المبحث الأول
مقارنة بين مصطلح العلماء للمذاهب الأصولية, ومصطلح ابن خلدون
من تتبع اصطلاحات أهل العلم للمذاهب الفقهية يجدها تنقسم إلى مذهبين من حيث الجملة :
-*مذهب أهل الحديث.
-*مذهب أهل الرأى.
أما مذهب أهل الحديث, فربما عبّر بعضهم باصطلاح قريب وهو : مذهب فقهاء الحديث, تمييزا عن أهل الحديث الذين ليست لهم مشاركة في الفقه, وإنما برعوا في العلل والأسانيد كابن المديني رحمه الله, يقول الحافظ ابن رجب : ( ولم يكن ابن المديني من فقهاء الحديث, وإنما كان بارعا في العلل والأسانيد).
والتعبير بهذا القيد تجده كثيرا عند ابن تيمية, وابن القيم ,وابن رجب, لكن الأغلب- يصفونهم ب" أهل الحديث" ويعنون به: مالكا والشافعي وأحمد من أصحاب المذاهب المتبوعة.
أما مذهب أهل الرأى فيعنون به غالبا: مذهب أبي حنيفة. وربما عُبّر عنهم ب"مذهب العراقيين" أو "أهل الكوفة"والعجب أن هذا التقسيم-أى :أهل الحديث وأهل الرأى- مقرّر عند المعاصرين إذا تحدثوا عن الأحكام والفروع, بل هناك مقرر في الجامعات بعنوان: "مدخل لدراسة الشريعة" ,يقرّرها ويقسمها على هذا النحو, لكنها تستحيل إلى مذهب "المتكلمين" في الأصول, وهذا من غرائب العلم والاصطلاح, فالفروع تُبنى على الأصول, فالأصول أحق بهذا الوصف من الفروع.
ولا يعترضن معترض بأن الأصول قد مُزجت بعلم الكلام, فاقتضى إحداث هذا المصطلح, فإن الفقه أيضا لحقه من آفات الكلام المذموم, بل لحقه من البدع *والشركيات المنسوبة للأئمة, ومع هذا لم يَحُل ذلك دون وصفها بفقه "أهل الحديث" فهو اعتراض ساقط. *وسيأتي مزيد بيان وتفصيل لهذه المسألة في المبحث الأخير إن شاء الله.
وكلام ابن خلدون والمعاصرين المنقول آنفا عن أصول من سَمّوهم ب"المتكلمين", هو إلى الذم أقرب منه للمدح, وإلا أىّ مدح في أصول تقوم على الفروض النظرية, والمناحي الفلسفية والمنطقية؟ وأىّ ثناء لأصول تقوم على ما أيدته العقول؟ إلى آخر ما نقلناه عنهم. وكلامهم عن أصول "الفقهاء" –أهل الرأى-هو ثناء محض, وقد عرفْتَ قبلُ المآخذ التي يأخذها أهل الحديث على أهل الرأى في أصولهم وفروعهم, وما جرى بينهم في هذا من مناظرات, ثم انقلب الحال- بقوة ابن خلدون ومن شايعه- إلى العكس.وهذا لعمري خلاف الحق, فأهل الحديث أحق بالثناء من غيرهم, وهم أخصُّ الناس باتّباع سنة النبى صلى الله عليه وسلم, وأصولهم هى أسدُّ وأصحُ الأصول.
يقول ابن تيمية: (ثمّ من تدبر أصول الإسلام وقواعد الشريعة, وجد أصول مالك وأهل المدينة أصح الأصول والقواعد, وقد ذكر ذلك الشافعي وأحمد وغيرهما, حتى إن الشافعي لمّا ناظر محمد بن الحسن, حين رجح محمد لصاحبه, على صاحب الشافعي, فقال له الشافعي: بالإنصاف أو بالمكابرة؟ قال له: بالإنصاف. فقال: ناشدتك الله صاحبنا أعلم بكتاب الله أم صاحبكم؟ فقال: بل صاحبكم. فقال: صاحبنا أعلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أم صاحبكم؟ فقال: بل صاحبكم. فقال: صاحبنا أعلم بأقوال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أم صاحبكم؟ فقال: بل صاحبكم. فقال: ما بقى بيننا وبينكم إلا القياس, ونحن نقول بالقياس, ولكن من كان بالأصول أعلم كان قياسه أصح) ومذهب فقهاء الحديث هو المذهب الوسط بين أهل الظاهر وأهل الرأى: يقول ابن تيمية : (والتوسط في ذلك هو طريقة فقهاء الحديث , وهى إثبات النصوص والآثار الصحابية على جمهور الحوادث, وما خرج عن ذلك كان في معنى الأصل, فيستعملون قياس العلة والقياس في معنى الأصل, وفحوى الخطاب, إذْ ذلك من جملة دلالات الألفاظ, وأيضا فالرأى كثيرا ما يكون في تحقيق المناط الذي لا خلاف بين الناس في استعمال الرأى)
أسوق ما تقدّم لتقارن بين تقرير ابن خلدون وتقرير العلماء لمذهب أهل الحديث, الموصوف ب "مذهب المتكلمين", ولتقدر مدى الضرر الذي أصاب طلاب العلم من هذه الاصطلاحات فنتج عنه هذا التوجس والتردد من علم أصول الفقه.
فإن كان هذا التناقض هو من غرائب العلم, فما هو أغرب: أنّا سلّطنا ابن خلدون ومصطلحاته على هذا العلم, وهو ليس من أهل هذا الفن:
فابن خلدون فذٌّ فريدٌ في بابه: "التاريخ والأنساب", وله قراءآت في فنون كثيرة, لكنها لا تبلغ مبلغ الاعتداد والاستشهاد بها, ولم يشهد له-فيما أعلم- أحدٌ من أقرانه أو المتأخرين عنه- حتى المالكية التي ينتسب إليها- بالفقه أو الأصول, وليس له أقوال أو آراء فيهما منقولة أو مأثورة, وليس له في هذين العلمين كتب مسطورة.
وأقوى ما يُستدل على علمه وفقهه, توليه القضاء, فلُقّب ب"قاضي القضاة", لكن من له أدنى تأمل في التاريخ والتراجم يعلم أن تولّي القضاء عند الحكّام له معايير أخرى غير العلم والفقه: كالمذهب, والاعتقاد, والموالاة القبلية والسياسية, ولا شك أن القضاء قد تولاه جبال العلم, لكن أيضا تولاه الأغمار والنكرات, بل والكذّابون:
أتعرفون الحديث المشهور الذي يضربه المحدثون مثلا لمن يضع الحديث تزلّفا للحكام : (لا سبق إلا في نصل أو خفّ أو حافر )؟,فزيد فيه : (أو جناح) فواضعه للرشيد هو : قاضي القضاة: أبو البختري, وهب بن وهب القرشي المديني, ولم يُعرف بعلم أو فقه, غاية ما وُصف به أنه (فقيه أخباري).
فتولي ابن خلدون القضاء لا يُثبت ولا ينفي كونه فقيها, لا سيّما وأنه لم يُنقل شئ من أَقْضيتة أو فتاواه, والهمم والدواعي تتوافر على نقل المنسوبين للفقه وإن صغروا.
ومع هذا راج وذاع مصطلحه للمذاهب الأصولية*أى رواج, وكان حقّه التوقف فيه, لا سيما إذا عرفنا أن أهل العلم لم يحفلوا به, وهجروه في "التاريخ", هذا لو صحّ التعليل الذي قام عليه هذا الاصطلاح والتقرير, كيف وهو باطل لا يقوم على ساق صحيحة, وهو ما سأبينه في المباحث التالية إن شاء الله تعالى
*
المبحث الثاني
تزييف مصطلح المتكلمين, الموصوف به "أهل الحديث"
وتزييفه ببيان بطلانه من حيث المنهج والتعليل والنقل:
-*أمّا المنهج فأقصد به النهج الاستقرائي الذ سلكه ابن خلدون ومن تابعه من المعاصرين في إطلاق هذا الاصطلاح, فمن المعروف أن المنهج الاستقرائي إما أن يكون :
استقراء كاملا: وهو الحكم على كلي بوجوده في كل جزئياته, وهو يفيد القطع.
أو استقراء ناقصا : وهو الحكم على كلي بوجوده في أكثر جزئيات, وهو يفيد الظن.
وكلاهما معدوم فيما استقرأه ابن خلدون والمعاصرون, فأطلقوا هذا الحكم الكلي "المتكلمين", باستقراء أربعة أو خمسة كتب من كتب الشافعية, وهذا لعمري (استقراء مريض) إن صحّ أن يُوصف الاستقراء بالمرض. فكتب الجمهور –لا سيما الشافعية- جاوزت المئات, وكثير من مؤلفيها لم يكونوا يوما من أهل الكلام:
فأين كتب- من هذا الاستقراء- مجتهدي المذهب وأصحاب الوجوه: ككتاب "القياس" للمزني, وكتاب " الأعلام" و "الدلائل" للصيرفي, -الذي وُصف بأنه أعلم الناس بأصول الفقه بعد الشافعي-, وكتاب " أصول الفقه" لأبي القاسم بن كج, وكتاب "أصول الفقه" و "الجدل" لأبي علي الطبري, وكتاب "عدة العالم" لابن الصباغ, و"التعليقة" لابن أبي هريرة؟, وغيرها كثير, وهؤلاء هم أرباب التأصيل والتقعيد.
وأين شروح "الرسالة" وشُرّاحها الفحول؟ القفال الشاشي, وأبو الوليد النيسابوري وأبو محمد الجويني, والصيرفي المارّ ذكره.
ثم أين كتب كبار المذهب علما ومقاما ممن عُرف بشدته على أهل الكلام, حتى ميّزوا أصوله عن أصول الأشعرية؟ ك "التعليقة" للشيخ أبي حامد الاسفراييني-يُروى أن القاضي الباقلاني كان يخرج متبرقعا من الحمام خوفا منه-, وكتاب "أصول الفقه" للقاضي أبي الطيب الطبري, وكتاب "اللمع" و "شرح اللمع" و "التبصرة" و "الملخص" و "المعونة" و "الحدود" لأبي إسحاق الشيرازي, و "قواطع الأدلة" لأبي المظفر بن السمعاني.
ثم أين- من هذا الاستقراء- كتب متقدمي المالكية الذين ينتسب إليهم ابن خلدون ممن لم يُعرف بالكلام؟ ككتب ابن خويزمنداد, والقاضي عبد الوهاب, وأبي الوليد الباجي وغيرهم.
وهؤلاء-لا سيما أصحاب الوجوه- أعظم قدْرا ومكانة في المذهب ممن استشهد بهم ابن خلدون, ومذهبهم هو المذهب, أما متأخرو الأصوليين من المتكلمين وغيرهم, فكان لهم فضل الجمع والتصحيح والتوجيه والترتيب, حتى صارت طريقة الرازي والآمدي في الترتيب والتبويب هى المهيمنة, وقد أقرّ بذلك المرداوي الحنبلي في مقدمة كتابه "التحبير"
*وهذه المراجع كانت متوافرة في عهد ابن خلدون (ت808ه),لأن الزركشى (ت794ه) كان عصريّه وقد عدّدها في مقدمة كتابه "البحر المحيط",لكن ابن خلدون اختزل مذهب الجمهور في خمسة كتب! وقضى بهذا المصطلح على قضية كلية بهذا الاستقراء المريض.
والعجب أن من شايعه من فضلاء العصر, لم يزيدوا على ما نقله ابن خلدون إلا قليلا, بل أقر بعضهم-الشيخ الخضري- أنه لم يطّلع على أكثر هذه الكتب, اعتمادا على ما نقله ابن خلدون.
-*أما إبطاله من حيث التعليل, فقد مرّ بك في التمهيد, التعليل الذي قام عليه هذا المصطلح : (أنهم يميلون إلى الاستدلال العقلي ما أمكن, لأنه غالب فنونهم, ومقتضى طريقتهم) ,و (لدخول طائفة كبيرة من المتكلمين في دراسة هذا الاتجاه, إذْ قد وجدوا فيه ما يتفق مع دراستهمالعقلية ) إلى آخر ما نقلناه آنفا.
وهذا تعليل باطل, أبطلنا وجها منه في تزييف المنهج, وأن أكابر أصولييي الشافعية والمالكية لم يكونوا من أهل الكلام, بل كان كثير منهم مناقضين مناوئين لهم.
أما الوجه الآخر لبطلانه, فبالاعتراض على تخصيص هذا الوصف "المتكلمين" بالجمهور دون الحنفية, فمن الذي برّأ أصول الحنفية من علم الكلام؟ فهذه كتبهم ومصنفاتهم في الأصول طافحة بعلم الكلام, بل عندهم إمامٌ في المعتقد متّبعٌ هو : الشيخ أبو منصور الماتريدي, وهو بين أتباعه الحنفية كأبي الحسن الأشعري بين أتباعه الشافعية والمالكية, وإليك بعض أسماء نحاريرهم وكتبهم الأصولية:
-*الشيخ أبو منصور الماتريدي, له في الأصول كتابان : "مآخذ الشريعة" و "الجدل", وهذان الكتابان عمدة المتأخرين من أصوليي الحنفية. -*الشيخ علاء الدين السمرقندي, صاحب " الميزان", إمامٌ متكلّم على عقيدة أبي منصور, فإنه قد شرح كتاب "تأويلات السنة" للماتريدي, أما كتابه " الميزان" فمشحون بالمسائل الكلامية, بل هو أقرب لعلم الكلام منه لعلم أصول الفقه, يقول في مقدّمة كتابه : (وأذكر في كل فصل منها مذاهب أهل السنة والجماعة- يقصد الماتريدي-, وعقائد أهل البدع والضلال, ليكونوا على بصيرة من المذهب الصحيح, فلا يقعوا في شىء من المعتقد القبيح, إذْ الفقيه المحض لا يقف على ذلك بخاطره, فربما يتشبث بالمذهب القبيح بحسن ظاهره, وتكون هذه الفصول إلى محض الحق هادية, وإلى رفض الهوى والبدع داعية), بل إن الشيخ عاب من جرّد الأصول على (الفقه المحض), ورأى أن كمال الأصول إنما يتم بعلم الكلام
-*حافظ الدين النسفي, أبو البركات, صاحب "مختصر المنار", ومكانة هذا المختصر بين الحنفية كمكانة "مختصر ابن الحاجب" بين الشافعية, وله كتاب في أصول الدين سماه ب "العمدة" ثم شرحه في كتاب "الاعتماد", ومن رجع إلى شرحه على "المنار" الموسوم ب"كشف الأسرار" وجد فصلا كاملا في بيان عقيدة الإمام أبي حنيفة, وردٍّ على المعتزلة والخوارج والمرجئة
-*أكمل الدين محمد بن محمود البابرتي, صاحب التصانيف, له شروح عدة على "أصول البزدوي" و "أصول المنار" و "مختصر ابن الحاجب", وله شرحان على "الفقه الأكبر" لأبي حنيفة, و "عقيدة الطحاوي" ,وقد قمْتُ بتحقيق الجزء الأول من "التقرير لأصول البزدوي", والكتاب مشحون بالمسائل الكلامية, والآراء الفلسفية.
-*شيخا المذهب بلا مدافعة: فخر الإسلام البزدوي, وشمس الأئمة السرخسي, أرجأت الكلام عنهما لأنهما لم يكونا على عقيدة الماتريدي,بل كانا مناقضين له, فالأول له شرح على " الفقه الأكبر", فهو متكلم بهذا الاعتبار, ومقدمة كتابه وجد فصلا طويلا في تقرير عقيدة إمام المذهب أبي حنيفة النعمان, ناهيك عن مسائل الكلام التي حفل بها كتابه.
والثاني شهد له صاحب " الجواهر المضية" بعلو كعبه في الكلام فقال : ( كان إما علامة حجة متكلما أصوليا..)*ولو لم يشهد له, لشهد له كتابه "أصول الفقه" فإن فيه مسائل كلامية, ذكرْت طرفا منها في بحثي الموسوم ب " تلبيسات الشرّاح على البزدوي والسرخسي في مسائل الكلام".
وما زعمه الشيخ أبو زهرة من ميزات مذهب "المتكلمين" : (فتجدهم تكلموا في التحسين والتقبيح العقلي, وفي شكر المنعم, وهكذا يختلفون في مسائل نظرية لا يترتب عليها عمل , ومن ذلك اختلافهم في جواز تكليف المعدوم ),فهذه المسائل أصلٌ أصيل في كتب الحنفية, قديمها وجديدها, لمن له أدنى اطلاع عليها.
فكيف تصحّ دعوى تخصيص هذا المصطلح "المتكلمين" بالجمهور فقط؟ أم أن أثر علم الكلام الأشعري يختلف عن علم الكلام الماتريدي في أصول الفقه, فالأول له أثر كما يدّعون والثاني لا أثر له؟! بل لتغوّل الكلام المذموم في المذهب, فقد انتسب طائفة من أهل الاعتزال له, منهم: " بشر بن غياث المريسي" و "الزمخشري" و "أبو سهل السراج" وغيرهم.
ثم إن علم الكلام لا اختصاص له بمذاهب دون مذاهب, أو طائفة دون طائفة : فأهل الحديث فيهم متكلمون, والمتصوفة فيهم كذلك, والمفسرون أيضا, ولو صحّ هذا الاصطلاح, لكان الأولى دخول الحنفية فيه, دون الحنابلة, فالحنابلة وإن كان متقدموهم لهم في الكلام منزع, لكنهم في الأغلب أقل الناس تأثرا به, ومع هذا فمناهجنا *تلقن طالب العلم أن الحنابلة "متكلمون".
أما تزييف هذا المصطلح من حيث النقل, فلا يحتاج الأمر إلى كبير عناء, أو كثير استقراء, فحسبك أنْ تتناول ما شئت من كتب الأصول المطولة والمتوسطة, لتجد أن تقسيمهم للمذاهب يوافق ما هو موجود في كتب الفروع: الحنفية , المالكية, الشافعية, الحنابلة, الظاهرية.
أما مصطلح " المتكلمين" فلا يُراد به الجمهور البتة, بل يُراد به المشتغلين بعلم الكلام, من سائر المذاهب والطوائف, وكثيرا ما يقيّدون اللفظ, فيقولون : المتكلمين من الأشاعرة, أو المعتزلة, أو أهل الحديث.
وربما عطفوا على هذا المصطلح ما يفسره من الأعلام, فيقولون : وهذا مذهب المتكلمين: ابن فورك وإمام الحرمين..الخ.
والمصنفون في أصول الفقه يقسّمون – حين يعدون مراجعهم- الكتب حسب المذاهب:
انظر إلى صنيع القرافي حين أخذ في تعداد المراجع في "شرح المحصول" فقال : ( وجمعتُ له نحو ثلاثين تصنيفا في أصول الفقه للمتقدمين والمتأخرين من أهل السنة والمعتزلة, وأرباب المذاهب الأربعة)
وحين اختصر "المحصول" في كتاب " التنقيح" طعّمه بكتب المالكية تمييزا عن محصول الشافعية فقال : ( وأضفت إليه مسائل "كتاب الإفادة" للقاضي أبي محمد عبد الوهاب المالكي, وهو مجلدان, وكتاب "الإشارة" للباجي, وكلام ابن القصّار في الأصول, وبيّنت مذهب مالك رحمه الله في الأصول لينتفع بذلك المالكية خصوصا, وغيرهم عموما )*
وارجع كذلك إلى مقدمة *"رفع الحاجب" لابن السبكي, و "البحر المحيط" للزركشي, و "التحبير" للمرداوي, فكلهم ميّزوا المذاهب بعضها عن بعض حين عدّدوا مصادرهم.
*لذل كان تقرير المعاصرين في سبب تسمية هذه الطريقة ب "طريقة المتكلمين" هو : (أن عناية الباحثين متجهة إلى تحقيق القواعد وتنقيحها من غير اعتبار مذهبي, بل يريدون انتاج أقوى القواعد سواء أكان يؤدي إلى خدمة مذهبهم أم لا )*قول مرسل, بل المذهبية في الأصول قوية كقوتها في الفروع, وإلا لم يكن نسبة كتب الأصول للمذاهب معنى.
*وقد ضرب الشيخ أبو زهرة على مدّعاه بمثال يتيم وهو : مخالفة الآمدي للإمام الشافعي في حجية الإجماع السكوتي, فقد قال الآمدي بحجيته, بينما مذهب الشافعي أنه ليس بحجة.
**وهذا الذي ذكره الشيخ أبو زهرة منقوض بوجود مثاله في كل المذاهب , فمخالفة بعض الأصحاب لأئمتهم في آحاد المسائل لا تخرجه عن كونه تابعا ومنافحا عن المذهب, ويعرف ذلك كل من شدا طرفا من هذا العلم, لكن لما كان الشيخ أبو زهرة قد ذكر هذا المثال ليّميزه عن مذهب "الفقهاء" الحنفية, كان لزاما إيراد ما ينقضه من مخالفة كبار الحنفية لمذهب إمامهم:
-*في مسألة : الأمر إذا أُريد به الندب, هل هو حقيقة فيه أو مجاز؟ فنقل الشيخ عبد العزيز البخاري, عن أبي اليسر, أن أبا حنيفة وعامة أصحابه, مذهبهم أن الأمر مجاز فيه.
وذهب فخر الإسلام البزدوي إلى أنه حقيقة فيه.*
-*وفي مسألة : خبر مستور الحال, فقد نقل شمس الأئمة السرخسي نصا عن محمد بن الحسن من كتاب "الاستحسان" أن خبره كخبر الفاسق, ثم نقل رواية الحسن عن أبي حنيفة – وهى المذهب- أنه بمنزلة العدل, لكن شمس الأئمة آثر خلاف المذهب فقال : ( ولكن ما ذكره محمد بن الحسن في "الاستحسان" أصح في زماننا فإن الفسق غالب )
-*وفي مسألة : تقليد الصحابي, فقد نقل الجصاص في " الفصول في الأصول" عن شيخه أبي الحسن الكرخي, نصوصا عن أبي يوسف,في ترك المسائل التي يؤيدها القياس لقول الصحابي, وأن هذا هو المذهب لعدم وجود نصوص عن أبي حنيفة, لكن الكرخي خالف المذهب قائلا : ( أما أنا فلا يُعجبني المذهب )*
ومن تتبّع أمثال هذه المخالفات وجدها , لكنها لا تقدح في أصل المتابعة, ولا تجعله : (محققا للقواعد من غير اعتبار مذهبي),وكتاب "الإحكام" للآمدي ألّفه صاحبه نصرة للمذهب الشافعي ولا ريب, حتى عدّه الإسنوي معيارا لمعرف المذهب فقال : ( الثالث: تبيين مذهب الشافعي بخصوصه ليعرف الشافعي مذهب إمامه في الأصول...الخامس: التنبيه على المواضع التي خالف فيها المصنف فيها كلام الإمام- الرازي- أو كلام الآمدي, أو كلام ابن الحاجب, فإن كل واحد من هؤلاء صار عمدة في التصحيح يأخذ به آخذون )
وقد ينقدح في الذهن اعتراض : هذا الاصطلاح وإن كان لابن خلدون, لكنّ المعاصرين اتفقوا عليه, فأصبح شائعا ذائعا, وقد عُلم أنه لا مشاحة في الاصطلاح.
والجواب : من شأن الاصطلاحات أن تكون معللة, فهى ليست أعلاما, وقد تبين لك عوار هذه العلل, ولو تسامحنا لكان لكل أحد أن يضع اصطلاحا كيفما اتفق.
ثم ما هو الضابط لمعرفة أى الاصطلاحين هو المقصود في كتابة المعاصرين, حين العزو والتوثيق من كتب العلماء؟ وقد عرَفْتَ أن بين الاصطلاحين تباينا. ولا يغرنك ما يُقال عن تشابه أصول الجمهور, لأنهم كانوا على مذهب واحد وطريقة واحدة وهى طريقة "المتكلمين", ففي هذا تدليس لا يخفى, فالتشابه بين هذه الأصول لأنهم كانوا من أهل الحديث, وقد مرّ بك قبل قليل المناظرة بين الشافعي ومحمد بن الحسن في هذا الشأن. المبحث الثالث
تزييف مصطلح "الفقهاء" الموصوف به الحنفية
ولا أعني سلب هذه الصفة عن الحنفية, فإن لم يكن الحنفية هم الفقهاء فمن؟ لكني أقصد تزييف التعليل الذي قام عليه هذا المصطلح, وتزييف اختصاص الحنفية بهذا اللقب دون بقية المذاهب.
وأصل هذا المصطلح عند ابن خلدون- كما سبق نقله في التمهيد- فقال : (كتابة الفقهاء فيها أمسّ بالفقه وأليق بالفروع لكثرة الأمثلة منها والشواهد, وبناء المسائل فيها على النكت الفقهية ), ثم تلقفها عنه المعاصرون وتوسعوا في التعليل, وزعموا أن الحنفية يقرّرون قواعدهم على وفق الفروع الفقهية, حتى زعم الشيخ الخضري أن صنيعهم هذا ( يؤدي إلى تقرير قواعد غريبة الشكل, وإذا كانت القاعدة يترتب عليها مخالفة في فرع فقهي شكلوها بالشكل الذي يتفق معه )
وزاد الشيخ أبو زهرة في هذا المقام نقلا عن ولي الله الدهلوي من كتابه " الإنصاف في بيان أسباب الخلاف" ما يؤيد هذه المقالة فقال- ولي الله الدهلوي- : ( واعلم أني وجدتُ أكثرهم يزعمون أن بناء الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي – رحمهما الله – على هذه الأصول المذكورة في " كتاب البزدوي" ونحوه, وإنما الحقُّ أن أكثرهما أصول مخرجة على قولهم, وعندي أن المسألة القائلة بأن الخاص مبيّن ولا يلحقه بيان, وأن الزيادة نسخ, وأن العام قطعي, وأنْ لا ترجيح بكثرة الرواة, وأنه لا يجب العمل بحديث غير الفقيه إذا انسد باب الرأى, وأنْ لا عبرة بمفهوم الشرط والوصف أصلا, وأن موجب الأمر هو الوجوب, وأمثال ذلك أصول مخرّجة على كلام الأئمة, ,أنه لا تصح بها رواية عن أبي حنيفة وصاحبيه, وأنه ليست المحافظة عليها والتكلّف في جواب ما يرد عليها من صنائع المتقدمين في استنباطهم كما يفعله البزدوي ).
يتبع