زاد الداعية (4)
صلاح صبري الشرقاوي
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه؛ أما بعد:
فقد تقدم في الأجزاء الثلاثة الأولى بيان أهمية الدعوة، ثم بيان أن أول زاد الداعية تحقيق: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، ثم الحث على أن يكون الداعية؛ إما عالمًا أو متعلمًا، والآن يأتي الكلام على أعظم زادٍ للداعية؛ وهو بعنوان: لا خلاص إلا بالإخلاص.
لا بد للداعية من توحيد جهده في الدعوة إلى الله، والدلالة على الطريق الموصل إلى مرضاة ربه؛ فهو لا يدعو إلى نفسه، وتقديس الناس له، ولا يدعو إلى طائفة ينتمي إليها، ويحشد الناس حولها، فيكون سببًا في تفرق الأُمَّة وشرذمتها؛ وليتذكر دومًا: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ﴾ [يوسف: 108].
قال البقاعي في تفسير قول الله تعالى: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 114]: "وهذه الآية من أعظم الدلائل على أن المطلوب من أعمال الظاهر رعاية أحوال القلب في إخلاص النية، وتصفية الداعية عن الالتفات إلى غرض دنيوي، فإن كان رياء انقلبت، فصارت من أعظم المفاسد".
فاهتمام الداعية بقلبه ليس من نافلة القول، بل هو بيت القصيد؛ ولذا وردت الإشارة إليه في نصوص الوحيين كثيرة، فتارة تأتي للحث عليه؛ كقول ربنا: ﴿ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ [الأعراف: 29]، ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾ [الزمر: 2]، ﴿ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾ [غافر: 14]، ﴿ هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [غافر: 65]، وتارة تأتي لبيان ثمرة الإخلاص؛ كقول ربنا: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ [يوسف: 24]، ﴿ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ [الحجر: 39، 40]، وتارة تأتي لاعتزاز أهل الإخلاص به؛ كقول ربنا: ﴿ قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ﴾ [البقرة: 139].
وتارة لمدح أهله؛ كما في قول ربنا: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ﴾ [مريم: 51].
وتارة في التخويف من تركه؛ كما في الحديث الإلهي: ((أنا أغْنَى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ فيه مَعِي غيرِي، تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ))؛ [مسلم (2985)].
والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة، والمقصود هنا الإشارة فقط، وأما التفاصيل فيُرجع إليها في كتب التزكية، وخاصة "مدارج السالكين" و"طريق الهجرتين" لابن القيم رحمه الله.