عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 16-12-2024, 05:55 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,991
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الوكيل الكفيل جل جلاله



قَالَ: «الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ: التَّوَكُّلُ مَعَ مَعْرِفَةِ التَّوَكُّلِ النَّازِعَةِ إِلَى الخَلَاصِ مِنْ عِلَّةِ التَّوَكُّلِ، وَهِيَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مَلَكَةَ الحَقِّ تَعَالَى لِلأَشْيَاءِ هِيَ مَلَكَةُ عِزَّةٍ، لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا مُشَارِكٌ، فِيَكِلُ شِرْكَتَهُ إِِلَيْهِ، فَإِنَّ مِنْ ضَرُوَرَةِ العُبُودِيَّةِ أَنْ يَعْلَمَ العَبْدُ أَنَّ الحَقَّ سُبْحَانَهُ هُوَ مَالِكُ الأَشْيَاءِ وَحْدَهُ».

يُرِيدُ أَنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ مَتَى قَطَعَ الأسْبَابَ وَالطَّلَبَ، وَتَعَدَّى تَيْنِكَ الدَّرَجَتَيْنِ، فَتَوَكُّلُهُ فَوْقَ تَوَكُّلِ مَنْ قَبْلَهُ، وَهُوَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بحَقِيقَةِ التَّوَكُّلِ، وَأَنَّهُ دَونَ مَقَامِهِ، فَتَكُونُ مَعْرِفَتُهُ بِهِ وَبِحَقِيقَتِهِ نَازِعَةً - أَيْ بَاعِثَةٌ وَدَاعِيَةٌ - إلَى تَخَلُّصِهِ مِنْ عِلَّةِ التَّوَكُّلِ، أَيْ لَا يَعْرِفُ عِلَّةَ التَّوَكُّلِ حَتَّى يَعْرِفَ حَقِيقَتَهُ، فَحِينَئِذٍ يَعْرِفُ التَّوَكُّلَ المَعْرِفَةَ الَّتِي تَدْعُوهُ إِلَى التَّخَلُّصَ مِنْ عِلَّتِهِ.

ثُمَّ بَيَّنَ المَعْرِفَةَ الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا عِلَّةُ التَّوَكُّلِ، فَقَالَ: «أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مَلَكَةَ الحَقِّ لِلْأشْيَاءِ مَلَكَةُ عِزَّةٍ، أيْ: مَلَكَةُ امْتِنَاعٍ وَقُوَّةٍ وَقَهْرٍ، تَمْنَعُ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي مِلْكِهِ لِشَيْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ مُشَارِكٌ، فَهُوَ العَزِيزُ فِي مُلْكِهِ، الَّذِي لَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِي ذَرَّةٍ مِنْهُ، كَمَا هُوَ المُنْفَرِدُ بِعِزَّتِهِ الَّتِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا مُشَارِكٌ».

فَالمُتَوَكِّلُ يَرَى أَنَّ لَهُ شَيْئًا قَدْ وَكَّلَ الحَقَّ فِيهِ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ صَارَ وَكِيلَهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِحَقِيقَةِ الأَمْرِ؛ إِذْ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الأَمْرِ مَعَ الله شَيْءٌ، فَلِهَذَا قَالَ: «لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ مُشَارِكٌ»، فَيَكِل شِرْكَتَهُ إِلَيْهِ، فَلِسَانُ الحَالِ يَقُولُ: لِمَنْ جَعَلَ الرَّبَ تَعَالَى وَكِيلَهُ: فِيمَ وَكَّلَتَ رَبَّكَ؟ أَفِيمَا هُوَ لَهُ وَحْدَهُ؟ أَوْ لَكَ وَحْدَكَ؟ أَوْ بَيْنَكُمَا؟ فَالثَّانِي وَالثَّالِثُ مُمْتَنِعٌ بِتَفَرُّدِهِ بِالمُلْكِ وَحْدَهُ، وَالتَّوَكِيلُ فِي الأَوَّلِ مَمْتَنِعٌ، فَكَيْفَ تُوَكِّلُهُ فِيمَا لَيْسَ لَكَ مِنْهُ شَيءٌ أَلْبَتَّةَ؟

فَيْقَالُ: هَهُنَا أَمْرَانِ: تَوَكُّلٌ وَتَوْكِيلٌ؛ فَالتَوَكُّلُ: مَحْضُ الاعْتِمَادِ وَالثِّقَةِ، وَالسُّكُونِ إِلَى مَنْ لَهُ الأَمْرُ كُلُّهُ، وَعِلْمُ العَبْدِ بِتَفَرُّدِ الحَقِّ تَعَالَى وَحْدَهُ بِمُلْكِ الأَشْيَاءِ كُلِّهَا، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مُشَارِكٌ فِي ذَرَّةٍ مِنْ ذَرَّاتِ الكَوْنِ مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ تَوَكُّلِهِ، وَأَعْظَمِ دَوَاعِيهِ.

فَإِذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ عِلْمًا وَمَعْرِفَةً وَبَاشَرَ قَلْبهُ حَالًا لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنَ اعْتِمَادِ قَلْبِهِ عَلَى الحَقِّ وَحْدَهُ، وَثِقَتِهِ بِهِ، وِسُكُونِهِ إِلَيْهِ وَحْدَهُ وَطُمَأْنِيَنتِهِ بِهِ وَحْدَهُ، لِعِلْمِهِ أَنَّ حَاجَاتِهِ وَفَاقاتِهِ وَضَرُورَاتِهِ، وَجَمِيعَ مَصَالِحِهِ كُلِّهَا بِيَدِهِ وَحْدَهُ، لَا بِيَدِ غَيْرِهِ، فَأََيْنَ يَجِدُ قَلْبُهُ مَنَاصًا مِنَ التَّوَكُّلِ بَعْدَ هَذَا؟

فَعِلَّةُ التَّوَكُّلِ حِينَئِذٍ التِفَاتُ قَلْبِهِ إِلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ مُلْكِ الحَقِّ، وَلَا يَمْلُكُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَواتِ وَلَا فِي الأَرْضِ، هَذِهِ عَلَّةُ تَوَكُّلِهِ، فَهُوَ يَعْمَلُ عَلَى تَخْلِيصِ تَوَكُّلِهِ مِنْ هَذِهِ العِلَّةِ.

نَعَمْ، وَمَنْ عِلَّةٍ أُخْرَى: وَهِيَ رُؤْيَةُ تَوَكُّلِهِ؛ فَإِنَّهُ التِفَاتٌ إِلَى عَوَالِمِ نَفْسِهِ.
وَعِلَّةٌ ثَالِثَةٌ: وَهِيَ صَرْفُهُ قُوَّةَ تَوَكُّلِهِ إِلَى شَيْءٍ غَيْرُهِ أَحَبَّ إِلَى الله مِنْهُ.
فَهَذِهِ العِلَلُ الثَّلَاثَ: هِيَ عِلَلُ التَّوْكِيلِ.

وَأَمَّا التَّوَكُّلُ: فَلَيْسَ المُرَادُ مِنْهُ إِلَّا مُجَردَ التَّفْوِيضِ، وَهُوَ مِنْ أَخَصِّ مَقَامَاتِ العَارِفِينَ؛ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ» [44].

وَقَالَ تَعَالَى عَنْ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ: ﴿ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [غافر: 44]، فَكَانَ جَزَاءُ هَذَا التَّفْوِيضِ قَوْلَهُ: ﴿ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ﴾ [غافر: 45]، فَإِنْ كَانَ التَّوَكُّلُ مَعْلُولًا بِمَا ذَكَرَهُ، فَالتَفْوِيضُ أَيْضًا كَذَلِكَ، وَلَيْسَ فَلَيْسَ.

وَلَوْلَا أَنَّ الحَقَّ للهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنَّ كُلَّ مَا عَدَا الله وَرَسُولِهُ، فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَتْرُوكٌ، وَهُوَ عُرْضَةُ الوَهْمِ وَالخَطَأِ: لَمَا اعْتَرَضْنَا عَلَى مَنْ لَا نَلْحَقُ غَبَارَهُمْ، وَلَا نَجْرِي مَعَهُمْ فِي مِضْمَارهِمْ، وَنَرَاهُمْ فَوْقَنَا فِي مَقَامَاتِ الإيمَانِ، وَمَنَازِلِ السَّائِرِينَ، كَالنُجُومِ الدَّرَارِي، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَلْيُرْشِدْنَا إِلَيْهِ، وَمَنْ رَأَى فِي كَلَامِنَا زَيْغًا، أَوْ نَقْصًا وَخَطَأً، فَيَهْدِ إِلَيْنَا الصَّوَابَ، نَشْكُرْ لَهُ سَعْيَهُ، وَنُقُابِلْهُ بِالقَبُولِ وَالإِذْعَانِ والانْقِيَادِ وَالتَّسْلِيمِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَهُوَ المُوَفِّقُ [45].

التَّوَكُّلُ فِي القُرْآنِ وَالسُّنَةِ:
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة: 23]، وَقَالَ: ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [آل عمران: 122]، وَقَالَ: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ [الطلاق: 3].

وَقَالَ عَنْ أَوْلِيَائِهِ: ﴿ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ [الممتحنة: 4].

وَقَالَ لِرَسُولِهِ: ﴿ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الملك: 29]، وَقَالَ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾ [النمل: 79]، وَقَالَ لَهُ: ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ [النساء: 81]، وَقَالَ لَهُ: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ﴾ [الفرقان: 58]، وَقَالَ لَهُ: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159].

وَقَالَ عَنْ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ: ﴿ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ [إبراهيم: 12].

وَقَالَ عَنْ أَصْحَابِ نَبِيِّهِ: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [آل عمران: 173]، وَقَالَ: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الأنفال: 2]، والقرآن مملوء من ذلك.

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيثِ السَّبْعِينَ أَلْفًا الذِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، «هُمْ الذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»[46].

وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ: قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ صلى الله عليه وسلم حِينَ أَُلقِي فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم حِينَ قَالُوا لَهُ: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [آل عمران: 173]» [47].

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلَتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِيَ، أَنْتَ الحَيُّ الذِي لَا يَمُوتُ، وَالجِنُّ وَالإنْسُ يَمُوتُونَ» [48].

وَفِي التِّرْمِذِي عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه مَرْفُوعًا: «لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونْ عَلَى الله حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَيْرَ، تَغُدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» [49].

وَفِي السُّنَنِ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ -يَعْنِي إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ - بِاسْمِ الله، تَوَكَّلْتُ عَلَى الله. وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله، يُقَالُ لَهُ: هُدِيتَ وَوُقِيتَ وَكُفِيتَ. فَيَقُولُ الشَّيْطَانُ لِشَيْطَانٍ آخَرَ: كَيْفَ لَكَ بِرَجَلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟» [50].

التَّوَكُّلُ نْصِفُ الدِّينِ، وَالنِّصفُ الثَّانِي الإِنَابَةُ؛ فَإِنَّ الدِّينَ اسْتِعَانَة وَعِبَادَةٌ، فَالتَّوَكُّلُ هُوَ الاسْتِعَانَةُ، وَالإِنَابِةُ هِيَ العِبَادةُ.

وَمَنْزِلَتُهُ أَوْسَعُ المَنَازِلِ وَأَجْمَعُهَا، وَلَا تَزَالُ مَعْمُوَرةً بِالنَّازِلِينَ، لِسِعَةِ مُتَعَلَّقِ التَّوَكُّلِ، وَكَثْرَةِ حَوَائِجِ العَالَمِينَ، وَعَمُومِ التَّوَكُّلِ، وَوُقُوعِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالكُفَّارِ، وَالأبْرَارِ وَالفُجَّارِ وَالطَّيْرِ وَالوَحْشِ وَالبَهَائِمِ، فَأَهْلُ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ - المُكَلَّفُونَ وَغَيْرُهُمْ - فِي مَقَامِ التَّوَكُّلِ، وَإِنْ تَبَايَنَ مُتَعَلَّقُ تَوَكُّلِهِم، فَأَوْلِيَاؤُهُ وَخَاصَّتُهُ يَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ فِي الإِيمَانِ، وَنُصْرَةِ دِينِهِ، وإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ، وَجِهَادِ أَعْدَائِهِ، وَفِي مَحَابِّهِ وَتَنْفِيذِ أَوَامِرِهِ.

وَدُونَ هَؤُلَاءِ مَنْ يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ فِي اسْتِقَامَتِهِ فِي نَفْسِهِ، وَحِفْظِ حَالِهِ مَعَ الله، فَارِغًا عَنِ النَّاسِ. وَدُونَ هَؤُلاءِ مَنْ يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ فِي مَعْلُومٍ يَنَالُهُ مِنْهُ، مِنْ رِزْقٍ أَوْ عَافِيَةٍ، أوْ نَصْرٍ عَلَى عَدُوٍّ، أَوْ زَوْجَةٍ أَوْ وَلَدٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَدُونَ هَؤُلَاءِ مَنْ يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ فِي حُصُولِ الإِثِمِ وَالفَوَاحِشِ، فَإِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ المَطَالِبِ لَا يَنَالُونَهَا غَالِبًا إِلَّا بِاسْتِعَانَتِهِمْ بِالله، وَتَوَكُّلِهِم عَلَيْهِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ تَوَكُّلُهَمْ أَقْوَى مِنْ تَوَكَّلِ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ الطَّاعَاتِ، وَلِهَذَا يُلْقُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي المَتَالِفِ وَالمَهَالِكِ، مُعْتَمِدِينَ عَلَى الله أَنْ يُسَلِّمَهُمْ، وَيُظَفِّرَهُمْ بِمَطَالِبِهِمْ.

فَأفْضَلُ التَّوَكُّلِ: التَّوَكُّلُ فِي الوَاجِبِ - أَعْنِي وَاجِبَ الحَقِّ، وَوَاجِبَ الخَلْقِ، وَوَاجِبَ النَّفْسِ - وَأَوْسَعُهُ وَأَنْفَعُهُ: التَّوَكُّلُ فِي التَأْثِيرِ فِي الخَارِجِ فِي مَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ. أَوْ فِي دَفْعِ مَفْسَدَةٍ دِينِيَّةٍ، وَهُوَ تَوَكُّلُ الأَنْبِيَاءِ فِي إِقَامَةِ دِينِ الله، وَدَفْعِ فَسَادِ المُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ، وَهَذَا تَوَكُّلُ وَرَثَتِهِم، ثُمَّ النَّاسُ بَعْدُ فِي التَّوَكُّلِ عَلَى حَسْبِ هِمَمِهِمْ وَمَقَاصِدِهِمْ، فَمِنْ مُتَوَكِّلٍ عَلَى الله فِي حُصُولِ المُلْكِ، وَمِنْ مُتَوَكِّلٍ فِي حُصُولِ رَغِيفٍ.

وَمَنَ صَدَقَ تَوَكُّلَهُ عَلَى الله فِي حُصُولِ شَيءٍ نَالَهُ. فَإِنْ كَانَ مَحْبُوبًا لَهُ مُرْضِيًا كَانَتْ لَهُ فِيهِ العَاقِبَةُ المَحْمُودَةُ، وَإِنْ كَانَ مَسْخُوطًا مَبْغُوضًا كَانَ مَا حَصَلَ لَهُ بِتَوَكُّلِهِ مَضَرَّةً عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا حَصُلَتْ لَهُ مَصْلَحَةُ التَّوَكُّلِ دُونَ مَصْلَحَةِ مَا تَوَكَّلَ فِيهِ، إِنْ لَمْ يَسْتَعِنْ بِهِ عَلَى طَاعَاتِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

مَعْنَى التَّوَكُّلِ وَدَرَجَاتُهُ:
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: «التَّوَكُّلُ عَمَلُ القَلْبِ»، وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهُ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ، لَيْسَ بِقَوْلِ اللِّسَانِ، وَلَا عَمَلِ الجَوَارِحِ، وَلَا هُوَ مِنْ بَابِ العُلُومِ والإِدْرَاكَاتِ.

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُهُ مِنْ بَابِ المَعَارِفِ وَالعُلُومِ؛ فَيَقُولُ: «هُوَ عِلْمُ القَلْبِ بِكِفَايَةِ الرَّبِّ لِلْعَبْدِ».

وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَسِّرُهُ بِالسُّكُونِ، وُخُمُودِ حَرَكَةِ القَلْبِ؛ فَيقُولُ: «التَّوَكُّلُ هُوَ انْطِرَاحُ القَلْبِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ، كَانْطِرَاحِ المَيِّتِ بَيْنَ يَدَيِ الغَاسِلِ يُقَلِّبُهُ كَيْفَ يَشَاءُ، وَهُوَ تَرْكُ الاخْتِيارِ، وَالاسْتِرْسَالُ مَعَ مَجَارِي الأَقْدَارِ».

قَالَ سَهْلٌ: «التَّوَكُّلُ الاسْتِرْسَالُ مَعَ الله مَعَ مَا يُرِيدُ».

وَمِنْهُم مَنْ يُفَسِّرُهُ بِالرِّضَا؛ فَيَقُولُ: «هُوَ الرِّضَا بِالمَقْدُورِ».

قَالَ بِشْرٌ الحَافِي: «يَقُولُ أَحَدُهُمْ: تَوَكَّلْتُ عَلَى الله، يَكْذِبُ عَلَى الله، لَوْ تَوَكَّلَ عَلَى الله، رَضِيَ بِمَا يَفْعَلُ اللهُ».

وَسُئِلَ يَحْيَى بنُ مُعَاذٍ: مَتَى يَكُونُ الرَّجُلُ مَتَوَكِّلًا؟ فَقَالَ: «إِذَا رَضِيَ بِالله وَكِيلًا».

وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَسِّرُهُ بِالثَّقَةِ بِالله، وَالطُّمَأنِينَةِ إِلَيْهِ، وَالسُّكُونِ إِلَيْهِ.

قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: «التَّوَكُّلُ أَلَّا يَظْهَرَ فِيكَ انْزِعَاجٌ إِلَى الأَسْبَابِ مَعَ شِدَّةِ فَاقَتِكَ إِلَيْهَا، وَلَا تَزُولُ عَنْ حَقِيقَةِ السُّكُونِ إِلَى الحَقِّ مَعَ وُقُوفِكَ عَلَيْهَا».

قَالَ ذُو النُّونِ: «هُوَ تَرْكُ تَدْبِيرِ النَّفْسِ، وَالانْخِلَاعُ مِنَ الحَوْلِ وَالقُوَّةِ، وَإِنَّمَا يَقْوَى العَبْدُ عَلَى التَّوَكُّلِ إِذَا عَلِمَ أَنَّ الحَقَّ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُ وَيَرَى مَا هُوَ فِيهِ».

وَقَالَ بَعْضُهُم: «التَّوَكُّلُ التَّعَلُّقُ بِالله فِي كُلِّ حَالٍ».

وَقِيلَ: «التَّوَكُّلُ أَنْ تَرِدَ عَليْكَ مَوَارِدُ الفَاقَاتِ فَلَا تَسْمُو إِلَّا إِلَى مَنْ إِليهِ الكِفَايَاتُ».

وَقِيلَ: «نَفْيُ الشُّكُوكِ وَالتَفْوِيضُ إِلَى مَالِكَ المُلُوكِ».

وَقَالَ ذُو النُّونِ: «خَلْعُ الأَرْبَابِ وَقَطْعُ الأَسْبَابِ»، يُرِيدُ قَطْعَهَا مِنْ تَعَلُّقِ القَلْبِ بِهَا، لَا مِنْ مُلَابَسَةِ الجَوَارِحِ لَهَا.

وَمِنْهُمِ مَنْ جَعَلَهُ مُرَكَّبًا مِنْ أَمْرَيْنِ أَوْ أُمُورٍ؛ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخَرَّازُ: «التَّوكُّلُ اضْطِرَابٌ بِلَا سُكُونٍ، وَسُكُونٌ بِلَا اضْطِرَابٍ»، يُرِيدُ: حَرَكَةَ ذَاتِهِ فِي الأَسْبَابِ بِالظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ، وَسُكُونًا إِلَى المُسَبِّبِ، ورُكُونًا إِلَيهِ، وَلَا يَضطَرِبُ قَلْبُهُ مَعَهُ. وَلَا تَسْكُنُ حَرَكَتُهُ عَنْ الأَسْبَابِ المُوَصِّلَّةِ إِلَى رِضَاهُ.

وَقَالَ أَبُو تُرَابٍ النَّخْشَبِيُّ: «هُوَ طَرْحُ البَدَنِ فِي العُبُودِيَّةِ، وَتَعَلُّقُ القَلْبِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَالطَّمَأْنِينَةُ إِلَى الكِفَايَةِ؛ فَإِنْ أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِنْ مُنِعَ صَبَرَ»، فَجَعَلَهُ مُرَكَّبًا مِنْ خَمْسَةِ أُمُورٍ: القِيَامِ بِحَرَكَاتِ العُبُودِيَّةِ، وَتَعَلُّقِ القلْبِ بِتَدْبِيرِ الرَّبِّ، وَسُكُونِهِ إِلَى قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، وَطُمَأْنِينَتِهِ وَكِفَايَتِهِ لَهُ، وَشُكْرِهِ إِذَا أُعْطِيَ، وَصَبْرِهِ إِذَا مُنِعَ.

قَالَ أَبُو يَعْقُوبٍ النَّهْرَجُورِيُّ: «التَّوَكُّلُ عَلَى الله بِكَمَالِ الحَقِيقَيةِ، كَمَا وَقَعَ لإِبْرَاهِيمَ الخَلِيلِ؛ فِي الوَقْتِ الذِي قَالَ لجِبْرِيلَ؛: «أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا»؛ لأَنَّهُ غَائِبٌ عَنْ نَفْسِهِ بِالله، فَلَمْ يَرَ مَعَ الله غَيرَ الله.

وَأَجْمَعَ القَوْمُ عَلَى أَنَّ التَّوَكُّلَ لَا يُنَافِي القِيَامَ بِالأَسْبَابِ، فَلَا يِصِحُّ التَّوَكُّلُ إِلَّا مَعَ القِيَامِ بِهَا وَإِلَّا فَهُوَ بَطَالَةٌ وَتَوَكُّلٌ فَاسِدٌ.

قَالَ سَهْلٌ بْنُ عَبْدِ الله: «مَنْ طَعَنَ فِي الحَرَكَةِ فَقَدْ طَعَنَ فِي السُّنَّةِ، وَمَنْ طَعَنَ فِي التَّوَكُّلِ فَقَدْ طَعَنَ فِي الإِيمَانِ».

فَالتَّوَكُّلُ حَالُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالكَسْبُ سُنَّتُهُ، فَمَنْ عَمَلَ عَلَى حَالِهِ فَلَا يَتْرُكَنَّ سُنَّتَهُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ هُوَ اضْطِرَابٌ بِلَا سُكُونٍ، وَسُكُونٌ بِلَا اضْطِرَابٍ وَقَوْلُ سَهْلٍ أَبْيَنُ وَأَرْفَعُ.

وَقِيلَ: «التَّوَكُّلُ قَطْعُ عَلَائِقِ القَلْبِ بِغَيْرِ الله».

وَسُئِلَ سَهْلٌ عَنِ التَّوَكُّلِ؛ فَقَالَ: «قَلْبٌ عَاشَ مَعَ الله بِلَا عَلَاقَةٍ».

وَقِيلَ: «التَّوَكُّلُ هَجْرُ العَلَائِقِ، وَمُوَاصَلَةُ الحَقَائِقِ».

وَقِيلَ: «التَّوَكُّلُ أَنْ يَسْتَوِيَ عِنْدَكَ الإِكْثَارُ وَالإِقْلَالُ»؛ وَهَذَا مِنْ مُوجِبَاتِهِ وَآثَارِهِ، لأَنَّهُ حَقِيقَتُهُ.

وَقِيلَ: «هُوَ تَرْكُ كُلِّ سَبَبٍ يُوصِلُكَ إِلَى مُسَبَّبٍ، حَتَّى يَكُونَ الحَقُّ هُوَ المُتَوَلِّي لِذَلِكَ»، وَهَذَا صَحِيحٌ مِنْ وَجْهٍ، بَاطِلٌ مِنْ وَجْهٍ؛ فَتَركُ الأَسْبَابِ المَأَمُورِ بِهَا قَادِحٌ فِي التَّوَكُّلِ، وَقَدْ تَوَلَّى الحَقُّ إِيصَالَ العَبْدِ بِهَا، وَأَمَّا تَرْكُ الأسْبَابِ المُبَاحَةِ فَإِنَّ تَرْكَهَا لِمَا هُوَ أَرْجَحُ مِنْهَا مَصْلَحَةً فَمَمْدُوحٌ، وَإِلَّا فَهُوَ مَذْمُومٌ.

وَقِيلَ: «هُوَ إِلْقَاءُ النَّفْسِ فِي العُبُودِيَّةِ، وَإِخْرَاجُهَا مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ»، يُرِيدُ اسْتِرْسَالَهَا مَعَ الأَمْرِ، وَبَرَاءَتَهَا مِنْ حَوْلِهَا وَقُوَّتِهَا، وَشُهُودَ ذَلِكَ بِهَا، بَلْ بِالرَّبِّ وَحْدَهُ.

وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: «التَّوَكُّلُ هُوَ التَّسْلِيمُ لأَمْرِ الرَّبِّ وَقَضَائِهِ».

وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: «هُوَ التَّفْوِيضُ إِليْهِ فِي كُلِّ حَالٍ».

وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ التَّوَكُّلَ بِدَايَةً، وَالتَّسْلِيمَ وَاسِطَةً، وَالتَّفْوِيضَ نِهَايَةً؛ قَالَ أَبُو عَليٍّ الدَّقَّاقُ: «التَّوَكُّلُ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ: التَّوَكُّلُ، ثُمَّ التَّسْلِيمُ، ثُمَّ التَّفْوِيضُ؛ فَالمُتَوَكِّلُ يَسْكُنُ إِلَى وَعْدِهِ، وَصَاحِبُ التَّسْلِيمِ يَكْتَفِي بِعِلْمِهِ، وَصَاحِبُ التَّفْوِيضِ يَرْضَى بِحُكْمِهِ، فَالتَّوَكُّلُ بِدَايَةٌ، وَالتَّسْلِيمُ وَاسِطَةٌ، وَالتَّفْوِيضُ نِهَايَةٌ، فَالتَّوَكُّلُ صِفَةُ المُؤْمِنِينَ، وَالتَّسْلِيمُ صِفَةُ الأَوْلِيَاءِ، وَالتَّفْوِيضُ صِفَةُ المُوَحِّدِينَ، التَّوَكُّلُ صِفَةُ العَوَامِ، وَالتَّسْلِيمُ صِفَةُ الخَوَاصِّ، وَالتَّفْوِيضُ صِفَةُ خَاصَّةِ الخَاصَّةِ، التَّوَكُّلُ صِفَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَالتَّسْلِيمُ صِفَةُ إِبْرَاهِيمَ الخَلِيلِ، وَالتَّفْوِيضُ صِفَةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ»، هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ الدَّقَّاقِ.

وَمَعْنَى هَذَا التَّوَكُّلِ: اعْتِمَادٌ عَلَى الوَكِيلِ، وَقَدْ يَعْتَمَدُ الرَّجُلُ عَلَى وَكِيلِهِ مَعَ نَوْعِ اقْتِرَاحٍ عَلَيْهِ، وَإِرَادَةٍ وَشَائِبَةِ مُنَازَعَةٍ، فَإِذَا سَلمَ إِلَيهِ زَالَ عَنْهُ ذَلِكَ، وَرَضيَ بِمَا يَفْعَلُهُ وَكِيْلُهُ، وَحَالُ المُفَوِّضِ فَوْقَ هَذَا فَإِنَّهُ طَالبٌ مُرِيدٌ مِمَّنْ فَوَّضَ إِلَيهِ، مُلْتَمِسٌ مِنْهُ أَنْ يَتَوَلَّىِ أُمُورَهُ، فَهُوَ رِضًا وَاخْتِيَارٌ، وَتَسْلِيمٌ وَاعْتِمَادٌ فَالتّوَكُّلُ يَنْدَرِجُ فِي التَّسْلِيمِ، وَهُوَ وَالتَّسْلِيمُ يَنْدَرِجَانِ فِي التَّفْويضِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

وَحَقِيقَةُ الأَمْرِ: أَنَّ التَّوكُّلَ حَالٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ مَجْمُوعِ أُمُورٍ، لَا تَتِمُّ حِقَيقَةُ التَّوَكُّلِ إِلَّا بِهَا، وَكُلٌّ أَشَارَ إِلَى وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأُمُورِ، أَوِ اثْنَينِ أوْ أَكْثرَ.

فَأَوَّلُ ذَلِكَ مَعْرِفَةٌ بِالرَّبِّ وَصِفَاتِهِ؛ مِنْ قُدْرَتِهِ، وَكِفَايَتِهِ، وَقَيُّومِيَّتِهِ، وانْتِهَاءِ الأُمُورِ إِلَى عِلْمِهِ، وَصُدُورِهَا عَنْ مَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. وَهَذِهِ المَعْرِفَةُ أَوَّلُ دَرَجَةٍ يَضَعُ بِهَا العَبْدُ قَدَمَه فِي مَقَامِ التَّوَكُّلِ.

قَالَ شَيْخُنَا رضي الله عنه: «وَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ التَّوَكُّلُ وَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْ فَيْلَسْوفٍ، وَلَا مِنَ القَدَرِيَّةِ النُّفَاةِ القَائِلينَ بِأنَّهُ يِكُونُ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يَشَاءُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ أَيْضًا مِنَ الجَهْمِيَّةِ النُّفَاةِ لِصِفَاتِ الرَّبِ عز وجل وَلَا يِسْتَقِيمُ التَّوَكُّلُ إِلَّا مِنْ أَهْلِ الإثْبَاتِ».

فَأَيُّ تَوَكُّلٍ لِمَنْ يَعْتقِدُ أَنَّ اللهَ لَا يَعْلَمُ جُزَيْئَاتِ العَالَمِ سُفْلِيِّهِ وَعُلْوِيِّهِ؟ وَلَا هُوَ فَاعِلٌ بِاخْتِيارِهِ؟ وَلَا لَهُ إِرَادَةٌ وَمَشِيَئِةٌ، وَلَا يَقُومُ بِهِ صِفَةٌ؟ فَكُلُّ مَنْ كَانَ بِالله وَصِفَاتِهِ أَعْلَمَ وَأَعْرَفَ كَانَ تَوَكُّلُهُ أَصَحَّ وَأَقْوَى، وَاللهُ أَعْلَمُ.

الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: إِثْبَاتٌ فِي الأسْبَابِ والمُسَبِّبَاتِ.

فَإِنَّ مَنْ نَفَاهَا فَتَوَكُّلهُ مَدْخُولٌ، وَهَذَا عَكْسُ مَا يَظْهَرُ فِي بَدَوَاتِ الرَّأْيِ: أَنَّ إِثْبَاتَ الأسْبَابِ يَقْدَحُ فِي التَّوَكُّلِ، وَأنَّ نَفْيَهَا تَمَامُ التَّوَكُّلِ.

فَاعْلَمْ أَنَّ نُفَاةَ الأسْبَابِ لَا يَسْتَقِيمُ لَهُمْ تَوَكُّلٌ البَتَّةَ؛ لأَنَّ التَّوَكُّلَ مِنْ أَقْوَى الأَسْبَابِ فِي حُصُولِ المُتَوَكَّلِ فِيهِ، فَهُوَ كَالدُعَاءِ الذِي جَعَلَهُ اللهُ سَبَبًا فِي حُصُولِ المَدْعُوِّ بِهِ، فَإِذَا اعْتَقَدَ العَبْدُ أَنَّ تَوَكُّلهُ لَمْ يَنْصِبْهُ اللهُ سَبَبًا، وَلَا جَعَلَ دُعَاءَهُ سَبَبًا لِنَيْلِ شَيْءٍ؛ فَإِنَّ المُتَوَكَّلَ فِيهِ المَدْعُوَّ بِحُصُولِهِ إِنْ كَانَ قَدْ قُدِّرَ حَصَلَ، تَوَكَّلَ أَوْ لَمْ يَتَوَكَّلْ، دَعا أَوْ لَمْ يَدْعُ، وَإِنْ لَمْ يُقَدَّرْ لَمْ يَحْصُلْ تَوَكُّلٌ أَيْضًا أَوْ تَرَكَ التَّوَكُّلَ.

وَصَرَّحَ هَؤُلاءِ أَنَّ التَّوَكُّلَ وَالدُّعَاءَ عُبُودِيَّةٌ مَحْضَةٌ، لَا فَائِدَةَ لَهُمَا إِلَّا ذَلِكَ، وَلَوْ تَرَكَ العَبْدُ التَّوَكُّلَ وَالدُّعَاءَ مَا فَاتَهُ شَيءٌ مِمَّا قُدِّرَ لَهُ، وَمِنْ غُلَاتِهِم مَنْ يَجْعَلُ الدُّعَاءَ بِعَدَمِ المُؤَاخَذَةِ عَلَى الخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ عَدِيمَ الفَائِدَةِ، إِذْ هُوَ مَضْمُونُ الحُصُولِ.

وَرَأَيْتُ بَعْضَ مُتَعَمِّقِي هَؤُلَاءِ - فِي كَتَابٍ لَهُ - لَا يُجَوِّزُ الدُّعَاءَ بِهَذَا، وَإِنَّمَا يُجَوِّزُهُ تِلَاوَةً لَا دُعَاءً، قَالَ: «لِأَنَّ الدُّعَاءَ بِهِ يَتَضَمَّنُ الشَّكَّ فِي وُقُوعِهِ؛ لأَنَّ الدَّاعِيَ بَيْنَ الخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَالشَّكُّ فِي وُقُوعِ ذَلِكَ شَكٌّ فِي خَبَرِ الله، فَانْظُرْ إِلَى مَا قَادَ إِنْكَارُ الأَسْبَابِ مِنْ العَظَائِمِ، وَتَحْرِيمِ الدُّعَاءِ بِمَا أَثْنَى اللهُ عَلَى عِبَادِهِ وَأَوْلِيَائِهِ بِالدُّعَاءِ بِهِ وَبِطَلَبِهِ، وَلَمْ يَزَلْ المُسْلِمُونَ - مِنْ عَهْدِ نَبِيِّهِمْ صلى الله عليه وسلم وَإِلَى الآنَ - يَدْعُونَ بِهِ فِي مَقَامَاتِ الدُّعَاءِ، وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الدَّعَوَاتِ».

وَجَوَابُ هَذَا الوَهْمِ البَاطِلِ أَنْ يُقَالَ: بَقِيَ قِسْمٌ ثَالِثٌ غَيْرُ مَا ذَكَرْتُم مِنَ القِسْمَيْنِ لَمْ تَذْكُرُوهُ، وَهُوَ الوَاقِعُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ قَضَى بِحُصُولِ الشَّيءِ عِنْدَ حُصُولِ سَبَبِهِ مِنَ التَّوَكُّلِ وَالدُّعَاءِ، فَنَصَبَ الدُّعَاءَ وَالتَّوَكُّلَ سَبَبَينِ لحُصُولِ المَطْلُوبِ.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.38 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.76 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.77%)]