عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 02-02-2025, 12:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,690
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم
باب التفسير
يقدمه: عنتر أحمد حشاد

سورة البقرة
{وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين. فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين. وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون} . سورة البقرة آية 25.
في الآيتين السابقتين دعا الله الناس إلى عبادته، وعدم الإشراك به، ولفت أنظارهم إلى آيات رحمته وقدرته، فهو وحده الخالق الرازق، خلقهم وآباءهم، وأوجدهم من العدم، وأمدهم بوسائل الحياة والبقاء من الأرض والسماء، والخالق الرازق حقيق أن يعبد وحده.
وفي هذه الآيات برهن لهم على أنه هو الذي دعاهم، فالقرآن الكريم كلامه، وما محمد - عبده - إلا مبلغ دعوته وما نزل عليه من ربه، منذر للكافرين، مبشر للمؤمنين الذين يعملون الصالحات.
قال جل ثناؤه، وتبارك آلاؤه: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله} أي: إن كنتم في شك من القرآن الذي نزلناه على عبدنا محمد؛ أي في شك من أنه منزل من عندنا، وزعمتم أنه من قول البشر، فها أنتم هؤلاء من البشر، وها أنتم هؤلاء أرباب البلاغة والفصاحة فأتوا بسورة من مثل هذا القرآن في البلاغة وحسن النظم، وتضمن مصالح الدنيا والآخرة، {وادعوا شهداءكم من دون الله} ، وادعوا من يشهد لكم بهذا - من دون الله - فالله قد شهد لعبده بالصدق في دعواه.
{إن كنتم صادقين} في دعواكم أن القرآن كلام البشر، وليس من عند الله.
ووصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالعبودية لله (عبدنا) تشريف له، وتنويه بشأنه.
والسورة: مجموعة من الآيات لها اسم أو أسماء خاصة بها، وأقصر سورة في القرآن عدد آياتها ثلاث.
وسبب تحديهم بهذه الآية وأمثالها (1) {فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين} [الطور: 34] ، {فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} [هود: 13] ، {فأتوا بسورة من مثله} [يونس: 38] .: أنهم قالوا: {لو نشاء لقلنا مثل هذا} [الأنفال: 31] ، ولما نزل القرآن منجما حسب الحوادث، ولم ينزل جملة واحدة لم يعجبهم هذا، وقالوا: {لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة} [الفرقان: 32] ، فجعلوا نزوله منجما حسب الوقائع دليلا على أنه ليس من عند الله.
وقال بعضهم في أحاديثهم عنه: إنه أساطير الأولين، وزعم آخرون: أنه سحر ... تخبط منهم ناشئ عن إصرارهم على الكفر، فهم يلتمسون العلل الباطلة لبقائهم على دينهم، ولحمل المؤمنين على ترك الإسلام. فلا جرم أن تنزل هذه الآية لتحديهم فيما زعموه، حتى إذا ما عجزوا وجب اعترافهم بأن القرآن من عند الله، وأن المنزل عليه هو نبي الله ورسوله. فهذا التحدى يستهدف إثبات أن القرآن من عند الله لا من قول البشر، وأن محمدا صادق في أنه رسول من عند الله، ويقطع معذرة من لم يستجب لدعوة الله، لأنه بعد أن أقام سبحانه الدليل القاطع الواضح على أن ما يدعو إليه حق، وعلى أن الدعوة هي من عنده بالحق - لا عذر لمن لا يستجيب لدعوته.
ومعنى آية التحدى هذه إجمالا: إن كنتم - أيها الكفرة - صادقين في دعواكم: أن القرآن من كلام البشر - وأنتم من البشر - فأتوا بسورة مثل هذا القرآن: في بلاغته وفصاحته، ومعناه وأحكامه، وقد أنزل القرآن عربيا، فهو من لغتكم، لا من لغة تجهلونها، والعربية مجال تنافسكم وتسابقكم في المحافل العربية.
ولو كان مقدورا لهم لفعلوا، ولأذاعوا به، وأشاعوا، ولم يثبت شيء من ذلك عنهم. وبذلك ثبت عجزهم المطلق. وإذا عجزوا - وهم الفصحاء البلغاء - كان غيرهم أعجز.
{فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا } الآية.
(إن) الشرطية - هنا - مستعملة لليقين. [إن الشرطية بكسر الهمزة وسكون النون غالب استعمالها للشك كما جاء في قوله تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} بخلاف (إذا) الشرطية فإنها لليقين] . إذ لم يأت واحد منهم - فعلا - بسورة من مثل هذا القرآن، و (لن) في (ولن تفعلوا) من الآية إنما هي لنفى الفعل المستمر في المستقبل إلى الأبد. وذلك من معجزات القرآن، إذ لم يقع منهم أنهم أتوا بسورة مثله.
{فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين} .
أي: فارجعوا إلى الصواب، واعترفوا بأن القرآن معجز، وأنه من عند الله، وآمنوا به، وبما جاء فيه، واتقوا بذلك عذاب النار التي أعدت وهيئت للكافرين.
ووصف النار بأن وقودها الناس والحجارة كما جاء في قوله عز وجل: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب (ما يرمى فيها وتهيج به وهو وقودها) جهنم} [الأنبياء: 98] .
فالناس الذين هم وقودها: هم الكفار، والحجارة: حجارة الأصنام التي كانوا يعبدونها تجعل وقودا للنار معهم، إهانة لهم ولما كانوا يعبدون.
وفي الآية من التحذير ما لا يستطيع عاقل أن يتجاهله، وفيها دليل على أن النار مخلوقة موجودة من قبل نزولها.
{وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون} .
تبشير في مقابل الإنذار السابق للترغيب والترهيب، والتبشير: الإخبار بما يسر، والإنذار: الإخبار بما يسوء. وأما قوله تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم} فهو للتهكم والاستهزاء. والرسول - صلى الله عليه وسلم - بشير ونذير: بشير للمؤمنين بأن لهم الجنة، ونذير للكافرين بأن لهم النار.
أمر الله رسوله بأن يبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات بأن لهم في الحياة الآخرة جنات.
والجنة: كل بستان ذي شجر متكاثف، ملتف الأغصان، يظلل ما تحته ويستره من الجن (1) (بفتح الجيم) ، وهو ستر الشيء عن الحاسة. وهي - في استعمال القرآن الكريم - دار الثواب للمؤمنين.
وإذا روعى أنها كلها دار مثوبة أفردت، فقيل: (جنة) وإذا روعى أنها عدة أماكن مرتبة حسب درجات العاملين جمعت، فقيل: (جنات) ولهذا نجد في القرآن (بأن لهم الجنة) و (أن لهم جنات) .
وهى سبع درجات: جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة النعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعليون. وتتفاوت منازل المؤمنين في كل درجة بتفاوت الأعمال الصالحة.
وقد دلت الآية الكريمة على أن هذه الجنات أعدت للذين آمنوا وعملوا الصالحات ولم تصرح بما آمنوا به للدلالة على أنهم آمنوا بكل ما يجب الإيمان به ك بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر كله: خيره وشره. والصالحات: هي الأعمال المستقيمة التي تصلح لشئون الناس في الدنيا والآخرة حسبما بينها الله ورسوله.
والتبشير بالجنة إنما هو من قرن إيمانه بالعلم الصالح الذي يقتضيه الإيمان، فأما المؤمن بلا عمل صالح، والعامل الصالح بلا إيمان فليس من المبشرين بالجنة.
ويستدل بالآية على أن مفهوم الإيمان لا يدخل فيه العمل الصالح، ولكنه لا بد منه لحسن الجزاء، فإن الإيمان وهو التصديق كالأساس، والعمل الصالح كالبنيان فوقه، ولا يكفى أساس من غير بنيان، كمالا يعيش بنيان بغير أساس، لأنه معرض للانهيار.
وقد وصف الله الجنات بأربع صفات، كل صفة منها تحببها إلى النفس، وترغب في العمل لها.
الصفة الأولى: أنها (تجرى من تحتها الأنهار) أي أن نخيلها وأشجارها تتخللها أنهار تجرى فيها المياه، وأنزه البساتين، وأكرمها منظرا ما كانت أشجاره مظلله، والأنهار من خلالها مطردة.
وهذا الوصف كما يدل على حسن المنظر يدل على جودة الثمر، لأن أخصب الأشجار وأجودها ثمرا النابتة على شواطئ الأنهار. والأنهار الجارية فيها المياه بأرض الجنة تجرى من تحت أشجارها، وتجرى من تحت أهلها، ولهذا تنوع التعبير عن هذا في القرآن: (تجرى من تحتها) (تجرى من تحتهم) .
الصفة الثانية: أنها {كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها} .
والمعنى: كلما رزقوا من الجنات من أي ثمرة كانت: من تفاحها، أو رمانها، أو عنبها رزقا قالوا هذا الرزق هو مثل الرزق الذي رزقناه من قبل، وإنما قالوا {هذا الذي رزقنا من قبل} ولم يقولوا: هذا مثله، مبالغة في المشابهة والمماثلة حتى كأنه هو {وأتوا به متشابها} : أي أنعم الله عليهم به رزقا متشابها متماثلا: في جمال منظره، وطيب رائحته، وحسن غذائه، ولذة طعمه، فهم لا يجدون في ثمرة مرارة، وفي أخرى حلاوة، ولا يجدون ثمرة ناضجة، وأخرى فجة، بل يرزقون فيها رزقا متشابها متماثلا في حسنه واشتهائه والمتعة به.
الصفة الثالثة: أنها {لهم فيها أزواج مطهرة} أي للرجال الذين آمنوا وعملوا الصالحات في تلك الجنات زوجات مطهرة، أي منقاة ومصفاة ومبرأة مما يشين زوجات الدنيا من نقائص بدنية أو خلقية، مطهرة مما يستقذر من نساء الدنيا: كالحيض ودنس الطبع، وسوء الخلق والأقذار، وسائر الصفات الخلقية والخلقية التي تنغص الحياة الزوجية في الدنيا.
الصفة الرابعة: أنها: {هم فيها خالدون} فالمؤمنون الذين يعملون الصالحات لا ينغص عليهم نعيمهم في الجنات - الخوف من زواله بانقضاء أمده، لأنه نعيم باق دائم، وهم في الجنة خالدون ـ أي باقون دائمون في نعيمهم.
ومما تجدر الإشارة إليه أن آيات الجنة ونعيمها تفهم على حقيقتها، خلافا لمن يظن أن الجنة وما وصفها الله به، وما ذكره الله من سررها وحورها، وولدانها وفاكهتها، ولحمها وخمرها كناية عن أن دار النعيم فيها متعة، وصورت هذه المتعة لأهل الدنيا بما يتصورون من تلك المتع: من طعام وشراب ولباس وفرش وأرائك.
والأصل أن تفهم الألفاظ على حقيقتها، ولا تصرف عن معانيها الحقيقية إلا إذا دل دليل على صرفها عنها، ولم يقم دليل على استحالة فهم آيات الجنة ونعيمها على حقيقتها، فالنعيم الذي وصفه الله - هو كما وصفه، وهو سبحانه القادر على كل شيء، وهو الذي بدأ الخلق وأسبغ على خلقه النعم، وهو الذي يعيده، ويمن على خلقه بما يشاء من الفضل والكرم.
عنتر حشاد

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 23.49 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 22.86 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.67%)]