عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 31-01-2025, 04:00 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,828
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير سورة البقرة

سورة البقرة
عرض وتفسير
-
12 -
عنتر أحمد حشاد

ج- عرض عام للسورة:
رأينا - في الحلقة السابقة - أن الحديث كان في فضيلة التضحية، في فضيلة الجهاد بالنفس والمال [في الآيات من 238 - إلى 274] ، وهنا (في الآيات من 275 (إلى الآية 279 ) ) ينساق الحديث من هذه الفضيلة التي هي أسمي الفضائل الاجتماعية - إلى رذيلة الجشع والطمع، واستغلال حاجات الضعفاء، التي هي في أقصى الطرف المقابل، والتي هي أحط أنواع المعاملات البشرية، وأعنى بها رذيلة الربا، التي تستغل فيها حاجات الضعفاء، ويتقاضى فيها المقرض ثمن المعروف الذي يبذله.
ومثل القرآن الحكيم - حين ينتقل بنا من وصف فضيلة إلى وصف رذيلة في أقصى الطرف المقابل لها - مثل المربى، يعمد إلى صورتين متباعدتين: صورة مشرقة مضيئة، وأخرى قاتمة مظلمة، ويعرضهما جنبا إلى جنب، فتتضح كلتا الصورتين، وتزدادان بهذا الاقتران افتراقا في أعين الناظرين ... تزداد الفضيلة قسامة ووسامة (قسامة ووسامة: جمالا) ، فتتجلى محببة إلى القلب، وتزداد الرذيلة فحشا ودمامة (دمامة: قبحا) ، فتبدو مذممة مبغضة إلى النفوس.
الصدقة: نزول عن المال كله بلا عوض ولا رد. والربا: استرداد للدين ومعه زيادة محرمة، مقتطعة من جهد المدين، أو من لحمه. من جهده إن كان قد عمل بالمال الذي أخذه دينا فربح نتيجة لعمله هو وكده هو. ومن لحمه إن كان قد أخذ المال للنفقة منه على نفسه وأهله ولم يستربحه شيئا، فالربا هو الطرف الآخر للصدقة .. الطرف الطالح الطاح الذي تقشعر منه الأريحية الإنسانية. ولإيضاح مدى البعد والمفارقة في القيم المعنوية بين هذين الطرفين المتباعدين - نقول: إن ها هنا أربع درجات من الأعمال والقيم: اثنتان منها مشروعتان، إحداهما أفضل وأسمى من الأخرى، واثنتان محظورتان محرمتان، إحداهما أكبر جرما، وأشد حرمة من أختها.
فأما الخصلتان المشروعتان، فأقلهما التعامل على أساس العدل، الذي يأخذ فيه كل ذي حق حقه، لا ظالما ولا مظلوما، من غير إرهاق ولا حرج {فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} هذا حسن، وأحسن منه أن يكون التعامل على أساس الفضل الذي يتنازل فيه الكريم عن بعض حقه وحظه، ليزيد في حظ صاحبه جودا وإيثارا {وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون} وهذا هو أصل فكرة البر والإحسان.
وأما الخصلتان المحظورتان المحرمتان، فأهونهما التعامل مع المدين المعسر على أساس التدقيق في الحقوق والمشاحة فيها في حال العسرة، دون إشفاق على المعسر ولا إمهال له. إنها قسوة فاحشة، وأشد قسوة منها وفحشا أن يكون التعامل بالربا، على أساس طلب المزيد في حظ نفسه، بالاقتطاع من حق غيره، طمعا وجشعا واستغلالا للحاجات. وهذا هو أصل باب الربا الذي هو - كما قلنا - أحط أنواع المعاملات البشرية.
ونرى القرآن الحكيم يضم هذين الطرفين المتباعدين (الصدقة والربا) فيعرضهما علينا هنا متجاورين، للمعنى التربوي الذي عرفناه، ثم يعرض علينا ما بين هذين الطرفين من الدرجتين الوسطيين بعد ذلك.
الحديث الآن - إذن - في شأن الربا:
والربا داء وبيل من أدواء البشرية المزمنة. وقد حرمته الشرائع السماوية كلها، ولم تفرق في الحظر والتحريم بين قليله وكثيره. وكان تحريمه في الإسلام تدريجيا كتحريم الخمر: فأول ما نزل في شأنه قوله تعالى في سورة الروم المكية: {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله} [الروم: 39] فكان ذلك ذما له بغير تحريم صريح. ثم نزل تحريم الربا الفاحش فحسب في قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا} أضعافا مضاعفة (من الآية 130 من سورة آل عمران) وأخيرا جاء بتحريم كثيره وقليله تحريما كليا في تضاعيف هذه الآيات (275 - 279) التي نعرضها الآن {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} وهي آخر آية أنزلت في شأن الربا، بل هي وما يليها آخر ما نزل من القرآن الكريم كله، كما صح عن ابن عباس رضي الله عنهما. فهي التي استقر عليها أمر التشريع الإسلامي في هذا الشأن، وهكذا لم يبق بعدها حجة لأحد، في استساغة وإباحة أقل القليل من الربا. ذلك أن الاختلاف في الدرجات والنسب لا يغير شيئا في أمر المبدأ، ولا يقتلع جرثومته، التي هي شر كلها: إنها شر خلقيا، وشر اجتماعيا، وشر اقتصاديا، وشر في الدنيا والآخرة.
أما أنها شر خلقيا فقد تبين، وأما أنها شر اجتماعيا فلأنها توسع الهوة بين الطبقات، إذ أنها تضمن تحويل الثروة تدريجيا إلى ناحية واحدة، وهي ناحية رأس المال، مع ترك اليد العاملة تنحدر بالتوالى نحو الحضيض، وأما أنها شر اقتصاديا فلأنها تحرم ميدان العمل من تلك الأيدي الناعمة المترفة، التي تنال رزقها من قعود وكسل، وأما أنها شر على صاحبها في الدنيا والآخرة فلأن الله أوعد المرابين بتعكيس قصدهم، وبالحق والنقص من حيث يطلبون المزيد، كما أنه وعد البررة المحسنين بإخلاف ما أنفقوا، وإنماء ما نقصوا {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} .
وقد يفهم بعض الناس من هذا الطابع البارز في التشريع الإسلامي، طابع القناعة والسماحة - أن الإسلام يكاد ينزع من النفوس قيمة المال، ويثنيها عن الاهتمام بأمره ... فهل هي دعوة إلى الزهد في القيم المادية إلى حد عدم العناية بكسبها وتثميرها، أو عدم المبالاة بصيانتها وحفظها؟
هيهات، هيهات، إن المال في نظر القرآن هو قوام الحياة (كما يشعر بذلك قوله سبحانه {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما} [النساء: 5] ) ، وقد سماه خيرا (كما جاء في قوله عز وجل {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين} [البقرة: 180] ) ، يأمرنا بأن نسعى في طلبه، ويحذرنا أن نعهد بتدبيره إلى السفهاء ... إن القرآن يدعو إلى كسب المال من حله، لإنفاقه في محله، وكيف ينفق المال في مصارفه من لم يلتمسه من موارده، ولم يصنه من متالفه؟ ..
من كان في شك من هذه الحقائق فليقرأ بعد ذلك آيتي الدين والرهان (282، 283) فهما تدفعان عن نفوسنا هذا التوهم، وتصوغان للمؤمنين دستورا هو أدق الدساتير المدنية في حفظ الحقوق وضبطها وتوثيقها بمختلف الوسائل، تمهيدا لإنفاقها في أحسن الوجوه.
نعم. لقد رأينا الشعوب الأمية فرأيناها تعول في إثبات الحقوق بينها - على شهادة العيان وحدها، ليس لها سبيل غير ذلك، ورأينا الأمم المتحضرة فرأيناها تعتمد في معظم الأمر على الوثائق الكتابية وحدها، ثم رأينا دستور القرآن فإذا هو يطالبنا بالكتابة والإشهاد جميعا {فاكتبوه} {واستشهدوا شهيدين} هذه واحدة ... ثم يأمرنا بأن نجعل التوثيق بالكتابة شاملا، لا للديون الكبيرة وحدها، بل لصغير الحقوق وكبيرها على السواء {ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله .... } وهذه ثانية ... ثم ينبهنا إلى عدم إهمال الكتابة والإشهاد، حتى في المبايعات الفورية الناجزة الثمن ... {إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم} وهو إرشاد واضح لأرباب الأعمال المالية إلى العناية بدقة حسابهم، وضبط صادراتهم ووارداتهم يوما فيوما، بل ساعة فساعة، وهذه ثالثة ... ثم ينبهنا إلى أنه - منعا لكل خلاف ونزاع - لا يكون الكاتب أحد الطرفين، بل شخصا ثالثا بينهما، عدلا منصفا، عالما بقواعد المعاملات وشروطها، وأصول الكتابة، وصيغها الصحيحة الواضحة {وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله} . أليس هذا هو نظام التوثيق أمام كاتب العقود الخبير في هذه الشئون؟ وهذه رابعة ... ثم يأمرنا في حال السفر الذي لا يتيسر فيه العثور على هؤلاء الكتاب أن يلجأ المتداينان إلى الاستيثاق بالرهون {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة} وكأنما يرشدنا بكلمة السفر إلى أنه في حال الحضر لا ينبغي أن تخلو الجماعة من هذا الجهاز الحسابي الدقيق ...
فمن لم يجد سبيلا إلى التوثيق بوثيقة ما، ولم يبق أمامه إلا أن يكل عميله إلى ذمته وأمانته {فليؤد الذي اؤتمن أمانته} .
وهكذا نجد في هاتين الآيتين الكريمتين من ضروب الإرشاد والتوجيه الحكيم ما لا يكاد يحصى.
والآن وقد أشرفنا على الختام - أحب أن نقف هاهنا وقفة قصيرة، نحصى فيها المراحل العظيمة التي قطعناها من هذه السورة، والخطوات اليسيرة التي بقيت أمامنا منها ...
لقد تناول الشطر الأول في هذه السورة (من أولها إلى آية البر 177) أصول الإيمان، ومبادئ العقيدة، إرساء لها، وردا على مخالفيها، وكان الشطر الثاني (من آية البر إلى حيث نحن الآن في الآية 283) تفريعا على الشطر الأول بتفصيل آداب الإسلام وفضائله العملية ... فهل بقي من أمر الدين شيء وراء هذين الركنين: وراء الإيمان والإسلام؟.
نعم، لقد بقيت ذروته العليا، وحليته الكبرى ..
بعد الإيمان ... والإسلام ... بقي الإحسان، وهو - كما فسره صاحب الرسالة صلوات الله وسلامه عليه - أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، أن تراقب الله في كل شأنك، وأن تستشعر مشاهدته لك في سرك وإعلانك، وأن تستعد لمحاسبته لك، حتى على ذات صدرك، ودخيلة نفسك، مطلب عزيز لا يطيق الوفاء به كل مؤمن، ولا كل مسلم، وإنما يحوم حول حماه صفوة الصفوة من المتقين، وهذا المطلب هو الذي توجت به السورة هامتها في آية واحدة، قبل أن تطوى صفحتها: {لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير} [البقرة: 284] .
الخاتمة: في آيتين اثنتين (285، 286) .
والآن وقد تناولت السورة أركان الدين كلها، وألمت بعناصره جميعها: الإيمان، والإسلام، والإحسان - لم يبق بعد تمام الحديث إلا طى صفحته، وإعلان ختامه.
فكيف طويت صفحة هذه السورة، وكيف أعلن ختامها؟
لنعد إلى مطلع السورة في آياتها الخمس الأولى، لنرى كيف تتجاوب تلك المقدمة مع هذه الخاتمة، ثم كيف يتعانق الطرفان: البدء والختام، هكذا في تناسق وانسجام، ليلتحم من قوسيهما سور محكم يحيط بهذه السورة، فإذا هي سورة حقا، أي بنية محكمة مسورة.
ألم يكن مطلع السورة وعدا كريما لمن سيؤمن بها ويطيع أمرها أنهم أهل الهدى وأهل الفلاح؟
ألسنا نترقب صدى هذا الوعد؟ بلى، إننا ننتظر الآن أن تحدثنا السورة: هل آمن بها أحد، وهل اتبع هداها أحد؟ ثم ننتظر منها - إن كان ذلك قد وقع - أن تحدثنا عن جزاء من استمع واتبع ...
وهكذا سيكون مقطع السورة، ويكون ختامها:
1 -
بلاغا عن نجاح دعوتها: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون} {وقالوا سمعنا وأطعنا} .

2 -
وفاء بوعدها لكل نفس بذلت وسعها في اتباعها {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} .

3 -
فتحا لباب الأمل على مصراعيه أمام هؤلاء المهتدين المفلحين، فليبسطوا - إذن - أكف الضرعة إلى ربهم، داعين ضارعين: {ربنا .. ربنا .. أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} .

وهكذا تختم السورة بتحقيق هذا الوعد لمن آمن بها، وعمل بما فيها. جعلنا الله وإياكم من أهل هذه الخواتيم الحسنى. آمين.
عنتر حشاد



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.17 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.54 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.60%)]