
03-02-2025, 08:34 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,590
الدولة :
|
|
رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام

فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
سُورَةُ التَّوْبَةِ
المجلد التاسع
الحلقة( 342)
من صــ 326 الى صـ 340
(فصل في أن الرضا نوعان)
قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -:
الرضا نوعان: أحدهما الرضا بفعل ما أمر به وترك ما نهي عنه. ويتناول ما أباحه الله من غير تعد إلى المحظور كما قال: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} وقال تعالى: {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} وهذا الرضا واجب؛ ولهذا ذم من تركه بقوله: {ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله}.
(والنوع الثاني الرضا بالمصائب: كالفقر والمرض والذل فهذا الرضا مستحب في أحد قولي العلماء وليس بواجب وقد قيل: إنه واجب والصحيح أن الواجب هو الصبر. كما قال الحسن: الرضا غريزة ولكن الصبر معول المؤمن. وقد روي في حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن استطعت أن تعمل بالرضا مع اليقين فافعل فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا}.
وأما الرضا بالكفر والفسوق والعصيان: فالذي عليه أئمة الدين أنه لا يرضى بذلك فإن الله لا يرضاه كما قال: {ولا يرضى لعباده الكفر} وقال: {والله لا يحب الفساد} وقال تعالى: {فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} وقال تعالى: {فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} وقال: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} وقال تعالى:
{وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم} وقال تعالى: {لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون} وقال تعالى: {فلما آسفونا انتقمنا منهم} فإذا كان الله سبحانه لا يرضى لهم ما عملوه بل يسخطه ذلك وهو يسخط عليهم ويغضب عليهم فكيف يشرع للمؤمن أن يرضى ذلك ألا يسخط ويغضب لما يسخط الله ويغضبه.
وإنما ضل هنا " فريقان " من الناس: " قوم " من أهل الكلام المنتسبين إلى السنة في مناظرة القدرية ظنوا أن محبة الحق ورضاه وغضبه وسخطه يرجع إلى إرادته وقد علموا أنه مريد لجميع الكائنات خلافا للقدرية. وقالوا: هو أيضا محب لها مريد لها ثم أخذوا يحرفون الكلام عن مواضعه. فقالوا: لا يحب الفساد بمعنى لا يريد الفساد: أي لا يريده للمؤمنين ولا يرضى لعباده الكفر. أي لا يريده لعباده المؤمنين. وهذا غلط عظيم؛ فإن هذا عندهم بمنزلة أن يقال: لا يحب الإيمان ولا يرضى لعباده الإيمان: أي لا يريده للكافرين ولا يرضاه للكافرين وقد اتفق أهل الإسلام على أن ما أمر الله به فإنه يكون مستحبا يحبه. ثم قد يكون مع ذلك واجبا وقد يكون مستحبا ليس بواجب سواء فعل أو لم يفعل. والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع. (والفريق الثاني) من غالطي المتصوفة شربوا من هذه العين: فشهدوا أن الله رب الكائنات جميعها وعلموا أنه قدر على كل شيء وشاءه وظنوا أنهم لا يكونون راضين حتى يرضوا بكل ما يقدره ويقضيه من الكفر والفسوق والعصيان حتى قال بعضهم: المحبة نار تحرق من القلب كل ما سوى مراد المحبوب. قالوا: والكون كله مراد المحبوب. وضل هؤلاء ضلالا عظيما حيث لم يفرقوا بين الإرادة الدينية والكونية والإذن الكوني والديني والأمر الكوني والديني والبعث الكوني والديني. والإرسال الكوني والديني. كما بسطناه في غير هذا الموضع.
وهؤلاء يئول الأمر بهم إلى ألا يفرقوا بين المأمور والمحظور وأولياء الله وأعدائه والأنبياء والمتقين.
ويجعلون الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ويجعلون المتقين كالفجار ويجعلون المسلمين كالمجرمين ويعطلون الأمر والنهي والوعد والوعيد والشرائع وربما سموا هذا " حقيقة " ولعمري إنه حقيقة كونية لكن هذه الحقيقة الكونية قد عرفها عباد الأصنام كما قال: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} وقال تعالى: {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون} {سيقولون لله قل أفلا تذكرون} الآيات. فالمشركون الذين يعبدون الأصنام كانوا مقرين بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه فمن كان هذا منتهى تحقيقه كان أقرب أن يكون كعباد الأصنام.
و " المؤمن " إنما فارق الكفر بالإيمان بالله وبرسله وبتصديقهم فيما أخبروا وطاعتهم فيما أمروا واتباع ما يرضاه الله. ويحبه دون ما يقدره ويقضيه من الكفر والفسوق والعصيان ولكن يرضى بما أصابه من المصائب لا بما فعله من المعائب. فهو من الذنوب يستغفر. وعلى المصائب يصبر. فهو كما قال تعالى: {فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك} فيجمع بين طاعة الأمر والصبر على المصائب.
كما قال تعالى: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} وقال تعالى: {وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} وقال يوسف: {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين}.
(إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم (60)
فصل:
وأما " الفقراء " الذين ذكرهم الله في كتابه فهم صنفان: مستحقو الصدقات ومستحقو الفيء.
أما مستحقو الصدقات فقد ذكرهم الله في كتابه في قوله: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} وفي قوله: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين}. وإذا ذكر في القرآن اسم " الفقير " وحده و " المسكين " وحده - كقوله: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} - فهما شيء واحد وإذا ذكرا جميعا فهما صنفان. والمقصود بهما أهل الحاجة.
وهم الذين لا يجدون كفايتهم لا من مسألة ولا من كسب يقدرون عليه فمن كان كذلك من المسلمين استحق الأخذ من الصدقات المفروضة والموقوفة والمنذورة والموصى بها وبين الفقهاء نزاع في بعض فروع المسألة معروف عند أهل العلم. وضد هؤلاء " الأغنياء " الذين تحرم عليهم الصدقة ثم هم " نوعان ": نوع تجب عليهم الزكاة وإن كانت الزكاة تجب على من قد تباح له عند جمهور العلماء. ونوع لا تجب عليه الزكاة. وكل منهما قد يكون له فضل عن نفقاته الواجبة وهم الذين قال الله فيهم: {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو}.
وقد لا يكون له فضل وهؤلاء الذين رزقهم قوت وكفاف هم أغنياء باعتبار غناهم عن الناس وهم فقراء باعتبار أنه ليس لهم فضول يتصدقون بها.
وإنما يسبق الفقراء الأغنياء إلى الجنة بنصف يوم لعدم فضول الأموال التي يحاسبون على مخارجها ومصارفها فمن لم يكن له فضل كان من هؤلاء وإن لم يكن من أهل الزكاة ثم أرباب الفضول إن كانوا محسنين في فضول أموالهم فقد يكونون بعد دخول الجنة أرفع درجة من كثير من الفقراء الذين سبقوهم كما تقدم أغنياء الأنبياء والصديقين من السابقين وغيرهم على الفقراء الذين دونهم.
ومن هنا قال الفقراء: " ذهب أهل الدثور بالأجور "
وقيل لما ساواهم الأغنياء في العبادات البدنية وامتازوا عنهم بالعبادات المالية: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} فهذا هو " الفقير " في عرف الكتاب والسنة.
وقد يكون الفقراء سابقين وقد يكونون مقتصدين وقد يكونون ظالمي أنفسهم كالأغنياء وفي كلا الطائفتين: المؤمن الصديق والمنافق الزنديق.
وأما المستأخرون فـ " الفقير " في عرفهم عبارة عن السالك إلى الله تعالى كما هو " الصوفي " في عرفهم أيضا.
وسئل شيخ الإسلام:
عن صدقة الفطر: هل يجب استيعاب الأصناف الثمانية في صرفها؟ أم يجزئ صرفها إلى شخص واحد؟ وما أقوال العلماء في ذلك؟.
فأجاب:
الحمد لله، الكلام في هذا الباب في أصلين: أحدهما: في زكاة المال كزكاة الماشية والنقد وعروض التجارة والمعشرات فهذه فيها قولان للعلماء. أحدهما: أنه يجب على كل مزك أن يستوعب بزكاته جميع الأصناف المقدور عليها وأن يعطي من كل صنف ثلاثة وهذا هو المعروف من مذهب الشافعي وهو رواية عن الإمام أحمد. الثاني: بل الواجب أن لا يخرج بها عن الأصناف الثمانية ولا يعطي أحدا فوق كفايته ولا يحابي أحدا بحيث يعطي واحدا ويدع من هو أحق منه أو مثله مع إمكان العدل. وعند هؤلاء إذا دفع زكاة ماله جميعها لواحد من صنف. وهو يستحق ذلك مثل أن يكون غارما عليه ألف درهم لا يجد لها وفاء فيعطيه زكاته كلها وهي ألف درهم أجزأه. وهذا قول جمهور أهل العلم كأبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه وهو المأثور عن الصحابة: كحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس ويذكر ذلك عن عمر نفسه. وقد ثبت في صحيح مسلم {أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لقبيصة بن مخارق الهلالي: أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها}. وفي سنن أبي داود وغيرها أنه {قال لسلمة بن صخر البياضي: اذهب إلى عامل بني زريق فليدفع صدقتهم إليك}. ففي هذين الحديثين أنه دفع صدقة قوم لشخص واحد لكن الآمر هو الإمام وفي مثل هذا تنازع. وفي المسألة بحث من الطرفين لا تحتمله هذه الفتوى. فإن المقصود هو الأصل الثاني: وهو " صدقة الفطر " فإن هذه الصدقة هل تجري مجرى صدقة الأموال أو صدقة الأبدان كالكفارات؟ على قولين. فمن قال بالأول وكان من قوله وجوب الاستيعاب أوجب الاستيعاب فيها.
وعلى هذين الأصلين ينبني ما ذكره السائل من مذهب الشافعي - رضي الله عنه - ومن كان من مذهبه أنه لا يجب الاستيعاب كقول جمهور العلماء فإنهم يجوزون دفع صدقة الفطر إلى واحد كما عليه المسلمون قديما وحديثا. ومن قال بالثاني إن صدقة الفطر تجري مجرى كفارة اليمين والظهار والقتل والجماع في رمضان ومجرى كفارة الحج فإن سببها هو البدن ليس هو المال كما في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه فرض صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين. من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات}. وفي حديث آخر أنه قال: {أغنوهم في هذا اليوم عن المسألة}. ولهذا أوجبها الله طعاما كما أوجب الكفارة طعاما وعلى هذا القول فلا يجزئ إطعامها إلا لمن يستحق الكفارة وهم الآخذون لحاجة أنفسهم فلا يعطي منها في المؤلفة ولا الرقاب ولا غير ذلك. وهذا القول أقوى في الدليل. وأضعف الأقوال قول من يقول إنه يجب على كل مسلم أن يدفع صدقة فطره إلى اثني عشر أو ثمانية عشر أو إلى أربعة وعشرين أو اثنين وثلاثين أو ثمانية وعشرين ونحو ذلك فإن هذا خلاف ما كان عليه المسلمون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وصحابته أجمعين لم يعمل بهذا مسلم على عهدهم بل كان المسلم يدفع صدقة فطره وصدقة فطر عياله إلى المسلم الواحد. ولو رأوا من يقسم الصاع على بضعة عشر نفسا يعطي كل واحد حفنة لأنكروا ذلك غاية الإنكار وعدوه من البدع المستنكرة والأفعال المستقبحة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قدر المأمور به صاعا من تمر أو صاعا من شعير. ومن البر إما نصف صاع وإما صاعا على قدر الكفاية التامة للواحد من المساكين وجعلها طعمة لهم يوم العيد يستغنون بها فإذا أخذ المسكين حفنة لم ينتفع بها ولم تقع موقعا. وكذلك من عليه دين وهو ابن سبيل إذا أخذ حفنة من حنطة لم ينتفع بها من مقصودها ما يعد مقصودا للعقلاء وإن جاز أن يكون ذلك مقصودا في بعض الأوقات كما لو فرض عدد مضطرون وإن قسم بينهم الصاع عاشوا وإن خص به بعضهم مات الباقون فهنا ينبغي تفريقه بين جماعة لكن هذا يقتضي أن يكون التفريق هو المصلحة والشريعة منزهة عن هذه الأفعال المنكرة التي لا يرضاها العقلاء ولم يفعلها أحد من سلف الأمة وأئمتها. ثم قول النبي صلى الله عليه وسلم {طعمة للمساكين} نص في أن ذلك حق للمساكين. وقوله تعالى في آية الظهار: {فإطعام ستين مسكينا} فإذا لم يجز أن تصرف تلك للأصناف الثمانية فكذلك هذه ولهذا يعتبر في المخرج من المال أن يكون من جنس النصاب والواجب ما يبقى ويستنمى؛ ولهذا كان الواجب فيها الإناث دون الذكور إلا في التبيع وابن لبون؛ لأن المقصود الدر والنسل وإنما هو للإناث.
وفي الضحايا والهدايا لما كان المقصود الأكل كان الذكر أفضل من الأنثى وكانت الهدايا والضحايا إذا تصدق بها أو ببعضها فإنما هو للمساكين أهل الحاجة دون استيعاب المصارف الثمانية وصدقة الفطر وجبت طعاما للأكل لا للاستنماء. فعلم أنها من جنس الكفارات. وإذا قيل: إن قوله: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} نص في استيعاب الصدقة. قيل: هذا خطأ لوجوه:أحدها: أن اللام في هذه إنما هي لتعريف الصدقة المعهودة التي تقدم ذكرها في قوله: {ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا} وهذه إذا صدقات الأموال دون صدقات الأبدان باتفاق المسلمين. ولهذا قال في آية الفدية:
{ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} لم تكن هذه الصدقة داخلة في آية براءة واتفق الأئمة على أن فدية الأذى لا يجب صرفها في جميع الأصناف الثمانية وكذلك صدقة التطوع لم تدخل في الآية بإجماع المسلمين وكذلك سائر المعروف فإنه قد ثبت في الصحيح من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {: كل معروف صدقة}. لا يختص بها الأصناف الثمانية باتفاق المسلمين. وهذا جواب من يمنع دخول هذه الصدقة في الآية وهي تعم جميع الفقراء والمساكين والغارمين في مشارق الأرض ومغاربها ولم يقل مسلم إنه يجب استيعاب جميع هؤلاء بل غاية ما قيل: إنه يجب إعطاء ثلاثة من كل صنف وهذا تخصيص اللفظ العام من كل صنف ثم فيه تعيين فقير دون فقير.
وأيضا لم يوجب أحد التسوية في آحاد كل صنف فالقول عند الجمهور في الأصناف عموما وتسوية كالقول في آحاد كل صنف عموما وتسوية. الوجه الثاني أن قوله: {إنما الصدقات} للحصر وإنما يثبت المذكور ويبقى ما عداه والمعنى ليست الصدقة لغير هؤلاء بل لهؤلاء فالمثبت من جنس المنفي ومعلوم أنه لم يقصد تبيين الملك بل قصد تبيين الحل أي لا تحل الصدقة لغير هؤلاء فيكون المعنى بل تحل لهم وذلك أنه ذكر في معرض الذم لمن سأله من الصدقات وهو لا يستحقها والمذموم يذم على طلب ما لا يحل له لا على طلب ما يحل له وإن كان لا يملكه إذ لو كان كذلك لذم هؤلاء وغيرهم إذا سألوها من الإمام قبل إعطائها ولو كان الذم عاما لم يكن في الحصر ذم لهؤلاء دون غيرهم وسياق الآية يقتضي ذمهم والذم الذي اختصوا به سؤال ما لا يحل فيكون ذلك الذي نفى ويكون المثبت هذا يحل وليس من الإحلال للأصناف وآحادهم وجود الاستيعاب والتسوية كاللام في قوله تعالى {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} وقوله: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} وقوله عليه الصلاة والسلام {أنت ومالك لأبيك} وأمثال ذلك مما جاءت به اللام للإباحة. فقول القائل إنه قسمها بينهم بواو التشريك ولام التمليك ممنوع لما ذكرناه. الوجه الثالث: أن الله لما قال في الفرائض: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} وقال {ولكم نصف ما ترك أزواجكم} إلى قوله: {ولهن الربع مما تركتم} وقال: {وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين} لما كانت اللام للتمليك وجب استيعاب الأصناف المذكورين وإيراد كل صنف والتسوية بينهم فإذا كان لرجل أربع زوجات وأربعة بنين أو بنات أو أخوات أو إخوة وجب العموم والتسوية في الأفراد؛ لأن كلا منهم استحق بالنسب وهم مستوون فيه. وهناك لم يكن الأمر فيه كذلك " ولم يجب فيه ذلك. ولا يقال إفراد الصنف لا يمكن استيعابه؛ لأنه يقال بل يجب أن يقال في الإفراد ما قيل في الأصناف. فإذا قيل: يجب استيعابها بحسب الإمكان ويسقط المعجوز عنه قيل: في الإفراد كذلك. وليس الأمر كذلك لكن يجب تحري العدل بحسب الإمكان كما ذكرناه والله أعلم.
وقال - رحمه الله تعالى -:
وأما الدين الذي على الميت: فيجوز أن يوفى من الزكاة في أحد قولي العلماء. وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ لأن الله تعالى قال: {والغارمين} ولم يقل وللغارمين. فالغارم لا يشترط تمليكه. وعلى هذا يجوز الوفاء عنه وأن يملك لوارثه ولغيره ولكن الذي عليه الدين لا يعطى ليستوفي دينه.
وسئل - رحمه الله -:
عمن أخرج القيمة في الزكاة؛ فإنه كثيرا ما يكون أنفع للفقير: هل هو جائز؟ أم لا؟
فأجاب:
وأما إخراج القيمة في الزكاة والكفارة ونحو ذلك. فالمعروف من مذهب مالك والشافعي أنه لا يجوز وعند أبي حنيفة يجوز وأحمد - رحمه الله - قد منع القيمة في مواضع وجوزها في مواضع فمن أصحابه من أقر النص ومنهم من جعلها على روايتين. والأظهر في هذا: أن إخراج القيمة لغير حاجة ولا مصلحة راجحة ممنوع منه ولهذا قدر النبي صلى الله عليه وسلم الجبران بشاتين أو عشرين درهما ولم يعدل إلى القيمة ولأنه متى جوز إخراج القيمة مطلقا فقد يعدل المالك إلى أنواع رديئة وقد يقع في التقويم ضرر ولأن الزكاة مبناها على المواساة وهذا معتبر في قدر المال وجنسه وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل فلا بأس به: مثل أن يبيع ثمر بستانه أو زرعه بدراهم فهنا إخراج عشر الدراهم يجزئه ولا يكلف أن يشتري ثمرا أو حنطة إذ كان قد ساوى الفقراء بنفسه " وقد نص أحمد على جواز ذلك. ومثل أن يجب عليه شاة في خمس من الإبل وليس عنده من يبيعه شاة فإخراج القيمة هنا كاف ولا يكلف السفر إلى مدينة أخرى ليشتري شاة ومثل أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة لكونها أنفع فيعطيهم إياها أو يرى الساعي أن أخذها أنفع للفقراء. كما نقل عن معاذ بن جبل أنه كان يقول لأهل اليمن: " ائتوني بخميص أو لبيس أسهل عليكم وخير لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار ". وهذا قد قيل إنه قاله في الزكاة وقيل: في الجزية.
وسئل - رحمه الله -:
عن دفعها إلى والديه وولده الذين لا تلزمه نفقتهم هل يجوز أم لا؟
فأجاب:
الذين يأخذون الزكاة صنفان: صنف يأخذ لحاجته. كالفقير والغارم لمصلحة نفسه. وصنف يأخذها لحاجة المسلمين: كالمجاهد والغارم في إصلاح ذات البين فهؤلاء يجوز دفعها إليهم وإن كانوا من أقاربه.
وأما دفعها إلى الوالدين: إذا كانوا غارمين أو مكاتبين: ففيها وجهان. والأظهر جواز ذلك.
وأما إن كانوا فقراء وهو عاجز عن نفقتهم فالأقوى جواز دفعها إليهم في هذه الحال؛ لأن المقتضي موجود والمانع مفقود فوجب العمل بالمقتضي السالم عن المعارض المقاوم.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|