عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 06-01-2025, 07:01 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,623
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد التاسع
الحلقة (629)
بيان الناسخ والمنسوخ
صـ 369 إلى صـ 382




[ ص: 369 ] واعلم أن الضمائر الراجعة إلى هذا المضاف ، يجوز فيهما الجمع نظرا إلى اللفظ ، والتثنية نظرا إلى المعنى فمن الأول قوله :


خليلي لا تهلك نفوسكما أسا فإن لها فيما دهيت به أسا
ومن الثاني قوله :


قلوبكما يغشاهما الأمن عادة إذا منكما الأبطال يغشاهم الذعر
الثاني : هو ما ذهب إليه مالك بن أنس رحمه الله تعالى : من أن أقل الجمع اثنان ، ونظيره قوله تعالى : فإن كان له إخوة [ 4 \ 11 ] أي أخوان فصاعدا .

قوله تعالى : وأزواجه أمهاتهم .

هذه الآية الكريمة تدل بدلالة الالتزام على أنه صلى الله عليه وسلم أب لهم ، لأن أمومة أزواجه لهم تستلزم أبوته صلى الله عليه وسلم لهم .

وهذا المدلول عليه بدلالة الالتزام مصرح به في قراءة أبي بن كعب رضي الله عنه لأنه يقرؤها : " وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم " . وهذه القراءة مروية أيضا عن ابن عباس .

وقد جاءت آية أخرى تصرح بخلاف هذا المدلول عليه بدلالة الالتزام والقراءة الشاذة ، وهي قوله تعالى : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم الآية [ 33 \ 40 ] .

والجواب ظاهر ، وهو أن الأبوة المثبتة دينية والأبوة المنفية طينية ، وبهذا يرتفع الإشكال في قوله : وأزواجه أمهاتهم مع قوله : وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب [ 33 \ 53 ] ، إذ يقال كيف يلزم الإنسان أن يسأل أمه من وراء حجاب .

والجواب ما ذكرناه الآن فهن أمهات في الحرمة والاحترام والتوقير والإكرام ، لا في الخلوة بهن ولا في حرمة بناتهن ونحو ذلك ، والعلم عند الله تعالى .

قوله تعالى : ياأيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك الآية .

يظهر تعارضه مع قوله : لا يحل لك النساء من بعد الآية [ 33 \ 52 ] .

والجواب أن قوله : لا يحل لك النساء ، منسوخ بقوله : إنا أحللنا لك أزواجك وقد قدمنا في سورة " البقرة " أنه أحد الموضعين اللذين في المصحف ناسخهما [ ص: 370 ] قبل منسوخهما ، لتقدمه في ترتيب المصحف ، مع تأخره في النزول على القول بذلك .

وقيل الآية الناسخة لها هي قوله تعالى : ترجي من تشاء منهن الآية [ 33 \ 51 ] .

وقال بعض العلماء هي محكمة ، وعليه فالمعنى لا يحل لك النساء من بعد ، أي من بعد النساء التي أحلهن الله لك في قوله : إنا أحللنا لك أزواجك الآية .

فتكون آية : لا يحل لك النساء محرمة ما لم يدخل في آية : إنا أحللنا لك أزواجك كالكتابيات والمشركات والبدويات على القول بذلك فيهن ، وبنات العم والعمات ، وبنات الخال والخالات ، اللاتي لم يهاجرن معه على القول بذلك فيهن أيضا .

والقول بعدم النسخ قال به أبي بن كعب ومجاهد في رواية عنه ، وعكرمة والضحاك في رواية ، وأبو رزين في رواية عنه وأبو صالح والحسن وقتادة في رواية ، والسدي وغيرهم ، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره ، واختار عدم النسخ ابن جرير وأبو حيان .

والذي يظهر لنا أن القول بالنسخ أرجح ، وليس المرجح لذلك عندنا أنه قول جماعة من الصحابة ومن بعدهم منهم : علي وابن عباس وأنس وغيرهم ، ولكن المرجح له عندنا أنه قول أعلم الناس بالمسألة ، أعني أزواجه صلى الله عليه وسلم لأن حلية غيرهن من الضرات وعدمها ، لا يوجد من هو أشد اهتماما بها منهن ، فهن صواحبات القصة .

وقد تقرر في علم الأصول ، أن صاحب القصة يقدم على غيره ، ولذلك قدم العلماء رواية ميمونة وأبي رافع أنه صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال ، على رواية ابن عباس المتفق عليها ، أنه تزوجها محرما ، لأن ميمونة صاحبة القصة وأبا رافع سفير فيها .

فإذا علمت ذلك ، فاعلم أن ممن قال بالنسخ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، قالت : ما مات صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له النساء ، وأم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها قالت : لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم .

أما عائشة فقد روى عنها ذلك الإمام أحمد والترمذي وصححه والنسائي في سننيهما ، والحاكم وصححه ، وأبو داود في ناسخه ، وابن المنذر وغيرهم .

[ ص: 371 ] وأما أم سلمة فقد رواه عنها ابن أبي حاتم كما نقله عنه ابن كثير وغيره ، ويشهد لذلك ما رواه جماعة عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج أم حبيبة وجويرية رضي الله عنهما بعد نزول : لا يحل لك النساء .

قال الألوسي في تفسيره : إن ذلك أخرجه عنه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم ، والعلم عند الله تعالى .
[ ص: 372 ] بسم الله الرحمن الرحيم

سورة سبأ

قوله تعالى : وهل نجازي إلا الكفور .

هذه الآية الكريمة على كلتا القراءتين ، قراءة ضم الياء مع فتح الزاي مبنيا للمفعول ، مع رفع " الكفور " على أنه نائب الفاعل ، وقراءة " نجازي " بضم النون وكسر الزاي مبنيا للفاعل مع نصب " الكفور " ، على أنه مفعول به تدل على خصوص الجزاء بالمبالغين في الكفر .

وقد جاءت آيات أخر تدل على عموم الجزاء كقوله تعالى : فمن يعمل مثقال ذرة الآية [ 99 \ 7 ] .

والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه :

الأول : أن المعنى ما نجازي هذا الجزاء الشديد المستأصل إلا المبالغ في الكفران .

الثاني : أن ما يفعل بغير الكافر من الجزاء ليس عقابا في الحقيقة ، لأنه تطهير وتمحيص .

الثالث : أنه لا يجازى بجميع الأعمال مع المناقشة التامة إلا الكافر ، ويدل لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : من نوقش الحساب فقد هلك وأنه لما سألته عائشة رضي الله عنها عن قوله تعالى : فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا [ 84 \ 8 - 9 ] ، قال لها ذلك الغرض ، وبين لها أن من نوقش الحساب ، لا بد أن يهلك .

قوله تعالى : قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله الآية .

هذه الآية الكريمة تدل على أنه صلى الله عليه وسلم لا يسأل أمته أجرا على تبليغ ما جاءهم به من خير الدنيا والآخرة ، ونظيرها قوله تعالى : قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين [ 38 \ 86 ] ، وقوله تعالى : أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون [ ص: 373 ] [ 52 \ 40 ] في سورة " الطور " و " القلم " [ 68 \ 46 ] . وقوله تعالى : قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا [ 25 \ 57 ] ، وقوله : قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين [ 6 \ 90 ] .

وعدم طلب الأجرة على التبليغ هو شأن الرسل كلهم عليهم صلوات الله وسلامه كما قال تعالى : اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا [ 36 \ 20 - 21 ] ، وقال تعالى في سورة " الشعراء " : وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين [ 26 \ 109 ] ، في قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام .

وقال في سورة " هود " عن نوح : ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا الآية [ 11 \ 29 ] .

وقال فيها أيضا عن هود : ياقوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني الآية [ 11 \ 51 ] . وقد جاء في آية أخرى ما يوهم خلاف ذلك ، وهي قوله تعالى : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى [ 42 \ 23 ] .

اعلم أولا أن في قوله تعالى : إلا المودة في القربى أربعة أقوال :

الأول : رواه الشعبي وغيره عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد وقتادة وعكرمة وأبو مالك والسدي والضحاك وابن زيد وغيرهم ، كما نقله عنهم ابن جرير وغيره أن معنى الآية : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى أي إلا أن تودوني في قرابتي التي بيني وبينكم فتكفوا عني أذاكم وتمنعوني من أذى الناس ، كما تمنعون كل من بينكم وبينه مثل قرابتي منكم .

وكان صلى الله عليه وسلم له في كل بطن من قريش رحم ، فهذا الذي سألهم ليس بأجر على التبليغ ، لأنه مبذول لكل أحد لأن كل أحد يوده أهل قرابته وينتصرون له من أذى الناس ، وقد فعل له ذلك أبو طالب ، ولم يكن أجرا على التبليغ ، لأنه لم يؤمن وإذا كان لا يسأل أجرا إلا هذا الذي ليس بأجر ، تحقق أنه لا يسأل أجرا كقول النابغة :


ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
[ ص: 374 ] ومثل هذا يسميه البلاغيون تأكيد المدح ، بما يشبه الذم ، وهذا القول هو الصحيح في الآية ، واختاره ابن جرير وعليه فلا إشكال .

الثاني : أن معنى الآية إلا المودة في القربى ، أي لا تؤذوا قرابتي وعترتي واحفظوني فيهم . ويروى هذا القول عن سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب وعلي بن الحسين وعليه فلا إشكال أيضا ، لأن الموادة بين المسلمين واجبة فيما بينهم ، وأحرى قرابة النبي صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض [ 9 \ 71 ] .

وفي الحديث : مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم كالجسد الواحد ، إذا أصيب منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ، وقال صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، والأحاديث في مثل هذا كثيرة جدا . وإذا كان نفس الدين يوجب هذا بين المسلمين تبين أنه غير عوض عن التبليغ .

وقال بعض العلماء : الاستثناء منقطع على كلا القولين ، وعليه فلا إشكال .

فمعناه على القول الأول : لا أسألكم عليه أجرا ، لكن أذكركم قرابتي فيكم .

وعلى الثاني : لكن أذكركم الله في قرابتي فاحفظوني فيهم .

القول الثالث : وبه قال الحسن : إلا المودة في القربى ، أي إلا تتوادوا إلى الله وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح ، وعليه فلا إشكال ، لأن التقرب إلى الله ليس أجرا على التبليغ .

القول الرابع : إلا المودة في القربى ، أي إلا أن تتوددوا إلى قراباتكم وتصلوا أرحامكم ، ذكر ابن جرير هذا القول عن عبد الله بن قاسم .

وعليه أيضا فلا إشكال ، لأن صلة الإنسان رحمه ليست أجرا على التبليغ ، فقد علمت الصحيح في تفسير الآية ، وظهر لك رفع الإشكال على جميع الأقوال .

وأما القول بأن قوله تعالى : إلا المودة في القربى ، منسوخ بقوله تعالى : قل ما سألتكم من أجر فهو لكم [ 34 \ 47 ] ، فهو ضعيف ، والعلم عند الله تعالى .
[ ص: 375 ] بسم الله الرحمن الرحيم

سورة فاطر

قوله تعالى : وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب .

الضمير في قوله : " عمره " يظهر رجوعه إلى المعمر ، فيشكل معنى الآية ، لأن المعمر والمنقوص من عمره ضدان ، فيظهر تنافي الضمير ومفسره .

والجواب أن المراد بالمعمر هنا جنس المعمر الذي هو مطلق الشخص ، فيصدق بالذي لم ينقص من عمره ، وبالذي نقص من عمره ، فصار المعنى : لا يزاد في عمر شخص ولا ينقص من عمر شخص إلا في كتاب .

وهذه المسألة هي المعروفة عند علماء العربية بمسألة : عندي درهم ونصفه ، أي نصف درهم آخر .

قال ابن كثير في تفسيره : الضمير عائد على الجنس لا على العين ، لأن طويل العمر في الكتاب وفي علم الله لا ينقص من عمره ، وإنما عاد الضمير على الجنس ، انتهى منه .

قوله تعالى : ومكر السيئ .

يدل على أن المكر هنا شيء غير السيئ أضيف إلى السيئ للزوم المغايرة بين المضاف والمضاف إليه .

وقوله تعالى : ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله [ 35 \ 43 ] ، يدل على أن المراد بالمنكر هنا هو السيئ بعينه لا شيء آخر ، فالتنافي بين التركيب الإضافي والتركيب التقييدي ظاهر .

والذي يظهر والله تعالى أعلم أن التحقيق جواز إضافة الشيء إلى نفسه إذا اختلفت الألفاظ ، لأن المغايرة بين الألفاظ ربما كفت في المغايرة بين المضاف والمضاف إليه ، كما جزم به ابن جرير في تفسيره في غير هذا الموضع .

ويشير إليه ابن مالك في الخلاصة بقوله :

[ ص: 376 ]
وإن يكونا مفردين فأضف حتما وإلا أتبع الذي ردف
وأما قوله :


ولا يضاف اسم لما به اتحد معنى وأول موهما إذا ورد
فالذي يظهر فيه بعد البحث أنه لا حاجة إلى تأويله مع كثرته في القرءان واللغة العربية ، فالظاهر أنه أسلوب من أساليب العربية بدليل كثرة وروده ، كقوله هنا ومكر السيئ والمكر هو السيئ بدليل قوله : ولا يحيق المكر السيئ الآية ، وكقوله : والدار الآخرة [ 7 \ 169 ] ، والدار هي الآخرة ، وكقوله : شهر رمضان [ 2 \ 185 ] ، والشهر هو رمضان على التحقيق ، وكقوله : من حبل الوريد [ 50 \ 16 ] ، والحبل هو الوريد .

ونظيره من كلام العرب قول عنترة في معلقته :


ومشك سابغة هتكت فروجها بالسيف عن حامي الحقيقة معلم
فأصل المشك بالكسر السير الذي تشد به الدرع ، ولكن عنترة هنا أراد به نفس الدرع وأضافه إليها ، كما هو واضح من كلامه ، لأن الحكم بهتك الفروج واقع على الدرع لا على السير الذي تشد به ، كما جزم به بعض المحققين وهو ظاهر خلافا لظاهر كلام صاحب تاج العروس ، فإنه أورد بيت عنترة شاهدا لأن المشك السير الذي تشد به الدرع ، بل المشك في بيت عنترة هذا على التحقيق هو السابغة وأضيف إليها على ما ذكرنا ، وقول امرئ القيس :


كبكر المقاناة البياض بصفرة غذاها نمير الماء غير المحلل
فالبكر هي المقاناة على التحقيق ، وأما على ما ذهب إليه ابن مالك فالجواب تأويل المضاف بأن المراد به مسمى المضاف إليه .
[ ص: 377 ] بسم الله الرحمن الرحيم

سورة يس

قوله تعالى : إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن الآية .

ظاهرها خصوص الإنذار بالمنتفعين به ، ونظيرها قوله تعالى : إنما أنت منذر من يخشاها [ 79 \ 45 ] .

وقد جاءت آيات أخر تدل على عموم الإنذار كقوله : وتنذر به قوما لدا [ 19 97 ] ، وقوله : ليكون للعالمين نذيرا [ 25 ] ، وقوله : فأنذرتكم نارا تلظى [ 92 14 ] .

وقد قدمنا وجه الجمع بأن الإنذار في الحقيقة عام ، وإنما خص في بعض الآيات بالمؤمنين لبيان أنهم هم المنتفعون به دون غيرهم ، كما قال تعالى : وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين [ 51 ] .

وبين أن الإنذار وعدمه سواء بالنسبة إلى إيمان الأشقياء بقوله : سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون [ 2 \ 6 ] .
[ ص: 378 ] بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الصافات

قوله تعالى : فنبذناه بالعراء وهو سقيم .

هذه الآية الكريمة فيها التصريح بنبذ يونس بالعراء ، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ، وقد جاءت آية أخرى يتوهم منها خلاف ذلك وهي قوله : لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء الآية [ 68 \ 49 ] .

والجواب أن الامتناع المدلول عليه بحرف الامتناع الذي هو : " لولا " منصب على الجملة الحالية لا على جواب " لولا " .

وتقرير المعنى : لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء في حال كونه مذموما لكنه تداركته نعمة ربه ، فنبذ بالعراء غير مذموم ، فهذه الحال عمدة لا فضلة ، أو أن المراد بالفضلة ما ليس ركنا في الإسناد ، وإن توقفت صحة المعنى عليه ، ونظيرها قوله تعالى : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين [ 44 38 ] ، وقوله : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا الآية [ 38 27 ] ، لأن النفي فيهما منصب على الحال لا على ما قبلهما .
[ ص: 379 ] بسم الله الرحمن الرحيم

سورة ص

قوله تعالى : وهل أتاك نبأ الخصم الآية .

هذه الآية تدل بظاهرها على أن الخصم مفرد ، ولكن الضمائر بعده تدل على خلاف ذلك .

والجواب أن الخصم في الأصل مصدر خصمه ، والعرب إذا نعتت بالمصدر أفردته وذكرته .

وعليه فالخصم يراد به الجماعة والواحد والاثنان ، ويجوز جمعه وتثنيته لتناسي أصله الذي هو المصدر وتنزيله منزلة الوصف .
[ ص: 380 ] بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الزمر

قوله تعالى : والذي جاء بالصدق .

ظاهر في الإفراد .

وقوله : أولئك هم المتقون [ 39 \ 33 ] ، يدل على خلاف ذلك ، وقد قدمنا وجه الجمع محررا بشواهده في سورة " البقرة " في الكلام على قوله تعالى : مثلهم كمثل الذي استوقد نارا الآية [ 2 \ 17 ] .

قوله تعالى : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم الآية .

هذه الآية الكريمة تدل على أمرين :

الأول : أن المسرفين ليس لهم أن يقنطوا من رحمة الله ، مع أنه جاءت آية تدل على خلاف ذلك ، وهي قوله تعالى : وأن المسرفين هم أصحاب النار [ 40 43 ] .

والجواب أن الإسراف يكون بالكفر ويكون بارتكاب المعاصي دون الكفر ، فآية وأن المسرفين هم أصحاب النار في الإسراف الذي هو كفر .

وآية : قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم في الإسراف بالمعاصي دون الكفر ، ويجاب أيضا بأنه آية : وأن المسرفين هم أصحاب النار فيما إذا لم يتوبوا ، وأن قوله : قل ياعبادي الذين أسرفوا فيما إذا تابوا .

والأمر الثاني : أنها دلت على غفران جميع الذنوب مع أنه دلت آيات أخر على أن من الذنوب ما لا يغفر ، وهو الشرك بالله تعالى .

والجواب أن آية : إن الله لا يغفر أن يشرك به [ 4 \ 48 ] ، مخصصة لهذه ، وقال بعض العلماء : هذه مقيدة بالتوبة بدليل قوله تعالى : وأنيبوا إلى ربكم [ ص: 381 ] [ 39 54 ] ، فإنه عطف على قوله لا تقنطوا [ 39 53 ] ، وعليه فلا إشكال ، وهو اختيار ابن كثير .
[ ص: 382 ] بسم الله الرحمن الرحيم

سورة غافر

قوله تعالى : ويستغفرون للذين آمنوا .

هذه الآية الكريمة تدل على أن استغفار الملائكة لأهل الأرض خاص بالمؤمنين منهم ، وقد جاءت آية أخرى يدل ظاهرها على خلاف ذلك وهي قوله تعالى : ويستغفرون لمن في الأرض الآية [ 42 \ 5 ] .

والجواب أن آية " غافر " مخصصة لآية " الشورى " ، والمعنى : ويستغفرون لمن في الأرض من المؤمنين لوجوب تخصيص العام بالخاص .

وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم .

لا يخفى ما يسبق إلى الذهن في هذه الآية من توهم المنافاة بين الشرط والجزاء في البعض ، لأن المناسب لاشتراط الصدق هو أن يصيبهم جميع الذي يعدهم لا بعضه ، مع أنه تعالى لم يقل : وإن يك صادقا يصبكم كل الذي يعدكم ، وأجيب عن هذا بأجوبة من أقربها عندي : أن المراد بالبعض الذي يصيبهم هو البعض العاجل الذي هو عذاب الدنيا ، لأنهم أشد خوفا من العذاب العاجل ، ولأنهم أقرب إلى التصديق بعذاب الدنيا منهم بعذاب الآخرة .

ومنها أن المعنى إن يك صادقا فلا أقل من أن يصيبكم بعض الذي يعدكم ، وعلى هذا فالنكتة المبالغة في التحذير ، لأنه إذا حذرهم من إصابة البعض ، أفاد أنه مهلك مخوف ، فما بال الكل وفيه إظهار لكمال الإنصاف وعدم التعصب ، ولذا قدم احتمال كونه كاذبا .

ومنها أن لفظة البعض يراد بها الكل ، وعليه فمعنى بعض الذي يعدكم : كل الذي يعدكم ، ومن شواهد هذا في اللغة العربية قول الشاعر :


إن الأمور إذا الأحداث دبرها دون الشيوخ ترى في بعضها خللا

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.40 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.78 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.55%)]