عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 06-01-2025, 06:19 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,570
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد التاسع
الحلقة (622)
بيان الناسخ والمنسوخ
صـ 271 إلى صـ 284




قال مقيده عفا الله عنه : الصواب مع الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى ، واعتراض الشيخ عليه سهو منه ، لأن مفهوم قوله : الذين أوتوا الكتاب مفهوم علة لا مفهوم [ ص: 271 ] لقب ، كما ظنه الشيخ لأن مفهوم اللقب في اصطلاح الأصوليين هو ما علق فيه الحكم باسم جامد سواء كان اسم جنس أو اسم عين أو اسم جمع ، وضابطه أنه هو الذي ذكر ليمكن الإسناد إليه فقط لاشتماله على صفة تقتضي تخصيصه بالذكر دون غيره .

أما تعليق هذا الحكم الذي هو إباحة طعامهم بالوصف بإيتاء الكتاب فهو تعليق الحكم بعلته لأن الوصف بإيتاء الكتاب صالح لأن يكون مناط الحكم بحلية طعامهم .

وقد دل المسلك الثالث من مسالك العلة المعروف بالإيماء والتنبيه على أن مناط حلية طعامهم هو إيتاؤهم الكتاب ، وذلك بعينه هو المناط لحلية نكاح نسائهم ، لأن ترتيب الحكم بحلية طعامهم ونسائهم على إيتائهم الكتاب لو لم يكن لأنه علته لما كان في التخصيص بإيتاء الكتاب فائدة ، ومعلوم أن ترتيب الحكم على وصف لو لم يكن علته لكان حشوا من غير فائدة يفهم منه أنه علته بمسلك الإيماء والتنبيه .

قال في مراقي السعود في تعداد صور الإيماء :


كما إذا سمع وصفا فحكم وذكره في الحكم وصفا قد ألم
إن لم يكن علته لم يفد ومنعه مما يفيت استفد

ترتيبه الحكم عليه واتضح
إلخ .

ومحل الشاهد منه قوله : " استفد ترتيبه الحكم عليه " ، وقوله : " وذكره في الحكم وصفا إن لم يكن علته لم يفد " .

ومما يوضح ما ذكرنا أن قوله : الذين أوتوا الكتاب موصول وصلته جملة فعلية ، وقد تقرر عند علماء النحو في المذهب الصحيح المشهور أن الصفة الصريحة كاسم الفاعل واسم المفعول الواقعة صلة أل بمثابة الفعل مع الموصول ، ولذا عمل وصف المقترن بأل الموصولة في الماضي لأنه بمنزلة الفعل ، كما أشار له في الخلاصة بقوله :
وإن يكن صلة أل ففي المضي وغيره إعماله قد ارتضي
فإذا حققت ذلك علمت أن الذين أوتوا الكتاب بمثابة ما لو قلت وطعام المؤتين الكتاب بصيغة اسم المفعول ولم يقل أحد أن مفهوم اسم المفعول مفهوم لقب لاشتماله على أمر هو المصدر يصلح أن يكون المتصف به مقصودا للمتكلم دون غيره ، كما ذكروا في مفهوم الصفة .

[ ص: 272 ] فظهر أن إيتاء الكتاب صفة خاصة بهم دون غيرهم ، وهي العلة في إباحة طعامهم ونكاح نسائهم ، فادعاء أنها مفهوم لقب سهو ظاهر .

وظهر من التحقيق أن المفهوم في قوله : الذين أوتوا الكتاب مفهوم علة ومفهوم العلة قسم من أقسام مفهوم الصفة ، فالصفة أعم من العلة وإيضاحه كما بينه القرافي أن الصفة قد تكون مكملة للعلة لا علة تامة كوجوب الزكاة في السائمة فإن علته ليست السوم فقط ، ولو كان كذلك لوجبت في الوحوش لأنها سائمة ولكن العلة ملك ما يحصل به الغنى وهي مع السوم أتم منها مع العلف وهذا عند من لا يرى الزكاة في المعلوفة .

وظهر أن ما قاله الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى هو الصواب .

وقد تقرر في علم الأصول أن المفهوم بنوعيه من مخصصات العموم ، أما تخصيص العام بمفهوم الموافقة بقسميه فلا خلاف فيه .

وممن حكى الإجماع عليه : الآمدي والسبكي في شرح المختصر ، ودليل جوازه أن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما .

ومثاله تخصيص حديث : لي الواجد يحل عرضه وعقوبته أي يحل العرض بقوله مطلني والعقوبة بالحبس فإنه مخصص بمفهوم الموافقة الذي هو الفحوى في قوله : فلا تقل لهما أف [ 17 23 ] ، لأن فحواه تحريم أذاهما فلا يحبس الوالد بدين الولد .

وأما تخصيصه بمفهوم المخالفة ففيه خلاف ، والأرجح منه هو ما مشى عليه الحافظ ابن كثير تغمده الله برحمته الواسعة وهو التخصيص به .

والدليل عليه ما قدمنا من أن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما .

وقيل : لا يجوز التخصيص به ، ونقله الباجي عن أكثر المالكية .

وحجة هذا القول أن دلالة العام على ما دل عليه المفهوم بالمنطوق وهو مقدم على المفهوم ، ويجاب بأن المقدم عليه منطوق خاص لا ما هو من إفراد العام ، فالمفهوم مقدم عليه لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما .

واعتمد التخصيص به صاحب مراقي السعود في قوله في مبحث الخاص في الكلام على المخصصات المنفصلة : [ ص: 273 ]
واعتبر الإجماع جل الناس وقسمي المفهوم كالقياس
ومثال التخصيص بمفهوم المخالفة تخصيص قوله صلى الله عليه وسلم : في أربعين شاة شاة الذي يشمل عمومه السائمة والمعلوفة بمفهوم قوله : في الغنم السائمة زكاة عند من لا يرى الزكاة في المعلوفة ، وهم أكثر لأنه يفهم منه أن غير السائمة لا زكاة فيها ، فيخصص بذلك عموم : في أربعين شاة شاة والعلم عند الله تعالى .

المسألة الرابعة : ما صاده الكتابي بالجوارح والسلاح حلال للمسلم ، لأن العقر ذكاة الصيد وعلى هذا القول الأئمة الثلاثة ، وبه قال عطاء والليث والأوزاعي وابن المنذر وداود وجمهور العلماء ، كما نقله عنهم النووي في شرح المهذب .

وحجة الجمهور واضحة وهي قوله تعالى : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وخالف مالك وابن القاسم ففرقا بين ذبح الكتابي وصيده مستدلين بقوله تعالى : تناله أيديكم ورماحكم [ 5 \ 94 ] ، لأنه خص الصيد بأيدي المسلمين ورماحهم دون غير المسلمين .

قال مقيده عفا الله عنه : الذي يظهر لي والله أعلم ، أن هذا الاحتجاج لا ينهض على الجمهور ، وأن الصواب مع الجمهور .

وقد وافق الجمهور من المالكية أشهب وابن هارون وابن يونس والباجي واللخمي ، ولمالك في الموازنة كراهته ، قال ابن بشير : ويمكن حمل المدونة على الكراهة .

المسألة الخامسة : ذبائح أهل الكتاب في دار الحرب كذبائحهم في دار الإسلام ، قال النووي : وهذا لا خلاف فيه ، ونقل ابن المنذر الإجماع عليه .
قوله تعالى : فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم الآية .

هذه الآية الكريمة تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إذ تحاكم إليه أهل الكتاب مخير بين الحكم بينهم والإعراض عنهم ، وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك وهي قوله تعالى : وأن احكم بينهم بما أنزل الله الآية [ 5 \ 49 ] .

والجواب : أن قوله تعالى : وأن احكم بينهم ناسخ لقوله : أو أعرض عنهم وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والسدي وزيد بن أسلم [ ص: 274 ] وعطاء الخراساني وغير واحد ، قاله ابن كثير .

وقيل : معنى وأن احكم أي إذا حكمت بينهم ، فاحكم بما أنزل الله لا باتباع الهوى ، وعليه فالأولى محكمة ، والعلم عند الله تعالى .
قوله تعالى : أو آخران من غيركم الآية .

هذه الآية تدل على قبول شهادة الكفار على الوصية في السفر ، وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك كقوله : إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون [ 16 105 ] .

وقوله : ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون [ 24 \ 4 ] ، أي فالكافرون أحرى برد شهادتهم .

وقوله : وأشهدوا ذوي عدل منكم [ 65 2 ] .

وقوله : واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء الآية [ 2 282 ] .

والجواب عن هذا على قول من لا يقبل شهادة الكافرين على الإيصاء في السفر أنه يقول : إن قوله أو آخران من غيركم ، منسوخ بآيات اشتراط العدالة ، والذي يقول بقبول شهادتهما يقول هي محكمة مخصصة لعموم غيرها ، وهذا الخلاف معروف ووجه الجواب على كلا القولين ظاهر .

وأما على قول من قال : إن معنى قوله : ذوا عدل منكم [ 5 \ 95 ] ، أي من قبيلة الموصي ، وقوله : أو آخران من غيركم أي من غير قبيلة الموصي من سائر المسلمين ، فلا إشكال في الآية .

ولكن جمهور العلماء على أن قوله : من غيركم أي من غير المسلمين ، وأن قوله : منكم أي من المسلمين . وعليه فالجواب ما تقدم ، والعلم عند الله تعالى .
قوله تعالى : يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب

[ ص: 275 ] هذه الآية يفهم منها أن الرسل لا يشهدون يوم القيامة ، على أممهم .

وقد جاء في آيات أخر ما يدل على أنهم يشهدون على أممهم كقوله تعالى : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا [ 4 \ 41 ] .

وقوله تعالى : ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء [ 16 \ 89 ] .

والجواب من ثلاثة أوجه :

الأول : وهو اختيار ابن جرير ، وقال فيه ابن كثير : لا شك أنه حسن ، أن المعنى : لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا ، فلا علم لنا بالنسبة إلى علمك المحيط بكل شيء ، فنحن وإن عرفنا من أجابنا فإنما نعرف الظواهر ولا علم لنا بالبواطن ، وأنت المطلع على السرائر وما تخفي الضمائر فعلمنا بالنسبة إلى علمك كلا علم .

الثاني : وبه قال مجاهد والسدي والحسن البصري ، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره أنهم قالوا : لا علم لنا لما اعتراهم من شدة هول يوم القيامة ، ثم زال ذلك عنهم فشهدوا على أممهم .

والثالث : وهو أضعفها ، أن معنى قوله : ماذا أجبتم ، ماذا عملوا بعدكم ؟ وما أحدثوا بعدكم ؟ قالوا لا علم لنا . ذكر ابن كثير وغيره هذا القول ، ولا يخفى بعده عن ظاهر القرآن .
قوله تعالى : قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين .

هذه الآية الكريمة تدل على أن أشد الناس عذابا يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة .

وقد جاء في بعض الآيات ما يوهم خلاف ذلك كقوله : إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار [ 4 \ 145 ] ، وقوله : ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب [ 40 \ 46 ] .

والجواب : أن آية : أدخلوا آل فرعون وآية : إن المنافقين لا منافاة بينهما ، لأن كلا من آل فرعون والمنافقين في أسفل دركات النار في أشد العذاب ، وليس [ ص: 276 ] في الآيتين ما يدل على أن بعضهم أشد عذابا من الآخر .

وأما قوله : فإني أعذبه الآية ، فيجاب عنه من وجهين :

الأول : وهو ما قاله ابن كثير : أن المراد بـ : العالمين عالمو زمانهم وعليه فلا إشكال ، ونظيره قوله تعالى : وأني فضلتكم على العالمين [ 2 \ 147 ] ، كما تقدم .

الثاني : ما قاله البعض من أن المراد به العذاب الدنيوي الذي هو - مسخهم خنازير ، ولكن يدل لأنه عذاب الآخرة ما رواه ابن جرير عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال : " أشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة : المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون " .

وهذا الإشكال في أصحاب المائدة لا يتوجه إلا على القول بنزول المائدة ، وأن بعضهم كفر بعد نزولها ، أما على قول الحسن ومجاهد أنهم خافوا من الوعيد فقالوا : لا حاجة لنا في نزولها فلم تنزل فلا إشكال .

ولكن ظاهر قوله تعالى : إني منزلها [ 5 \ 15 ] يخالف ذلك ، وعلى القول بنزولها لا يتوجه الإشكال إلا إذا ثبت كفر بعضهم كما لا يخفى .
[ ص: 277 ] بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الأنعام

قوله تعالى : ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق الآية .

هذه الآية الكريمة تدل على أن الله مولى الكافرين ونظيرها قوله تعالى : هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون [ 10 ] .

وقد جاء في آية أخرى ما يدل على خلاف ذلك وهي قوله تعالى : ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم [ 47 \ 11 ] .

والجواب عن هذا أن معنى كونه مولى الكافرين أنه مالكهم المتصرف فيهم بما شاء ، ومعنى كونه مولى المؤمنين دون الكافرين ، أي ولاية المحبة والتوفيق والنصر ، والعلم عند الله تعالى .

وأما على قول من قال : إن الضمير في قوله : ردوا وقوله : مولاهم عائد إلى الملائكة فلا إشكال في الآية أصلا ، ولكن الأول أظهر .
قوله تعالى : وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون

هذه الآية الكريمة يفهم منها أنه لا إثم على من جالس الخائضين في آيات الله بالاستهزاء والتكذيب .

وقد جاءت آية تدل على أن من جالسهم كان مثلهم في الإثم ، وهي قوله تعالى : وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها - إلى قوله - إنكم إذا مثلهم [ 4 \ 140 ] ، اعلم أولا أن في معنى قوله : وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء [ 6 ] ، وجهين للعلماء :

[ ص: 278 ] الأول : أن المعنى وما على الذين يتقون مجالسة الكفار عند خوضهم في آيات الله من حساب الكفار من شيء ، وعلى هذا الوجه فلا إشكال في الآية أصلا .

الوجه الثاني : أن معنى الآية : وما على الذين يتقون ما يقع من الكفار من الخوض في آيات الله في مجالستهم لهم من شيء .

وعلى هذا القول فهذا الترخيص في مجالسة الكفار للمتقين من المؤمنين كان في أول الإسلام للضرورة ، ثم نسخ بقوله تعالى : إنكم إذا مثلهم .

وممن قال بالنسخ فيه مجاهد والسدي وابن جريج وغيرهم كما نقله عنهم ابن كثير ، فظهر أن لا إشكال على كلا القولين .

ومعنى قوله تعالى : ولكن ذكرى لعلهم يتقون [ 6 ] ، على الوجه الأول أنهم إذا اجتنبوا مجالسهم سلموا من الإثم ، ولكن الأمر باتقاء مجالستهم عند الخوض في الآيات لا يسقط وجوب تذكيرهم ووعظهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر لعلهم يتقون الله بسبب ذلك .

وعلى الوجه الثاني فالمعنى أن الترخيص في المجالسة لا يسقط التذكير لعلهم يتقون الخوض في آيات الله بالباطل إذا وقعت منكم الذكرى لهم ، وأما جعل الضمير للمتقين فلا يخفى بعده ، والعلم عند الله تعالى .
قوله تعالى : وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها .

يتوهم منه الجاهل أن إنذاره صلى الله عليه وسلم مخصوص بأم القرى وما يقرب منها دون الأقطار النائية عنها لقوله تعالى : ومن حولها ونظيره قوله تعالى في سورة " الشورى " وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه [ 42 \ 7 ] .

وقد جاءت آيات أخر تصرح بعموم إنذاره صلى الله عليه وسلم لجميع الناس كقوله تعالى : تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا [ 25 ] ، وقوله تعالى : وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ [ 6 \ 19 ] ، وقوله : [ ص: 279 ] قل ياأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا [ 7 \ 158 ] ، وقوله : وما أرسلناك إلا كافة للناس الآية [ 34 28 ] .

والجواب من وجهين :

الأول : أن المراد بقوله : ومن حولها شامل لجميع الأرض كما رواه ابن جرير وغيره عن ابن عباس .

الوجه الثاني : أنا لو سلمنا تسليما جدليا أن قوله : ومن حولها لا يتناول إلا القريب من مكة المكرمة حرمها الله كجزيرة العرب مثلا ، فإن الآيات الأخر نصت على العموم كقوله : ليكون للعالمين نذيرا .

وذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه عند عامة العلماء ولم يخالف فيه إلا أبو ثور ، وقد قدمنا ذلك واضحا بأدلته في سورة " المائدة " .

فالآية على هذا القول كقوله : وأنذر عشيرتك الأقربين [ 26 \ 214 ] ، فإنه لا يدل على عدم إنذار غيرهم ، كما هو واضح ، والعلم عند الله تعالى .
قوله تعالى : والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه .

وقوله أيضا : والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه [ 6 141 ] ، أثبت في هاتين الآيتين التشابه للزيتون والرمان ونفاه عنهما .

والجواب ما قاله قتادة رحمه الله من أن المعنى متشابها ورقها مختلفا طعمها ، والله تعالى أعلم .
قوله تعالى : لا تدركه الأبصار الآية .

هذه الآية الكريمة توهم أن الله تعالى لا يرى بالأبصار ، وقد جاءت آيات أخر تدل على أنه يرى بالأبصار ، كقوله تعالى : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة [ 75 \ 22 - 23 ] ، وكقوله : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة [ 10 \ 26 ] ، فالحسنى : الجنة ، والزيادة : النظر إلى وجه الله الكريم .

وكذلك قوله : لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد [ 50 \ 35 ] ، على أحد القولين ، وكقوله تعالى في الكفار : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [ ص: 280 ] [ 83 \ 15 ] ، يفهم من دليل خطابه أن المؤمنين ليسوا محجوبين عن ربهم .

والجواب من ثلاثة أوجه :

الأول : أن المعنى لا تدركه الأبصار أي في الدنيا فلا ينافي الرؤية في الآخرة .

الثاني : أنه عام مخصوص برؤية المؤمنين له في الآخرة ، وهذا قريب في المعنى من الأول .

الثالث : وهو الحق ، أن المنفي في هذه الآية الإدراك المشعر بالإحاطة بالكنه ، أما مطلق الرؤية فلا تدل الآية على نفيه بل هو ثابت بهذه الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة واتفاق أهل السنة والجماعة على ذلك .

وحاصل هذا الجواب : أن الإدراك أخص من مطلق الرؤية لأن الإدراك المراد به الإحاطة ، والعرب تقول : رأيت الشيء وما أدركته ، فمعنى : لا تدركه الأبصار لا تحيط به ، كما أنه تعالى يعلمه الخلق ولا يحيطون به علما .

وقد اتفق العقلاء على أن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم ، فانتفاء الإدراك لا يلزم منه انتفاء مطلق الرؤية ، مع أن الله تعالى لا يدرك كنهه على الحقيقة أحد من الخلق .

والدليل على صحة هذا الوجه ما أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى مرفوعا : حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه .

فالحديث صريح في عدم الرؤية في الدنيا ، ويفهم منه عدم إمكان الإحاطة مطلقا .

والحاصل : أن رؤيته تعالى بالأبصار جائزة عقلا في الدنيا والآخرة لأن كل موجود يجوز أن يرى عقلا ، ويدل لجوازها عقلا قول موسى : رب أرني أنظر إليك [ 7 \ 143 ] ، لأنه لا يجهل الجائز في حق الله تعالى عقلا .

وأما في الشرع فهي جائزة وواقعة في الآخرة ممتنعة في الدنيا ومن أصرح الأدلة في ذلك ما رواه مسلم وابن خزيمة مرفوعا : إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا والأحاديث برؤية المؤمنين له يوم القيامة متواترة ، والعلم عند الله تعالى .
قوله تعالى : وأعرض عن المشركين الآية .

[ ص: 281 ] لا يعارض آيات السيف لأنها ناسخة له .
قوله تعالى : قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله الآية .

هذه الآية الكريمة يفهم منها كون عذاب أهل النار غير باق بقاء لا انقطاع له أبدا ونظيرها قوله تعالى : فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك [ 11 106 - 107 ] ، وقوله تعالى : لابثين فيها أحقابا [ 78 23 ] .

وقد جاءت آيات تدل على أن عذابهم لا انقطاع له كقوله : خالدين فيها أبدا [ 4 \ 57 ] .

والجواب عن هذا من أوجه :

أحدها : أن قوله تعالى : إلا ما شاء الله معناه إلا من شاء الله عدم خلوده فيها من أهل الكبائر من الموحدين .

وقد ثبت فى الأحاديث الصحيحة أن بعض أهل النار يخرجون منها وهم أهل الكبائر من الموحدين ، ونقل ابن جرير هذا القول عن قتادة والضحاك وأبي سنان وخالد بن معدان ، واختاره ابن جرير ، وغاية " ما " في هذا القول إطلاق " ما " وإرادة من ونظيره في القرآن : فانكحوا ما طاب لكم من النساء [ 4 3 ]

الثاني : أن المدة التي استثناها الله هي المدة التي بين بعثهم من قبورهم واستقرارهم في مصيرهم قاله ابن جرير أيضا .

الوجه الثالث : أن قوله : إلا ما شاء الله فيه إجمال وقد جاءت الآيات والأحاديث الصحيحة مصرحة بأنهم خالدون فيها أبدا ، وظاهرها أنه خلود لا انقطاع له ، والظهور من المرجحات فالظاهر مقدم على المجمل ، كما تقرر في الأصول .

ومنها أن " إلا " في سورة " هود " بمعنى : سوى ما شاء الله من الزيادة على مدة دوام السماوات والأرض .

وقال بعض العلماء : إن الاستثناء على ظاهره وأنه يأتي على النار زمان ليس فيها أحد .

[ ص: 282 ] وقال ابن مسعود : ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد ، وذلك بعدما يلبثون أحقابا .

وعن ابن عباس : أنها تأكلهم بأمر الله .

قال مقيده عفا الله عنه : الذي يظهر لي والله أعلم ، أن هذه النار التي لا يبقى فيها أحد يتعين حملها على الطبقة التي كان فيها عصاة المسلمين ، كما جزم به البغوي في تفسيره ، لأنه يحصل به الجمع بين الأدلة ، وإعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما .

وقد أطبق العلماء على وجوب الجمع إذا أمكن ، أما ما يقوله كثير من العلماء من الصحابة ، ومن بعدهم من أن النار تفنى وينقطع العذاب عن أهلها ، فالآيات القرآنية تقتضي عدم صحته ، وإيضاحه أن المقام لا يخلو من إحدى خمس حالات بالتقسيم الصحيح ، وغيرها راجع إليها .

الأولى : أن يقال بفناء النار ، وأن استراحتهم من العذاب بسبب فنائها .

الثانية : أن يقال إنهم ماتوا وهي باقية .

الثالثة : أن يقال إنهم أخرجوا منها وهي باقية .

الرابعة : أن يقال إنهم باقون فيها إلا أن العذاب يخف عليهم .

وذهاب العذاب رأسا واستحالته لذا لم نذكرهما من الأقسام ، لأنا نقيم البرهان على نفي تخفيف العذاب ، ونفي تخفيفه يلزمه نفي ذهابه واستحالته لذا فاكتفينا به لدلالة نفيه على نفيهما ، وكل هذه الأقسام الأربعة يدل القرآن على بطلانه .

أما فناؤها فقد نص تعالى على عدمه بقوله : كلما خبت زدناهم سعيرا [ 17 \ 97 ] .

وقد قال تعالى : إلا ما شاء ربك [ 11 \ 107 ] ، في خلود أهل الجنة وخلود أهل النار وبين عدم الانقطاع في خلود أهل الجنة بقوله : عطاء غير مجذوذ [ 11 \ 108 ] ، وبقوله : إن هذا لرزقنا ما له من نفاد [ 38 \ 54 ] ، وقوله : ما عندكم ينفد وما عند الله باق [ 16 \ 96 ] .

[ ص: 283 ] وبين عدم الانقطاع في خلود أهل النار بقوله : كلما خبت زدناهم سعيرا .

فمن يقول إن للنار خبوة ليس بعدها زيادة سعير ، رد عليه بهذه الآية الكريمة ، ومعلوم أن كلما تقتضي التكرار بتكرار الفعل الذي بعدها ، ونظيرها قوله تعالى : كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها الآية [ 4 56 ] .

وأما موتهم فقد نص تعالى على عدمه بقوله : لا يقضى عليهم فيموتوا [ 35 \ 36 ] ، وقوله : لا يموت فيها ولا يحيا [ 20 ] ، وقوله : ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت [ 14 \ 17 ] ، وقد بين صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أن الموت يجاء به يوم القيامة في صورة كبش أملج فيذبح ، وإذا ذبح الموت حصل اليقين بأنه لا موت ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ويقال يا أهل الجنة خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود بلا موت .

وأما إخراجهم منها فنص تعالى على عدمه بقوله : وما هم بخارجين من النار [ 2 \ 167 ] ، وبقوله : كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها [ 32 20 ] ، وبقوله : وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم [ 5 \ 37 ] .

وأما تخفيف العذاب عنهم فنص تعالى على عدمه بقوله : ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور [ 35 \ 13 ] ، وقوله : فلن نزيدكم إلا عذابا [ 78 ] ، وقوله : لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون [ 43 ] ، وقوله : إن عذابها كان غراما [ 25 \ 65 ] ، وقوله : فسوف يكون لزاما [ 25 \ 77 ] ، وقوله تعالى : فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون [ 16 \ 85 ] .

وقوله : ولهم عذاب مقيم [ 5 \ 37 ] ، ولا يخفى أن قوله : ولا يخفف عنهم من عذابها وقوله : لا يفتر عنهم كلاهما فعل في سياق النفي ، فحرف النفي بنفي المصدر الكامن في الفعل فهو في معنى لا تخفيف للعذاب عنهم ، ولا تفتير له ، والقول بفنائها يلزمه تخفيف العذاب وتفتيره المنفيان في هذه الآيات بل يلزمه ذهابهما رأسا ، كما أنه يلزمه نفي ملازمة العذاب المنصوص عليها بقوله : فسوف يكون لزاما وقوله : إن عذابها كان غراما وإقامته المنصوص عليها بقوله : ولهم عذاب مقيم .

[ ص: 284 ] فظاهر هذه الآيات عدم فناء النار المصرح به في قوله : كلما خبت زدناهم سعيرا وما احتج به بعض العلماء من أنه لو فرض أن الله أخبر بعدم فنائها أن ذلك لا يمنع فناءها لأنه وعيد ، وإخلاف الوعيد من الحسن لا من القبيح ، وأن الله تعالى ذكر أنه لا يخلف وعده ولم يذكر أنه لا يخلف وعيده ، وأن الشاعر قال :


وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
فالظاهر عدم صحته لأمرين :

الأول : أنه يلزمه جواز ألا يدخل النار كافر ، لأن الخبر بذلك وعيد ، وإخلافه على هذا القول لا بأس به .

الثاني : أنه تعالى صرح بحق وعيده على من كذب رسله حيث قال : كل كذب الرسل فحق وعيد [ 50 \ 14 ] .

وقد تقرر في مسلك النص من مسالك العلة أن الفاء من حروف التعليل كقولهم : سها فسجد ، أي سجد لعلة سهوه ، وسرق فقطعت يده أي لعلة سرقته ، فقوله : كل كذب الرسل فحق وعيد أي وجب وقوع الوعيد عليهم لعلة تكذيب الرسل ، ونظيرها قوله تعالى : إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب [ 38 \ 14 ] .

ومن الأدلة الصريحة في ذلك تصريحه تعالى بأن قوله لا يبدل فيما أوعد به أهل النار حيث قال \ 47 لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد [ 50 \ 28 - 29 ] .

ويستأنس لذلك بظاهر قوله تعالى : واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده - إلى قوله - إن وعد الله حق [ 31 \ 33 ] ، وقوله : إن عذاب ربك لواقع [ 52 \ 7 ] ، فالظاهر أن الوعيد الذي يجوز إخلافه وعيد عصاة المؤمنين لأن الله بين ذلك بقوله : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [ 4 \ 48 ] .

فإذا تبين بهذه النصوص بطلان جميع هذه الأقسام تعين القسم الخامس الذي هو خلودهم فيها أبدا بلا انقطاع ولا تخفيف بالتقسيم والسبر الصحيح .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 46.22 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 45.59 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.36%)]