ولادة أسماء بنت عميس في ذي الحليفة وحكم من كانت معها
قوله: [ (فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر ، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أصنع؟ فقال: اغتسلي واستذفري بثوب وأحرمي) ]. ولدت أسماء رضي الله عنها بذي الحليفة، و أسماء بنت عميس هذه كانت زوجة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد استشهد في غزوة مؤتة، ثم تزوجها بعده أبو بكر رضي الله عنه، وبعد موت أبي بكر تزوجها علي، وولدت من الثلاثة، وهذا الذي ولدته في ذي الحليفة هو محمد بن أبي بكر ، ولا أدري هل ولدت له غيره أو لا؟ ولكنها ولدت من الثلاثة: من جعفر ومن أبي بكر ومن علي رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين، فلما ولدت أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسأل: كيف تصنع؟ وقد حصلت لها الولادة وحصل لها النفاس، فأمرها النبي عليه الصلاة والسلام أن تغتسل وأن تستذفر بثوب، وذلك بأن تجعل ثوباً على فرجها يمنع من نزول الدم، وأمرها أن تغتسل للإحرام، وهذا يدل على استحباب الاغتسال للإحرام، وأنه سنة حتى الحائض والنفساء يسن لهما أن يغتسلا للإحرام، وأن يحصل منهما النظافة والنزاهة لأجسامهما بهذه المناسبة.
إحرام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في ذي الحليفة
قوله: [ (فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء قال جابر : نظرت إلى مد بصري من بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن وهو يعلم تأويله، فما عمل به من شيء عملنا به) ]. يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالمسجد بذي الحليفة صلاة الظهر، ثم أحرم بعدها وانطلق في رحلته إلى الحج عليه الصلاة والسلام. إذاً: فهو صلى في ذي الحليفة خمسة أوقات: العصر والمغرب والعشاء والفجر والظهر، وبعد صلاة الظهر انطلق ومعه أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم للحج، ولما استوت ناقته على البيداء نظر جابر رضي الله عنه وإذا الناس منهم الراكب والماشي مد البصر، أمامه ويمينه وشماله وخلفه، والنبي صلى الله عليه وسلم وسطهم، وما فعله فعلوه، فهم يتابعونه ويسيرون على نهجه وعلى طريقته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو صلى الله عليه وسلم الذي ينزل عليه القرآن وهو الذي يعلم تأويله، ومن المعلوم أن خير ما يفسر به القرآن هو القرآن، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا فالسنة تبين القرآن وتشرحه وتوضحه وتدل عليه؛ ولهذا قال جابر رضي الله تعالى عنه: (وعليه ينزل القرآن وهو يعلم تأويله) يعني: وهو صلى الله عليه وسلم يعلم تفسيره وبيان معناه. وما عمله من شيء عمله أصحابه، ومن المعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام لما كان في ذي الحليفة خير الناس بين أنساك ثلاثة: خيرهم بين الإفراد، وهو أن يحرم بالحج وحده، وإذا وصل مكة طاف وسعى وبقي على إحرامه حتى يذهب إلى عرفة، ويرجع إلى مزدلفة، ثم يأتي إلى منى ويرمي الجمرة، ويحلق رأسه، ويطوف ويتحلل، وليس عليه هدي، وبين القران، وهو أن يحرم من الميقات بحج وعمرة يلبي بهما معاً، وإذا وصل مكة طاف وسعى وقصر وبقي على إحرامه حتى يأتي يوم النحر مثله مثل المفرد، وبين التمتع، وهو أن يحرم الإنسان بالعمرة من الميقات، فإذا وصل مكة طاف وسعى وقصر وتحلل، وإذا جاء اليوم الثامن أحرم بالحج، ثم أتى بالحج وأكمله، فخير عليه الصلاة والسلام الناس بين الأنساك الثلاثة، وقد كان عليه الصلاة والسلام ساق الهدي، وأحرم بالقران صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فجمع بين الحج والعمرة.
إهلال النبي صلى الله عليه وسلم بالتوحيد ومعاني التلبية
قوله: [ (فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) ]. أهل عليه الصلاة والسلام بالتوحيد، والتوحيد: هو إفراد الله بالعبادة، وهذه التلبية مشتملة على لا إله إلا الله، ومقتضى لا إله إلا الله أي: لا معبود بحق إلا الله؛ لأن لا إله إلا الله تشتمل على ركنين: نفي، وإثبات، نفي عام في أولها، وإثبات خاص في آخرها. وكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) هي المفتاح للدخول في الإسلام، وهي مفتاح الجنة؛ ولهذا أول ما بعث الله تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم كان يمشي في مكة ويقول: (يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا) وأول شيء يدعى إليه هو التوحيد؛ ولهذا جاء في حديث معاذ بن جبل لما أرسله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) فأول شيء يدعى إليه هو التوحيد، الشهادة لله بالوحدانية ولنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة. فالتلبية مشتملة على التوحيد؛ لأن (لبيك) معناها: أنك يا رب! لما دعوتني لحج بيتك استجبت لدعوتك ولبيت نداءك، فلبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك. فالتلبية هي بمعنى لا إله إلا الله؛ لأن (لبيك اللهم لبيك) هي بمعنى (إلا الله)، و(لا شريك لك) بمعنى (لا إله)؛ ولهذا قال جابر رضي الله عنه: [ (فأهل بالتوحيد) ] يعني: أهل بإعلان إخلاص العبادة لله عز وجل؛ ولهذا كل عمل من الأعمال لا ينفع صاحبه عند الله إلا إذا توافر فيه أمران: الإخلاص لله وحده، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم. فإذا فقد الشرطان أو أحدهما، فإن العمل لاغ ومردود على صاحبه، فمن فقد الإخلاص في العمل، وإن كان العمل على طبق السنة، مادام أن فيه رياء وصُرِفَ العمل لغير الله؛ فإنه يكون مردوداً على صاحبه؛ ولهذا يقول الله عز وجل: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23] يعني: كل عمل يعمله الكفار من الأعمال الطيبة التي فيها خير وفيها بر ومصلحة وفائدة وإحسان مردودة عليهم ولا تنفعهم عند الله عز وجل؛ لأنها لم تبن على التوحيد، ومن شرط العمل المقبول عند الله أن يكون خالصاً لوجه الله، هذا هو الشرط الأول. الشرط الثاني: أن يكون مطابقاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذان الشرطان هما مقتضى الشهادتين، مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، ومقتضى شهادة أن محمداً رسول الله عليه الصلاة والسلام. إذاً: إنما يعبد الله طبقاً لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فقد الإخلاص رد العمل وكان حابطاً، وإن وجد الإخلاص وكان مبنياً على بدعة ومبنياً على محدثات الأمور، فإنه أيضاً يكون مردوداً على صاحبه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وقال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، وقال: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) فرغب في اتباع السنة، ورهب من اتباع المحدثات التي هي البدع المنكرة؛ ولهذا فإن العمل ولو كان خالصاً لله لابد أن يكون مطابقاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قد يقول بعض الناس: إن الإنسان قد يأتي بعمل صالح يتقرب به إلى الله مع أنه لم يأت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن قصد الإنسان حسن، فهل يشفع له حسن قصده؟ وهل يكون عمله مقبولاً عند الله، مع أنه ليس مبنياً على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ الأمر كما قال عليه الصلاة والسلام: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: مردود عليه. ومما يدل على أن حسن القصد لا يكفي: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما ذبح أحد أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم أضحيته قبل صلاة العيد، يريد من وراء ذلك أن يطبخ اللحم، حتى إذا جاء الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المصلى وهم بحاجة إلى اللحم يقدم لهم لحم أضحيته، فهذا قصد حسن وقصد طيب، لكن ماذا قال رسول الله عليه الصلاة والسلام بعد أن علم أنه ذبحها قبل صلاة العيد؟ قال: (شاتك شاة لحم) يعني: ليست أضحية؛ لأنها ما وقعت طبقاً للسنة في الوقت المحدد، فهي مثل الشاة التي تذبح في محرم وصفر وربيع، حينما يذبح الناس الشياه ويأكلون لحمها، هذه من جنسها، والأضحية هي التي تكون بعد صلاة العيد إلى آخر أيام التشريق، أربعة أيام: يوم العيد، وثلاثة أيام بعده، هذا هو وقت ذبح الأضاحي، فلا تذبح قبل الصلاة، وإذا غابت الشمس من آخر أيام التشريق انتهى وقت الذبح، فهذا الصحابي رضي الله عنه كان قصده حسناً، ومع ذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (شاتك شاة لحم) يعني: ليست أضحية. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري نقلاً عن بعض أهل العلم: وفي هذا الحديث دليل على أن العمل لا يعتبر إلا إذا وقع طبقاً للسنة، وأنه لا يكفي حسن قصد الفاعل. ومما يدل على ذلك أيضاً: أن أبا عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن أناساً يتحلقون في المسجد، ومع كل واحد منهم حصى، وفيهم واحد يقول: هللوا مائة، فيهللون مائة ويعدون بالحصى، ثم يقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، ثم يقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، فوقف على رءوسهم أبو عبد الرحمن رضي الله عنه وأرضاه وقال: ما هذا يا هؤلاء؟! قالوا: حصى نسبح به، فقال رضي الله عنه وأرضاه: إما أن تكونوا على طريقة أهدى مما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، أو أنكم مفتتحو باب ضلالة، فقالوا: سبحان الله يا أبا عبد الرحمن ! ما أردنا إلا الخير، فقال رضي الله عنه: وكم من مريد للخير لم يصبه. ولهذا يقول الله عز وجل: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110]. قال بعض السلف: العمل الصالح هو الذي يكون خالصاً صواباً، فالخالص ما كان لله وحده، والصواب ما كان على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم. إذاً: الرسول صلى الله عليه وسلم أهل بالتوحيد، والتوحيد: هو إفراد الله بالعبادة، والعبادة أنواع كثيرة: فالدعاء عبادة، والذبح عبادة، والنذر عبادة، والاستعانة عبادة، والاستغاثة عبادة، والاستعاذة عبادة، والرغبة عبادة، والرهبة عبادة، والخوف عبادة، والتوكل عبادة. وتوحيد الله تعالى في ألوهيته: هو توحيد الله تعالى في أفعال العباد بحيث تكون خالصةً لله، فلا يجعلون مع الله شريكاً في عباداتهم التي يتقربون بها إلى الله، وإنما يجعلونها خالصةً لوجه الله عز وجل، فعلى هذا الذي فعله هؤلاء الذين أنكر عليهم عبد الله بن مسعود مردود عليهم مع حسن قصدهم، فكم من مريد للخير لم يصبه. وبعدما أهل بالتوحيد صلى الله عليه وسلم وأعلن إخلاص العبادة لله عز وجل والناس يسمعون، وقد رفع صوته بذلك عليه الصلاة والسلام، أثنى على الله عز وجل بما هو أهله، وأنه المستحق للعبادة؛ لأنه المنعم بكل نعمة، والمحمود على كل حال، وهو مالك الملك ذو الجلال والإكرام، فقال: [ (إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) ] يعني: أنت المتفرد بإسداء النعم إلى كل منعَم عليه، وأنت المحمود على كل حال، وأنت مالك الملك ذو الجلال والإكرام، فلا شريك لك في الملك، ولا شريك لك في العبادة، وأنت المتفرد بالخلق والإيجاد لا شريك لك في ذلك، فكما أنه لا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله، ولا محيي إلا الله، ولا مميت إلا الله، فلا يعبد إلا الله، ولا تصرف العبادة إلا لله عز وجل، فلا تصرف لملك مقرب ولا لنبي مرسل، وهذا هو مقتضى لا إله إلا الله، فلا يصرف من أنواع العبادة شيء لغير الله عز وجل، فلا يدعى إلا الله، ولا ينذر إلا لله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يستغاث إلا بالله، ولا يذبح إلا لله، ولا يحلف إلا بالله، ولا ينذر إلا لله: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163] ، وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18]. فهذه تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كان يلبي بها: [ (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) ].
عدم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على من كانوا يزيدون في التلبية
قوله: [ (وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً منه، ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته) ]. من الناس من كان يزيد على هذه التلبية، كما جاء عن ابن عمر رضي الله عنه فيما مضى أنه كان يقول: (لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل)، وجاء عن بعض الصحابة أنه قال: (لبيك حقاً حقاً)، وهناك ألفاظ أخرى، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعهم ولا ينكر عليهم، فدل ذلك على جواز الزيادة في التلبية، ولكن الأولى الاقتصار على تلبية النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ما كان يزيد عليها شيئاً، ولكنه أقر الذين كانوا يلبون ويضيفون إلى التلبية بعض الإضافات مثل: (لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل). فإن أتى الإنسان بشيء مما جاء عن السلف وعن الصحابة، فلا بأس بذلك، لكن الأولى الاقتصار على ما اقتصر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
معنى قوله: (لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة)
قوله: [ (قال جابر : لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة) ]. يعني: أنهم ذهبوا من أجل الحج، وأنهم كانوا لا يعرفون العمرة، ولعل المقصود من ذلك العمرة التي تفسخ القران والإفراد مع عدم سوق الهدي، وإلا فإن العمرة موجودة، والنبي صلى الله عليه وسلم كان قد اعتمر في أشهر الحج، اعتمر عمرة الحديبية في ذي القعدة، التي صده المشركون عنها، واعتمر عمرة القضية في ذي القعدة من السنة السابعة، واعتمر في السنة الثامنة عمرة الجعرانة، وكانت في ذي القعدة، واعتمر مع حجته؛ لأنه كان قارناً، وكان الدخول في الإحرام في ذي القعدة، وأداء الحج والعمرة في وقت الحج. إذاً: المقصود من قوله: (ما كنا نعرف العمرة) أنهم ما كانوا يعرفون أن من يلبي بالحج أنه سيتحول من كونه حاجاً إلى كونه معتمراً، وقد كان في الصحابة من هو محرم بالعمرة، وأمهات المؤمنين كلهن كن محرمات بالعمرة متمتعات، والنبي صلى الله عليه وسلم خير أصحابه في الميقات بين الثلاثة الأنساك: بين التمتع والقران والإفراد، وأمهات المؤمنين كلهن أحرمن بالعمرة، وكلهن أكملن العمرة إلا عائشة فقد حصل لها الحيض، وجاء الحج وهي لم تطهر، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تدخل الحج على العمرة وتكون قارنة.
استلام النبي صلى الله عليه وسلم للركن وطوافه بالبيت مع الرمل في الثلاثة الأشواط الأولى
قوله: [ (حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً) ]. دخل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة، ولما وصلوا إلى البيت أول شيء بدأ به صلى الله عليه وسلم أن استلم الركن، أي: الحجر الأسود، والاستلام يكون بالتقبيل لمن يتمكن من ذلك، ومن لم يتمكن ومد يده ولمس الحجر، فإنه يقبل يده، وإذا كان راكباً يلمس الحجر بعصا ويقبلها، كما فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإنه كان قد ركب صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وكان يستلم الركن بمحجن. ثم رمل ثلاثة أشواط، والرمل: هو الإسراع مع مقاربة الخطا، فرمل في الأشواط الثلاثة كلها من الحجر إلى الحجر، وأصل الرمل كان في عمرة القضية كما سبق، لما اتفق النبي صلى الله عليه وسلم وكفار مكة على أن يرجعوا عام الحديبية ويعتمروا من العام القادم، كان جماعة من كفار مكة من جهة الحجر، وكانوا يتحدثون فيما بينهم ويقولون: إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يرملوا الأشواط الثلاثة الأول، وإذا كانوا بين الركنين يمشون؛ وذلك لأن الكعبة تحجب بينهم وبين الكفار، ولكنه في حجة الوداع رمل من الحجر إلى الحجر، فدل ذلك على أنه سنة، وأن الرمل يكون في الأشواط الثلاثة كلها من أولها إلى آخرها. قوله: (ومشى أربعاً) هذا يدل على أن الطواف بالبيت سبعة أشواط، وأن الثلاثة الأشواط الأول يرمل فيها، وذلك في حق من يدخل مكة أول طواف يطوفه إن كان متمتعاً أو معتمراً فطواف العمرة، وإن كان قارناً أو مفرداً فطواف القدوم. وبالنسبة للرمل فقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم طاف على بعير، لكن هذه الرواية عن جابر فيها أنه استلم الركن فرمل، لكنه جاء في بعض الأحاديث عن جابر : (أن الناس غشوه فركب البعير صلى الله عليه وسلم) ولعله صلى الله عليه وسلم استلم الحجر ثم بعد ذلك غشاه الناس فركب البعير؛ حتى يشرف وحتى يراه الناس صلى الله عليه وسلم، وقد أمر بالرمل، فيكون معنى قوله: (فرمل) أي: أمر أصحابه بالرمل، ويكون أضاف إليه الرمل لأنه الآمر به صلى الله عليه وسلم.
صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ركعتي الطواف عند مقام إبراهيم
قوله: [ (ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]، فجعل المقام بينه وبين البيت، قال: فكان أبي يقول: قال ابن نفيل و عثمان : ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال سليمان : ولا أعلمه إلا قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الركعتين بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وبـ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) ]. ذكر هنا الاختلاف بين الرواة الذين روى عنهم أبو داود رحمه الله فيما يتعلق بالركعتين، وفيما يتعلق بالقراءة في الركعتين، وأنه كان يقرأ فيهما: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ و قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ . و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ كما هو معلوم دالة على على توحيد الأسماء والصفات، وأن الله تعالى واحد في ذاته وأسمائه وصفاته، فهو سبحانه وتعالى الأحد الصمد الذي تصمد إليه الخلائق بحوائجها، وهو مستغن عن الأصول والفروع والنظراء، فهو: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:3-4]، وسورة الكافرون فيها توحيد العبادة: لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ [الكافرون:2-3] فهذه فيها توحيد العبادة، وتلك فيها توحيد الأسماء والصفات.
استلام النبي صلى الله عليه وسلم للركن بعد ركعتي الطواف
قوله: [ (ثم رجع إلى البيت فاستلم الركن) ]. يعني: ثم رجع إلى البيت بعدما صلى خلف المقام ركعتين، فاستلم الحجر الأسود، وهذا يدل على أنه يشرع للقادم إذا انتهى من الطواف بالبيت وصلى ركعتين أن يأتي إلى الحجر الأسود ويستلمه، وهذا استلام ليس متعلقاً بطواف وإنما هو استلام مستقل، فذلك جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن الاستلام الآن والذهاب إلى الحجر في غاية المشقة، ولا ينبغي للإنسان أن يستلم الحجر إذا كان هناك مشقة؛ بل إن تيسر له أن يستلمه بدون أن يؤذي أحداً فعل، وإن كان لا يصل إليه إلا بالإيذاء فإنه لا يفعل؛ لأن استلامه سنة وإيذاء الناس حرام، ولا يرتكب الأمر المحرم من أجل الوصول إلى أمر مستحب، بل يترك الأمر المستحب إذا لم يوصل إليه إلا بإيذاء الناس. والحاصل: أن الإنسان يستلم الحجر في كل طوفة، وأيضاً في هذا الموضع بعد ركعتي الطواف يأتي ويستلمه، أما ما يفعله بعض الناس عندما يأتي ويصلي قريباً من الحجر وما أن يسلم الإمام حتى يثب على الحجر ويقبله، فهذا ما جاءت به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأن السنة جاءت بأنه يقبل ويستلم في حال الطواف، وفي هذا الموضع الذي هو بعد ركعتي الطواف. واستلام الحجر على ثلاث مراتب: أن يقبله، فإن لم يستطع فإنه يستلمه بشيء ويقبل ما استلمه به، فإن لم يستطع فإنه يشير إليه ويكبر، وفي هذا الموضع استلمه النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا تيسر للإنسان أن يستلم فهذا هو المطابق لفعله صلى الله عليه وسلم، وأما أن يشير إليه فمحتمل ولا أجزم بذلك، والله تعالى أعلم؛ لأن الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموطن بالذات هو الاستلام.
خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصفا
قوله: [ (ثم خرج من الباب إلى الصفا) ]. يعني: خرج من باب المسجد إلى الصفا؛ لأن الصفا والمروة كانتا خارج المسجد، وكان المسعى إلى وقت قريب في وسط السوق، والدكاكين عن يمينه وشماله، وكان الناس يسعون بين الدكاكين والناس يبيعون ويشترون، وكان ذلك موجوداً إلى سنة (1370هـ)، وكانت السيارات تمشي من بطن الوادي وتقطع المسعى، والناس يقفون وينتظرون حتى تمضي السيارات، فذكر أنه خرج من الباب لأن المسعى كان خارج المسجد.
بداية النبي صلى الله عليه وسلم من الصفا
قوله: [ (فلما دنا من الصفا قرأ: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158] نبدأ بما بدأ الله به) ]. يعني: أن الله تعالى بدأ بالصفا في الذكر، فنحن نبدأ بها فعلاً وعملاً، لا نبدأ من المروة، وإنما نبدأ بما بدأ الله به؛ لأن الله قال: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ [البقرة:158]، فقدم الصفا في الذكر على المروة، فنحن نبدأ بالصفا ونختم بالمروة، ولو أن إنساناً أخطأ وبدأ بالمروة فإنه يلغي الشوط الأول الذي بدأ فيه بالمروة، ويبدأ من الصفا؛ اقتداءً برسول الله عليه الصلاة والسلام، ولقوله: (نبدأ بما بدأ الله به).
صعود النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا
قوله: [ (فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت فكبر الله ووحده، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك وقال مثل هذا ثلاث مرات) ]. لما وصل صلى الله عليه وسلم إلى الصفا صعد عليه، واستقبل القبلة حتى رأى البيت، وجعل يهلل الله ويوحده ويكبره، ويقول: [ (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ويدعو بين ذلك) ] وهذا يدل على أن هذا الموطن فيه ذكر، وفيه الإشارة إلى الدعاء، فهذا ذكر لله عز وجل وثناء عليه وتعظيم له، وإعلان إفراد العبادة له وحده لا شريك له. فكلمة (لا إله إلا الله) هي كلمة التوحيد، وهي -كما ذكرنا- مفتاح الإسلام، وهي كذلك ختام الدنيا ونهايتها، والنبي صلى الله عليه وسلم -كما أسلفت- كان يقول لأهل مكة: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا) وقال عليه الصلاة والسلام: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، فإنه من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة)، والتلقين يكون قبل الموت لا بعده كما يفعله بعض المبتدعة حينما يلقنون الميت بعد الدفن، ويقولون: يا فلان ابن فلانة اذكر كذا.. وقد وردت فيه أحاديث ضعيفة غير ثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكن الثابت هو التلقين ما دام الإنسان في الحياة الدنيا؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، فإنه من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة)، والإنسان إنما ينتهي من الدنيا بالموت، فإذا قالها قبل أن يموت فقد ختم له بكلمة التوحيد. وقوله: (موتاكم) أي: الذين قاربوا الموت، وليس المقصود به الذي مات بالفعل، حتى تكون كلمة التوحيد آخر ما ينطقون به، وهي أيضاً مفتاح الجنة، قيل لوهب بن منبه : أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح. يعني: أن مجرد كلمة التوحيد بدون ما تقتضيه وبدون ما تتطلبه فهي مثل المفتاح الذي ليس له أسنان، والمفتاح إنما يفتح إذا كان له أسنان."