
12-02-2025, 11:00 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة :
|
|
رد: كتاب المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي
الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الاول
صـــ 41 الى صـــ 50
(5)
الأمالي أكره أن يكون الإمام صاحب هوى أو بدعة؛ لأن الناس لا يرغبون في الاقتداء به.
وإنما جاز إمامة الأعمى؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم: «استخلف ابن أم مكتوم على المدينة مرة وعتبان بن مالك مرة وكانا أعميين»، والبصير أولى؛ لأنه قيل لابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - بعد ما كف بصره ألا تؤمهم؟ قال: كيف أؤمهم وهم يسوونني إلى القبلة؟ ولأن الأعمى قد لا يمكنه أن يصون ثيابه عن النجاسات فالبصير أولى بالإمامة.
وأما جواز إمامة الأعرابي، فإن الله - تعالى - أثنى على بعض الأعراب بقوله: {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله} [التوبة: 99] الآية وغيره أولى؛ لأن الجهل عليهم غالب والتقوى فيهم نادرة، وقد ذم الله - تعالى - بعض الأعراب بقوله - تعالى: {الأعراب أشد كفرا ونفاقا} [التوبة: 97] ، وأما العبد فجواز إمامته، لحديث أبي سعيد مولى أبي أسيد قال عرست وأنا عبد فدعوت رهطا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم أبو ذر فحضرت الصلاة فقدموني فصليت بهم وغيره أولى؛ لأن الناس قلما يرغبون في الاقتداء بالعبيد والجهل عليهم غالب لاشتغالهم بخدمة المولى عن تعلم الأحكام، والتقوى فيهم نادرة وكذلك ولد الزنا، فإنه لم يكن له أب يفقهه فالجهل عليه غالب والذي روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ولد الزنا شر الثلاثة»، فقد روت عائشة - رضي الله تعالى عنها - هذا الحديث وقالت كيف يصح هذا، وقد قال الله - تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164] .
ثم المراد شر الثلاثة نسبا أو قاله في ولد زنا بعينه نشأ مرتدا، فأما من كان منهم مؤمنا فالاقتداء به صحيح.
قال: (ويؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأعلمهم بالسنة وأفضلهم ورعا وأكبرهم سنا) لحديث ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله - تعالى - فإن كانوا سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا سواء فأكبرهم سنا وأفضلهم ورعا»، وزاد في حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها: «فإن كانوا سواء فأحسنهم وجها»، فبعض مشايخنا اعتمدوا ظاهر الحديث وقالوا من يكون أقرأ لكتاب الله - تعالى - يقدم في الإمامة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ به وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «أهل القرآن هم أهل الله وخاصته»، والأصح أن الأعلم بالسنة إذا كان يعلم من القرآن مقدار ما تجوز به الصلاة فهو أولى؛ لأن القراءة يحتاج إليها في ركن واحد والعلم يحتاج إليه في جميع الصلاة والخطأ المفسد للصلاة في القراءة لا يعرف إلا بالعلم، وإنما قدم
الأقرأ في الحديث؛ لأنهم كانوا في ذلك الوقت يتعلمون القرآن بأحكامه على ما روي أن عمر - رضي الله تعالى عنه - حفظ سورة البقرة في ثنتي عشرة سنة، فالأقرأ منهم يكون أعلم، فأما في زماننا فقد يكون الرجل ماهرا في القرآن ولا حظ له في العلم فالأعلم بالسنة أولى إلا أن يكون ممن يطعن عليه في دينه فحينئذ لا يقدم؛ لأن الناس لا يرغبون في الاقتداء به.
(فإن استووا في العلم بالسنة فأفضلهم ورعا) لقوله - صلى الله عليه وسلم: «من صلى خلف عالم تقي فكأنما صلى خلف نبي»، (وقال) - صلى الله عليه وسلم: «ملاك دينكم الورع»، وفي الحديث: «يقدم أقدمهم هجرة»؛ لأنها كانت فريضة يومئذ، ثم انتسخ بقوله - صلى الله عليه وسلم: «لا هجرة بعد الفتح» ولأن أقدمهم هجرة يكون أعلمهم بالسنة لأنهم كانوا يهاجرون لتعلم الأحكام، فإن كانوا سواء فأكبرهم سنا لقوله - صلى الله عليه وسلم: «الكبر الكبر»، ولأن أكبرهم سنا يكون أعظمهم حرمة عادة ورغبة الناس في الاقتداء به أكثر، والذي قال في حديث عائشة - رضي الله عنها: «فإن كانوا سواء فأحسنهم وجها»، قيل معناه أكثرهم خبرة بالأمور كما يقال وجه هذا الأمر كذا، وإن حمل على ظاهره فالمراد منه أكثرهم صلاة بالليل جاء في الحديث: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار».
قال ويكره للرجل أن يؤم الرجل في بيته إلا بإذنه لقوله - صلى الله عليه وسلم: «لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه»، ولأن في التقدم عليه ازدراء به بين عشيرته وأقاربه وذلك لا يليق بحسن الخلق إلا أن يكون الضيف سلطانا فحق الإمامة له حيث يكون وليس للغير أن يتقدم عليه إلا بإذنه، وإذا كان مع الإمام رجلان، فإنه يتقدم الإمام ويصلي بهما؛ لأن للمثنى حكم الجماعة قال - صلى الله عليه وسلم: «الاثنان فما فوقهما جماعة».
وكذلك معنى الجمع من الاجتماع وذلك حاصل بالمثنى والذي روي، أن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - صلى بعلقمة والأسود في بيت واحد فقام في وسطهما قال إبراهيم النخعي - رحمه الله - كان ذلك لضيق البيت والأصح أن هذا كان مذهب ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - ولهذا قال في الكتاب: وإن لم يتقدم الإمام وصلى بهما فصلاتهم تامة؛ لأن فعلهم حصل في موضع الاجتهاد، وأقل الجمع المتفق عليه ثلاثة والتقدم للإمامة من سنة الجماعة ولهذا قال أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - في صلاة الجمعة النصاب ثلاثة سوى الإمام.
(وإن كان القوم كثيرا فقام الإمام وسطهم أو في ميمنة الصف أو في ميسرة الصف فقد أساء الإمام وصلاتهم
تامة). أما جواز الصلاة فلأن المفسد تقدم القوم على الإمام ولم يوجد وأما الكراهة فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم: «تقدم للإمامة بأصحابه - رضوان الله عليهم - وواظب على ذلك»، والإعراض عن سنته مكروه ولأن مقام الإمام في وسط الصف يشبه جماعة النساء ويكره للرجال التشبه بهن.
(وإن تقدم المقتدي على الإمام لا يصح اقتداؤه به إلا على قول مالك - رحمه الله تعالى -، فإنه يقول الواجب عليه المتابعة في الأفعال فإذا أتى به لم يضره قيامه قدام الإمام).
(ولنا) الحديث ليس مع الإمام من يقدمه، ولأنه إذا تقدم على الإمام اشتبه عليه حالة افتتاحه واحتاج إلى النظر وراءه في كل وقت ليقتدي به فلهذا لا يجوز،.
فإن كان مع الإمام واحد وقف على يمين الإمام لحديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال بت عند خالتي ميمونة - رضي الله تعالى عنها - لأراقب صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالليل فانتبه فقال: «نامت العيون وغارت النجوم وبقي الحي القيوم، ثم قرأ آخر سورة آل عمران: {إن في خلق السماوات والأرض} [البقرة: 164] إلى آخر الآية، ثم قام إلى شن ماء معلق فتوضأ وافتتح الصلاة فقمت وتوضأت ووقفت على يساره فأخذ بأذني وأدارني خلفه حتى أقامني عن يمينه فعدت إلى مكاني فأعادني ثانيا وثالثا فلما فرغ قال ما منعك يا غلام أن تثبت في الموضع الذي أوقفتك قلت: أنت رسول الله ولا ينبغي لأحد أن يساويك في الموقف فقال اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»، فإعادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياه إلى الجانب الأيمن دليل على أنه هو المختار إذا كان مع الإمام رجل واحد. (وفي ظاهر الرواية لا يتأخر المقتدي عن الإمام وعن محمد - رحمه الله تعالى - قال ينبغي أن تكون أصابعه عند عقب الإمام، وهو الذي وقع عند العوام) .
وإن كان المقتدي أطول فكان سجوده قدام الإمام لم يضره؛ لأن العبرة بموضع الوقوف لا بموضع السجود كما لو وقف في الصف ووقع في سجوده أمام الإمام لطوله.
وإن صلى خلفه امرأة جازت صلاته لحديث أنس - رضي الله عنه: «أن جدته مليكة - رضي الله تعالى عنها - دعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى طعام فقال قوموا لأصلي بكم فأقامني واليتيم من ورائه وأمي أم سليم وراءنا وصلاة الصبي تخلق فبقي أنس - رضي الله تعالى عنه - واقفا خلفه وحده وأم سليم وقفت خلف الصبي وحدها»، وفي الحديث دليل على أنه إذا كان مع الإمام اثنان يتقدمهما الإمام ويصطفان خلفه.
(قال) وكذلك إن وقف على يسار الإمام لأن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - وقف في الابتداء عن يساره واقتدى
به، ثم جواز اقتدائه به، وفي الإدارة حصل خلفه فدل أن شيئا من ذلك غير مفسد قال: (وهو مسيء. من أصحابنا من قال هذه الإساءة إذا وقف عن يسار الإمام لا خلفه) ؛ لأن الواقف خلفه أحد الجانبين منه على يمينه، فلا يتم إعراضه عن السنة بخلاف الواقف على يساره. (والأصح أن جواب الإساءة في الفصلين جميعا؛ لأنه عطف أحدهما على الآخر بقوله وكذلك) والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
[باب الوضوء والغسل]
قال (يبدأ في غسل الجنابة بيديه فيغسلهما ثم يغسل فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة غير رجليه ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثم يتنحى فيغسل قدميه) ، هكذا روت عائشة - رضي الله تعالى عنها - وأنس وميمونة - رضي الله تعالى عنهما - اغتسال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأكملها حديث ميمونة - رضي الله تعالى عنها - قالت «وضعت غسلا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليغتسل به من الجنابة فأخذ الإناء بشماله وأكفأه على يمينه فغسل يديه ثلاثا ثم أنقى فرجه بالماء ثم مال بيديه على الحائط فدلكهما بالتراب ثم توضأ للصلاة غير غسل القدمين ثم أفاض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثا ثم تنحى فغسل قدميه». وفي ظاهر الرواية يمسح برأسه في الوضوء.
وروى الحسن عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أنه لا يمسح؛ لأنه قد لزمه غسل رأسه وفرضية المسح لا تظهر عند وجوب الغسل ويبدأ بغسل ما على جسده من النجاسة؛ لأنه إن لم يفعل ذلك ازدادت النجاسة بإسالة الماء، والبداءة بالوضوء قبل إفاضة الماء ليس بواجب عندنا، ومن العلماء من قال هو واجب، ومنهم من فصل بين ما إذا أجنب وهو محدث أو طاهر فقال: إذا كان محدثا يلزمه الوضوء؛ لأنه قبل الجنابة قد كان لزمه الوضوء والغسل فلا يسقط بالجنابة.
(ولنا) قوله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6] والاطهار يحصل بغسل جميع البدن ولأن مبنى الأسباب الموجبة للطهارة على التداخل.
(ألا ترى) أن الحائض إذا أجنبت يكفيها غسل واحد؟ ومن العلماء من أوجب الوضوء بعد إفاضة الماء وقد روي إنكار ذلك عن علي وابن مسعود - رضي الله عنهما - وسئل ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - عن ذلك فقال للسائل قد تعمقت أما يكفيك غسل جميع بدنك والأصل فيه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أما أنا فأفيض على رأسي ثلاث حثيات من ماء فإذا أنا قد طهرت».
(والدلك في الاغتسال ليس بشرط إلا على قول مالك) يقيسه بغسل النجاسة العينية.
(ولنا) أن الواجب بالنص الأطهار والدلك يكون زيادة عليه والدلك لمقصود إزالة عين من البدن وليس على بدن الجنب عين يزيلها بالاغتسال فلا حاجة إلى الدلك.
وإنما يؤخر غسل القدمين عن الوضوء لأن رجليه في مستنقع الماء المستعمل حتى لو كان على لوح أو حجر لا يؤخر غسل القدمين.
فالحاصل أن إمرار الماء على جميع البدن فرض لقوله - صلى الله عليه وسلم - «تحت كل شعرة جنابة ألا فبلوا الشعر وأنقوا البشرة». وبإفاضة الماء ثلاثا يتضاعف الثواب وبتقديم الوضوء تتم السنة وهو نظير لمراتب الوضوء على ما بينا.
وأدنى ما يكفي في غسل الجنابة من الماء صاع وفي الوضوء مد لحديث جابر - رضي الله تعالى عنه - قال «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع فقيل له إن لم يكفنا فغضب وقال لقد كفى من هو خير منكم وأكثر شعرا» وهذا التقدير ليس بتقدير لازم فإنه لو أسبغ الوضوء بدون المد أجزأه لحديث عبد الرحمن بن زيد - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ بثلثي مد»، وإن لم يكفه المد في الوضوء يزيد إلا أنه لا يسرف في صب الماء لحديث «سعيد - رضي الله عنه - حين مر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يتوضأ ويصب الماء صبا فاحشا فقال إياك والسرف قال: أوفي الوضوء سرف؟ قال نعم ولو كنت على ضفة نهر جار». ثم التقدير بالصاع لماء الإفاضة فإذا أراد تقديم الوضوء زاد مدا له والتقدير بالمد في الوضوء إذا كان لا يحتاج إلى الاستنجاء فإن احتاج إلى ذلك استنجى برطل وتوضأ بمد، وإن كان لابسا للخف وهو لا يحتاج إلى الاستنجاء يكفيه رطل. كل هذا غير لازم لاختلاف طباع الناس وأحوالهم. وكذلك غسل المرأة من الحيض فالواجب فيهما الاطهار، قال الله - تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة: 222] وإن لم تنقض رأسها إلا أن الماء بلغ أصول شعرها أجزأها لحديث أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - «فإنها قالت يا رسول الله - صلى الله عليك وسلم - إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه إذا اغتسلت فقال لا. يكفيك أن تفيضي الماء على رأسك وسائر جسدك ثلاثا» وبلغ عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه - كان يأمر المرأة بنقض رأسها في الاغتسال فقالت لقد كلفهن شططا ألا أمرهن بجز نواصيهن؟، وقال: إنما شرط تبليغ الماء أصول الشعر لحديث حذيفة - رضي الله تعالى عنه - فإنه كان يجلس إلى جنب امرأته إذا اغتسلت ويقول يا هذه أبلغي الماء أصول شعرك ومتون رأسك. واختلف مشايخنا في وجوب بل الذوائب فقال بعضهم: تبل
ذوائبها ثلاثا مع كل بلة عصرة. والأصح أن ذلك ليس بواجب لما فيه من الحرج. وظاهر قوله - عليه الصلاة والسلام - «ألا فبلوا الشعر وأنقوا البشرة» يشهد للقول الأول.
(جنب) اغتسل فانتضح من غسله في إنائه لم يفسد عليه الماء لقول ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - ومن يملك سيل الماء. ولما سئل الحسن عن هذا فقال إنا لنرجو من رحمة الله ما هو أوسع من هذا، أشار إلى أن ما لا يستطاع الامتناع منه يكون عفوا فإن كان ذلك الماء يسيل في إنائه لم يجز الاغتسال بذلك الماء يريد به أن الكثير يمكن التحرز عنه فلا يجعل عفوا، والحد الفاصل بين القليل، والكثير إن كان يستبين مواقع القطر في الإناء يكون كثيرا.
قال: (ولا يجوز التوضؤ بماء مستعمل في وضوء، أو غسل شيء من البدن) ، وقال مالك - رحمه الله: يجوز؛ لأن بدن الجنب، والمحدث طاهر حتى لو عرق في ثوبه، أو لبس ثوبا مبلولا لم يفسد الثوب،، واستعمال الماء في محل طاهر لا يغير صفته كما لو غسل به إناء طاهر.
(ولنا) قوله - عليه الصلاة والسلام - «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسلن فيه من جنابة» فالتسوية بينهما تدل على أن الاغتسال يفسد الماء، وقال علي وابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - في مسافر معه ماء يحتاج إليه لشربه إنه يتيمم، ويمسك الماء لعطشه فلو لم يتغير الماء بالاستعمال لأمرا بالتوضؤ في إناء، ثم بالإمساك للشرب، والعادة جرت بصب الغسالة في السفر، والحضر مع عزة الماء في السفر فذلك دليل ظاهر على تغير الماء بالاستعمال.
ثم اختلفوا في صفة الماء المستعمل فقال أبو يوسف - رحمه الله - هو نجس إلا أن التقدير فيه بالكثير الفاحش، وهو روايته عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه نجس لا يعفى عنه أكثر من قدر الدرهم، وقال محمد - رحمه الله تعالى - هو طاهر غير طهور، وهو رواية زفر، وعافية القاضي عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -.
وجه قول أبي يوسف أن الحدث الحكمي أغلظ من النجاسة العينية، ثم إزالة النجاسة العينية بالماء تنجسه فإزالة الحدث الحكمي به أولى، ولهذا قال في رواية الحسن - رحمه الله: التقدير فيه بالدرهم كما في النجاسة العينية، ولكنه بعيد فإن للبلوى تأثيرا في تخفيف النجاسة،، ومعنى البلوى في الماء المستعمل ظاهر فإن صون الثياب عنه غير ممكن، وهو مختلف في نجاسته فلذلك خف حكمه.
وجه قول محمد - رحمه الله - ما روي «الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا يتبادرون إلى وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيمسحون به أعضاءهم، ومن لم يصبه أخذ بللا من كف صاحبه»، والتبرك بالنجس لا يكون، والمعنى
أن أعضاء المحدث طاهرة، ولكنه ممنوع من إقامة القربة فإذا استعمل الماء تحول ذلك المنع إلى الماء فصارت صفة الماء كصفة العضو قبل الاستعمال فيكون طاهرا غير طهور بخلاف ما إذا أزال النجاسة بالماء فالنجاسة هناك تتحول إلى الماء
(وروى) المعلى عن أبي يوسف - رحمه الله - أن المتوضئ بالماء إن كان محدثا يصير الماء نجسا، وإن كان طاهرا لا يصير الماء نجسا، ولكن باستعمال الطاهر يصير الماء مستعملا إلا على قول زفر والشافعي - رحمهما الله تعالى - فإنهما يقولان إذا لم يحصل إزالة حدث، أو نجاسة بالماء لا يصير الماء مستعملا كما لو غسل به ثوبا طاهرا
(ولنا) أن إقامة القربة حصل بهذا الاستعمال قال - عليه الصلاة والسلام - «الوضوء على الوضوء نور على نور يوم القيامة» فنزل ذلك منزلة إزالة الحدث به بخلاف غسل الثوب، والإناء الطاهر فإنه ليس فيه إقامة القربة (وذكر) الطحاوي - رحمه الله - أنه إذا تبرد بالماء صار الماء مستعملا، وهذا غلط منه إلا أن يكون تأويله إن كان محدثا فيزول الحدث باستعمال الماء.
وإن كان قصده التبرد فحينئذ يصير مستعملا.
قال (، وسؤر الآدمي طاهر) لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى بعس من لبن فشرب بعضه، وناول الباقي أعرابيا كان على يمينه فشربه، ثم ناوله أبا بكر - رضي الله عنه - فشربه»، ولأن عين الآدمي طاهر، وإنما لا يؤكل لكرامته لا لنجاسته، وسؤره متحلب من عينه، وعينه طاهر فكذلك سؤره.
وكذلك سؤر الحائض لما روي «أن عائشة - رضي الله عنها - شربت من إناء في حال حيضها فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمه على موضع فيها، وشرب» «، ولما قال لها ناوليني الخمرة فقالت إني حائض فقال حيضتك ليست في يدك». إذا ثبت هذا في اليد فكذلك في الفم.
وكذلك سؤر الجنب لما روي «أن حذيفة - رضي الله عنه - استقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأراد أن يصافحه فحبس يده، وقال إني جنب فقال - عليه الصلاة والسلام - إن المؤمن لا ينجس».
وكذلك سؤر المشرك عندنا، وبعض أصحاب الظواهر يكرهون ذلك لقوله تعالى {إنما المشركون نجس} [التوبة: 28] ، ولكنا نقول: المراد منه خبث الاعتقاد بدليل ما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنزل وفد ثقيف في المسجد، وكانوا مشركين»، ولو كان عين المشرك نجسا لما أنزلهم في المسجد.
وكذلك سؤر ما يؤكل لحمه من الدواب، والطيور
لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ بسؤر بعير، أو شاة، وقال ما يؤكل لحمه فسؤره طاهر» ما خلا الدجاجة المخلاة فإن سؤرها مكروه؛ لأنها تفتش الجيف، والأقذار فمنقارها لا يخلو عن النجاسة، ولكن مع هذا لو توضأ به جاز؛ لأنه على يقين من طهارة منقارها.
وفي شك من النجاسة، والشك لا يعارض اليقين فإن كانت الدجاجة محبوسة فسؤرها طاهر؛ لأن منقارها عظم جاف ليس بنجس، ولأن عينها طاهر مأكول فكذلك ما يتحلب منه، والذي روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يقول بحرمة الدجاجة شاذ غير معمول به فقد صح في الحديث «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأكل لحم الدجاجة».
وصفة المحبوسة أن لا يصل منقارها إلى ما تحت قدميها فإنه إذا كان يصل ربما تفتش ما يكون منها فهي، والمخلاة سواء، والذي بينا في سؤر هؤلاء فكذلك في اللعاب، والعرق إذا أصاب لعاب ما يؤكل لحمه، أو عرقه ثوب إنسان تجوز الصلاة فيه؛ لأن ذلك متحلب من عينه فكان طاهرا كلبنه.
قال (ولا يصح التطهر بسؤر ما لا يؤكل لحمه من الدواب، والسباع، ولعابه يفسد الماء، وهنا مسائل) : أحداها سؤر الخنزير فإنه نجس بالاتفاق؛ لأن عينه نجس قال الله تعالى {أو لحم خنزير فإنه رجس} [الأنعام: 145] والرجس، والنجس سواء.
(والثانية) سؤر الكلب فإنه نجس إلا على قول مالك - رحمه الله - بناء على مذهبه في تناول لحمه، وكان يقول الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب كان تعبدا لا للنجاسة كما أمر المحدث بغسل أعضائه تعبدا، أو كان ذلك عقوبة عليهم، والكلاب فيهم كانت تؤذي الغرباء فنهوا عن اقتنائها، وأمروا بغسل الإناء من ولوغها عقوبة عليهم.
(ولنا) حديث عطاء بن ميناء عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «طهور إناء أحدكم إذا، ولغ الكلب فيه أن يغسله ثلاثا».
وفي بعض الروايات قال «سبعا، وتعفر الثامنة بالتراب» فقوله طهور إناء أحدكم دليل على تنجس الإناء بولوغه، وأن الأمر بالغسل للتنجيس لا للتعبد فإن الجمادات لا يلحقها حكم العبادات، والزيادة في العدد، والتعفير بالتراب دليل على غلظ النجاسة، والصحيح من المذهب عندنا أن عين الكلب نجس، وإليه يشير محمد - رحمه الله - في الكتاب في قوله، وليس الميت بأنجس من الكلب، والخنزير، وبعض مشايخنا يقول عين الكلب ليس بنجس، ويستدلون عليه بطهارة جلده بالدباغ، وسنقرره من بعد.
وأما سؤر ما لا يؤكل لحمه من السباع كالأسد، والفهد، والنمر عندنا نجس.، وقال الشافعي - رضي الله تعالى عنه - طاهر لحديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - «أن
النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل فقيل أنتوضأ بما أفضلت الحمر فقال نعم، وبما أفضلت السباع كلها»، وفي حديث جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الحياض التي بين مكة، والمدينة، وما ينوبها من السباع فقال لها ما ولغت في بطونها، وما بقي فهو لنا شراب، وطهور»، ولأن عينها طاهرة بدليل جواز الانتفاع بها في حالة الاختيار، وجواز بيعها فيكون سؤرها طاهرا كسؤر الهرة.
(ولنا) ما روي أن ابن عمر وعمرو بن العاص - رضي الله عنهما -، وردا حوضا فقال عمرو بن العاص يا صاحب الحوض أترد السباع ماءكم هذا فقال ابن عمر - رضي الله تعالى عنه - يا صاحب الحوض لا تخبرنا. فلولا أنه كان إذا أخبر بورود السباع يتعذر عليهم استعماله لما نهاه عن ذلك، والمعنى فيه أن عين هذه الحيوانات مستخبث غير طيب فسؤرها كذلك كالكلب، والخنزير، وهذا؛ لأن سؤرها يتحلب من عينها كلبنها، ثم لبنها حرام غير مأكول فكذلك سؤرها، وهو القياس في الهرة أيضا لكن تركنا ذلك بالنص، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - في الهرة «ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم، والطوافات» أشار إلى العلة، وهي كثرة البلوى لقربها من الناس، وهذا لا يوجد في السباع فإنها تكون في المفاوز لا تقرب من الناس اختيارا، وتأويل الحديثين أنه كان ذلك في الابتداء قبل تحريم لحم السباع، أو السؤال وقع عن الحياض الكبار، وبه نقول إن مثلها لا ينجس بورود السباع.
فأما سؤر الحمار فطاهر عند الشافعي - رحمه الله تعالى -، وهو قول ابن عباس - رضي الله عنهما - فإنه كان يقول الحمار يعلف القت، والتبن فسؤره طاهر، وعندنا مشكوك فيه غير متيقن بطهارته، ولا بنجاسته فإن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يقول إنه رجس فيتعارض قوله، وقول ابن عباس - رضي الله عنهما -، وكذلك الأخبار تعارضت في أكل لحمه فروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر»، وروي أن أبجر بن غالب - رضي الله عنه - قال لم يبق لي من مالي إلا حميرات فقال - عليه الصلاة والسلام - «كل من سمين مالك»، وكذلك اعتبار سؤره بعرقه يدل على طهارته، واعتباره بلبنه يدل على نجاسته، ولأن الأصل الذي أشار إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الهرة موجود في الحمار؛ لأنه يخالط الناس لكنه دون ما في الهرة فإنه لا يدخل المضايق فلوجود أصل البلوى لا نقول بنجاسته، ولكون البلوى فيه متقاعدا لا نقول بطهارته فيبقى مشكوكا فيه، وأدلة الشرع أمارات لا يجوز أن تتعارض، والحكم فيها الوقف، وكان أبو طاهر الدباس - رحمه الله -
ينكر هذا، ويقول لا يجوز أن يكون شيء من حكم الشرع مشكوكا فيه، ولكن يحتاط فيه فلا يجوز أن يتوضأ به حالة الاختيار، وإذا لم يجد غيره يجمع بينه، وبين التيمم احتياطا فبأيهما بدأ أجزأه إلا على قول زفر فإنه يقول يبدأ بالوضوء فلا يعتبر تيممه مادام معه ماء هو مأمور بالتوضؤ به، ولكن نقول الاحتياط في الجمع بينهما لا في الترتيب فإن كان طاهرا فقد توضأ به قدم، أو أخر، وإن كان نجسا ففرضه التيمم، وقد أتى به، ولا يقال في هذا ترك الاحتياط من وجه؛ لأنه إن كان نجسا تتنجس به أعضاؤه، وهذا؛ لأن معنى الشك في طهارته لا في كونه طاهرا؛ لأن الحدث يقين فأما العضو، والثوب فطاهر بيقين فلا يتنجس بالشك، والحدث موجود بيقين فالشك وقع في طهارته، واليقين لا يزال بالشك، وهو الصحيح من المذهب.
وذكر أبو يوسف في الإملاء عن أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - في لعاب الحمار إذا أصاب الثوب تجوز الصلاة فيه ما لم يفحش، وقال أبو يوسف - رحمه الله تعالى - أجزأه، وإن فحش، وقال محمد - رحمه الله تعالى - لو غمس فيه الثوب تجوز الصلاة في ذلك الثوب، وجميع ما بينا في الحمار كذلك في البغل فإن والده غير مأكول اللحم، والصحيح في عرقهما أنه طاهر، وأشار في بعض النسخ إلى جواز الصلاة فيه ما لم يفحش، والأصح هو الأول «فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يركب حمارا معروريا»، والحر حر تهامة، ولا بد أن يعرق الحمار، ولأن معنى البلوى في عرقه ظاهر لمن يركبه.
فأما سؤر الفرس طاهر في ظاهر الرواية، وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أنه مكروه كلحمه وجه ظاهر الرواية، وهو أن السؤر لمعنى البلوى أخف حكما من اللحم كما في الحمار، والبغل، والكراهة التي في اللحم تنعدم في السؤر ليظهر به خفة الحكم.
فأما سؤر حشرات البيت كالفأرة، والحية، ونحوهما في القياس فنجس؛ لأنها تشرب بلسانها، ولسانها رطب من لعابها، ولعابها يتحلب من لحمها، ولحمها حرام، ولكنه استحسن فقال طاهر مكروه؛ لأن البلوى التي، وقعت الإشارة إليها في الهرة موجودة هنا فإنها تسكن البيوت، ولا يمكن صون الأواني عنها.
وأما سؤر سباع الطير كالبازي، والصقر، والشاهين، والعقاب، وما لا يؤكل لحمه من الطير في القياس نجس؛ لأن ما لا يؤكل لحمه من سباع الطير معتبر بما لا يؤكل لحمه من سباع الوحش، ولكنا استحسنا فقلنا بأنه طاهر مكروه؛ لأنها تشرب بمنقارها، ومنقارها عظم جاف بخلاف سباع الوحش فإنها تشرب بلسانها، ولسانها رطب بلعابها، ولأن في سؤر سباع الطير
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|