شرح حديث: (أتاني الليلة آتٍ من عند ربي عز وجل فقال: صل في هذا الوادي المبارك)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا النفيلي حدثنا مسكين عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (أتاني الليلة آتٍ من عند ربي عز وجل -قال: وهو بالعقيق- وقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة). قال أبو داود : رواه الوليد بن مسلم و عمر بن عبد الواحد في هذا الحديث عن الأوزاعي : (وقل عمرة في حجة). وقال أبو داود : وكذا رواه علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير في هذا الحديث، وقال: (وقل عمرة في حجة) ]. أورد أبو داود حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو في ذي الحليفة: (أتاني الليلة آتٍ من ربي، وقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة). وهذا الحديث يدل على فضل القران، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به فحج قارناً، وأنه جاءه الوحي بذلك من الله عز وجل؛ لأنه قال: (أتاني الليلة آتٍ من ربي، وقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة)، وفي بعض الروايات: (عمرة وحجة)، وهذا هو القران، وقد حج النبي صلى الله عليه وسلم قارناً، وساق الهدي من المدينة صلوات الله وسلامة وبركاته عليه، فهذا الحديث دال على ما ترجم له المصنف من القران. وفيه أيضاً: وصف وادي العقيق بأنه مبارك، وأن من ذهب للحج أو للعمرة وصلى فيه فإن الصلاة فيه مشروعة، بخلاف الأماكن الأخرى التي لم يأت فيها ذكر الصلاة كالمواقيت الأخرى، فإنه ليس هناك دليل يدل على فضل مخصوص للصلاة فيها، وقد قال بعض الفقهاء: إنه يصلي للإحرام ركعتين، لكن الذي جاء فيه النص هو الصلاة في هذا الوادي المبارك، وسواء كانت تلك الصلاة فريضة أو نافلة، فمن أراد أن يفعل ذلك فقد وُجد الدليل الدال عليه، ومن أراد ألا ينزل في هذا الوادي، وأن يحرم وهو في السيارة وهي تسير في الطريق فإنه عندما يحاذي المسجد ينوي ويلبي، ولا يلزمه أن ينزل. والمقصود من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قارناً، وهذا الحديث من أدله القران، وهو ما ترجم له المصنف. وتلك الليلة التي أُتي فيها يبدو أنها الليلة التي بات فيها في ذي الحليفة، فقد خرج من المدينة بعد أن صلى بها في مسجده الظهر أربعاً، وصلى العصر في ذي الحليفة ركعتين، وصلى المغرب والعشاء والفجر والظهر، ثم مشى بعد صلاة الظهر من الغد، أي أنه صلى خمس صلوات في ذي الحليفة، وكان جلوس النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المكان ليتوافد الناس إليه، وليجتمعوا في ذلك المكان، وليشهدوا أعماله في حجه من أولها، ومعلوم أن أولها إنما يكون بالإحرام من الميقات. وقصد هذا الوادي المبارك في غير النسك لا يشرع، فلا يشرع للإنسان أن يقصد إليه، وأن يأتي فيه بشيء، فكون الإنسان يذهب إليه لغير النسك لا وجه له في ذلك، ومثل ذلك أيضاً جبل أحد، فقد قال فيه صلى الله عليه وسلم: (جبل يحبنا ونحبه)، ولكن ليس للناس أن يذهبوا إليه، ولا أن يصعدوا عليه. وقد يستشكل على بعضهم: كيف أن الله جل وعلا يأمر نبيه أن يقول: عمرة في حجة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي وجعلتها عمرة)؟! والجواب: أنه ساق الهدي وأرشد إلى ذلك أولاً، وفي آخر الأمر بيّن صلى الله عليه وسلم أن الإحرام بالتمتع أولى من الإحرام بالقران، وبعض أهل العلم يفصل فيقول: إذا كان سيأتي بعمرة مستقلة في أثناء السنة فالإفراد أفضل، وإذا كان قد ساق الهدي فالقران أفضل، وإذا لم يكن هذا ولا هذا فالتمتع أفضل، لكن كون النبي صلى الله عليه وسلم يرشد أصحابه إلى أن يتحولوا من القران الذي لا هدي معه، ومن الإفراد الذي لا هدي معه إلى التمتع ويقول: (إن هذا للأبد، وأبد الأبد)، فهذا يدلنا على أن هذا هو الأفضل والأكمل؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يرشدهم إلى أن ينتقلوا من فاضل إلى مفضول، بل يرشدهم إلى أن ينتقلوا من مفضول إلى فاضل؛ لأنه أنصح الناس للناس صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن كل ما يأتي به النبي صلى الله عليه وسلم هو وحي، فالأول وحي والآخر وحي، وهو لا يأتي بشيء من عند نفسه، كما قال الله عز وجل: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4]، لكن من كان معه هدي فإنه يتعين عليه أن يأتي بالقران أو الإفراد.
تراجم رجال إسناد حديث: (أتاني الليلة آتٍ من عند ربي عز وجل فقال: صل في هذا الوادي المبارك)
قوله: [حدثنا النفيلي ] . هو: عبد الله بن محمد النفيلي ، ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن. [ حدثنا مسكين ]. هو ابن بكير الحراني ، وهو صدوق، يخطئ، أخرج له البخاري و مسلم و أبو داود و النسائي . [ عن الأوزاعي ]. هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ثقة فقيه، وهو فقيه الشام ومحدثها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [ عن يحيى بن أبي كثير ] . يحيى بن أبي كثير اليمامي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن عكرمة ]. عكرمة مولى ابن عباس وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن ابن عباس ]. ابن عباس هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. [ عن عمر ]. عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قد مر ذكره. [ قال أبو داود : رواه الوليد بن مسلم و عمر بن عبد الواحد في هذا الحديث عن الأوزاعي : (وقل عمرة في حجة) ]. الوليد بن مسلم الدمشقي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ و عمر بن عبد الواحد ]. عمر بن عبد الواحد ثقة، أخرج له أبو داود و النسائي و ابن ماجة . [ عن الأوزاعي ]. الأوزاعي مر ذكره. [ قال أبو داود : وكذا رواه علي بن المبارك ]. علي بن المبارك ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث سراقة بن مالك: (إن الله قد أدخل عليكم في حجكم هذا عمرة...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هناد بن السري حدثنا ابن أبي زائدة أخبرنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: حدثني الربيع بن سبرة عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى إذا كنا بُعسفان قال له سراقة بن مالك المدلجي رضي الله عنه: يا رسول الله! اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم، فقال: إن الله تعالى قد أدخل عليكم في حجكم هذا عمرة، فإذا قدمتم فمن تطوّف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل إلا من كان معه هدي) ]. أورد أبو داود حديث سبرة بن معبد رضي الله عنه: (أن سراقة بن مالك بن جعشم قال للنبي صلى الله عليه وسلم وهو بعسفان: اقض لنا يا رسول الله! بقضاء كأنما ولدنا اليوم) أي: كأننا ولدنا اليوم، فنحن بحاجة إلى أن تعلمنا شيئاً نسير عليه، فقال عليه الصلاة والسلام: (إن الله تعالى قد أدخل عليكم في حجكم هذا عمرة)، وإدخال الحج على العمرة إما أن يكون عن طريق القران، أو عن طريق التمتع، والمقصود أنها دخلت في أعماله؛ لأن أعمال العمرة مع الحج لا ينفصل شيء منها عن شيء؛ لأن الطواف للحج والعمرة، والسعي للحج والعمرة، ولهذا سمي قراناً؛ لأن الأعمال واحده، ويؤدى فعل واحد لشيئين، أو المراد به في وقت الحج وهو التمتع، فيأتي بالعمرة أولاً، وإذا دخل مكة طاف وسعى وقصر وتحلل، ثم في الثامن من ذي الحجة يحرم، ومن كان قد أحرم بالعمرة ابتداء فهذا يبقى على عمرته ويطوف ويسعى ويقصر، ويوم ثمانية يحرم بالحج، ومن لم يكن ساق الهدي من القارنين والمفردين فإن عليهم أن يتحولوا إلى عمرة، فيكونون بذلك متمتعين، أما الذين ساقوا الهدي فإنهم يبقون على إحرامهم إلى يوم النحر، ولا يحلون حتى يبلغ الهدي محله.
تراجم رجال إسناد حديث سراقة بن مالك: (إن الله تعالى قد أدخل عليكم في حجكم هذا عمرة،...)
قوله: [حدثنا هناد بن السري ]. هناد بن السري أبو السري ثقة، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد و مسلم وأصحاب السنن. [ حدثنا ابن أبي زائدة ]. ابن أبي زائدة هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ أخبرنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ]. عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز صدوق يخطئ، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ حدثني الربيع بن سبرة ]. الربيع بن سبرة بن معبد ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [ عن أبيه ]. أبوه سبرة بن معبد رضي الله عنه، أخرج له البخاري تعليقاً و مسلم وأصحاب السنن.
شرح حديث: (قصّرتُ عن النبي بمشقص على المروة...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا شعيب بن إسحاق عن ابن جريج ، وحدثنا أبو بكر بن خلاد حدثنا يحيى المعنى، عن ابن جريج أخبرني الحسن بن مسلم عن طاوس عن ابن عباس أن معاوية بن أبي سفيان أخبره قال: (قصرت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمشقص على المروة أو رأيته يقصر عنه على المروة بمشقص). قال ابن خلاد : إن معاوية ، لم يذكر أخبره ]. أورد أبو داود حديث ابن عباس ، وهو في بعض الطرق من مسند معاوية ، فالطريق التي فيها أن معاوية أخبره، تكون من مسند معاوية ، وأما التي فيها: عن ابن عباس : أن معاوية قصر...، فهذا يكون من مسند ابن عباس . وقد كان هذا في عمرة من العُمَر، وليس في حجه صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حجه كان قارناً، وإنما أتى إلى المروة وطاف بين الصفا والمروة قبل الحج، ولم يأت للصفا والمروة بعد الحج، فليس هناك تقصير، وإنما يبقى على النسك، وهذا كما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: (قد حلّ الناس وأنت لم تحل؟ فقال: إني لبّدت شعري، وسقت الهدي، فلا أحل حتى أنحر)، إذاً كان هذا في عمرة، ولكن ما هذه العمرة؟ الذي يناسب أنها عمرة الجعرّانة؛ لأنها هي التي كانت بعد الفتح، و معاوية رضي الله عنه إنما أسلم عام الفتح، والعُمَر التي كانت من النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك هي: عمرة الحديبية، وعمرة القضية، فالأولى في السنة السادسة، والثانية في السابعة، فلا يناسب في تلك العمر أن يكون معاوية قصر له، وإنما يناسب ذلك كونه في عمرة الجعرانة، إلا أن الرواية الثانية فيها: (ورأيت النبي يقصر عنه بمشقص) فيمكن أن يكون ذلك في عمرة القضاء التي في السنة السابعة، حيث رأى غيره يقصر له، ويكون هذا مما تحمله في حال كفره وأداه في حال إسلامه، وعلى هذا: فإن التقصير كان من معاوية رضي الله عنه أو من غيره و معاوية يرى، ولا يكون ذلك إلا في عمرة، وقد جاء مصرحاً به في الصحيح، وهذه العمرة هي إما الجعرانة، وهذا هو الذي يناسب حاله بعد إسلامه؛ لأن إسلامه كان في عام الفتح في السنة الثامنة، وعمرة الجعرانة كانت بعد الفتح، أو أنها في عمرة القضاء، وهو الذي يناسب رواية: (ورأيته يقصر عنه بمشقص) أي: أنه رأى غيره يقصر له، فيكون هذا من قبيل ما تحمل في حال كفره، وأداه في حال إسلامه، ومن المعلوم عند المحدثين أن الكافر إذا تحمل في حال كفره وأدى بعد إسلامه فذلك صحيح، وكذلك الصغير إذا تحمله في حال صغره وأداه بعد بلوغه فذلك صحيح معتبر، ومن أمثلة تحمل الكافر في حال كفره وتأديته بعد إسلامه: حديث هرقل وقصة أبي سفيان معه، وذكْر الكتاب الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم، وما اشتمل عليه الكتاب بعد أن قرئ الكتاب و أبو سفيان ومن معه يسمعون، وقالوا ما قالوا بعد ذلك عندما سألهم، وفيه: أنه قال: كان يأمرنا بالصدق وكذا وكذا إلى آخره، وهذا إنما قاله في حال كفره، وتحمله في حال كفره، ولكنه أداه بعد إسلامه.
تراجم رجال إسناد حديث: (قصرت عن النبي بمشقص على المروة...)
قوله: [حدثنا عبد الوهاب بن نجدة ]. عبد الوهاب بن نجدة ثقة، أخرج له أبو داود و النسائي . [ حدثنا شعيب بن إسحاق ]. شعيب بن إسحاق ثقة، أخرج له أصحاب الكتب إلا الترمذي . [ عن ابن جريج ]. ابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ وحدثنا أبو بكر بن خلاد ]. أبو بكر بن خلاد هو محمد بن خلاد وهو ثقة، أخرج له مسلم و أبو داود و النسائي و ابن ماجة . [ حدثنا يحيى ]. يحيى بن سعيد القطان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن ابن جريج ]. ابن جريج مر ذكره. [أخبرني الحسن بن مسلم ]. الحسن بن مسلم بن يناق وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي . [ عن طاوس ]. طاوس بن كيسان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن ابن عباس ]. ابن عباس مر ذكره. [ عن معاوية ]. معاوية رضي الله عنه أمير المؤمنين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [ قال ابن خلاد : إن معاوية ، لم يذكر أخبره ]. ابن خلاد هو الموجود في الطريق الثانية، وقوله: إن معاوية ، ولم يذكر أخبره، أي: أنه جعله من مسند ابن عباس .
شرح حديث: (قصرت عن النبي بمشقص ...) من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا الحسن بن علي و مخلد بن خالد و محمد بن يحيى المعنى، قالوا: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن معاوية رضي الله عنه قال له: (أما علمت أني قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمشقص أعرابي على المروة). زاد الحسن في حديثه: لحجته ]. أورد أبو داود حديث ابن عباس من طريق أخرى، وهو أيضاً من مسند معاوية ؛ لأنه قال: أما علمت أني فعلت كذا وكذا، وقال: زاد الحسن -وهو أحد الشيوخ الثلاثة لأبي داود ، وهو الحسن بن علي الحلواني - : في حجته، وهذه اللفظة التي فيها: لحجته، شاذة؛ لأن حجته لم يكن فيها تقصير على المروة، وإنما كان فيها حلق في منى، حلق عليه الصلاة والسلام شعره فأخذه الناس ووُزَّع عليهم، وأما المروة فلم يكن عندها تقصير في الحج، وإنما كان هذا في العمرة كما جاء في الصحيح أنه كان في عمرة، فهذه الزيادة التي جاءت من طريق الحسن في هذا الإسناد شاذة.
تراجم رجال إسناد حديث: (قصرت عن النبي بمشقص ...) من طريق ثانية
قوله: [ حدثنا الحسن بن علي ]. الحسن بن علي الحلواني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي . [ و مخلد بن خالد ]. مخلد بن خالد ثقة، أخرج له مسلم و أبو داود . [ و محمد بن يحيى ]. محمد بن يحيي الذهلي ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن. [ حدثنا عبد الرزاق ]. عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن معمر ]. معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن ابن طاوس ]. ابن طاوس هو عبد الله بن طاوس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن طاوس عن ابن عباس عن معاوية ]. طاوس وابن عباس ومعاوية مر ذكرهم.
شرح حديث: (أهل النبيّ صلى الله عليه وسلم بعمرة، وأهل أصحابه بحجّ)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا ابن معاذ أخبرنا أبي حدثنا شعبة عن مسلم القري أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول: (أهلّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعمرة، وأهلّ أصحابة بحج) ]. أورد أبو داود حديث ابن عباس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بعمرة، وأهل أصحابة بحج) ، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يهل بعمرة مفردة وهو التمتع المعروف، وإنما أهل بعمرة معها حج، وأهلّ بعض أصحابه بالحج مفرداًَ، فقد ساق النبي صلى الله عليه وسلم الهدي، والمعتمر إذا طاف وسعى يقصر، بل إن المعتمر إذا ساق الهدي وهو في وقت الحج فعليه أن يدخل الحج على العمرة؛ حتى يكون قارناً، ولا يذبح الهدي إلا يوم النحر إذا كان قد ساق معه الهدي. وقوله: (أهل أصحابة بحج) يعني: بعض أصحابه.
تراجم رجال إسناد حديث: (أهل النبي صلى الله عليه وسلم بعمرة وأهل أصحابه بحج)
قوله: [ حدثنا ابن معاذ ]. ابن معاذ هو عبيد الله بن معاذ العنبري ثقة، أخرج حديثه البخاري و مسلم و أبو داود و النسائي . [ أخبرني أبي ]. أبوه هو معاذ بن معاذ العنبري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ حدثنا شعبة ]. شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن مسلم القري ]. مسلم القري صدوق، أخرج له مسلم و أبو داود و النسائي . [ عن ابن عباس ]. ابن عباس مر ذكره.
شرح حديث: (تمتع رسول الله في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث حدثني أبي عن عقيل عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (تمتع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، فأهدى وساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالعمرة إلى الحج، وكان من الناس من أهدى وساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة قال للناس: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل له شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج وليهد، فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. وطاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قدم مكة فاستلم الركن أول شيء، ثم خب ثلاث أطواف من السبع، ومشى أربعه أطواف، ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلم، فانصرف فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر، وأفاض فطاف بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل الناس مثلما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من أهدى وساق الهدي من الناس) ]. أورد أبو داود حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، فأهدى، وساق معه الهدي من ذي الحليفة)، قوله: (تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج) أي: أنه قرن بين الحج والعمرة، وهذا التمتع هو التمتع اللغوي، وهو التمتع العام الذي يشمل القران، ويشمل التمتع المشهور الذي هو قسيم الإفراد والقران؛ وذلك لأن القران فيه تمتع من جهة أنه أدى نسكين في سفرة واحدة، فبدلاً من أن يسافر سفرتين: سفرة للعمرة وسفرة للحج فإنه يأتي بالنسكين في سفرة واحدة. قوله: (وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج) ، الذي جاء في الحديث أنه أهل بهما جميعاً، فقال: (لبيك عمرة وحجة)، ولم يأت بالعمرة أولاً ثم بعد ذلك أدخل الحج عليها ثانياً، وبعض أهل العلم يقول: إنه أتى بها أولاً وأتى بالحج ثانياً، لكن الذي جاء في الروايات الأخرى أنه جمع بينهما، وهو المقدم والثابت عنه صلى الله عليه وسلم، فأحرم وأهل بهما، وقال: (أتاني الليلة آت وقال لي: قل: عمرة في حجة)، وسمعه أنس يلبي ويقول: (لبيك عمرة وحجة) . قوله: (وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى وساق الهدي، ومنهم من لم يهد) أي: تمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا التمتع الذي حصل من الناس على ضربين: ضرب هو التمتع بالمعنى الخاص، وهم أصحابه الذين أحرموا بالعمرة ولم يهدوا، وضرب الذين أحرموا بالقران وحصل منهم الجمع بين النسكين، فإنه يقال له: تمتع . قوله: (فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل له شيء حرم منه حتى يقضي حجه) . أي: لا يحل له شيء حرم عليه بالإحرام حتى يقضي حجه. قوله: (ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصّر وليحلل، ثم ليهل بالحج وليُهدِ) أي: أن المتمتع يتحلل بعد فراغه من العمرة، ثم يحرم بالحج بعد ذلك في يوم التروية، ويكون عليه هدي. قوله: (فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله) إما أنه لم يجد هدياً يباع أصلاً، أو أنه وجده يباع بثمن لا يستطيعه، أو أنه لم يكن عنده نقود يشتري بها هدياً، فينتقل إلى أن يصوم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، ولو كان غنياً في بلده، فلا يقال: إنه إذا كان غنياً فإنه يؤخر، ثم يقضي بعد ذلك، وإنما عليه أن يفعل ذلك حيث لا يجد في نفس الوقت هدياً يذبحه، فينتقل إلى الصيام. وهذا الحديث فيه بيان لما أجمل في الآية: وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة:196]، فإنه هنا بين أن الرجوع هو إلى أهله، فالآية لم تبين هل الرجوع إلى الأهل أو الرجوع من الحج إلى مكة، فيصوم في الأيام التي تكون بعد الحج، فبيّن الحديث ذلك فقال: (وسبعة إذا رجع إلى أهله). قوله: (وطاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قدم مكة، فاستلم الركن أول شيء، ثم خب ثلاث أطواف من السبع، ومشى أربعة أطواف) أي: أن أول شيء بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم هو الطواف، وخب ثلاث أشواط، أي: أنه رملها، والرمل والخبب هو الإسراع مع مقاربة الخطا، فلا يركض ركضاً خارجاً عن المشي المعتاد، أي: أنه رمَل وأسرع إسراعاً خفيفاً من الحجر إلى الحجر، والرمل إنما حصل في عمرة القضية، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما قدم هو وأصحابه في عمرة القضاء سنة سبع، كان الكفار جالسين في الجهة التي وراء الحجر يتحدثون ويقولون: إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يسرعوا وأن يرملوا في الأشواط الثلاثة، وإذا كانوا بين الركنين -حيث تحجز الكعبة بينهم وبين الكفار الذين يتحدثون بهذا الحديث- أمرهم أن يمشوا؛ شفقة عليهم، ورفقاً بهم، ولما كان في حجة الوداع رمَل من الحجر إلى الحجر، وهذا الفعل فيه تذكير بما كان عليه المسلمون أولاً، وما كان من الكفار في من معاداة المسلمين وإيذائهم، وهذه سنة مستمرة، وهذه إحدى السنن التي تتعلق بالطواف، فأول ما يقدم الإنسان سواء كان معتمراً أو حاجاً فإنه يطوف طواف القدوم. والسُّنَّة الثانية: أن يضطبع، وذلك أن يجعل رداءه من الجهة اليمنى تحت إبطه، ويلف طرفه على كتفه الأيسر، ويكون ذلك في الأشواط السبعة كلها، أي: في الطواف الذي يكون عند الوصول إلى مكة أولاً، فإن كان معتمراً فهو طواف العمرة، وإن كان حاجاً متمتعاً أو قارناً أو مفرداً فطواف القدوم. ويكون الطواف من الحجر إلى الحجر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع رمل في الأشواط الثلاثة كلها، وأما في عمرة القضاء فلم يرمل بين الركنين، قال الراوي: (ولم يمنعهم من أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم) يعني: شفقة عليهم أمرهم أن يتركوا الرمل بين الركنين، وكان هذا من قبيل إظهار القوة للأعداء، وهو يدخل تحت قوله: (الحرب خدعة) . قوله: (ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ثم سلم) ، فيه دليل على صلاة ركعتين خلف المقام للطواف. قوله: (ثم سلم) أي: من الركعتين. وجاء في بعض الأحاديث أنه ذهب إلى الحجر واستلمه بعدما فرغ من الركعتين. قوله: (فانصرف فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف)، فيبدأ بالصفا، ويختم بالمروة. قوله: (ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر) ، أي: أنه بقي على إحرامه، فقد طاف وسعى وبقي على إحرامه، وأما الذين ما كان معهم هدي فقد قصروا وتحللوا وأحرموا في الحج يوم ثمانية. قوله: (وأفاض فطاف بالبيت) أي: أفاض يوم النحر، ثم طاف بالبيت دون سعي؛ لأنه قد سعى مع طواف القدوم. قوله: [ ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل الناس مثلما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أهدى وساق الهدي من الناس ] أي: أن من أهدى وساق الهدي من الناس فعل مثلما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، أي: أنهم بقوا على إحرامهم، والقارنون يفعلون كما فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين ساقوا الهدي يكون هذا شأنهم، ويفعلون مثلما فعل رسول الله، وهذا فيمن أهدى وساق الهدي من الناس، وأما الذين لم يكونوا كذلك بأن كانوا متمتعين وفسخوا الحج أو القران إلى العمرة، وكانوا متمتعين فإنهم قد حصل لهم أمور أخرى قبل ذلك، وهي أنهم تحللوا من العمرة، وأتوا كل ما يأتيه المحلون، وبعد ذلك دخلوا في الحج، وأتوا بأمور أخرى منها: السعي بالنسبة للمتمتعين، فإنهم سعوا مرة أخرى بين الصفا والمروة، ولكن الذي فعلوا كفعله هم الذين إحرامهم كإحرامه صلى الله عليه وسلم، وهو القران.
تراجم رجال إسناد حديث: (تمتع رسول الله في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج...)
قوله: [ حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث ]. عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد ثقة، أخرج له مسلم و أبو داود و النسائي . [ عن أبيه ]. أبوه ثقة، أخرج له مسلم و أبو داود و النسائي . [ عن عقيل ]. عقيل بن خالد بن عقيل المصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن ابن شهاب ]. ابن شهاب هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن سالم ]. سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن أبيه ]. عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
شرح حديث: ( إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر الهدي )
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن حفصة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنها قالت: (يا رسول الله! ما شأن الناس قد حلوا ولم تحلل أنت من عمرتك؟! فقال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر الهدي) ]. أورد أبو داود حديث حفصة أنها قالت: (ما بال الناس حلوا من عمرتهم وأنت لم تحلل من عمرتك؟!) أي: من عمرتهم المقرونة مع الحج، وكذلك الذين ليس معهم عمرة مقرونة مع الحج وهم المتمتعون، فالذين حلوا صنفان من الناس: الذين كانوا متمتعين أصلاً كأمهات المؤمنين، والذين كانوا قارنين ومفردين ولا هدي معهم، وقد أمروا أن يفسخوا إحرامهم إلى عمرة، وأن يكونوا متمتعين، فهؤلاء كلهم حلوا. قولها: (وأنت لم تحلل من عمرتك) أي: عمرتك المقرونة مع حجك، وليس المقصود أنه كان معتمراً فقط، بل كان قارناً، فقد جمع بين الحج والعمرة، كما أن بعض الناس كان عندهم عمرة مقرونة مع الحج وقد حلوا. قوله: (إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر الهدي) أي: يوم النحر.
تراجم رجال إسناد حديث: ( إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر الهدي )
قوله: [ حدثنا القعنبي ]. القعنبي هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة . [ عن مالك ]. مالك بن أنس إمام دار الهجرة، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [ عن نافع ]. نافع مولى ابن عمر وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن ابن عمر ]. هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وقد مر ذكره. [ عن حفصة ]. حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة."