال لا نفي الجواز كما قال في حديث آخر «من توضأ، وسمى كان طهورا لجميع بدنه، ومن توضأ، ولم يسم كان طهورا لأعضاء وضوئه»، وفي الحديث المعروف «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله فهو أقطع» أي ناقص غير كامل، وهذا بخلاف التسمية على الذبيحة فإنا أمرنا بها إظهارا لمخالفة المشركين؛ لأنهم كانوا يسمون آلهتهم عند الذبح فكان الترك مفسدا، وهنا أمرنا بالتسمية تكميلا للثواب لا مخالفة للمشركين فإنهم كانوا لا يتوضئون فلم يكن الترك مفسدا لهذا.
قال (وإن بدأ في وضوئه بذراعيه قبل وجهه، أو رجليه قبل رأسه أجزأه عندنا) ، ولم يجزه عند الشافعي - رضي الله عنه - فإن الترتيب في الوضوء عندنا سنة، وعنده من الأركان، واستدل بقوله تعالى {فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] الآية، والفاء للوصل، والترتيب فظاهره يقتضي أنه يلزمه، وصل غسل الوجه بالقيام إلى الصلاة، ولا يجوز تقديم غيره عليه، ثم إن الله تعالى عطف البعض على البعض بحرف الواو، وذلك موجب للترتيب كما في قوله تعالى {اركعوا، واسجدوا} [الحج: 77] ، ولما سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن السعي بين الصفا، والمروة بأيهما نبدأ فقال «ابدءوا بما بدأ الله تعالى به».
فدل على أن الواو للترتيب، وقال - عليه الصلاة والسلام -
«لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل، وجهه ثم يديه»، ولا شك أن حرف ثم للترتيب.
(ولنا) ما ذكره أبو داود - رحمه الله تعالى - في سننه «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تيمم فبدأ بذراعيه، ثم بوجهه»، والخلاف فيهما واحد، وروي «أنه - صلى الله عليه وسلم - نسي مسح رأسه في وضوئه فتذكر بعد فراغه فمسحه ببلل في كفه»، ولأن الركن تطهير الأعضاء، وذلك حاصل بدون الترتيب.
(ألا ترى) أنه لو انغمس في الماء بنية الوضوء أجزأه، ولم يوجد الترتيب، ومواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - على الترتيب في الوضوء لا تدل على أنه ركن فقد كان يواظب على السنن كما واظب على المضمضة، والاستنشاق، وأهل اللغة اتفقوا على أن الواو للعطف مطلقا من غير أن تقتضي جمعا، ولا ترتيبا فإن الرجل إذا قال جاءني زيد، وعمرو كان إخبارا عن مجيئهما من غير ترتيب في المجيء قال الله تعالى {واسجدي واركعي مع الراكعين} [آل عمران: 43] فلا يدل ذلك على ترتيب الركوع على السجود، وكذلك في الآية أمر بغسل الأعضاء لا بالترتيب في الغسل.
(ألا ترى) أن ثبوت الحدث في الأعضاء لا يكون مرتبا فكذلك زواله، والحديث محمول على صفة الكمال، وبه نقول.
(وإن غسل بعض أعضائه، وترك البعض حتى جف ما قد غسل أجزأه؛ لأن الموالاة سنة عندنا)، وقال مالك - رحمه الله تعالى -، وهو أحد قولي الشافعي - رحمه الله تعالى - الموالاة ركن فلا يجزئه تركه «؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، واظب على الموالاة» فلو جاز تركه لفعله مرة تعليما للجواز.، وقال ابن أبي ليلى إن كان في طلب الماء أجزأه؛ لأن ذلك من عمل الوضوء فإن كان أخذ في عمل آخر غير ذلك، وجف وجب علينا إعادة ما جف، وجعله قياس أعمال الصلاة إذا اشتغل في خلالها بعمل آخر.
(ولنا) ما بينا أن المقصود تطهير الأعضاء، وذلك حاصل بدون الموالاة، والمنصوص عليه في الكتاب غسل الأعضاء فلو شرطنا الموالاة كان زيادة على النص، وقد بينا أن مواظبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد تكون لبيان السنة، وأفعال الصلاة تؤدى بناء على التحريمة، والاشتغال بعمل آخر مبطل للتحريمة فكان مفسدا بخلاف الوضوء فإن أركان الوضوء لا تنبني على التحريمة حتى لم يكن الكلام في الوضوء مفسدا له، والله أعلم.
قال (، ولا يفسد خرء الحمام، والعصفور الماء فإنه طاهر عندنا) ، وقال الشافعي - رضي الله تعالى عنه - نجس يفسد الماء، والثوب، والقياس ما قال؛ لأنه مستحيل من غذاء الحيوان إلى فساد لكن استحسنه علماؤنا - رحمهم الله تعالى - لحديث ابن مسعود
رضي الله تعالى عنه - أنه خرئت عليه حمامة فمسحه بأصبعه وابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - ذرق عليه طائر فمسحه بحصاة، وصلى، ولم يغسله، ولأن الحمام تركت في المساجد حتى في المسجد الحرام مع علم الناس بما يكون منها، وأصله حديث أبي أمامة الباهلي - رضي الله تعالى عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شكر الحمامة، وقال إنها، أوكرت على باب الغار حتى سلمت فجازاها الله تعالى بأن جعل المساجد مأواها» فهو دليل على طهارة ما يكون منها. .
قال (وخرء ما لا يؤكل لحمه من الطيور ذكر في الجامع الصغير أنه تجوز الصلاة فيه، وإن كان أكثر من قدر الدرهم في قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى -، وعند محمد - رحمه الله تعالى - لا يجوز بمنزلة خرء ما لا يؤكل لحمه من السباع) ، والمعنى أنه مستحيل من غذائه إلى فساد.
واختلف مشايخنا - رحمهم الله - على قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى - فمنهم من قال هو نجس عندهما لكن التقدير فيه بالكثير الفاحش لمعنى البلوى، والأصح أنه طاهر عندهما فإن الخرء لا فرق فيه بين مأكول اللحم، وغير مأكول اللحم في النجاسة، ثم خرء ما يؤكل لحمه من الطيور طاهر فكذلك ما لا يؤكل لحمه.
قال (، وبول الخفافيش لا يفسد الماء؛ لأنه لا يستطاع الامتناع منه، ولا يستقذره الناس عادة) ، ويفسده خرء الدجاج؛ لأنه أشبه الأشياء بالعذرة لونا، ورائحة فكان نجسا نجاسة غليظة.
قال (، وموت الضفدع، والسمك، والسرطان في الماء لا يفسده) لوجهين.: أحدهما أن الماء معدنه، والشيء إذا مات في معدنه لا يعطى له حكم النجاسة كمن صلى، وفي كمه بيضة مذرة حال محها دما تجوز صلاته، وهذا؛ لأن التحرز عن موته في الماء غير ممكن
والثاني أنه ليس لهذه الحيوانات دم سائل فإن ما يسيل منها إذا شمس ابيض، والدم إذا شمس اسود، وهذا الحرف أصح؛ لأنه كما لا يفسد الماء بموت هذه الحيوانات فيه لا يفسد غير الماء كالخل، والعصير، ويستوي إن تقطع، أو لم يتقطع إلا على قول أبي يوسف - رحمه الله - فإنه يقول إذا تقطع في الماء أفسده بناء على قوله أن دمه نجس، وهو ضعيف فإنه لا دم في السمك إنما هو ماء آجن، ولو كان فيه دم فهو مأكول فلا يكون نجسا كالكبد، والطحال.
وأشار الطحاوي - رحمه الله - إلى أن الطافي من السمك يفسد الماء، وهو غلط منه فليس في الطافي أكثر من أنه غير مأكول فهو كالضفدع، والسرطان، وعن محمد - رحمه الله تعالى - قال الضفدع إذا تفتت في الماء كرهت شربه لا لنجاسته، ولكن لأن أجزاء الضفدع فيه، والضفدع غير مأكول.
(وإذا ماتت الفأرة في البئر فاستخرجت حين ماتت نزح من البئر عشرون دلوا، وإن ماتت في جب أريق الماء، وغسل الجب؛ لأنه تنجس بموت الفأرة فيه)
والقياس في البئر أحد شيئين أما ما قاله بشر - رحمه الله - أنه يطم رأس البئر، ويحفر في موضع آخر؛ لأنه، وإن نزح ما فيها من الماء يبقى الطين، والحجارة نجسا، ولا يمكن كبه ليغسل فيطم.
وأما ما نقل عن محمد - رحمه الله تعالى - قال اجتمع رأيي، ورأي أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أن ماء البئر في حكم الماء الجاري؛ لأنه ينبع من أسفله، ويؤخذ من أعلاه فلا يتنجس بوقوع النجاسة فيه كحوض الحمام إذا كان يصب فيه من جانب، ويؤخذ من جانب لم يتنجس بإدخال يد نجسة فيه.
ثم قلنا، وما علينا لو أمرنا بنزح بعض الدلاء، ولا نخالف السلف، وتركنا القياس لحديث، علي - رضي الله تعالى عنه - قال في الفأرة تموت في البئر ينزح منها دلاء، وفي رواية سبع دلاء.
، وفي حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - قال في الدجاجة تموت في البئر ينزح منها أربعون دلوا.
(ولنا) حديث النخعي والشعبي في الفأرة تموت في البئر ينزح منها عشرون دلوا، وروي عن أنس بن مالك - رضي الله تعالى عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الفأرة تموت في البئر ينزح منها عشرون دلوا»، ولكنه شاذ، وعن ابن عباس وابن عمر - رضي الله تعالى عنهم - في الزنجي الذي وقع في بئر زمزم فمات أنهما أمرا بنزح جميع الماء.
ثم في الأصل جعله على ثلاث مراتب في الفأرة عشرون دلوا، وفي السنور، والدجاجة أربعون دلوا، وفي الشاة، والآدمي جميع الماء.، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - جعله على خمس درجات في الجلة، والفأرة الصغيرة عشر دلاء، وفي الفأرة الكبيرة عشرون دلوا، وفي الحمامة ثلاثون دلوا، وفي الدجاجة أربعون دلوا، وفي الشاة، والآدمي جميع الماء، وهذا؛ لأنه إنما يتنجس من الماء ما جاوز النجاسة، والفأرة تكون في وجه الماء فإذا نزح عشرون دلوا فالظاهر أنه نزح جميع ما جاوز الفأرة فما بقي يبقى طاهرا، والدجاجة تغوص في الماء أكثر مما تغوص الفأرة فيتضاعف النزح لهذا، والشاة، والآدمي يغوص إلى قعر الماء فيموت، ثم يطفو فلهذا نزح جميع الماء، وهذا إذا لم يتفسخ شيء من هذه الحيوانات فإن انتفخ، أو تفسخ نزح جميع الماء.
الفأرة، وغيرها فيه سواء؛ لأنه ينفصل منها بلة نجسة، وتلك البلة نجاسة مائعة بمنزلة قطرة من خمر، أو بول تقع في البئر.
ولهذا قال محمد - رحمه الله تعالى - إذا، وقع في البئر ذنب فأرة ينزح جميع الماء؛ لأن موضع القطع فيه لا ينفك عن نجاسة مائعة بخلاف الفأرة فإن غلبهم الماء في موضع، وجب نزح جميع الماء فالمروي
عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أنه إذا نزح منها مائة دلو يكفي، وهو بناء على آبار الكوفة لقلة الماء فيها.
وعن محمد - رحمه الله تعالى - في النوادر أنه ينزح منها ثلاثمائة دلو، أو مائتا دلو، وإنما أجاب بهذا بناء على كثرة الماء في آبار بغداد، وقال أبو يوسف - رحمه الله تعالى - ينزح قدر ما كان فيها من الماء قيل معناه أنه ينظر إلى عمق البئر، وعرضه فيحفر حفيرة مثلها، ويصب ما ينزح فيها فإذا امتلأت فقد نزح ما كان فيها.
وقيل يرسل قصبة في الماء، ويجعل على مبلغه علامة، ثم ينزح عشر دلاء، ثم يرسل القصبة ثانيا فينظر كم انتقص فإن انتقص العشر علم أن البئر مائة دلو، والأصح أنه ينظر إليها رجلان لهما بصر في الماء فبأي مقدار قالا في البئر ينزح ذلك القدر، وهذا أشبه بالفقه فإن كان توضأ رجل منها بعد ما ماتت الفأرة فيها فعليه إعادة الوضوء، والصلوات جميعا؛ لأنه تبين أنه توضأ بالماء النجس، وإن كان لا يدري متى وقع فيها، وقد كان وضوءه من ذلك البئر فإن كانت منتفخة أعاد صلاة ثلاثة أيام، ولياليها في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - احتياطا، وإن كانت غير منتفخة يعيد صلاة يوم، وليلة.
وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - ليس عليه أن يعيد شيئا من صلاته ما لم يعلم أنه توضأ منها، وهو فيها، والقياس ما قالا؛ لأنه على يقين من طهارة البئر فيما مضى، وفي شك من نجاسته، واليقين لا يزال بالشك كمن رأى في ثوبه نجاسة لا يدري متى أصابته لا يلزمه إعادة شيء من الصلوات لهذا، وكان أبو يوسف - رحمه الله تعالى - يقول أولا بقول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - حتى رأى طائرا في منقاره فأرة ميتة، وألقاها في بئر فرجع إلى هذا القول، وقال لا يعيد شيئا من الصلاة بالشك وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول: ظهر لموت الفأرة سبب، وهو وقوعها في البئر فيحال موتها عليه كمن جرح إنسانا فلم يزل صاحب فراش حتى مات يحال موته على تلك الحالة؛ لأنه هو الظاهر من السبب، ثم الانتفاخ دليل تقادم العهد، وأدنى حد التقادم ثلاثة أيام.
(ألا ترى) أن من دفن قبل أن يصلى عليه يصلى على قبره إلى ثلاثة أيام، ولا يصلى بعد ذلك؛ لأنه يتفسخ في هذه المدة، وقولهما: إن في نجاسة البئر فيما مضى شكا قلنا يؤيد هذا الشك تيقن النجاسة في الحال فوجب اعتباره، والقول به للاحتياط فيه، وفي مسألة الثوب قال معلى: الخلاف فيهما، واحد، وعند أبي حنيفة - رحمه الله - إن كانت النجاسة بالية يعيد صلاة ثلاثة أيام، ولياليها، وإن كانت طرية يعيد صلاة يوم، وليلة، ومن سلم فرق بينهما لأبي حنيفة - رحمه الله - فقال الثوب كان يقع بصره
عليه في كل، وقت فلو كانت فيه نجاسة فيما مضى لرآها فأما البئر فمغيب عن بصره، والموضع موضع الاحتياط فإن كانت غير منتفخة قال أبو حنيفة - رحمه الله - يعيد صلاة يوم، وليلة؛ لأنه لما وجب عليه إعادة الصلاة أمرناه بإعادة صلاة يوم، وليلة احتياطا.
(وإذا صلى، وفي ثوبه من الروث، أو السرقين، أو بول ما لا يؤكل لحمه من الدواب، أو خرء الدجاجة أكثر من قدر الدرهم لم تجز صلاته)، والأصل في هذا أن القليل من النجاسة في الثوب لا يمنع جواز الصلاة فيه عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله - إذا كان بحيث يقع بصره عليه يمنع جواز الصلاة قال؛ لأن الطهارة عن النجاسة العينية شرط جواز الصلاة كالطهارة عن الحدث الحكمي فكما أن الشرط ينعدم بالقليل من الحدث، وكثيره فكذلك ينعدم بالقليل من النجاسة، وكثيرها.
وحجتنا ما روي عن عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه سئل عن قليل النجاسة في الثوب فقال: إن كان مثل ظفري هذا لا يمنع جواز الصلاة، ولأن القليل من النجاسة لا يمكن التحرز عنه؛ فإن الذباب يقعن على النجاسات، ثم يقعن على ثياب المصلي، ولا بد من أن يكون على أجنحتهن، وأرجلهن نجاسة فجعل القليل عفوا لهذا بخلاف الحدث فإنه لا بلوى في القليل منه، والكثير. ثم إن الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - كانوا يكتفون بالاستنجاء بالأحجار، وقلما يتطيبون بالماء، والاستنجاء بالحجر لا يزيل النجاسة حتى لو جلس بعده في الماء القليل نجسه فاكتفاؤهم به دليل على أن القليل من النجاسة عفو، ولهذا قدرنا بالدرهم على سبيل الكناية عن موضع خروج الحدث هكذا قال النخعي - رحمه الله تعالى -، واستقبحوا ذكر المقاعد في مجالسهم فكنوا عنه بالدرهم.، وكان النخعي يقول إذا بلغ مقدار الدرهم منع جواز الصلاة.، وكان الشعبي يقول لا يمنع حتى يكون أكثر من قدر الدرهم، وأخذنا بهذا لأنه أوسع، ولأنه قد كان في الصحابة - رضوان الله عليهم - من هو مبطون، ولوث المبطون أكثر، ومع هذا كانوا يكتفون بالاستنجاء بالأحجار، والدرهم أكبر ما يكون من النقد المعروف فأما المنقطع من النقود كالسهيلي، وغيره فقد قيل إنه يعتبر به، وهو ضعيف، والتقدير بالدرهم فيما اتفقوا على نجاسته كالخمر، والبول، وخرء الدجاج، وفي الخرء إذا كان أكثر من وزن مثقال، ولا عرض له يمنع جواز الصلاة أيضا.
فأما الروث، والسرقين فنقول: روث ما لا يؤكل سواء، وهو نجس عندنا، وقال مالك - رحمه الله - روث ما يؤكل لحمه طاهر لما روي أن الشبان من الصحابة في منازلهم في



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.46 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.84 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.63%)]