شرح حديث: (لا صرورة في الإسلام)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا أبو خالد -يعني: سليمان بن حيان الأحمر - عن ابن جريج عن عمر بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا صرورة في الإسلام) ]. أورد أبو داود رحمه الله باب: لا صرورة في الإسلام، والصرورة فسرت بتفسيرين: الأول: أنه بمعنى التبتل وعدم التزوج، وهذا مثل ما عليه النصارى من الرهبانية، وقد جاء الإسلام بمنع ذلك كما جاء في قصة الثلاثة الذين قال أحدهم: أنا لا أتزوج النساء، وقال الثاني: أنا أصوم ولا أفطر، وقال الثالث: أنا أقوم الليل فلا أنام، فقال عليه الصلاة والسلام: (أما إني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني). والتفسير الثاني: أن المقصود بقوله: (لا صرورة في الإسلام) أي: لا يُترك الحج، فلا يقعد الإنسان عن الحج مع قدرته على الحج، وهذا هو وجه إيراده هنا في هذه الترجمة.
تراجم رجال إسناد حديث ( لا صرورة في الإسلام )
قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا أبو خالد ]. عثمان بن أبي شيبة مر ذكره، وأبو خالد هو سليمان بن حيان الأحمر ، المعروف بأبي خالد الأحمر وهو صدوق يخطئ، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن ابن جريج]. ابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن عمر بن عطاء ]. عمر بن عطاء هو عمر بن عطاء بن وراز بفتح الواو والراء الخفيفة وآخره زاي كما في التقريب، وهو ضعيف، أخرج له أبو داود و ابن ماجة . [ عكرمة ]. عكرمة مولى ابن عباس وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن ابن عباس ]. ابن عباس مر ذكره. وهناك من يقال له: عطاء بن عمر آخر، وهو ثقة، وقد صحح هذا الحديث الحاكم ووافقه الذهبي في (تلخيص المستدرك)، وقال الشيخ الألباني رحمه الله: لعلهم ظنوا أنه عمر بن أبي الخواء ، وهو ثقة، فصححوا حديث أبيه، وإنما هو ابن وراز ، وهذا من الأوهام في التصحيح والتضعيف، فأحياناً يحصل الاختلاف في التصحيح والتضعيف بناءً على تعيين الرجل: هل هو هذا أو ذاك، فقد يتفقان في الاسم واسم الأب، ويختلفان في اسم الجد، فربما جاء هذا الراوي الضعيف في الحديث فظن أنه ذلك الثقة، فيصحح الحديث أو العكس. والحديث ذكره الألباني في (السلسلة الضعيفة) برقم (685)، وقال: لعل الحاكم وتبعه الذهبي في تلخيص المستدرك ظنّا أنه الثقة، فصححوا الحديث، وإنما هو ابن وراز الذي هو ضعيف بالاتفاق. وهذا كما قلته من الأمور التي يحصل فيها الاختلاف في التصحيح والتضعيف، وذلك ناتج عن الاختلاف في تعيين راوٍ من الرواة هل هو هذا أو هذا، وأذكر أن الحافظ ابن حجر ذكر في ترجمة ياسين العجل من (تهذيب التهذيب) في حديث من الأحاديث التي وردت في المهدي، وأن بعض العلماء تكلم في هذا الحديث، فقال الحافظ ابن حجر في ترجمة ياسين العجل : وقد ظن بعض المتأخرين أن ياسين هذا هو ياسين بن حمزة الزيات ، فضعف الحديث بسببه، فلم يصنع شيئاً، وإنما هو ياسين العجل .
الأسئلة
حكم ترك الحج مع الاستطاعة
السؤال: ما حكم تارك الحج؟
الجواب: حكم ترك الحج فيه خلاف بين أهل العلم، وقد جاء في الزكاة: أن من تركها تهاوناً وكسلاً فإنه لا يكون كافراً، كما في حديث: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لم يؤد زكاتها إلا صفحت له يوم القيامة صفائح من النار، فيكوى بها جنبه وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار)، والكافر لا سبيل له إلى الجنة، فإذا كان هذا في الزكاة وهي أعظم أركان الإسلام بعد الصلاة، فيمكن أن يقال: إن تارك الحج يأثم ولا يكفر، ويكون كمن يترك الزكاة تهاوناً من غير جحود. وقد جاء في أثر عبد الله بن شقيق العقيلي : لم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون شيئاً تركه كفر غير الصلاة. لكن جاء أثر عن عمر وفيه كلام -أنه قال: من أدركه الحج وله سعة فلم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً. ووردت آثار أخرى من هذا القبيل، ولكن فيها كلام.
وجوب الحج على الفور
السؤال: هل الحج واجب على الفور أو على التراخي؟
الجواب: اختلف أهل العلم في ذلك، فجمهورهم على أنه على الفور، وقال بعض أهل العلم: إنه على التراخي، ومعلوم أن الأصل هو المبادرة، وأن الإنسان إذا أمر بشيء وكان متمكناً من فعله، فعليه أن يبادر، لذا فالقول بأنه على الفور هو الأوضح.
حكم العمرة
السؤال: ما حكم العمرة: هل هي واجبة أو لا؟
الجواب: اخُتلف في وجوبها، والصحيح أنها واجبة في العمر مرة واحدة، وقد جاء في بعض ألفاظ حديث جبريل. (أن تحج وتعتمر).
تعريف الحجّ
السؤال: ما تعريف الحج؟
الجواب: الحج لغة: القصد، وفي الاصطلاح: قصد البيت بأفعال مخصوصة، فالمعنى الشرعي جزء من جزئيات المعنى اللغوي هنا، فالمعنى اللغوي أوسع من المعنى الاصطلاحي. وأما في الشرع: فهو قصد مخصوص، أي: هو قصد البيت لأداء أعمال مخصوصة من طواف، وسعي، ووقوف بعرفة وغير ذلك، فهذا هو تعريفه في الشرع. والعمرة لغة: مطلق الزيارة، وفي الشرع: زيارة مخصوصة، أي: زيارة البيت للطواف والسعي والتقصير.
يجوز للمرأة المقيمة في مكة أن تحج وتذهب إلى المشاعر
السؤال: هل يجوز للمرأة المقيمة في مكة أن تحج وتذهب إلى المشاعر بلا محرم؟
الجواب: نعم، يجوز لها أن تحج؛ لأن هذا لا يقال له: سفر، فالذهاب إلى عرفات ليس سفراً، لكن تكون مع رفقة مأمونة.
حكم تحجيج الخادمات بلا محرم
السؤال: بالنسبة لمسألة الخادمات، يشترط في العقد أن على من أتى بخادمة أن يحججها، فكيف يحججها بدون محرم؟ وماذا يعمل؟
الجواب: إن حججها بدون محرم فهو آثم مثلها، وحجها صحيح. وإذا قيل بإلغاء الشرط فإن المستقدمين للخادمات يحبون أن يلغوا الشرط؛ حتى لا يتكلفوا التحجيج، وكثيراً ما يُسأل عن هذا. وعلى كل نقول: إن وفى بالشرط وحججها فحجها صحيح، وهما آثمان، وإن لم يحججها فإنه لم يف بالشرط، فالأسلم للإنسان إذا اضطر إلى أن يأتي بخادمة -مع توسع الناس في ذلك من غير أن يكون هناك ضرورة إليه- أن يأتي بمحرم معها.
حكم الحج بالدَّين
السؤال: هل يجوز الحج بالدين؟
الجواب: يجوز ذلك إذا كان للإنسان قدرة على السداد.
حكم حج المحرم مع من تريد الحج من نسائه
السؤال: امرأة مقيمة في جدة تريد أن تحج للفريضة، ولها ابن أخ، فهل يجب عليه أن يذهب معها كمحرم لها، وهل يأثم إذا أبى؟
الجواب: لا يجب عليه، ولا يأثم إذا لم يحج بها، ولكن الأولى له أن يحج معها، وإذا كانت قادرة دفعت له ما يلزمه، وإذا وافق على ذلك فهذا الذي ينبغي، وأما الوجوب فلا يجب عليه أن يحج بها.
حكم الذهاب إلى الحج بطريقة خفية إذا منعت الدولة من ذلك
السؤال: ما حكم الذهاب إلى الحج بطريق خفية إذا منعت الدولة من ذلك؟
الجواب: الدولة لا تمنع من الفريضة، ولكن لكثرة الناس ولكثرة الوافدين إلى هذه البلاد وكون الكثير من الناس يقول: إن البقاء في المملكة ليس بمستمر، فما دام أني موجود هنا فسأحج كل سنة، أو أتابع الحج، ويترتب على ذلك كثرة الزحام؛ عملت الحكومة شيئاً من التنظيم في هذا، ولا بأس بذلك، فعلى الإنسان أن يتقيد بذلك، ويحمد الله أنه قد حج، ويترك غيره يحج.
حكم طاعة الأم في طلاق الزوجة
السؤال: طلبت امرأة من ابنها أن يطلق زوجته، فهل عليه أن يفعل ذلك براً؟
الجواب: إذا كان الطلب لأمر وجيه وصحيح، وهناك مصلحة في طلاقها؛ طلقها، وأما إذا كانت الأم ليس عندها شيء يقتضي ذلك، وإنما هناك شيء في النفس، فلا ينبغي ذلك، فالتفريق بين الزوجين بلا أمر يقتضي ذلك لا ينبغي، ولكن عليه أن يسترضيها ويبقي زوجته، ويحاول أن يطيب خاطر أمه حتى يزول ما في نفسها.
التزوّد في الحج
شرح حديث (كان ناس من أهل اليمن يحجون ولا يتزودون...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: التزود في الحج. حدثنا أحمد بن الفرات - يعني: أبا مسعود الرازي - و محمد بن عبد الله المخرمي -وهذا لفظه- قالا: حدثنا شبابة عن ورقاء عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (كانوا يحجون ولا يتزودون، قال أبو مسعود : كان أهل اليمن، أو ناس من أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فأنزل الله سبحانه: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة:197]) ]. أورد أبو داود رحمه الله باب: التزود في الحج، أي أن الإنسان يأخذ معه من الزاد ما يحتاجه؛ حتى لا يكون عالة على الناس، وحتى لا يحتاج إلى سؤال الناس، فسؤال الناس جاءت أحاديث كثيرة في ذمه، فإذا كان الإنسان ليس لديه قدرة مادية فإنه لا يجب عليه الحج. وأورد أبو داود حديث ابن عباس قال: (كانوا يحجون ولا يتزودون) أي: في الجاهلية، (ويقولون: نحن المتوكلون) أي: أننا ذاهبون إلى الحج، فالله عز وجل لن يضيعنا، ثم يذهبون يسألون في الطريق وفي مكة، فهم إذاً المتواكلون وليسوا المتوكلين، فالتواكل ضد التوكل، ففيه كسل وخمول وعدم جد، فلا ينبغي أن يتصف الإنسان بهذا. قوله: (فأنزل الله عز وجل: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197]) أي: تزودوا في أسفاركم للحج ولغيره؛ حتى لا يكون الإنسان عالة على الناس، والحج يدخل في ذلك، بل هو الذي نزلت فيه الآية: فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197]. وقال بعض أهل العلم: وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان كما أنه في سفره في الدنيا يحتاج إلى الزاد، فكذلك في سفره إلى الآخرة فإنه يحتاج إلى زاد، وزاده في سفره إلى الآخرة هو تقوى الله عز وجل.
تراجم رجال إسناد حديث (كان ناس من أهل اليمن يحجون ولا يتزودون...)
قوله: [ حدثنا أحمد بن الفرات ]. أحمد بن الفرات أبو مسعود ، وهو ثقة أخرج له أبو داود . [ و محمد بن عبد الله المخرمي ]. محمد بن عبد الله بن المبارك وهو ثقة، أخرج له البخاري و أبو داود و النسائي . [ قال: وهذا لفظه ]. أي: لفظ المخرمي ، وهو الشيخ الثاني لأبي داود . [ حدثنا شبابة ]. شبابة بن سوار ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن ورقاء ]. ورقاء اليشكري ، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن عمرو بن دينار ]. عمرو بن دينار ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن عكرمة عن ابن عباس ]. عكرمة و ابن عباس مر ذكرهما.
التجارة في الحج
شرح حديث: (كانوا لا يتجرون بمنى فأمروا بالتجارة إذا أفاضوا من عرفات )
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب التجارة في الحج. حدثنا يوسف بن موسى حدثنا جرير عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قرأ هذه الآية: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:198] قال: كانوا لا يتجرون بمنى، فأمروا بالتجارة إذا أفاضوا من عرفات ]. أورد أبو داود باب التجارة في الحج، أي: البيع والشراء في الحج، والمقصود أنه لا بأس بذلك، كما جاءت بذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأورد أبو داود أثر ابن عباس (أنه قرأ: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:198] فقال: كانوا لا يتجرون بمنى) أي: في الحج. قوله: (فأمروا بالتجارة إذا أفاضوا من عرفات) أي: أُذن لهم بذلك في حجهم، فالاتجار جائز سواء كان قبل الحج أو بعده، ولا يكون هو المقصد والدافع للإنسان على الحج، ولا يكون شاغلاً له، لكن كونه يشتري الشيء فيذهب به إلى بلده كي يستفيد منه، أو يبيعه بسعر أكثر، فلا بأس بذلك.
تراجم رجال إسناد حديث ( كانوا لا يتجرون عني، فأمروا بالتجارة إذا أفاضوا من عرفات )
قوله: [ حدثنا يوسف بن موسى عن جرير عن يزيد بن أبي زياد ]. يزيد بن أبي زياد الهاشمي ، ضعيف، أخرج له البخاري تعليقاً و مسلم وأصحاب السنن. [ عن مجاهد ]. مجاهد هو ابن جبر المكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن ابن عباس ]. ابن عباس مر ذكره. وهذا الحديث له شواهد.
تعجيل الحج
شرح حديث ( من أراد الحج فليتعجل )
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: تعجيل الحج. حدثنا مسدد حدثنا أبو معاوية محمد بن خازم عن الأعمش عن الحسن بن عمرو عن مهران أبي صفوان عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من أراد الحج فليتعجل) ]. أورد أبو داود باب تعجيل الحج، أي: المبادرة إليه، وعدم تأخيره، ثم أورد أبو داود حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أراد الحج فليتعجل) أي: فليبادر إليه، ومعلوم أن الإرادة تكون للفرض وللتطوع، وتكون المبادرة للفرض على الفور كما سبق، وأما التطوع فالأفضل أن يبادر إلى فعله.
تراجم رجال إسناد حديث ( من أراد الحج فليتعجل )
قوله: [ حدثنا مسدد ]. مسدد بن مسرهد البصري ثقة، أخرج له البخاري و أبو داود و الترمذي و النسائي . [ حدثنا أبو معاوية محمد بن خازم ]. مر ذكره. [ عن الأعمش ]. مر ذكره. [ عن الحسن بن عمرو ]. الحسن بن عمرو ثقة أخرج له البخاري و أبو داود و النسائي و ابن ماجة . [ عن مهران أبي صفوان ]. مهران أبو صفوان مجهول، أخرج له أبو داود . [ عن ابن عباس ]. ابن عباس مر ذكره. هذا الحديث صححه الألباني ، وصححه أيضاً أحمد شاكر في تحقيق المسند، ولعل ذلك لشواهده.
ما جاء الكرى
شرح حديث ابن عمر في الكرى في الحج
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الكرى. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا العلاء بن المسيب حدثنا أبو أمامة التيمي قال: (كنت رجلاً أكري في هذا الوجه، وكان ناس يقولون لي: إنه ليس لك حج، فلقيت ابن عمر رضي الله عنهما، فقلت: يا أبا عبد الرحمن ! إني رجل أكري في هذا الوجه، وإن ناساً يقولون لي: إنه ليس لك حج، فقال ابن عمر : أليس تحرم، وتلبي، وتطوف بالبيت، وتفيض من عرفات، وترمي الجمار؟ قال: قلت: بلى، قال: فإن لك حجاً، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسأله عن مثل ما سألتني عنه، فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يجبه، حتى نزلت هذه الآية: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:198]، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقرأ عليه هذه الآية وقال: لك حج)]. أورد أبو داود هذه الترجمة وهي: باب الكرى، أي: أن يكري الإنسان راحلته أو سيارته في الذهاب إلى الحج، فيذهب مع سيارته أو مع دوابه، فيكريها على الناس ليحجوا عليها، ويأخذ الأجرة على ذلك، وهو حاج مع الناس. جاء رجل إلى ابن عمر رضي الله عنه فقال: (إني أكري في هذا الوجه) أي: في الحج، (وإن ناساً يقولون: إنه لا حج لك)؛ لأنه كان يذهب للكري (فقال: ألست تطوف وتسعى وتفيض من عرفات وتلبي؟ قال: نعم، قال: فإن لك حجاً، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له مثلما قلت لي، فقال له: النبي صلى الله عليه وسلم: لك حج)، فدل هذا أنه يجوز للإنسان أن يكري، وله أن يحج، وقد ذكرت الآية أنه يجوز للإنسان أن يحج، ومع ذلك يبتغي من فضل الله عز وجل.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في الكرى في الحج
قوله: [ حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد بن زياد ]. مسدد مر ذكره، وعبد الواحد بن زياد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ حدثنا العلاء بن المسيب ]. العلاء بن مسيب ثقة ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي . [ حدثنا أبو أمامة التيمي ]. أبو أمامة التيمي مقبول، أخرج له أبو داود . [ عن ابن عمر ]. ابن عمر مر ذكره. وهذا الحديث صححه الألباني مع أن فيه رجلاً مقبولاً، فلعل له شواهد.
شرح حديث: (أن الناس في أول الحج كانوا يتبايعون فخافوا البيع وهم حرم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن بشار حدثنا حماد بن مسعدة حدثنا ابن أبي ذئب عن عطاء بن أبي رباح عن عبيد بن عمير عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن الناس في أول الحج كانوا يتبايعون بمنى وعرفة وسوق ذي المجاز، ومواسم الحج، فخافوا البيع وهم حرم، فأنزل الله سبحانه لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:198]، في مواسم الحج، قال: فحدثني عبيد بن عمير أنه كان يقرؤها في المصحف ]. أورد أبو داود حديث ابن عباس أنهم كانوا يتبايعون في أول الحج، فكانوا يتبايعون بمنى وعرفة وسوق ذي المجاز. (فخافوا البيع وهم حرم) أي: وهم محرمون ومتلبسون بالحج. فأنزل الله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:198] أي: أن هذا الذي خفتموه لا بأس به، وفيه: في موسم الحج، وهذه من القراءات الشاذة التي لا يقرأ بها في الصلاة، وقوله: (كان يقرؤها في المصحف) لعلها كانت في بعض المصاحف، قيل: إنها بمعنى التفسير، وقد استدل بهذه الآية دون ذكر هذه الزيادة كما جاء في الرواية المتقدمة، وكما جاء في روايات أخرى.
تراجم رجال إسناد حديث (أن الناس في أول الحج كانوا يتبايعون فخافوا البيع وهم حرم..)
قوله: [ حدثنا محمد بن بشار ]. محمد بن بشار هو الملقب بندار ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة. [ حدثنا حماد بن مسعدة ]. حماد بن مسعدة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ حدثنا ابن أبي ذئب ]. ابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن أبي ذئب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن عطاء بن أبي رباح ]. عطاء بن أبي رباح المكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن عبيد بن عمير ]. عبيد بن عمير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن ابن عباس ]. ابن عباس مر ذكره.
شرح حديث: (أن الناس كانوا في أول الحج يتبايعون...) من طريق أخرى وتراجم رجالها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن أبي فديك أخبرني ابن أبي ذئب عن عبيد بن عمير -قال أحمد بن صالح كلاماً معناه: أنه مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن الناس في أول ما كان الحج، كانوا يبيعون، فذكر معناه إلى قوله: مواسم الحج ]. أورد أبو داود الأثر من طريق أخرى، وهو مثل ما تقدم. قوله: [ حدثنا أحمد بن صالح ]. أحمد بن صالح المصري ثقة، أخرج حديثه البخاري و أبو داود و الترمذي في (الشمائل). [ حدثنا ابن أبي فديك ]. ابن أبي فديك هو محمد بن إسماعيل بن مسلم، صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ أخبرني عن ابن أبي ذئب عن عبيد بن عمير ]. مر ذكرهما. [ عن ابن عباس ]. مر ذكره.
حج الصبي
شرح حديث: (ألهذا حج قال نعم ولك أجر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: في الصبي يحج. حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن عقبة عن كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالروحاء فلقي ركباً فسلم عليهم، قال: من القوم؟ فقالوا: المسلمون، فقالوا: فمن أنتم؟ قالوا: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ففزعت امرأة فأخذت بعضد صبي فأخرجته من محفتها، قالت: يا رسول الله! هل لهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر) ]. أورد أبو داود رحمه الله باب: حج الصبي، أي: أنه يحج به، وحجه لنفسه، ولمن حججه أجر، ولكن هذا الحج لا يغني عن حج الإسلام، بل هو تطوع جاء قبل الفرض، فإذا بلغ تعين عليه أن يأتي بحجة الإسلام. أورد أبو داود حديث ابن عباس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في الروحاء، فلقي قوماً فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: المسلمون، قالوا: ومن أنتم؟ قالوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي: ومن معه. (ففزعت امرأة) أي: لما علمت أن هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، (فرفعت صبياً من محفتها) قيل: إنها مثل الهودج، إلا أن الهودج يكون له سقف، وهذا ليس له سقف، (فقالت: ألهذا حج؟ فقال: نعم، ولك أجر)، فدل هذا على أن الصبي يحج به، وأن الذي يحججه يؤجر على ذلك، ولكن هذه الحجة لا تغني عن حجة الإسلام، ويعامل معاملة الكبير في الطواف والسعي والوقوف والذبح له إذا كان حج به متمتعاً أو قارناً.
تراجم رجال إسناد حديث: (ألهذا حج قال نعم ولك أجر)
قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل ]. أحمد بن حنبل مر ذكره. [ حدثنا سفيان بن عيينة ]. سفيان بن عيينة المكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن إبراهيم بن عقبة ]. إبراهيم بن عقبة ثقة، أخرج له مسلم و أبو داود و النسائي و ابن ماجة . [ عن كريب ]. كريب مولى ابن عباس . [عن ابن عباس]. قد مر ذكره."